موجة بطش حوثية تستهدف 17 بهائياً يمنياً

دعوات لتدخل دولي... والحكومة تصف الواقعة بـ«العمل المخزي»

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يلتقي خلال زيارة إلى بروكسل مجموعة من أفراد الطائفة البهائية الذين نفاهم الحوثيون (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يلتقي خلال زيارة إلى بروكسل مجموعة من أفراد الطائفة البهائية الذين نفاهم الحوثيون (سبأ)
TT

موجة بطش حوثية تستهدف 17 بهائياً يمنياً

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يلتقي خلال زيارة إلى بروكسل مجموعة من أفراد الطائفة البهائية الذين نفاهم الحوثيون (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يلتقي خلال زيارة إلى بروكسل مجموعة من أفراد الطائفة البهائية الذين نفاهم الحوثيون (سبأ)

كررت الميليشيات الحوثية في اليمن بطشها بمنتسبي الطائفة البهائية في أحدث موجة انتهاكات ضد الأقليات الدينية؛ حيث اعتقلت في صنعاء، الخميس، 17 شخصا بينهم خمس نساء ودهمت منازلهم وصادرت ممتلكات ووثائق، وسط دعوات حقوقية لتدخل دولي لإنقاذهم، وتنديد حكومي بالواقعة التي وصفها وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني بـ«العمل المخزي».

عملية البطش الجديدة بعناصر الطائفة البهائية، جاءت بعد أن أبعدت الميليشيات في وقت سابق مجموعة كبيرة من رموز الطائفة إلى خارج اليمن، وحكمت على بعضهم بالإعدام بمن فيهم زعيم الطائفة.

وبحسب بيان صادر عن الطائفة، اقتحم مسلحو الجماعة الاجتماع السنوي السلمي للطائفة في صنعاء، واعتقلوا 17 من المشاركين فيه بينهم نساء والمتحدث الرسمي باسم الجامعة البهائية في اليمن الناشط المدني عبد الله العلفي، ودهمت منازلهم وصادرت ممتلكات ووثائق، في وقت تواصل فيه محاكمة أكثر من 24 شخصا من المنتمين لهذه الديانة التي دخلت اليمن في بداية أربعينات القرن الماضي.

وذكرت مصادر متعددة في الطائفة البهائية في اليمن لـ«الشرق الأوسط» أنه بعد أن أغلقت الجماعة الحوثية الجمعية الخاصة بالطائفة وصادرت كل ممتلكاتهم وفرضت قيودا مشددة على ممارستهم لشعائرهم، اختار عناصرها أحد المنازل لعقد الاجتماع السنوي السلمي، لكن مخابرات الحوثيين التي تتربص بالطائفة دهمت المنزل في أثناء وجودهم فيه وقامت باعتقال الحضور وبينهم نساء.

تاريخ مظلم

التاريخ القمعي للجماعة الحوثية ضد الطائفة البهائية، بدا منذ سيطرتها على صنعاء، وبعد سنوات من الاعتقال والتعذيب والمحاكمات التعسفية نفت الجماعة في 30 يوليو (تموز) 2020 ستة من البهائيين بسبب معتقدهم الديني وفق ما ذكرته المبادرة اليمنية للدفاع عن البهائيين، التي أكدت أن اليمن يشهد منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء أوضاعا إنسانية غاية في الصعوبة.

الطائفة البهائية في اليمن، علاوة على تدهور أوضاعها كغيرها من فئات المجتمع اليمني الأخرى، كانت إحدى الفئات التي تعرضت لاضطهاد جماعي ممنهج يرقى إلى جريمة إبادة جماعية لطائفة دينية مسالمة. وفق ما يقوله مناصرو الطائفة.

بيان صادر عن الجامعة البهائية أكد اعتقال 17 بهائياً من قبل مسلحين حوثيين في صنعاء (تويتر)

وكانت محكمة أمن الدولة التي يديرها الحوثيون أصدرت أحكاما بالإعدام، ومصادرة ممتلكات البهائيين وأموالهم الخاصة والوقفية، وإغلاق مؤسساتهم الإدارية والتنموية، كما حرضت الجماعة المجتمع على كراهيتهم، وأجبرتهم على العيش في ظروف مادية صعبة للغاية، وحرمتهم من أبسط الحقوق الإنسانية، بعد أن لفقت لهم تهما وصفتها «المبادرة» بـ«الأكاذيب»، مع أنهم مواطنون يمنيون لا يحملون سلاحا ولا يتدخلون في السياسة، ويحترمون النظام والقانون.

عفو لم ينفذ

كانت سلطة الحوثيين وتحت الضغط الدولي والمحلي أصدرت في 25 مارس (آذار) عام 2020 عفوا عاما عن المعتقلين البهائيين، لكنه لم ينفذ، ورغم نفي المعتقلين البهائيين قسرا منذ ثلاث سنوات، استمرت الجماعة في محاكمة المنفيين والمهجرين قسريا غيابيا، بهدف فرض مصير قاهر على من تبقى منهم في اليمن، ومن ثم إجبارهم على الهجرة، ومحو كل أثر لهم من خلال مصادرة أموالهم وممتلكاتهم وبيوتهم وطمس كل ما يشير إليهم بما في ذلك مقابر موتاهم وعبر أحكام قضائية غير منصفة.

ويقول أفراد الطائفة إن الجماعة الحوثية استمرت في التحريض على معاداة البهائيين إعلاميا وفي مناهج التعليم الجامعي وعبر الدورات الثقافية التي يقيمونها بكثافة «لوأد أي تعاطف إنساني مجتمعي مع البهائيين لما يتعرضون له من ظلم وقهر وإجرام».

وقفة سابقة لمحتجين من الطائفة البهائية في صنعاء يطالبون بالإفراج عن زعيمهم (تويتر)

وأكدت مصادر الطائفة في صنعاء استمرار التضييق الحوثي على المنتمين إليها واستهداف مصادر عيشهم من خلال إجراءات تعسفية وغير قانونية بحق العشرات منهم وبحق كل من شاركوا معهم في برامج خدمة المجتمع، وأدى ذلك إلى حرمانهم من فرص العمل، وحجز حساباتهم البنكية، ووضع أسمائهم في القوائم السوداء لدى شركات الصرافة.

محاكاة إيران

أفراد الطائفة الذين يقدر عددهم بخمسة آلاف شخص في ظل عدم وجود إحصاءات رسمية.

ولا يعرفون لماذا يضطهدهم الحوثيون، ولا يمكنهم تفسير ذلك سوى بتبعية الحوثيين لنظام الحكم في إيران الذي يضطهد البهائيين بشكل منهجي منذ ثمانينات القرن الماضي وفق ما ذكرته المصادر.

وتطالب الطائفة سلطة الحوثيين بإنهاء المحاكمة التعسفية بحق 24 من أفرادها حيث لا وجه لإقامة الدعوى عليهم، وتعويض كل من تضرر بسبب ذلك، التعويض الملائم والعادل ماديا ومعنويا، وكفالة حقهم في العيش بكرامة وحرية وأمان وسلام في وطنهم اليمن، والإقرار بحق المنفيين والمهجرين قسريا منهم في العودة إلى وطنهم اليمن دون أي عائق أو اعتراض.

كما تطالب الطائفة بإعادة جميع الأموال والممتلكات والوثائق الخاصة بأفرادها التي تم نهبها أو حجزها أو مصادرتها لأصحابها، وفتح حساباتهم البنكية، والكف عن التضييق عليهم في مصادر عيشهم، واحترام حقهم في المشاركة في بناء اليمن وتنمية المجتمع من خلال مؤسساتهم الإدارية والتنموية الطوعية بصفتهم مواطنين وبموجب الدستور.

نهج الاضطهاد المتواصل

موجة البطش الحوثية الجديدة ضد البهائيين في اليمن، وصفها عضو مكتب الشؤون العامة للبهائيين في اليمن نادر السقاف بأنها «مواصلة لنهج الاضطهاد» بحسب ما قاله لـ«الشرق الأوسط».

السقاف، وهو أحد المبعدين من اليمن، أكد أن قوات تتبع الحوثيين مدججة بالسلاح اقتادت 17 بهائيا إلى جهة مجهولة بعد أن دهمت اجتماعا سلميا لهم في أحد منازل أفراد الطائفة؛ حيث كانوا يناقشون ما يخص مشاركة المجتمع البهائي في خلق بيئة نابضة بالحياة لكل اليمنيين وتشكيل هيئات ترعى الاحتياجات الروحانية والمادية لمجتمعهم.

وقال: «الهجوم هو مواصلة لنهج الاضطهاد الممنهج الذي يمارسه الحوثيون ضد البهائيين منذ أواخر سنة 2014 وحتى الآن، ومحاولاتهم المستمرة لمسح الهوية الثقافية والاجتماعية للبهائيين بوصفهم من مكونات المجتمع اليمني». وأضاف أن الجماعة الحوثية مستمرة في مداهمة المنازل وترويع العوائل والأطفال وإطلاق النار على المنازل، والتهديد الصريح بالقتل والتصفية الجسدية وبث الرعب بين النساء والأطفال.

عضو مكتب الشؤون العامة للبهائيين نادر السقاف (يمين) مع حامد بن حيدرة في لقاء سابق (تويتر)

ووصف السقاف الخطوة الحوثية بأنها «انتهاك واضح لحرية المعتقد بموجب المواثيق الدولية، والحق في التجمع وإدارة الشؤون الدينية والمجتمعية». وأكد أن الهجوم إضافة لمنهجية الاضطهاد الذي يصر عليه الحوثيون، وشاهد إضافي على أنهم مستمرون في محاولات إخفاء صوت ووجود البهائيين الاجتماعي عبر المضايقات المستمرة وحملات المتابعة وملاحقة الأفراد وتضييق سبل العيش عليهم، على أمل انكماش البهائيين وإخفاء هويتهم.

ويشير عضو مكتب الشؤون العامة للبهائيين إلى تعرض أفراد الطائفة لأصناف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي إضافة لنفيهم من وطنهم، ويؤكد أن هناك عشرات وربما مئات من أفراد الطائفة يعانون بصورة شبه يومية من مستويات مختلفة من الاضطهاد ومنها مصادرة أموالهم دون وجه حق وبصورة مخالفة للقانون، وقطع أرزاقهم، والتسبب في تسريح البعض الآخر من وظائفهم، وإغلاق مؤسسات مرخصة وسرقة ممتلكاتها والمضايقات المالية وتجميد التعاملات المصرفية للبهائيين ومن يتعاملون معهم.

تنديد حكومي

إلى جانب الغضب الحقوقي من خطوة الميليشيات الانقلابية والمطالبة بتدخل دولي لإنقاذ الطائفة البهائية من الاضطهاد الحوثي، نددت الحكومة اليمنية بهذه الواقعة من البطش، ووصفتها بـ«العمل المخزي والجبان» بحسب ما قاله لـ«الشرق الأوسط» وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني.

وقال الإرياني إن عملية دهم الاجتماع من قبل الحوثيين واختطاف 17 بهائيا «عمل مخز وجبان يندرج ضمن الاضطهاد الذي تمارسه الميليشيا بحق الأقليات الدينية وعلى رأسها الطائفة البهائية منذ انقلابها على الدولة، في انتهاك واضح وصريح لحرية الدين والمعتقد والحق في التنظيم والتجمع وممارسة الشعائر الدينية التي تقرها القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية».

وأضاف الإرياني «هذه الجريمة تأتي لتؤكد مضي ميليشيا الحوثي بتوجيه وإيعاز إيراني، في نهج التصعيد والاستهداف والإرهاب الممنهج للأقليات الدينية، واضطهاد أتباعها على خلفية معتقداتهم؛ حيث تعرض أتباع تلك الأقليات لسلسلة من الجرائم والانتهاكات تنوعت بين مداهمة المنازل وترويع الأسر والخطف والاعتقال التعسفي بتهم ملفقة، والتعذيب النفسي والجسدي، والإخفاء والنفي القسري، وإخضاعهم لمحاكمات خارج إطار القانون، ومصادرة ونهب ممتلكاتهم واقتحام ومصادرة مقراتهم، والتحريض العلني عليهم عبر بث خطاب الكراهية ومحاولة النيل من النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي».

وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني التقى مجموعة من البهائيين في لوكسمبورغ (إعلام رسمي)

واستغرب وزير الإعلام اليمني مما وصفه بـ«استمرار صمت المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومنظمات وهيئات حقوق الإنسان على هذه الجرائم»، وطالبها بالقيام «بمسؤولياتها في الضغط على ميليشيا الحوثي لوقف ممارساتها العنصرية ضد الأقليات الدينية».

كما طالب الوزير اليمني بـ«وقف كل أشكال الملاحقات والتضييق والتمييز على خلفية المعتقد، باعتبارها انتهاكا صارخا للقوانين والمواثيق الدولية، وفي مقدمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وملاحقة ومحاسبة المتورطين فيها من قيادات وعناصر الميليشيا».


مقالات ذات صلة

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.