الحرب في السودان تخلّف جروحاً نفسية عميقة... وأزمة صامتة تهدد المجتمع

تقارير دولية: أكثر من خُمس سكان مناطق النزاع يعانون اضطرابات نفسية

مستشفى النور بأم درمان أحد المشافي التي صمدت أيام الحرب يضم وحدة نفسية (الشرق الأوسط)
مستشفى النور بأم درمان أحد المشافي التي صمدت أيام الحرب يضم وحدة نفسية (الشرق الأوسط)
TT

الحرب في السودان تخلّف جروحاً نفسية عميقة... وأزمة صامتة تهدد المجتمع

مستشفى النور بأم درمان أحد المشافي التي صمدت أيام الحرب يضم وحدة نفسية (الشرق الأوسط)
مستشفى النور بأم درمان أحد المشافي التي صمدت أيام الحرب يضم وحدة نفسية (الشرق الأوسط)

مع استمرار الحرب في السودان، وتفاقم تداعياتها الأمنية والإنسانية والاقتصادية، لم تعد مأساة السودانيين تقتصر على سقوط القتلى أو معاناة الجرحى والجوعى والنازحين، بل امتدت آثارها إلى الصحة النفسية للسكان، في ظل تصاعد مقلق لمعدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة.

وتشير تقديرات منظمات دولية وخبراء محليين إلى أن البلاد تواجه أزمة نفسية متنامية، قد تترك آثاراً طويلة الأمد على المجتمع إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لتوسيع خدمات الدعم النفسي والعلاج المتخصص. وكشفت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، في تقرير لها، عن انتشار واسع لحالات الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة في العاصمة الخرطوم. وبلغت نسبة انتشار هذه الاضطرابات نحو 12 في المائة بين طلاب المرحلة الثانوية، فيما تجاوزت 59 في المائة بين السكان النازحين.

وأشار التقرير إلى أن النزاعات الممتدة في السودان خلّفت عبئاً متزايداً من اضطرابات الصحة النفسية، لافتاً إلى أن الأطفال يُعدّون الفئة الأكثر عرضة للخطر، إذ يواجهون مخاطر متعددة تشمل الاختطاف والعنف الجنسي والتجنيد القسري وزواج الأطفال، وهي عوامل قد تترك آثاراً نفسية عميقة وممتدة.

واجهة مستشفى د. التجاني الماحي للأمراض النفسية أشهر وأعرق المشافي النفسية في السودان (الشرق الأوسط)

وأوضحت المنظمة أن الاضطرابات الذهانية الكبرى تظل نادرة نسبياً، في حين تفتقر البيانات المتعلقة بالانتحار وتعاطي المخدرات إلى الدقة بسبب نقص المعلومات. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن أكثر من شخص واحد من كل خمسة أشخاص يعيشون في مناطق النزاع يعاني أحد اضطرابات الصحة النفسية. ويعاني السودان في الوقت ذاته نقصاً حاداً في الكوادر المتخصصة في هذا المجال، إذ لا يتجاوز عدد اختصاصيي الصحة النفسية 899 متخصصاً في مختلف أنحاء البلاد، وفق إحصائية صادرة عام 2020.

ارتفاع معدلات الأمراض النفسية

في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلنت وزارة الصحة الاتحادية في السودان عن ارتفاع ملحوظ في معدلات الأمراض النفسية، مؤكدة أن تداعيات الحرب والانتهاكات التي تعرض لها المدنيون ضاعفت الحاجة إلى تدخلات عاجلة. وكشفت الوزارة عن خطة اتحادية لإعادة تأهيل مستشفيات الطب النفسي ومراكز علاج الإدمان، بهدف تعزيز قدرة النظام الصحي على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في هذا المجال. وقال وزير الصحة الاتحادي، هيثم محمد إبراهيم، إن الاضطرابات النفسية تشهد تزايداً على مستوى العالم، غير أن الوضع في السودان أكثر تعقيداً في ظل الظروف الراهنة التي فرضتها الحرب.

وأشار إلى أن الوزارة تعمل على تعزيز الوعي المجتمعي بالصحة النفسية، وتوسيع خدمات الاكتشاف المبكر، وتسهيل الوصول إلى العلاج، داعياً إلى تبني رؤية شاملة للصحة النفسية وتخصيص ميزانيات كافية لتطوير خدماتها ضمن النظام الصحي.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أجرى الوزير زيارة تفقدية لمستشفى «التيجاني الماحي» للأمراض النفسية والعصبية في أم درمان، للاطلاع على حجم الأضرار التي لحقت بالمستشفى نتيجة الحرب، حيث استأنفت بعض العنابر والعيادات عملها بطاقة تشغيلية تستقبل أكثر من 50 مريضاً يومياً.

جانب من محاضرة عن الحالات النفسية والاجتماعية في السودان بمستشفى التجاني الماحي (الشرق الأوسط)

وترى الاستشارية النفسية ابتسام محمود، أن السودان كان يعاني بالفعل من تحديات اجتماعية واقتصادية عدة قبل اندلاع الحرب، من بينها الفقر والبطالة والعنف الأسري وارتفاع معدلات الطلاق، وهي عوامل انعكست سلباً على الصحة النفسية للمجتمع. وأضافت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن الحرب فاقمت هذه الأوضاع، بما خلّفته من مشاهد خوف ورعب وانتهاكات وتدمير للممتلكات، فضلاً عن موجات النزوح واللجوء المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات. وشددت على ضرورة تصميم برامج شاملة لتقديم خدمات الدعم النفسي لجميع فئات المجتمع، بالتعاون بين وزارات الرعاية الاجتماعية والصحة والتربية والموارد البشرية والشؤون الدينية. كما دعت إلى تفعيل خدمات الإرشاد الأسري في المدارس والأندية الرياضية والمساجد، لما لها من دور في تعزيز التماسك الأسري والاستقرار المجتمعي.

دعم نفسي للمتأثرين بالحرب

من جانبها، قالت اختصاصية علم النفس الدكتورة خديجة محمد الحبيب، إنه تم افتتاح وحدة للطب النفسي في مستشفى النور التعليمي بأم درمان في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بهدف تقديم الدعم النفسي للمتأثرين بالحرب.

اختصاصية علم النفس خديجة محمد الحبيب (الشرق الأوسط)

وأوضحت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن الوحدة تقدم خدمات الإرشاد والعلاج النفسي للمرضى الذين يعانون اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق، إلى جانب برامج تأهيل للأطفال المتأثرين بالألغام لدعمهم نفسياً واجتماعياً. وأضافت أن العيادة تستقبل أسبوعياً ما بين 60 و90 مريضاً، كما تقدم خدمات الدعم النفسي في دور الإيواء وتعالج حالات الإدمان، إضافة إلى تنظيم محاضرات توعوية حول مخاطر المخدرات وسبل الوقاية منها.

بدورها أكدت اختصاصية علم الاجتماع الدكتورة تقوى محمد البشرى أن وحدة الطب النفسي في مستشفى النور التعليمي لا تقتصر على تقديم العلاج النفسي فحسب، بل تنفذ أيضاً مبادرات تطوعية لدعم المتضررين من الحرب. وأشارت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن هذه المبادرات تشمل توفير الوجبات اليومية والملابس للأطفال، خصوصاً خلال الأعياد، إضافة إلى دعم تركيب الأطراف الصناعية وإجراء العمليات الجراحية للمصابين.

الاختصاصية الاجتماعية د. تقوى محمد البشرى (الشرق الأوسط)

وأضافت الدكتورة تقوى أن الفريق يعمل كذلك على تقديم الدعم للحالات مجهولة الهوية بالتنسيق مع إدارة المستشفى، والمشاركة في برامج الإطعام بالتعاون مع المتطوعين وقسم التغذية.

تزايد الحالات في الجزيرة

وفي ولاية الجزيرة بوسط السودان، شهدت الاضطرابات النفسية تزايداً ملحوظاً نتيجة تداعيات الحرب. وقال مدير مستشفى الصحة النفسية في ود مدني، الدكتور الأمين دياب، إنه تم افتتاح عنبر جديد للطب النفسي لتعزيز خدمات الرعاية في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها الولاية. وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن أبرز الحالات التي يستقبلها المستشفى تشمل الاكتئاب والذهان ونوبات الهوس واكتئاب ما بعد الولادة، مشيراً إلى استقبال ما بين 15 و20 حالة أسبوعياً تحتاج إلى التنويم، مع توقعات بارتفاع الأعداد خلال الفترة المقبلة. وأكد أن المستشفى يوفر العلاج والأدوية مجاناً بدعم من منظمات إنسانية وهيئات رسمية، بهدف تخفيف العبء عن الأسر المتضررة.

ويرى مختصون أن الحرب في السودان أفرزت أزمة نفسية صامتة لا تقل خطورة عن الدمار الاقتصادي والإنساني الذي خلفته. فقد ارتفعت معدلات القلق والإدمان واضطراب ما بعد الصدمة والوسواس القهري والاكتئاب والرهاب الاجتماعي بين قطاعات واسعة من المجتمع. ويحذر خبراء من أن تجاهل ملف الصحة النفسية في هذه المرحلة قد يقود إلى تداعيات خطيرة على مستقبل المجتمع السوداني، مؤكدين أن توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي بات ضرورة إنسانية ووطنية ملحة لا تحتمل التأجيل.


مقالات ذات صلة

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

شمال افريقيا وزارة الخزانة الأميركية (رويترز) p-circle

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

أظهر منشور على موقع وزارة الخزانة الأميركية، اليوم (الجمعة)، أن الولايات المتحدة أصدرت عقوبات جديدة مرتبطة بالسودان، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

تصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة في السودان، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي مع دخول الحرب عامها الرابع.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا أسر وعائلات في بلدة طويلة بولاية شمال دارفور فرّت من العنف في الفاشر (الهلال الأحمر)

«الصليب الأحمر»: 11 ألف مفقود خلال 3 سنوات من الحرب في السودان

عدد الأشخاص المفقودين في السودان الذين سُجّلوا حتى الآن بلغ 11 ألفاً، بزيادة قدرها 40 في المائة خلال عام 2025 وحده.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... والإعلام يدفع الثمن

مع دخول الحرب بالسودان عامها الرابع، لقي 35 صحافياً مصرعهم، وتعرض 500 صحافي ومؤسسة إعلامية لانتهاكات، بحسب نقابة الصحافيين السودانيين.

أحمد يونس (كمبالا)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.