رمضان في غزة... زينة بين الأنقاض والخيام وسط صعوبات معيشية (صور)

أنوار تتلألأ وأطفال يلهون في خان يونس بغزة قبل ساعات من استقبال شهر رمضان الكريم (إ.ب.أ)
أنوار تتلألأ وأطفال يلهون في خان يونس بغزة قبل ساعات من استقبال شهر رمضان الكريم (إ.ب.أ)
TT

رمضان في غزة... زينة بين الأنقاض والخيام وسط صعوبات معيشية (صور)

أنوار تتلألأ وأطفال يلهون في خان يونس بغزة قبل ساعات من استقبال شهر رمضان الكريم (إ.ب.أ)
أنوار تتلألأ وأطفال يلهون في خان يونس بغزة قبل ساعات من استقبال شهر رمضان الكريم (إ.ب.أ)

في إحدى خيام دير البلح بوسط قطاع غزة، تحاول الأسر الاحتفاظ بلمسة الفرح لشهر رمضان رغم صعوبات الحياة اليومية. جوانة (11 عاماً) وشقيقتها تيمة، بمساعدة والدتهما صفاء الحسنات، صنعن زينة رمضان من الورق المقوى المستخرج من كراتين المساعدات الغذائية، فيما استخدمن المناديل الورقية لتشكيل ورد أبيض حول هلال كارتوني.

تقول صفاء الحسنات لـ«الشرق الأوسط»، وهي أم لأربعة أطفال: «استقبال شهر رمضان في غزة، والقيام بأجوائه رفاهية صعبة المنال، في ظل أوضاع إنسانية ومعيشية صعبة، فالفانوس تحول لقصاصات ورق معتمة بلا ضوء، خصوصاً في ظل وجود آلاف السكان في خيام مهترئة لا تقي برد الشتاء أو حر الصيف».

هلال مصنوع من الورق وزينة من المناديل في خيمة صفاء الحسنات بدير البلح (الشرق الأوسط)

وتوقفت الحرب في قطاع غزة منذ سريان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد أسابيع من القصف والدمار، خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة. ومع أن الهدوء النسبي منح السكان فرصة لالتقاط الأنفاس، فإن القطاع لا يزال يواجه صعوبات معيشية حادة؛ إذ يعاني الأهالي نقصاً حاداً في السلع الأساسية، وانقطاعاً متكرراً للكهرباء، وأزمة في مياه شرب نظيفة، بالإضافة إلى تدمير المنازل والبنية التحتية، مما يضاعف من تحديات الحياة اليومية.

فتاة تحمل فانوساً استعداداً لاستقبال شهر رمضان المبارك في خان يونس (إ.ب.أ)

والكهرباء محدودة في غزة، لذا يعتمد الأطفال على بطارية صغيرة لتشغيل الزينة الرمضانية، في حين تحاول الأسر التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية؛ عبر الاعتماد على الزينة الورقية والمواد المتاحة لتوفير مسحة فرح للأطفال.

نقص السلع الأساسية وارتفاع الأسعار

تقول صفاء الحسنات: «أهالي قطاع غزة للأسف يستقبلون رمضان بالألم والفقد وصعوبة المعيشة... الاحتلال الإسرائيلي يتعنت في إدخال المساعدات للسكان. الأوضاع المعيشية كارثية. الآلاف من السكان فقدوا عملهم وزادت معدلات البطالة، وبات أكثر من 90 في المائة من السكان يعتمدون على المؤسسات الدولية في تلبية احتياجاتهم الأساسية».

فلسطينيون يعلقون الزينة فوق أنقاض منازلهم المدمرة استعداداً لاستقبال شهر رمضان المبارك في خان يونس (إ.ب.أ)

تشكو الأم كذلك زيادة مستمرة لأسعار السلع في غزة، وتقول صفاء الحسنات: «للأسف ما زالت الأسعار مرتفعة، خصوصاً ما يتعلق بالاحتياجات الضرورية للسكان، هذا إن وجدت، حيث إن الاحتلال تعمّد إدخال الكماليات من حاجيات السكان ومتطلباتهم؛ مثل السكريات والدهون والكربوهيدرات، وقلّل من السلع الأساسية كاللحوم والخضراوات والفواكه المهمة وغاز الطهي، لذا فما هو متوفر سعره غالٍ قياساً بالأوضاع الاقتصادية للسكان ومصادر دخلهم المحدود».

وشهدت أسعار السلع الأساسية في غزة ارتفاعاً حاداً، حيث سجل مؤشر أسعار المستهلك في قطاع غزة زيادة قياسية بنسبة 43.21 في المائة في مايو (أيار) الماضي، مقارنة بشهر أبريل (نيسان) من العام نفسه، نتيجة استمرار العدوان الإسرائيلي ومحدودية دخول الشاحنات التجارية التي نقلت السلع إلى القطاع، مما أدى إلى نقص حاد في الدجاج واللحوم والفواكه ومنتجات الألبان والبيض، وفق الجهاز المركزي للإحصاء.

توقفت الحرب واستمرت المعاناة

وعن تغير الاستعداد للشهر الكريم مقارنة بالأعوام السابقة، تقول الأم الأربعينية: «بالطبع اختلف، فالخيام هي ملجأ السكان للعيش بلا أمان بسبب استمرار القصف رغم إعلان وقف النار، وموائد العائلات باتت حزينة بسبب المقاعد الفارغة لأصحابها الذين رحلوا، فضلاً عن عدم مقدرة السكان على تلبية احتياجات رمضان من مأكل ومشرب مثل كل عام قبل الحرب».

مظاهر من الاستعداد لشهر رمضان في خان يونس بغزة (إ.ب.أ)

وتقول صفاء الحسنات إن هذا العام خفت حدة القصف الذي طال القطاع، لكنه لم يتوقف، وتتابع: «رمضان العام الماضي بدأته إسرائيل باستئناف الحرب التي كانت أشد من السابق، فضلاً عن إغلاق المعابر بشكل كامل، كما اختلف في عدد القبور التي يمكن زيارتها من قبل السكان، فالأعداد فاقت التصور».

ويتفق معها المصور الحر عطية درويش (38 عاماً)، ويقول: «رمضان يختلف من حيث المشاعر والظروف. فقبل الحرب، رغم الحصار، كانت الحياة أكثر استقراراً نسبياً. أما اليوم، فيحمل رمضان طابعاً إنسانياً أعمق، تسوده مشاعر الفقد والصبر».

بين المنازل المدمرة يعلق فلسطينيون الزينة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

ويستطرد درويش أن المظاهر الرمضانية في قطاع غزة تغيرت بعد الحرب، إذ أصبحت الأولوية لتأمين الاحتياجات الضرورية، وتراجعت مظاهر الزينة والولائم الكبيرة، كما أن التجمعات العائلية قد تكون أقل بسبب ظروف السكن والنزوح.

الاعتماد على المساعدات الإنسانية

ويرصد درويش استقبال الأهالي لشهر رمضان في غزة بمزيج من الارتياح الحذر والألم؛ فوقف إطلاق النار منح الناس فرصة لالتقاط الأنفاس، لكن آثار الحرب ما زالت حاضرة في البيوت المهدّمة، وفقدان الأحبة، وصعوبة الأوضاع المعيشية. رغم ذلك، يحرص كثيرون على إحياء أجواء الشهر بروح إيمانية عالية وشعور بالتكافل.

ويقول درويش: «الأوضاع لا تزال صعبة؛ نسبة كبيرة من الأسر تعاني تراجع الدخل أو فقدانه، مع استمرار تحديات الكهرباء والمياه والخدمات. كما أن عملية إعادة الإعمار بطيئة، ما ينعكس على الاستقرار اليومي للعائلات».

أوضاع معيشية صعبة تمر بقطاع غزة لم تمنع سكانها من الاستعداد لاستقبال شهر رمضان (إ.ب.أ)

وعن توفر السلع الأساسية، يقول درويش: «يتوفر جزء كبير من السلع، لكن ليس دائماً بالكميات الكافية أو بالأسعار المناسبة للجميع. بعض الأصناف قد تشهد نقصاً مؤقتاً، خصوصاً اللحوم وبعض المواد المستوردة، في حين تتوافر الخضراوات والمواد الأساسية بشكل أفضل نسبياً، وتشهد بعض السلع الأساسية ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالأعوام السابقة بسبب تكاليف النقل وقلة المعروض في فترات معينة». ويختتم درويش حديثه بأن الأسر في غزة تركز على الأساسيات إن وجدت، إذ إن كثيراً من العائلات يعتمد على المساعدات الإنسانية.

متمسكون بالأمل رغم غياب الأحبة

تحاول أسرة أسماء مصطفى، وهي معلمة في غزة، أن تتغلب على حزن الفقد بقليل من الفرح استعداداً لاستقبال شهر رمضان. تقول المعلمة إن «الأسرة فقدت ابن شقيقتي وسيم (14 عاماً)، بعدما قُتل على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال أيام المجاعة والحصار في معبر زكيم أثناء بحثه عن «خبز» في يوليو (تموز) الماضي».

وتضيف أسماء مصطفى، التي تسكن في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط» أنها كانت قبل الحرب تعتاد تعليق الزينة خارج شرفة منزلها، لكن الأمر اقتصر هذا العام على زينة بسيطة داخل المنزل. وتتابع: «بحثت عن فوانيس لابنتيّ سارة (10 سنوات) وسندس (9 سنوات) ولم أجد، فاكتفينا بالزينة». وقد علقت الزينة أمام صورة وسيم في غرفتيهما.

صورة للطفل وسيم الذي قتله جيش الاحتلال الإسرائيلي في يوليو الماضي (الشرق الأوسط)

وتتابع أسماء مصطفى (39 عاماً): «نستقبل رمضان بقلوب مثقلة بالجراح والفقد. موائد الإفطار باتت تضم مقاعد فارغة أكثر من كل عام؛ إذ أصبح لدينا شهداء، لكننا ما زلنا نتمسك ببقايا طقوس صغيرة، وكأننا نعيش على الأمل والدعاء في الشهر الفضيل».

سارة (10 سنوات) وسندس (9 سنوات) بعد تعليق الزينة استعداداً لشهر رمضان في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (الشرق الأوسط)

وتؤكد الأم أن سكان الخيام في غزة، رغم الدمار والخراب، يتحلون بإصرار على البقاء والحياة، مضيفة: «أغلب الناس فقدوا مصادر دخلهم، وغالبية السكان تعتمد على المساعدات الغذائية. الاحتياجات الأساسية أصبحت أمنيات تُرجى، ونحن نستعد لرمضان بما يتوفر».

ومنذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر الماضي، قتل 601 شخص، إلى جانب 1607 حالات إصابة، جراء القصف الإسرائيلي في القطاع، وفقاً لوزارة الصحة بغزة.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

أظهر استطلاع بحثي، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييماً إيجابياً للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص «تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع الفلسطيني، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وحظي قرار سلطات كوسوفو بموافقة البرلمان الذي صوّت بالإجماع على تشريع يجيز انضمام عناصر من قوى الأمن في كوسوفو إلى قوّة دولية لإرساء الاستقرار بقيادة أميركية، في حال تشكّلها.

وقد تضمّ هذه البعثة في المجموع نحو 20 ألف جندي، بينهم 8 آلاف إندونيسي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولا يحدّد التشريع عدد العناصر الذين يمكن إرسالهم إلى غزة. وحسب وسائل الإعلام، تعتزم الحكومة إرسال 22 عنصراً.

أما في البوسنة فقد تطرّق وزير الدفاع، زوكان هيليز، إلى هذه المسألة خلال اجتماع في واشنطن مع المسؤول عن الشؤون السياسية العسكرية في وزارة الخارجية الأميركية، ستانلي براون.

وقال هيليز في بيان: «بلغت التحضيرات لهذه المهمّة مرحلة متقدّمة، ونتوقّع أن يشارك فيها أكثر من 60 عنصراً من القوّات المسلّحة في البوسنة والهرسك. وهذا إسهام ملحوظ من بلدنا في السلم والأمن الدوليين».

وقد حظيت مشاركة البوسنة في هذه القوّة بموافقة السلطات في يناير (كانون الثاني).

والتأم «مجلس السلام» الذي أُنشئ أساساً للمساعدة في إعمار غزة بعد الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس»، للمرّة الأولى في واشنطن في فبراير (شباط)، بغية مناقشة سبل تمويل هذه المبادرة وإيفاد عسكريين أجانب إلى القطاع.

وتعهّدت، حينها، إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، المشاركة في القوة.

وما زال تنفيذ هذه المرحلة من خطّة السلام الأميركية في النطاق الافتراضي، مع تمسّك كلّ من إسرائيل و«حماس» بمطالب متناقضة، وتبادلهما التهم بخرق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بعد سنتين من حرب طاحنة شهدها القطاع الفلسطيني، إثر هجوم غير مسبوق لـ«حماس» على الدولة العبرية في 7 أكتوبر 2023.


عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
TT

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد دخول وقف إطلاق النار مع إسرائيل حيّز التنفيذ، شكر فيها «كل من أسهم في الوصول إلى هذا الهدف، من الدول الشقيقة والصديقة والرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول».

وشدد على أن ما تم التوصل إليه «كان خلاصة جهود الجميع، وثمرة التضحيات التي قدمتموها فأيقظت ضمير العالم، وجهود كل من استضاف أو احتضن أخاه في الوطن، وجهود جبارة، بذلها كل المسؤولين اللبنانيين، مع كل أشقائنا وأصدقاء لبنان في العالم».

وأضاف: «تحمّلنا اتهامات وإهانات وتجنياً وأضاليل، ولم نتراجع حتى ظهر أننا على صواب، وحتى تأكّد للعالم كله أنّ ما قمنا به كان الأصلح وهو الأصوب... متأكدون من أننا سنتعرض في المرحلة المقبلة التي ستشهد الانتقال من وقف إطلاق النار إلى العمل على اتفاقات دائمة، لكل الهجمات لسبب بسيط؛ أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن. نحن اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً».

وشدد على أن هذه المفاوضات «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أيٍ كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه. وقال: «لن أسمح بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، أو باستمرار النزف من أهلي وشعبي، من أجل مصالح نفوذ الآخرين أو حسابات محاور القوى القريبة أو البعيدة، وبين الشعارات المضلّلة التي تدمّر، والخطوات العقلانية التي تعمّر، أنا وشعبنا مع العقلانية. أنا أدرك أنكم معي، لأنني أعرف حجم التضحيات التي قدمتموها، وأعرف معنى أنْ يفقد الإنسان أحبّته أو بيته، أو شعوره بالأمان».

وأكد أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية، أو ينتقص من كرامة الشعب الصامد، أو يفرط في ذرّة من تراب هذا الوطن». وحدد أهداف المرحلة المقبلة على النحو الآتي: «وقف العدوان الإسرائيلي على أرضنا وشعبنا، والانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً، وعودة الأسرى، وعودة ناسنا إلى بيوتهم وقراهم موفوري الأمن والحرية والكرامة».

وناشد اللبنانيين أن «يفتحوا قلوبهم وعقولهم ولا يحجبوا الرؤية عن بصرهم ولا الحكمة عن بصيرتهم، بشعارات الاتهامات والتخوين، فالأوطان لا تبنى بالغريزة؛ بل بالوعي والوحدة والثقة».

وختم: «إننا جميعاً في سفينة واحدة؛ فإما أن نقودها بحكمة حتى نصل بها إلى برّ الأمان، وإما أن نغرقها ونغرق معها جميعاً، ولا يحق لأيّ كان أن يرتكب تلك الجريمة، لا بحجة شعار، ولا بغريزة انتحار، ولا ولاء لغير لبنان وشعبه».


ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عجَّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التعبير عن دعمه لوقف إطلاق النار لعشرة أيام بين لبنان وإسرائيل الذي أعلنه، مساء الخميس، الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكذلك فعل جان نويل بارو، وزير الخارجية الذي وصف «الهدنة» بأنها «تشكل مرحلة أولى ضرورية ومرحّباً بها؛ لأنها توفر للسكان فسحة (من الهدوء) بعد عدة أسابيع من النزاع الدموي في لبنان وإسرائيل»، بيد أن ماكرون سارع للإعراب عن «قلقه» من «أن يكون الاتفاق مهدداً بالفعل بسبب استمرار العمليات العسكرية».

والهم الأول للرئيس الفرنسي، بموازاة الاتفاق توفير الأمن للسكان المدنيين» من جانبي الحدود مع وضع الإصبع على الملف الأصعب الذي يتمثل في «تخلي (حزب الله) عن سلاحه، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها بإشارته الى «احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووقف الحرب». وهذه المخاوف عبَّر عنها بارو الذي دعا إلى «الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار» الذي يعني «الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعرّض تنفيذ هذه الهدنة للخطر». وبطبيعة الحال، تريد باريس الذهاب إلى الهدف الأوسع الذي هو «التوصل إلى حل سياسي يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح (حزب الله)، وبما يتيح، على نطاق أوسع، رسم مسار نحو السلام والأمن لكلا البلدين ».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث الخميس إلى وسائل الإعلام قبل صعوده على متن مروحية «مارين وان» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض متوجهاً إلى لاس فيغاس بولاية نيفادا (د.ب.أ)

ولأن فرنسا تعي المخاطر والمطبات التي يمكن أن تعرقل هذا المسار وأهدافه فإنها، وفق ما جاء في إعلان بارو «سوف تظل ملتزمة بشكل كامل، إلى جانب شركائها الأوروبيين والإقليميين والدوليين، بمواكبة العملية الدبلوماسية الجارية».

الدور الفرنسي

أن تشيد باريس بالجهود الأميركية وتحديداً الرئيس ترمب، فلأن ذلك يستجيب لما كانت تطالب به الإدارة الأميركية منذ أشهر طويلة. ودأبت الدبلوماسية الفرنسية على التذكير بأن الجهود التي تبذلها مع واشطن لم تكن تلقى آذاناً أميركية مصغية. من هنا، وأخيراً، فإن اهتمام الرئيس ترمب شخصياً ورعايته اتفاق وقف إطلاق النار يريح فرنسا. وقالت مصادرها إنها لعبت دوراً في «إيصال الرسائل» الى الأطراف المؤثرة في الملف اللبناني بدءاً بالولايات المتحدة والدول العربية الفاعلة، وصولاً إلى الأطراف الأوروبية وأخيراً إلى إيران. وعلم من مصادر رسمية في باريس أن بارو تواصل مع نظيره الأميركي ماركو روبيو بشأن لبنان للنظر في هذه المرحلة وما بعدها.

ليس من العجب أن ترى باريس أن التحديين الرئيسيين اللذين ينتظران السلطات اللبنانية هما من جهة نزع سلاح «حزب الله»، وهو ما التزمت به الدولة اللبنانية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها. من هنا، فإن مصدراً سياسياً فرنسيا رأى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، «يميل لصالح إسرائيل» أقله في نقطتين: الأولى، أنه يعطيها الحق في القيام بعمليات عسكرية حتى ضمن مهلة الأيام العشرة لـ«الهدنة» الأمر الذي يذكر بما كان عليه الوضع بعد التوصل إلى اتفاق وقف النار في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، تذكّر الأمم المتحدة بأن اتفاق 2024 تم انتهاكه 15400 مرة، خصوصاً من جانب إسرائيل بين المدة الممتدة من تاريخ إعلانه وحتى مارس (آذار) الماضي. والنقطة الثانية أن بيان «الخارجية الأميركية» لا يتناول ملف الانسحاب الإسرائيلي، بينما رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لا يخفي طموحه بالاحتفاظ بشريط محتل داخل الأراضي اللبنانية يمتد إلى ما بين 8 و10 كلم، ومن البحر وحتى جبل الشيخ.

الخطوات المتقابلة

من المعروف أن العلاقات الفرنسية ــ الإسرائيلية لا تعيش أحلى أيامها. وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة التي قال فيها إنه «كلما ابتعدت فرنسا عن المفاوضات كان ذلك أفضل» لتكشف عن توترات كامنة بين الطرفين رغم الخطوات التي قام بها بارو، ومنها زيارة إسرائيل مباشرة بعد زيارته الأخيرة للبنان، إلا أن هذا الواقع لا يمنع باريس من تأكيد أنها «ستكون إلى جانب لبنان الذي لا يتعين أن يترك وحيداً». وتعي السلطات الفرنسية أن الرئيس جوزيف عون سيكون بحاجة إلى دعم ومساندة في الأسابيع والأشهر المقبلة لكون لبنان واقعاً بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله». وتخوف باريس أن يكون كل من هذين الطرفين يستخدم الطرف الآخر ليبرر مواقفه؛ حيث إن إسرائيل سترفض الانسحاب ما لم ينزع سلاح «حزب الله»، والأخير لن يتخلى عن سلاحه ما دام الجيش الإسرائيلي لم ينسحب. من هنا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح مبدأ «الخطوات المتقابلة» بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» بالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية؛ لذا، تدعو باريس لـ«خطوات متوازية ومتقابلة»، لكن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق من غير ضغوط أميركية جدية، الأمر الذي يعيد طرح إشكالية إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بعمليات عسكرية بموازاة المفاوضات في حال قيامها ما سيعني عملياً «التفاوض تحت النار».

نازحون لبنانيون عائدون إلى مناطقهم ومنازلهم في الجنب اللبناني بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان (رويترز)

فرنسا: مساعدة «البلد الشقيق»

تلاحظ السلطات الفرنسية لبلادها دوراً في لبنان الذي تؤكد مصادرها أنه الموضوع الأول الذي تطرحه الدبلوماسية الفرنسية في جميع لقاءاته ومساعيها. وعكست الصحافة الفرنسية مخاوف باريس من أن يكون نتنياهو بصدد فرض «خط أصفر» جديد في جنوب لبنان كما فعل في غزة وسوريا. ووضعت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الجمعة عنواناً بارزاً يشير إلى «تحديات الهدنة الهشة للبنان». ورغم اعتبارها أن «دينامية جديدة» انطلقت مع وقف إطلاق النار، الأولى من نوعها منذ عام 1991، فإنها بالمقابل فصلت التحديات الكبرى التي يطرحها الواقع الجديد: نزع سلاح حزب الله، الانسحاب الإسرائيلي ، ملف النازحين والأسرى وإعادة الإعمار وترسيم الحدود البرية... من هنا، سيكون لبنان بحاجة لكل الإرادات الراغبة في المساعدة وعلى رأسها باريس التي ترى أن لها دوراً في مساعدة السلطات وتقويتها، ودعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وللتذكير، فإن مؤتمراً كان مقرراً عقده لهذه الغاية، الشهر الماضي، تأجل لأمد غير محدد. كذلك تريد باريس أن تكون همزة وصل بين لبنان وسورياً خصوصا في ملف ترسيم الحدود الشرقية. وفي أي حال، فإن فرنسا عازمة على مواصلة دعم لبنان دبلوماسياً وإنسانياً وعسكرياً، وهو البلد الذي يسميه ماكرون «البلد الشقيق».