السودان: الحياة تولد تحت رماد الحرب والدمار

سوق أم درمان «العريقة».. انتهت مظاهر القتال المادية وتبقت النفسية

السودان: الحياة تولد تحت رماد الحرب والدمار
TT

السودان: الحياة تولد تحت رماد الحرب والدمار

السودان: الحياة تولد تحت رماد الحرب والدمار

يحاول تجار سوق مدينة أم درمان العريقة، غرب العاصمة السودانية الخرطوم، النهوض مجدداً من تحت ركام الحرب وآثار الدمار. ينهضون بأيدٍ عارية، وجيوب خاوية، وقلوب مثقلة بالأمل، تتشبث بمستقبل أكثر إشراقاً، رغم إدراكهم أن طريق التعافي الاقتصادي طويل وشاق، ويتطلب صبراً وعزيمة لا تلين.

محرقة السوق التاريخي

مع اندلاع الحرب في السودان، منتصف أبريل (نيسان) عام 2023، تعرضت سوق أم درمان لقصف عشوائي بالمدفعية والرصاص الطائش، ما أدى إلى احتراق عشرات المحلات التجارية وتدميرها كلياً وجزئياً. ورغم أن الهدوء يسود المنطقة حالياً، فإن آثار الحريق ما زالت شاهدة على دمار شامل طال البنية التحتية، وأدى إلى توقف المصانع والمنشآت الإنتاجية، وتضرر قطاعات الكهرباء والمياه والاتصالات.

جانب من سوق أم درمان الشعبية العريقة (الشرق الأوسط)

انتهت مظاهر المواجهات العسكرية في أم درمان، إلا أن الحرب لا تزال مستعرة في تفاصيل الحياة اليومية. يكافح التجار وعمال اليومية مع كل شروق شمس لإثبات أن الحياة قادرة على أن تولد من تحت الرماد.

يعود تاريخ تأسيس سوق أم درمان إلى نحو قرنين من الزمان، وتُعد نموذجاً مصغراً لمدينة أم درمان التاريخية، التي تُعرف بالعاصمة القومية للسودان؛ حيث تعايشت على أرضها أعراق وديانات متعددة، من الإسلامية والمسيحية واليهودية، وصولاً إلى البوذية.

داخل السوق، كانت تتجاور محلات التجار الهنود، ومحلات الأقباط المتخصصة في المنسوجات والمفروشات، إلى جانب محلات التجار اليمنيين، خصوصاً «دكان اليماني»، المشهورة بأعمال البقالة.

ورغم التحولات الكبيرة التي شهدتها السوق، لا يزال موقع محل العدني، نسبة إلى مدينة عدن، علامة معروفة ودليلاً للأجانب والسياح، رغم زواله فعلياً، كما ظل شارع «سوق اليهود» محتفظاً باسمه، رغم مغادرة أصحابه البلاد منذ سبعينات القرن الماضي.

التشبث بالأمل وسط الركام

في شارع المكتبات الشهير وسط المدينة، لا يزال الدمار شاهداً على قسوة الحريق والتخريب والنهب. إلا أن التاجر محمد صلاح، البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عاد لإدارة متجره للأدوات المكتبية، مكافحاً من أجل إعادة الحياة إلى نشاطه التجاري.

يقول محمد صلاح لصحيفة «الشرق الأوسط»: «عندما اندلعت الحرب، كنت أدير محلاً تجارياً كبيراً في سوق أم درمان. حاولنا نقل جزء من البضائع إلى ود مدني وبورتسودان، لكن ما تبقى تعرض للحرائق، ما تسبب في خسائر مالية فادحة أرهقت كاهلنا». ويضيف: «قبل ثلاثة أشهر عدت إلى السوق وبدأت في ترميم المحل. هناك تحسن تدريجي في حركة البيع، والأمل لا يزال موجوداً، رغم الخسائر الكبيرة الناتجة عن كسر الخزائن وسرقة البنوك ونهب معظم المحلات». وتابع بالقول: «نستورد البضائع من مصر والصين، وإقبال الزبائن في المستوى المتوسط، خاصة أن عمل المكتبات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمؤسسات الحكومية، وهي لم تعد من مدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة، ونتمنى أن تكتمل الإجراءات لممارسة نشاطنا بكل قوة وحيوية».

بداية قاسية من الصفر

عاد التاجر أنور البشير، البالغ من العمر أربعة وخمسين عاماً، إلى السوق ليبدأ رحلة شاقة لإعادة بناء حياته المهنية، بعد فترة طويلة من النزوح والتشرد. يقول البشير: «الحياة قبل الحرب تختلف تماماً عما بعدها. فقدنا حصاد أكثر من عشرين عاماً من العمل التجاري، وحالياً نبدأ من الصفر».

ويضيف: «بدأت صيانة المحل قبل عشرة أيام فقط. أكثر من ثمانين في المائة من التجار تعرضوا للنهب والسرقة. نعاني من انقطاع الكهرباء، واضطر معظمنا إلى استخدام الطاقة الشمسية، كما نواجه تردي البيئة وانتشار البعوض».

وطالب البشير الدولة بتقديم إعفاءات ضريبية جزئية للتجار، تعويضاً عن الخسائر الكبيرة التي لحقت بالمحال التجارية.

وتابع: «نعاني حالياً من انقطاع الكهرباء، وغالب التجار لجأوا للطاقة الشمسية، ونشكو من تردي البيئة وتوالد البعوض»، واستطرد: «الأمن مستتب، لكننا نطالب الدولة بإعفاء جزئي من الضرائب، لتعويض حجم الخسائر التي طالت المحلات التجارية في سوق أم درمان».

آثار نفسية لا تمحى بسهولة

يحاول تاجر الأواني المنزلية، حمزة علي، البالغ من العمر خمسة وأربعين عاماً، ترتيب بضاعته داخل وخارج متجره، في محاولة لإزالة غبار الحرب العالق بالمكان وبالنفوس. يقول حمزة: «عادت الحياة إلى السوق بصورة شبه طبيعية، وكنت من أوائل العائدين. لكننا لا نزال نعاني من آثار نفسية بسبب الحرب، إلى جانب غياب الكهرباء والمياه». ودعا حمزة بقية التجار إلى العودة واستئناف نشاطهم التجاري، من أجل إنعاش السوق والمدينة.

قال حمزة لـ«الشرق الأوسط»: «عادت الحياة بصورة طبيعية إلى السوق، وأنا من أوائل التجار العائدين، ونأمل أن يسود الأمن والهدوء ويعود المكان إلى سابق عهده بكل حيوية ونشاط». وأضاف: «عندما فتحت المحل التجاري قبل أشهر، واجهت الخوف بسبب آثار الحرب النفسية، وحالياً نشكو غياب الكهرباء والمياه، وأدعو التجار للعودة مرة أخرى لممارسة نشاطهم التجاري».

تاجر المشغولات الشعبية محمد أحمد العباس (الشرق الأوسط)

بدوره، قال التاجر محمد أحمد عباس أبو مرين، لـ«الشرق الأوسط»: «كل السوق تعرضت للسرقة والنهب والخراب والتدمير، كما أن الرصاص الطائش والدانات ألحقت خسائر كبيرة جراء اندلاع الحرائق، فضلاً عن إشعال النيران مع سبق الإصرار والترصد». وأضاف: «قبل 3 أشهر أعدت فتح محلي مرة أخرى، والتحديات التي تواجهنا تتمثل في توفير خدمات الكهرباء والمياه. أما الناحية الأمنية فممتازة، وعناصر الشرطة يطالبون بإغلاق المحلات بعد السادسة مساء، خوفاً من أي اعتداءات طارئة».

خسائر بالمليارات

أما صاحب محل المجوهرات محمد حسين، البالغ من العمر ثلاثة وخمسين عاماً، فيصف الأيام الأولى للحرب بأنها كانت الأكثر قسوة، بعد مشاهدته الحرائق ونهب البنوك والمحلات التجارية. يقول حسين: «تعرضنا للإرهاب والتعذيب والإذلال من قبل عناصر (الدعم السريع)، ثم طُردنا بالقوة الجبرية من محلاتنا، التي تعرضت للكسر والنهب». ويضيف: «عدت إلى فتح المحل قبل خمسة أشهر، والسوق تشهد نشاطاً ملحوظاً، لكن ما زلنا نعاني من نقص الكهرباء والمياه».

قدّرت الغرفة التجارية حجم خسائر سوق أم درمان بأكثر من مائة مليار دولار. وقال عضو الغرفة الفاضل عثمان: «منذ الأيام الأولى للحرب، نقل التجار بضائعهم إلى مخازن داخل الأحياء والولايات الآمنة، لكن كثيراً منها تعرض للنهب أيضاً». وأضاف: «عاد نحو تسعين في المائة من التجار حالياً، وبدأوا في ترميم محلاتهم. الوضع الأمني مطمئن، وتم تخصيص عنصرين من الشرطة لكل شارع داخل السوق».


مقالات ذات صلة

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

شمال افريقيا وزارة الخزانة الأميركية (رويترز) p-circle

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

أظهر منشور على موقع وزارة الخزانة الأميركية، اليوم (الجمعة)، أن الولايات المتحدة أصدرت عقوبات جديدة مرتبطة بالسودان، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

تصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة في السودان، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي مع دخول الحرب عامها الرابع.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا أسر وعائلات في بلدة طويلة بولاية شمال دارفور فرّت من العنف في الفاشر (الهلال الأحمر)

«الصليب الأحمر»: 11 ألف مفقود خلال 3 سنوات من الحرب في السودان

عدد الأشخاص المفقودين في السودان الذين سُجّلوا حتى الآن بلغ 11 ألفاً، بزيادة قدرها 40 في المائة خلال عام 2025 وحده.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... والإعلام يدفع الثمن

مع دخول الحرب بالسودان عامها الرابع، لقي 35 صحافياً مصرعهم، وتعرض 500 صحافي ومؤسسة إعلامية لانتهاكات، بحسب نقابة الصحافيين السودانيين.

أحمد يونس (كمبالا)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.