الجزائر تخصص ربع الميزانية لقطاع الدفاع في موازنة 2026

تصاعد الإنفاق العسكري واعتماد قانون لـ«التعبئة» وسط توترات إقليمية

الرئيس تبون خلال إشرافه على عرض عسكري بمناسبة ذكرى الاستقلال (رئاسة الجمهورية)
الرئيس تبون خلال إشرافه على عرض عسكري بمناسبة ذكرى الاستقلال (رئاسة الجمهورية)
TT

الجزائر تخصص ربع الميزانية لقطاع الدفاع في موازنة 2026

الرئيس تبون خلال إشرافه على عرض عسكري بمناسبة ذكرى الاستقلال (رئاسة الجمهورية)
الرئيس تبون خلال إشرافه على عرض عسكري بمناسبة ذكرى الاستقلال (رئاسة الجمهورية)

حافظت الجزائر في قانون المالية لسنة 2026 على ميزانية مرتفعة للدفاع، التي هي في حدود 24 مليار دولار أميركي، تماماً مثل قانون موازنة 2025، ما يعادل ربع الإنفاق العام.

تكريس «قانون التعبئة العامة»

يكرَس هذا «التوجه الدفاعي» اعتماد البرلمان «قانون التعبئة العامة» في يونيو (حزيران) 2025، الذي يمنح الجيش صلاحيات واسعة في تسيير شؤون البلاد، في سياق يتميز بتوترات حادة مع دول منطقة الساحل.

نواب من الأغلبية الرئاسية خلال مناقشة قانون التعبئة العامة (البرلمان)

شهدت ميزانية الدفاع تطوراً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، حيث بدأت في عام 2020 بنحو 19.7 مليار دولار. لكن في السنوات التي تلت ذلك، شهد الإنفاق العسكري ارتفاعاً كبيراً، إذ وصلت الميزانية إلى نحو 22 مليار دولار في عام 2023، ما عكس جهود الدولة في تحديث قواتها المسلحة، وتعزيز قدراتها لمواجهة التحديات الأمنية.

وفي عام 2024، استقرت الميزانية تقريباً عند مستوى 21.6 مليار دولار، مسجلة انخفاضاً طفيفاً مقارنة بالعام السابق. أما في عام 2025 فقد شهدت ميزانية الدفاع ارتفاعاً جديداً، لتصل إلى نحو 25 مليار دولار، وهو رقم قياسي يُبرِز الاهتمام المتزايد بتطوير القطاع الدفاعي في البلاد، ويمثل أكثر من ربع الإنفاق العام، الذي يقدر بنحو 95 مليار دولار (في 2025 وأيضاً في 2026).

حافظت الجزائر في قانون المالية لسنة 2026 على ميزانية مرتفعة للدفاع (وزارة الدفاع)

ويجسد هذا التطور سياسة الجزائر لتعزيز قدراتها العسكرية، «والتكيف مع المتغيرات الأمنية الإقليمية والدولية»، حسب ما يتضمنه الخطاب الرسمي.

ويعزو خبراء الارتفاع السريع في ميزانية الدفاع خلال السنوات الأخيرة إلى المخاطر الأمنية، التي تواجهها البلاد، خصوصاً التوترات مع دول الساحل التي تشهد تصعيداً منذ ستة أشهر، وقد بدأت مع «حادثة إسقاط الطائرة المسيَّرة المالية» من قبل سلاح الجو الجزائري، مطلع أبريل (نيسان) الماضي. وأعلن النيجر وبوركينافاسو تضامنهما مع باماكو في هذه الأزمة، التي ما زالت في منحى تصاعدي.

وترى الجزائر أن حدودها مع دول جنوب الصحراء مصدر تهديد كبير لأمنها القومي منذ 10 سنوات على الأقل، وذلك بسبب تنامي خطر الجماعات المتشددة وتجارة السلاح والمخدرات، إضافة إلى نشاط لافت لشبكات الهجرة السرية.

قائد الجيش (الثاني على اليسار) يتابع عرضاً لسلاح الجو (وزارة الدفاع)

وتمثل الميزانية الدفاعية عبئاً مالياً كبيراً، خصوصاً في ظل تذبذب عائدات النفط والغاز، التي يعتمد عليها تمويل الدولة، ما قد يفرض مراجعات أو إعادة ترتيب في أولويات الإنفاق الحكومي، يتم ضمها في الغالب ضمن قانون موازنة تكميلي، يطرح في منتصف العام عادة.

ووفق نص مشروع قانون المالية لسنة 2026، الذي ناقشه مجلس الوزراء خلال اجتماع الأحد الماضي، لا تزال النفقات العمومية موجهة بشكل كبير نحو القطاعات التي تحظى بالأولوية. وتأتي وزارة المالية في الصدارة بميزانية قدرها 3.384 ألف مليار دينار (25.07 مليار دولار)، تليها وزارة الدفاع (تقريباً مستوى الإنفاق نفسه)، ثم وزارة التعليم بـ1.851 ألف مليار دينار (13.71 مليار دولار). وبعد ذلك تأتي وزارات الداخلية والجماعات المحلية والنقل بـ1.535 ألف مليار (11.37 مليار دولار)، ثم قطاع الصحة بـ1.048 ألف مليار دينار (7.76 مليار دولار).

إجراءات مشددة ضد غسل الأموال

يكرس مشروع قانون المالية لسنة 2026 توجهاً واضحاً نحو تعزيز الانضباط المالي، من دون فرض ضرائب جديدة، مع التركيز على مكافحة التهرب الضريبي والاقتصاد غير الرسمي، الذي يُقدّر بما بين 50 و60 مليار دولار.

جانب من العرض العسكري الذي نظم عام 2024 (وزارة الدفاع)

ويهدف المشروع، حسبما ورد في نصه، إلى تشديد الإجراءات الردعية من خلال رفع الغرامات، خصوصاً المرتبطة بضريبة القيمة المضافة، كما يتضمن إجراءات مشددة ضد غسل الأموال، وتهريب رؤوس الأموال، من بينها توحيد سقف التصريح بالعملة الصعبة عند الحدود إلى 1000 يورو، أو ما يعادله، مع منح مصالح الجمارك صلاحيات أوسع لحجز الأموال والتحقيق في مصدرها. كما يُمنع إرسال العملات والمعادن الثمينة عبر البريد أو البريد السريع، وتُخضع تجارة المعادن الثمينة لترخيص مسبق.

على صعيد آخر، يتوقع المشروع تراجعاً تدريجياً في صادرات المحروقات والجباية النفطية حتى عام 2028، مقابل زيادة في الإيرادات الجبائية العامة. كما تواصل الدولة تخصيص ميزانيات كبيرة للدعم الاجتماعي، حيث ستبلغ ميزانية 2026 نحو 16.861 ألف مليار دينار، منها 5.753 ألف مليار دينار موجهة للدعم، بما في ذلك 4.20 مليار لمنحة البطالة.

كما يشمل النص أيضاً تعديل ضريبة الوقود على المركبات العابرة للحدود، وزيادة الضرائب على وسائل الرفاهية، مثل اليخوت والدراجات المائية، إضافة إلى مراجعة آليات ممارسة الدولة حق الشفعة على العقارات لتقليص آجال التنفيذ، وتحديد الاستثناءات بوضوح.

بشكل عام، يعكس مشروع قانون المالية 2026 توجهاً نحو تقليص الاعتماد على النفط، وتعزيز الرقابة المالية، وتوسيع الوعاء الضريبي، مع الحفاظ على التوازن الاجتماعي عبر استمرار الدعم الحكومي.

ويُسجل النص إجراء جديداً يتعلق بحق الشفعة للدولة على العقارات، حيث يقترح مشروع القانون تقليص المهلة الممنوحة لممارسة هذا الحق، وتحديد الاستثناءات التي لا يمكن فيها تطبيقه بشكل أوضح.

ويشير النص إلى أن جميع البضائع المصادرة لصالح الدولة بموجب أحكام قضائية نهائية، ستكون معفاة من دفع الرسوم والضرائب الجمركية، وكذا الغرامات المتعلقة بتأخير التسوية، شرط أن تكون عملية الاستيراد قد تمت وفقاً للتشريعات المعمول بها.

عمليات مكثفة ضد التهريب على الحدود تمت في السنوات الأخيرة (وزارة الدفاع)

ويقترح مشروع قانون المالية 2026 أيضاً «مراجعة تصاعدية» للتعريفة الخاصة بالضريبة المفروضة على شراء اليخوت وقوارب النزهة، مع توسيع نطاق تطبيقها لتشمل الدراجات البحرية، حيث تم تحديد الضريبة الخاصة بها بـ400 ألف دينار.


مقالات ذات صلة

«عراقيل» الترشح للانتخابات الجزائرية تفجر جدلاً سياسياً حادّاً

شمال افريقيا رئيس سلطة الانتخابات مع وزير الشباب ومستشارين بالرئاسة في لقاء مع كوادر من هيئة الانتخابات (السلطة)

«عراقيل» الترشح للانتخابات الجزائرية تفجر جدلاً سياسياً حادّاً

يحتدم جدل كبير في الجزائر حالياً بين هيئة تنظيم الانتخابات وأحزاب المعارضة، بخصوص «تأخر» المصادقة على الترشيحات الخاصة بالاستحقاق التشريعي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

تتسارع الجهود الأوروبية بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط» يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

«قانون استرجاع الممتلكات الثقافية» الفرنسي يعمق «أزمة الذاكرة» مع الجزائر

يرى مراقبون أن أي تقارب محتمل بين الجزائر وفرنسا بات بعيد المنال في ظل التعقيدات القانونية التي استحدثها البرلمان الفرنسي بخصوص «ملف استرداد الممتلكات الثقافية»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية في تجمع دعائي بشرق العاصمة تحسباً للانتخابات التشريعية (إعلام حزبي)

الجزائر: سباق انتخابي تحت ضغط شكوك «النزاهة»

أطلقت الأحزاب الجزائرية حملة مزدوجة تحسباً للانتخابات التشريعية، المقررة في 2 يوليو (تموز) المقبل، تتركز في مسارين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا البابا ببيت الراهبات في عنابة (فاتيكان نيوز)

البابا يختتم جولته في الجزائر بوقفة إنسانية عند «مهد القديس أغسطينوس»

أكد البابا ليو الرابع عشر، الثلاثاء، خلال لقائه نزلاء «دار المسنين» في عنابة، أن «رسالة السماء تنحاز دوماً إلى المستضعفين».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

إدارة ترمب تُجدد التزامها بإنهاء الحرب في السودان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

إدارة ترمب تُجدد التزامها بإنهاء الحرب في السودان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

مع مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب في السودان، جدّدت الولايات المتحدة تأكيد التزامها بإنهاء النزاع في هذا البلد العربي الأفريقي، بالتزامن مع فرض عقوبات جديدة على 5 أفراد وكيانات متورطة في تجنيد ونشر عسكريين كولومبيين سابقين للقتال ضمن صفوف «قوات الدعم السريع»، بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي».

وأعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية (أوفاك) أن «هذه الشبكة أسهمت في تأجيج الصراع، ما أدى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والمجاعات في العالم». وأضاف أن «الحرب زادت من زعزعة استقرار منطقة هشّة أصلاً، وتهيّأت معها الظروف لتوسع الجماعات الإرهابية، وتهديد السلام والأمن الإقليميين والدوليين، بما في ذلك سلامة ومصالح الولايات المتحدة».

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إنه «من غير المقبول أن قادة القوات المسلحة السودانية و(قوات الدعم السريع) لم يلتزموا بهدنة إنسانية لمعالجة المجاعة المدمرة التي خلفتها الحرب الأهلية في السودان. يجب عليهم التحرك لإنهاء هذه الأزمة الإنسانية فوراً». وأفاد الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، في بيان أنه «منذ أبريل (نيسان) 2023، قُتل أكثر من 150 ألف شخص، ونزح أكثر من 14 مليوناً، ولا تزال المجاعة مستمرة في المناطق المتضررة من النزاع».

وأكد التزام إدارة الرئيس دونالد ترمب بـ«تحقيق سلام دائم في السودان، ويتجلّى ذلك في تقديم الولايات المتحدة 20 مليون دولار مساعدات غذائية طارئة في مارس (آذار)، و200 مليون دولار تبرعت بها أخيراً خلال نداء العمل لصندوق السودان الإنساني الذي استضافته الولايات المتحدة في فبراير (شباط) الماضي».

وأضاف بيغوت أن الولايات المتحدة تدعو كلاً من القوات المسلحة السودانية و«قوات الدعم السريع» إلى قبول هدنة إنسانية فورية لمدة 3 أشهر من دون شروط مسبقة بغية «تهيئة المجال لمفاوضات تهدف إلى وقف دائم لإطلاق النار». وتحضّ «كل الجهات الخارجية على وقف الدعم المالي والعسكري للأطراف المتحاربة».

وقالت وزارة الخزانة، في بيان، إن الإجراء العقابي الأخير اتّخذ بموجب القرار التنفيذي الذي اتخذته الرئيس ترمب لـ«فرض عقوبات على أشخاص معينين يزعزعون استقرار السودان، ويقوضون هدف الانتقال الديمقراطي».

وكانت الولايات المتحدة قد أدرجت حميدتي على قائمة العقوبات في 7 يناير (كانون الثاني) 2025، غداة اتهام قواته بارتكاب إعدامات ميدانية، وهجمات بدوافع عرقية، وأعمال عنف جنسي وتعذيب في مختلف المناطق الخاضعة لسيطرتها، بما في ذلك الجنينة في غرب دارفور عام 2023، والفاشر في شمال دارفور خلال عامي 2024 و2025.

وفي يناير 2025، خلصت وزارة الخارجية الأميركية إلى أن أفراداً من «قوات الدعم السريع» والميليشيات المتحالفة معها «ارتكبوا إبادة جماعية في السودان». كما كانت قد توصلت، في ديسمبر (كانون الأول) 2023، إلى أن «أفراداً من (قوات الدعم السريع) ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى عمليات تطهير عرقي».

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد. ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار غارسيا باتي، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وأفادت الوزارة بأن الضابط الكولومبي المتقاعد ألفارو أندريس كيخانو بيسيرا «يلعب دوراً محورياً في تجنيد ونشر أفراد عسكريين كولومبيين سابقين في السودان». وأضافت كيخانو وزوجته، كلوديا فيفيانا أوليفروس فوريرو، أسسا وكالة الخدمات الدولية في كولومبيا، التي اعتمدت على شركة «تالينت بريدج» في بنما، لتوظيف المقاتلين الكولومبيين.

وأسس كيخانو وأوليفروس شركة «فينيكس» للتوظيف بديلاً لوكالة الخدمات الدولية. ويديرها المواطن الكولومبي خوسيه ليباردو كيخانو توريس.

أما الجنرال السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار غارسيا باتي، فهو يملك شركة توظيف في بوغوتا. وقام من خلال شركته بتجنيد أفراد عسكريين كولومبيين سابقين للقتال في السودان ضمن «قوات الدعم السريع». كما قام خوسيه غارسيا باتي بتجنيد عسكريين كولومبيين سابقين للمشاركة في النزاع الدائر بين روسيا وأوكرانيا.


ليبيا تكثّف تحركاتها دولياً لمكافحة «غسل الأموال»

اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)
اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)
TT

ليبيا تكثّف تحركاتها دولياً لمكافحة «غسل الأموال»

اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)
اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)

كثَّفت ليبيا تحركاتها ونقاشاتها مع مسؤولين بصندوق النقد والبنك الدوليَّين أخيراً بشأن متطلبات «مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب»، وهي الممارسة التي تقر السلطات النقدية بأنَّها تمثل عبئاً يثقل الاقتصاد الليبي، في وقت يظل فيه مشروع القانون المُنظِّم لهذه الجريمة عالقاً داخل مجلس النواب، ما يضع البلاد أمام تحدٍ مُعقَّد يجمع بين متطلبات الامتثال الدولي، وإشكاليات الانقسام السياسي والتشريعي.

الاجتماع المغلق لـ«اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية» في واشنطن (المصرف المركزي الليبي)

وخلال مشاركته في «اجتماعات الربيع» لصندوق النقد والبنك الدوليَّين، شدَّد محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، على أنَّ بلاده باتت جاهزةً فنياً، بدعم من البنك الدولي ومؤسسات دولية متخصصة، للدخول في عملية التقييم التي تعتزم إجراءها «مجموعة العمل المالي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

وجاءت تصريحات عيسى خلال مشاركته في اجتماع مع المدير الإقليمي لدائرة المغرب العربي ومالطا بـ«البنك الدولي»، أحمدو مصطفى ندياي، الجمعة، حيث أجرى سلسلة من اللقاءات مع مسؤولين في مؤسسات مالية كبرى، ركزت على تعزيز جاهزية ليبيا المؤسسية والتقنية، وضمان توافق منظومتها المالية مع المعايير الدولية، بما يسهم في حماية الاقتصاد الليبي من المخاطر المرتبطة بالتدفقات المالية غير المشروعة.

لقاء محافظ مصرف ليبيا المركزي ونظيره الصيني في واشنطن... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)

في السياق ذاته، ناقش المسؤول الليبي مع محافظ «بنك الصين الشعبي» (المركزي الصيني)، بان قونقتشينغ، الاستفادة من التجربة الصينية في مجال المدفوعات الإلكترونية والتحويلات المباشرة، بما يسهم في تقليص التعاملات غير الرسمية، وتعزيز الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحسين صورة القطاع المصرفي الليبي، وفق بيان صادر السبت.

كما شملت التحركات الليبية، على هذا المضمار، محادثات سابقة لمحافظ المصرف المركزي مع مسؤولين في صندوق النقد الدولي بخصوص الأطر القانونية المرتقبة، وعلى رأسها مشروع قانون «مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب»، الذي يمثل حجر الزاوية في أي عملية تقييم دولي، بحسب «المركزي»، وذلك عقب لقاءين منفصلين مع نائب المستشار العام للشؤون القانونية برين باتيرسون، ورئيسة دائرة الأسواق النقدية بالصندوق أتيلا كساجبوك، خلال الأيام الماضية.

وامتدت التحركات الليبية إلى الولايات المتحدة، حيث بحث عيسى مع مساعد وزير الخزانة الأميركي، إريك ماير، آليات الحدِّ من تهريب العملة الأجنبية، خصوصاً عبر الاعتمادات المستندية والسوق الموازية، بوصفها من أبرز قنوات مخاطر غسل الأموال. كما تناول اللقاء سبل تعزيز ضبط التحويلات المالية، ورفع مستوى الشفافية في العمليات المصرفية، وهو ما شمل أيضاً مباحثات مع مسؤولي شركة «فيزا».

ورغم هذا الحراك الخارجي المكثف، فإنَّ العقبة الرئيسية تبقى داخلية، حيث لا يزال مشروع القانون الجديد لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب معطلاً في مجلس النواب منذ أكثر من عامين، دون مؤشرات واضحة على قرب اعتماده.

وفي هذا السياق يرى خبراء قانونيون أنَّ التشريعات الحالية، بما فيها القانون الصادر عام 2005، لم تعد قادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في معايير مكافحة غسل الأموال، في حين يظل القانون الصادر عام 2017 محل جدل قانوني؛ بسبب إشكاليات عدة تتعلق بشرعية إصداره، وهو ما حدَّ من تطبيقه فعلياً.

وكان محافظ المصرف المركزي الليبي قد حذَّر في أبريل (نيسان) الحالي من أنَّ استمرار هذا التعطل التشريعي قد يؤدي إلى تداعيات جسيمة، من بينها تراجع الثقة الدولية في النظام المالي الليبي، واحتمال تعرُّض البلاد لإجراءات رقابية مُشدَّدة، أو قيود على تعاملاتها المالية الخارجية.

جلسة لمجلس النواب الليبي في يناير الماضي (إعلام المجلس)

وبحسب مصدر برلماني تحدَّث لـ«الشرق الأوسط» فقد سبق أن أُحيل مشروع القانون في صيغته الحديثة خلال عام 2023، بعد مناقشات داخل لجنة التخطيط والمالية، وبمشاركة جهات فنية، من بينها «وحدة المعلومات المالية» بالمصرف المركزي، بهدف تحديث المنظومة القانونية، بما يتماشى مع المعايير الدولية في مكافحة الجرائم المالية.

وعزا المصدر ذاته، الذي فضَّل عدم ذكر اسم، عدم إقرار القانون في البرلمان إلى «الانقسام السياسي، الذي أثَّر بشكل مباشر في عمل المؤسسة التشريعية، حيث حالت الخلافات بين الأطراف المختلفة دون التوافق على تمرير قوانين مهمة»، مشيراً إلى «اعتراضات ظهرت داخل مجلس النواب على بعض مواد المشروع، دفعت عدداً من الأعضاء إلى المطالبة بتأجيله لإجراء مزيد من المراجعات القانونية والفنية؛ وهو ما أدى إلى تعطيل طرحه للتصويت».

وأشار المصدر أيضاً إلى أن «العراقيل السابقة تفاقمت لتزامنها مع فترة كان فيها مصرف ليبيا المركزي محور خلاف وتوتر، بشأن تغيير المحافظ السابق الصديق الكبير».

وتعكس هذه التحديات واقعاً أوسع، إذ يشير أحدث تقرير صادر عن «منظمة الشفافية الدولية» إلى تراجع ليبيا في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، إذ جاءت ضمن أكثر الدول فساداً عالمياً، ما يزيد من احتمالات استغلال بيئتها المالية في أنشطة غير مشروعة.

ويرى مسؤولون سابقون ومحللون اقتصاديون أنَّ الانقسام السياسي والمؤسسي، الذي طال حتى الجهات السيادية والرقابية، يمثل أحد أبرز العوائق أمام تطبيق معايير مكافحة غسل الأموال، في ظلِّ تعدد مراكز القرار، وضعف التنسيق بين المؤسسات المعنية. كما يشيرون أيضاً إلى أنَّ بعض التحويلات المالية تتم خارج الأطر الرسمية، ما يعقِّد جهود الرقابة، ويزيد من مخاطر غسل الأموال.

واجهة البنك المركزي الليبي بطرابلس (رويترز)

وسبق أن تحدَّث العضو السابق بمجلس إدارة المصرف المركزي، مراجع غيث، لـ«الشرق الأوسط» عن «شبهات غسل أموال ضمن عمليات بيع غير قانونية لبطاقات الأغراض الشخصية»، وهي التي تبيعها المصارف للمواطنين بالسعر الرسمي للدولار لأغراض السفر أو العلاج أو الدراسة.

وفي ظلِّ هذه المعطيات، تبدو ليبيا بحسب مراقبين أمام اختبار حقيقي، حيث يتوقَّف نجاحها في اجتياز التقييم الدولي المرتقب على قدرتها على تسريع وتيرة الإصلاحات التشريعية، وتعزيز فاعلية أجهزتها الرقابية، وتوحيد مؤسساتها المالية.


«عراقيل» الترشح للانتخابات الجزائرية تفجر جدلاً سياسياً حادّاً

رئيس سلطة الانتخابات مع وزير الشباب ومستشارين بالرئاسة في لقاء مع كوادر من هيئة الانتخابات (السلطة)
رئيس سلطة الانتخابات مع وزير الشباب ومستشارين بالرئاسة في لقاء مع كوادر من هيئة الانتخابات (السلطة)
TT

«عراقيل» الترشح للانتخابات الجزائرية تفجر جدلاً سياسياً حادّاً

رئيس سلطة الانتخابات مع وزير الشباب ومستشارين بالرئاسة في لقاء مع كوادر من هيئة الانتخابات (السلطة)
رئيس سلطة الانتخابات مع وزير الشباب ومستشارين بالرئاسة في لقاء مع كوادر من هيئة الانتخابات (السلطة)

يحتدم جدل كبير في الجزائر حالياً بين هيئة تنظيم الانتخابات وأحزاب المعارضة، بخصوص «تأخر» المصادقة على الترشيحات الخاصة بالاستحقاق التشريعي، المقرر في الثاني من يوليوز (تموز) 2026.

أفادت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، الجمعة، بحسابها بالإعلام الاجتماعي، بأنها اطلعت على «ملاحظات بعض الأحزاب السياسية الراغبة في تشكيل قوائم مترشحين لانتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني»، من دون تسمية هذه الأحزاب. موضحة أن عملية سحب استمارات التوقيع الفردي «تسير بشكل عادي، من خلال المتابعة الآنية عبر المنصة الرقمية المعدة لهذا الغرض، وذلك على مستوى جميع ولايات الوطن، بما فيها الولايات المستحدثة، عبر مقر المنسق الولائي بالولاية الأم».

من حملة الدعاية للانتخابات البرلمانية (الشرق الأوسط)

كما أوضحت أن استمارات التوقيع الفردي «متوفرة بعدد كافٍ يسمح لقوائم المترشحين بإضافة سحب جديد، وهو ما يتم تتبعه عبر المنصة الرقمية يومياً، وبصفة آنية».

وبخصوص عملية التصديق على استمارات التوقيع الفردي، أوضحت «سلطة الانتخابات» أنه «بإمكان الناخبين المعنيين المصادقة على التوقيع أمام الضباط العموميين، وهم الأمين العام للبلدية، وضابط الحالة المدنية، والموثق، والمحضر القضائي، والمترجم والترجمان الرسمي، ورئيس المركز الدبلوماسي أو القنصلي، أو أي موظف مفوض بذات المركز». ودعت «جميع المتدخلين في العملية الانتخابية إلى ضرورة السهر على حسن سير العمليات الانتخابية، والعمل على تدارك النقائص والاختلالات المبلَّغ عنها».

غربلة المرشحين

جاءت «توضيحات» الهيئة المكلفة بتنظيم الانتخابات، كرد على انتقادات حادة للحزبين المعارضين «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» و «حزب العمال».

فقد ذكر الأول في بيان، تناول فيه التحضيرات للانتخابات بولاية بجاية (250 كلم شرق العاصمة) التي تعد أحد معاقله الانتخابية، أن ما يجري في هذه الولاية «ليس مجرد اختلال بسيط، ولا سوء تفاهم إداري؛ بل هو عرقلة صريحة للممارسة الديمقراطية الحرة»، لافتاً إلى أن العديد من المجالس البلدية التابعة لبجاية «تشهد رفضاً متعمداً من طرف الإداريين التوقيع والمصادقة على استمارات التوقيعات»، موضحاً أنه رغم التعليمات التي أصدرتها «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، بهذا الخصوص، «فإن سؤالاً يبقى مطروحاً: ما جدوى هذه التعليمات إذا ظلت دون أثر ميداني؟».

رئيس السلطة الوطنية للانتخابات (السلطة)

ووصف «التجمع» حصيلة جمع التوقيعات بـ«المفزعة«؛ فمن بين 52 بلدية تضمها ولاية بجاية، هناك 3 بلديات فقط هي التي تنجز عملية المصادقة في ظروف عادية، حسب الحزب، مشيراً إلى أن «هذا الرقم الهزيل يثبت حقيقة لا تقبل الجدل: حيثما توجد إرادة سياسية يُطبق القانون، وفيما عدا ذلك، يتم الالتفاف عليه عن قصد، بل ودوسه». وأضاف الحزب موضحاً: «لم نعد أمام تجاوزات معزولة، بل أمام نظام تعطيل منظم، يهدف إلى غربلة الدخول إلى المنافسة الانتخابية؛ فمنع المصادقة على التوقيعات يعني منع المترشحين من التقدم، ومصادرة خيار المواطنين، والمساس بالمبدأ الأساسي للمساواة بين الفاعلين السياسيين».

بيان سلطة الانتخابات يتضمن «ملاحظات بعض الأحزاب السياسية» حول الاقتراع المقبل (سلطة الانتخابات)

وندد الحزب بـ«صمت السلطة الوطنية للانتخابات أمام استمرار هذه العراقيل؛ ما يطرح تساؤلات حول ضعف مصداقيتها؛ فالهيئة الانتخابية التي تتسامح مع عدم تطبيق توجيهاتها الخاصة تتخلى عن مهمتها».

أما «حزب العمال» فقد عبَّر، في بيان، عن «قلق بالغ بعد مرور 12 يوماً من عمر استدعاء الهيئة الناخبة (يسبق موعد الانتخابات بثلاثة أشهر)، دون تمكين قوائم الترشيحات من حقوقها القانونية؛ إذ أدى التأخر في توفير الاستمارات، وتعيين المنسقين إلى تقليص الحيز الزمني المتاح للمترشحين، في خرق واضح للنصوص التنظيمية»، مشيراً إلى أن «ما يفاقم الوضع هو العجز الإداري المسجل في البلديات، التي فشلت حتى الآن في تعيين أعوان المصادقة؛ ما أجبر المواطنين على التنقل دون جدوى إلى مقار البلديات، وأعاد مخاوف العودة إلى الممارسات المشؤومة، التي تضرب مصداقية الانتخابات في الصميم».

«نية مبيّتة للإقصاء»

في تقدير الحزب ذي التوجه اليساري، فإن الارتباك الذي يسود المناخ الإداري حالياً يعوق المسار الانتخابي؛ «فرغم مساعينا الحثيثة مع السلطة المستقلة لرفع العراقيل، فلا تزال العقبات قائمة؛ ما يضعنا أمام مفارقة صادمة تفرض سؤالاً مشروعاً: كيف يعقل أن تعجز الإدارة عن توفير الضمانات الدنيا لسير العملية الانتخابية، رغم أن استدعاء الهيئة الناخبة يفترض جاهزية مسبقة وشاملة لجميع الترتيبات؟».

الأمينة العامة لحزب العمال في اجتماع بكوادر الحزب (إعلام حزبي)

وأكد الحزب أن تشكيلات سياسية ومرشحين مستقلين تواصلوا مع قيادته «بغرض البحث عن حل للعقبات التي يواجهونها، تماماً كما نواجهها نحن»، موضحاً أنه «من حقنا أن نستنتج بأن الانحرافات المسجلة قد تعكس نوايا سياسية مبيتة للإقصاء، صادرة عن أطراف سياسية على المستوى المحلي، تسعى لإفشال المسار الانتخابي، أو إبعاد قوائم تزعجها مشاركتها.

عودة قوية لوزارة الداخلية

شهدت إدارة العمليات الانتخابية مؤخراً، إعادة ترتيب ذات طابع فني وقانوني، أثرت عملياً في توازن الصلاحيات بين هيئة الانتخابات وبين وزارة الداخلية. فعند إقرار دستور 2020، كان الهدف المعلن هو إسناد تنظيم الانتخابات والإشراف عليها إلى هيئة مستقلة، بما يعزز الثقة بالعملية الانتخابية، ويقلل من دور الإدارة التقليدية.

ملصق دعائي خاص باستحقاق 2 يوليو المقبل (الشرق الأوسط)

غير أن تعديلات «تقنية»، بحسب توصيف رئاسة الجمهورية، تم إدخالها على إدارة الانتخابات، أقرها البرلمان في 26 مارس (آذار) الماضي، أفرزت إعادة توزيع بعض المهام بشكل جعل الجانب التنفيذي للعملية الانتخابية، خصوصاً ما يتعلق بالتحضير الميداني، واللوجيستيك وإدارة القوائم الانتخابية، أقرب إلى وزارة الداخلية التي تملك أصلاً شبكة إدارية واسعة عبر الولايات والبلديات.

وفي المقابل، احتفظت «السلطة المستقلة» بدور الإشراف العام، ومراقبة سير العملية، وإعلان النتائج، لكن قدرتها على التحكم المباشر في تفاصيل التنفيذ تقلصت مقارنة بالتصور الأولي عند إنشائها.

وفهم هذا التحول على أنه محاولة لضمان فاعلية أكبر، من خلال الاستفادة من خبرة الإدارة المحلية، لكنه في نظر منتقدين يعكس تراجعاً نسبياً عن فكرة الاستقلالية الكاملة؛ لأن نزاهة الانتخابات، في نظر المعارضة خصوصاً، لا ترتبط فقط بمراقبتها، بل أيضاً بمن يدير مفاصلها اليومية على الأرض.

ووفقاً لمتابعين، قادت التعديلات الجديدة إلى تحجيم دور «السلطة» ليصبح رقابياً تنظيماً، مقابل عودة قوية لوزارة الداخلية في الجانب التنفيذي؛ الأمر الذي أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول طبيعة التوازن بين استقلال القرار والفاعلية الميدانية في تسيير الانتخابات.