صراع الأجنحة الحوثية يعطل «التغييرات الجذرية» المزعومة

تنافس شديد على المناصب... ونذر تصفيات بينية

أحالت هيئة مكافحة الفساد الحوثية أخيراً 26 شخصاً متهمين بالفساد إلى القضاء (إعلام حوثي)
أحالت هيئة مكافحة الفساد الحوثية أخيراً 26 شخصاً متهمين بالفساد إلى القضاء (إعلام حوثي)
TT

صراع الأجنحة الحوثية يعطل «التغييرات الجذرية» المزعومة

أحالت هيئة مكافحة الفساد الحوثية أخيراً 26 شخصاً متهمين بالفساد إلى القضاء (إعلام حوثي)
أحالت هيئة مكافحة الفساد الحوثية أخيراً 26 شخصاً متهمين بالفساد إلى القضاء (إعلام حوثي)

بينما يتنافس قادة حوثيون من أجل الحصول على مناصب في الحكومة التي تزمع الجماعة تشكيلها في إطار «التغييرات الجذرية» المزعومة، بدأ قادة آخرون اتخاذ احتياطاتهم لتأمين أنفسهم وعائلاتهم؛ تحسباً لأي إجراءات قد تطالهم سواء بالاغتيالات أو الاختطاف أو الإحالة إلى المحاكم.

وذكرت مصادر مطلعة في صنعاء أن عدداً كبيراً من القيادات الوسطية والميدانية تراجعت عن المطالبة باستحقاقاتها من المناصب والنفوذ، بعد أن ظهرت بوادر جديدة لتصاعد الصراع بين مختلف الأجنحة والقيادات، خصوصاً بعد إعلان زعيم الجماعة الحوثية في سبتمبر (أيلول) الماضي «التغييرات الجذرية»، وبدأت بإقالة الحكومة غير المعترف بها، وتكليفها بـ«تصريف الأعمال».

يطالب القادة الميدانيون في الجماعة الحوثية باستحقاقاتهم من النفوذ بعد توقف الجبهات (إعلام حوثي)

وذكرت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الصراع على المناصب والنفوذ، في إطار المساعي إلى تشكيل حكومة جديدة، انحصر بين قيادات الأجنحة التي تسعى إلى تعيين موالين لها ومحسوبين عليها في المواقع الحساسة في الحكومة، وأن الخلافات لا تقتصر على مناصب الوزراء ونوابهم، بل امتدت لتشمل الوكلاء ومديري العموم وحتى مديري الأقسام والإدارات.

وتدرس قيادات الجماعة الحوثية خيارات عدة لتجاوز الخلاف وعدم تصعيده، ومن ذلك إنشاء مزيد من الكيانات الموازية لمؤسسات الدولة بهدف توزيع حصص الأجنحة عليها.

وطبقاً للمصادر، فإن القيادات الجبهوية والميدانية التي تبحث عن استحقاقاتها من أموال الفساد والجبايات والمناصب، انقسمت إلى فريقين؛ ينتمي الأول إلى عائلات وأسر ذات علاقات قوية بقيادات الجماعة والأجنحة، ويحظى بدعمها، ولديه الجرأة للتصعيد والمطالبة باستحقاقاته، في حين لا يحظى الفريق الثاني بتلك الامتيازات، ويخشى أفراده التنكيل بهم حال أصروا على مطالبهم.

وتضيف المصادر أن زعيم الجماعة الحوثية اتخذ من أحداث غزة مبرراً لعدم حسم تشكيل الحكومة، وطالب مختلف الأطراف بالتأني، وتكريس جهودهم لخدمة التوجه الحوثي للمشاركة في الحرب، والاستفادة منها في توجيه الرأي العام وإشغاله عن الاحتجاجات الشعبية، ومطالب الموظفين العموميين برواتبهم.

تصفيات وحرب سيبرانية

يخشى عدد من القادة الميدانيين الحوثيين تصفيتهم أو التنكيل بهم، وذلك بعد وقائع عدة لتصفيات واختطافات جرى التستر عليها أو تلفيق تهم لضحاياها.

ولقي القيادي هادي غانم قصمة، المكنى «أبو طارق»، قائد الأمن الوقائي في محافظة البيضاء (277 كيلومتراً جنوب شرقي صنعاء)، مصرعه في مواجهات بين مسلحيه ومسلحين يتبعون قيادياً حوثياً من المحافظة، وذلك بعد قرابة شهر من مقتل القياديَين عبد السلام جحلان، شقيق القيادي ياسر جحلان المعين في منصب مدير مديرية مكيراس، وجمال أحمد عبد الله المصيادي، وإصابة آخرين من أقارب الأول.

يخشى مراقبون من أن يتسبب صراع الأجنحة وحرب غزة في إفشال جهود السلام في اليمن (غيتي)

وزعمت الجماعة أن الحادثتين تقف خلفهما عناصر إرهابية، الأمر الذي أثار الشك والقلق لدى عديد من القيادات من أن ذلك يعد تستراً على الواقعتين اللتين يرجح أنهما ضمن مخططات تصفية في سياق صراع الأجنحة، خصوصاً أن الثلاثة القتلى من أبرز القادة والمشرفين الحوثيين.

ولجأ عدد كبير من القادة إلى اتخاذ احتياطات أمنية ولوجيستية لحماية أنفسهم وعائلاتهم، من بينها نقل عائلاتهم خارج مناطق سيطرة الجماعة، وبعضهم بهويات مزورة.

وتفيد المصادر بأن الصراع بين الأجنحة اتخذ طابعاً جديداً فيما يشبه الحرب السيبرانية بينها، لينتقل معها إلى هيئة مكافحة الفساد والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة والمحاكم والنيابات، وجميعها أجهزة تسيطر عليها الجماعة الحوثية، وتتقاسم أجنحتها إدارتها وتديرها لصالحها.

وكشفت وسائل إعلام حوثية حديثاً، إقرار الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد (النسخة الحوثية) إحالة 26 متهماً في قضيتَي فساد، وصفتهما بـ«جسيمتين»، إلى القضاء، بعد إقرار نتائج إجراءات التحري والتحقيق التي نفذتها دائرة التحري والتحقيق في الهيئة وجهاز الأمن والمخابرات ومباحث الأموال العامة.

وتتهم الهيئة المتورطين في القضية الأولى بالإضرار بالاقتصاد الوطني والمؤسسات المالية، واختراق أنظمة عدد من المؤسسات المالية، والاحتيال الإلكتروني، والتزوير لوثائق إثبات الهوية، وغسل العائدات المتأتية بمبالغ تصل إلى 10 ملايين و330 ألف ريال يمني، و6 آلاف و700 دولار، و298 ألف ريال سعودي.

يتخذ عديد من القادة الحوثيين احتياطات أمنية صارمة خوفاً على حياتهم وعائلاتهم من التصفيات البينية (إعلام حوثي)

أما القضية الثانية، فتتضمن الإضرار بمصلحة الدولة، والاستيلاء على المال العام، وتخريب الاقتصاد الوطني في إحدى الوحدات الإنتاجية، وبحجم ضرر بلغ 3 ملايين و429 ألف دولار، بحسب مزاعم الهيئة التي أقرّت حجز وتتبع الأموال والأصول الخاصة بالمتهمين في القضيتين، وملاحقة المتهمين الفارين خارج سيطرة الجماعة الحوثية.

وأشارت الهيئة الحوثية إلى فرار عدد من المتهمين الضالعين في القضيتين إلى خارج مناطق سيطرة الجماعة، دون أن تورد أسماء أو صفات أي منهم.

المصادر تحدثت عن توسع المكايدات، وتسريب وثائق ملفات فساد من مختلف القطاعات، إلى جانب الاعتراض على وجود قيادات حوثية معينة في أكثر من منصب؛ مثل هاشم الشامي الذي يشغل منصبَين قياديَين في مؤسسة الكهرباء وهيئة الأراضي، وطه جران الذي يدير ما تُسمى بـ«الهيئة العامة لرعاية أسر الشهداء»، ومؤسسة «يتيم».

«حرب غزة» فرصة للإنقاذ

منذ أسابيع، نفّذ عناصر حوثيون أعمال دهم واختطافات واسعة طالت قيادات وناشطين، جرى التعتيم على غالبيتها؛ بسبب مخاوف عائلات المختطفين من التنكيل بهم، وعدم جدوى الوساطات للإفراج عنهم في حال إثارة قضايا اختطافهم عبر وسائل الإعلام.

إلا أن اختطاف القيادي والناشط الحوثي محمد الجرموزي من منزله أخذ مساحة من الاهتمام في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، لأنه يحظى بشعبية وسط أنصار وأتباع الجماعة؛ بسبب كتاباته وأشعاره المؤيدة لها، والمبررة لممارساتها وحربها.

وكانت النيابة الجزائية التابعة للجماعة أصدرت أمر قبض قهري على الجرموزي بتهمة ازدراء القضاء، إلا أن تنفيذ الأمر تأخر أسابيع عدة.

واتهم الجرموزي قيادات في الجماعة الحوثية باختطافه؛ نتيجة موقفه الرافض لإرسال وفد إلى العاصمة السعودية، الرياض؛ للتفاوض من أجل إحلال السلام في اليمن، ووصف الأمر بـ«الخيانة، والتنكر لدماء المقاتلين»، مطالباً باستمرار الحرب.

تنافس الأجنحة الحوثية يعيق تشكيل حكومة انقلابية جديدة (إعلام حوثي)

ويرى مراقبون أن صراع الأجنحة المتصاعد يهدد إمكانية حدوث مفاوضات سلام حقيقية، وانخراط الجماعة الحوثية فيها بجدية، حيث يبدو جلياً، وفقاً لباحث سياسي مقيم في العاصمة صنعاء، أنه وبينما ترسل الجماعة وفوداً للتفاوض في أكثر من عاصمة عربية، فإن قيادات أخرى تعمل على التصعيد والتلويح بعودة المعارك.

وحذر الباحث، الذي طلب حجب بياناته، من أن التصعيد الحوثي في بعض الجبهات الداخلية يتزامن مع إعلانها المشاركة في حرب غزة، واتهامها دول الجوار بعدم تمكينها من إطلاق صواريخها ومسيّراتها، أو السماح لها بإرسال جنودها ومقاتليها إلى أرض مجاورة لغزة. وقال إن اتهام الجماعة المحيطَين الداخلي والعربي بالعمالة لإسرائيل يكشف عن نوايا سيئة للغاية.

وأكد الباحث أن حرب غزة منحت الجماعة فرصة لتجاوز كثير من التحديات التي تواجهها، والسعي لحل الخلافات الداخلية وإعادة توزيع حصص النفوذ والفساد، وتقوية جبهتها التفاوضية لإملاء شروط مجحفة، منبهاً إلى أنها تدرك أن القوى الدولية التي تضغط لتحقيق تسوية سياسية في اليمن تتفهم أسلوبها في الاستفادة من حرب غزة، ويمكن أن تساعدها على ذلك.


مقالات ذات صلة

الحوثيون... «حساب المكاسب» يطغى على «وحدة الساحات»

الخليج أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

الحوثيون... «حساب المكاسب» يطغى على «وحدة الساحات»

كشف موقف الجماعة الحوثية خلال حرب إيران عن تغليب البراغماتية على الآيديولوجيا، إذ تجنّبت التصعيد الواسع وفضّلت حماية نفوذها الداخلي، رغم خطاب «وحدة الساحات».

علي ربيع (عدن)
العالم العربي الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

تكثف الحكومة اليمنية تحركاتها في واشنطن لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، مع التركيز على تمكين السلطات المحلية، وإصلاح الاقتصاد، ومعالجة أزمة المياه الحادة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تتصاعد الاشتباكات بين نافذين حوثيين، بالتوازي مع تزايد جرائم القتل المرتبطة بخلافات تهدد بتفكك سيطرة الجماعة وتراجع واضح في قدرة مؤسساتها على فرض الهيمنة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تتصاعد الاشتباكات بين نافذين حوثيين، بالتوازي مع تزايد جرائم القتل المرتبطة بخلافات تهدد بتفكك سيطرة الجماعة وتراجع واضح في قدرة مؤسساتها على فرض الهيمنة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

الحكومة اليمنية تطالب بدعم مالي عاجل لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة المناخ، وسط تفاقم الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار ونقص التمويل الدولي

محمد ناصر (عدن)

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.