تقرير: هل يبصر النور «مشروع شروق الشمس» لتحويل غزة إلى مدينة عصرية؟

فلسطينيون قرب مبانٍ مدمرة في مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون قرب مبانٍ مدمرة في مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

تقرير: هل يبصر النور «مشروع شروق الشمس» لتحويل غزة إلى مدينة عصرية؟

فلسطينيون قرب مبانٍ مدمرة في مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون قرب مبانٍ مدمرة في مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تسوّق إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لـ«مشروع شروق الشمس» (Project Sunrise)، بين الحكومات الأجنبية والمستثمرين لتحويل ركام غزة إلى وجهة ساحلية مستقبلية، وفق تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال».

وقد أعدّ فريق يقوده جاريد كوشنر، صهر ترمب، والمبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، مسودة مقترح لتحويل القطاع المدمَّر إلى مدينة حديثة. وفي عرضٍ من 32 صفحة بصيغة «باوربوينت»، حافل بصور لأبراج ساحلية عالية إلى جانب رسوم بيانية وجداول تكاليف، يحدّد المخطط خطوات لنقل سكان غزة «من الخيام إلى الشقق الفاخرة»، و«من الفقر إلى الازدهار».

ويحمل العرض صفة «حسّاس لكنه غير سري»، ولا يتضمن تفاصيل حول الدول أو الشركات التي ستموّل إعادة إعمار غزة، كما لا يحدّد على وجه الدقة أين سيقيم نحو مليوني فلسطيني نازح خلال فترة إعادة البناء. وقال مسؤولون أميركيون إن الولايات المتحدة عرضت الشرائح على دول مانحة محتملة.

غير أن بعض المسؤولين الأميركيين الذين اطّلعوا على الخطة يبدون شكوكاً جدّيةً بشأن مدى واقعيتها. فهم يستبعدون أن توافق حركة «حماس» على نزع سلاحها لبدء تنفيذ الخطة. وحتى في حال حدوث ذلك، يشكّكون في قدرة الولايات المتحدة على إقناع دول ثرية بتحمّل تكلفة تحويل بيئة ما بعد الحرب إلى مشهد حضري عالي التقنية.

في المقابل، يرى آخرون أن الخطة تقدّم «أكثر رؤية تفصيلاً وتفاؤلاً حتى الآن» لما يمكن أن تكون عليه غزة إذا ألقت «حماس» سلاحها وطوت صفحة عقود من الصراع.

 

سلاح «حماس»

قال ستيفن كوك، الزميل لشؤون الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية، الذي زار إسرائيل مؤخراً دون أن يطّلع على المسودة: «يمكنهم إعداد ما يشاؤون من عروض الشرائح. لا أحد في إسرائيل يعتقد أنهم سيتجاوزون الوضع الحالي، والجميع متعايش مع ذلك»، وأضاف: «لن يحدث شيء قبل نزع سلاح (حماس). و(حماس) لن تنزع سلاحها، وبالتالي لن يحدث شيء».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مطار وست بالم بيتش بفلوريدا (أ.ب)

وعند طلب تعليق، قال متحدث باسم البيت الأبيض إن ترمب «يواصل متابعة الوضع في غزة وخطة السلام»، وأضاف: «ستواصل إدارة ترمب العمل الدؤوب مع شركائنا للحفاظ على سلام دائم ووضع الأسس لغزة مسالمة ومزدهرة».

وحسب المسودة، ستبلغ تكلفة المشروع الإجمالية 112.1 مليار دولار على مدى عشر سنوات، على أن تلتزم الولايات المتحدة بتقديم منح وضمانات ديون لـ«جميع مسارات العمل المطروحة» خلال تلك الفترة. وبعد ذلك، تتوقع الخطة أن تتمكن غزة من تمويل العديد من المشاريع ذاتياً في السنوات اللاحقة، وأن تبدأ سداد ديونها مع تطوير الصناعة المحلية والاقتصاد عموماً.

وقال مسؤولون إن كوشنر وويتكوف والمستشار في البيت الأبيض جوش غروينباوم ومسؤولين أميركيين آخرين جمعوا المقترح خلال الـ45 يوماً الماضية، مشيرين إلى أنهم تلقّوا مدخلات من مسؤولين إسرائيليين، وأطراف من القطاع الخاص، ومتعاقدين. وإذا انطلق المشروع، يعتزم القائمون عليه تحديث الأرقام ومراجعتها كل عامين تقريباً مع تقدّم التنفيذ.

ويؤكد داعمو المشروع أن ترك غزة من دون تطوير وترك أزمة إنسانية متفاقمة يتفاقم خطرها هو خيار أسوأ بكثير، معتبرين أن تحقيق رؤية ترامب لتحويل غزة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط» هو البديل الأفضل.

لكن التحديات هائلة. فبعد آلاف الضربات الإسرائيلية خلال حرب إسرائيل - «حماس» التي استمرت عامين، يقدّر المسؤولون أن نحو 10 آلاف جثة لا تزال تحت 68 مليون طن من الأنقاض. والأرض ملوّثة ومليئة بذخائر غير منفجرة، فيما لا يزال مقاتلو «حماس» متحصنين.

وتقرّ الخطة، في الصفحة الثانية وبخط عريض باللون الأحمر، بأن إعادة إعمار غزة مشروطة بأن تقوم «حماس» بـ«نزع السلاح وتفكيك جميع الأسلحة والأنفاق».

 

20 عاماً

وقال مسؤولون في إدارة ترامب إنه إذا سمحت الظروف الأمنية، فقد يبدأ تنفيذ الخطة خلال شهرين فقط.

وقال وزير الخارجية ماركو روبيو، يوم الجمعة، عن الوضع العام في القطاع: «لن تقنع أحداً بالاستثمار في غزة إذا كان يعتقد أن حرباً أخرى ستندلع بعد عامين أو ثلاثة»، وأضاف: «لدينا ثقة كبيرة بأننا سنحصل على المانحين لجهود إعادة الإعمار والدعم الإنساني على المدى الطويل».

وأشار مسؤولون إلى أن كوشنر وويتكوف وغروينباوم التقوا يوم الجمعة في ميامي مسؤولين من مصر وتركيا وقطر لمناقشة التطورات في غزة.

وتعرض خريطة طريق تمتد لأكثر من 20 عاماً بدء الجهد بإزالة المباني المدمّرة والذخائر غير المنفجرة وأنفاق «حماس»، مع توفير مساكن مؤقتة ومستشفيات ميدانية وعيادات متنقلة للسكان. وبعد الانتهاء من التطهير، يبدأ تشييد المساكن الدائمة والمرافق الطبية والمدارس ودور العبادة. ثم تُعبّد الطرق وتُوصل شبكات الكهرباء وتُزرع المحاصيل. ولا تتحقق الأهداف الأطول أمداً - من ممتلكات شاطئية فاخرة ومراكز نقل حديثة - إلا في المراحل اللاحقة.

وسيُنفّذ الإعمار عبر أربع مراحل، تبدأ من الجنوب في رفح وخان يونس، ثم تتجه شمالاً إلى «مخيّمات الوسط»، وأخيراً إلى العاصمة غزة.

وتتضمن إحدى الشرائح، المعنونة «رفح الجديدة»، تصوراً لجعلها «مقرّ الحوكمة» في غزة وموطناً لأكثر من 500 ألف نسمة، يعيشون في مدينة تضم أكثر من 100 ألف وحدة سكنية، و200 مدرسة أو أكثر، وأكثر من 75 منشأة طبية، و180 مسجداً ومركزاً ثقافياً.

وتقدّر الخطة التكلفة الإجمالية بنحو 112.1 مليار دولار، بما في ذلك رواتب القطاع العام، خلال عشر سنوات، يذهب جزء كبير منها في البداية للاحتياجات الإنسانية. وسيُموَّل ما يقل قليلاً عن 60 مليار دولار عبر منح (41.9 مليار دولار) وديون جديدة (15.2 مليار دولار) خلال تلك الفترة، مع عرض الولايات المتحدة أن تكون «مرساة» بما لا يقل عن 20 في المائة من الدعم. كما سيضطلع البنك الدولي بدور تمويلي.

جاريد كوشنر وستيف ويتكوف (رويترز)

ومن المتوقع أن تتراجع التكاليف مع بدء غزة في تحقيق إيرادات خلال العقد الثاني من الخطة. وتدعو المقترحات إلى استثمار 70 في المائة من الساحل الغزّي ابتداءً من السنة العاشرة، وتقدّر أن «الريفييرا» الباذخة قد تقود إلى عوائد استثمارية طويلة الأجل تتجاوز 55 مليار دولار.

وقبل دخوله المعترك السياسي، بنى كوشنر مسيرته في مجال العقارات التجارية، مسهماً في إدارة إمبراطورية عائلته العقارية. ورغم دوره في التوسط لـ«اتفاقات أبراهام» خلال الولاية الأولى لترامب، فإن حجم وتعقيد المشروع الجاري في غزة لا يضاهيهما شيء.

ومنذ مغادرته البيت الأبيض في 2021، أعاد كوشنر تموضعه كمستثمر في طيف واسع من الأعمال، وأسّس شركة «أفينيتي بارتنرز» للاستثمار الخاص ومقرها ميامي، التي جمعت أكثر من 3.5 مليارات دولار، جاء معظمها من صناديق ثروة سيادية في الشرق الأوسط.

واستثمرت «أفينيتي» في قطاعات تشمل التكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة وإدارة الأصول، بما في ذلك حصص في شركات للتأمين وإدارة الأصول في إسرائيل، ومشاريع تكنولوجية في الولايات المتحدة والشرق الأوسط. كما شارك كوشنر في مشاريع عقارية أخرى، بينها مشروع منتجع فاخر على جزيرة سازان في ألبانيا يهدف إلى تحويلها إلى وجهة متوسطية بارزة.

وفي الشرق الأوسط، لن يبدأ وضع حجر الأساس لـ«مشروع شروق الشمس» إلا في نهاية عملية سلام طويلة وهشّة بين إسرائيل و«حماس». ولا تزال خطة من ثلاث مراحل في «المرحلة الأولى»، إذ لم تسلّم «حماس» بعد آخر رهينة لديها؛ جثمان ران غفيلي. وإذا تم ذلك، يمكن للقوات الإسرائيلية أن تبدأ انسحابها من غزة في «المرحلة الثانية» مع نزع «حماس» سلاحها وتعهدها بعدم السعي إلى السلطة في القطاع مجدداً. وعندها فقط، ومع خلوّ غزة من مقاتلي «حماس» ومن الاحتلال الإسرائيلي، يمكن أن تبدأ عملية الإعمار متعددة السنوات في «المرحلة الثالثة».

وقد نظرت الولايات المتحدة في مقترحات أخرى مماثلة لغزة، من بينها مشروع «صندوق إعادة تكوين غزة وتسريعها الاقتصادي وتحويلها» (The GREAT Trust)، الذي يقترح تحويل القطاع إلى مدينة عملاقة عالية التقنية قائمة على الذكاء الاصطناعي، مع إدارة أميركية أولية وإتاحة انتقال طوعي للفلسطينيين. إلا أن هذا المقترح، الذي كشفت عنه صحيفة «واشنطن بوست» في سبتمبر (أيلول)، أعدّه إسرائيليون مؤيدون لخطة مثيرة للجدل لتوزيع المساعدات في غزة، بينما تولّى فريق من «بوسطن كونسلتينغ غروب» التخطيط المالي، وقد وُضع قبل وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل و«حماس».

ويقول مسؤولون أميركيون إن «مشروع شروق الشمس» يُظهر انخراط الإدارة المباشر في «بناء دولة» في غزة، حتى لو رفض كبار مساعدي ترامب هذا الوصف. وقال كوك: «إذا كررتَ القول بما يكفي سيصدّقه الناس، وإذا قالوا إنهم لا يقومون ببناء دولة، فهم يأملون أن يصدّقهم الناس. لكنهم يقومون بذلك بالفعل».


مقالات ذات صلة

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
تحليل إخباري فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطيني يحمل جثمان فتى (12 عاماً) قُتل برصاص إسرائيلي خلال تشييعه خارج «مستشفى الشفاء» بمدينة غزة الجمعة (أ.ب)

فوضى واستقالات «ممنوعة» في «لجنة غزة»

علمت «الشرق الأوسط» من مصدرين مطلعين أن عضوين على الأقل في «اللجنة الوطنية» من سكان قطاع غزة، قدما استقالتَيهما لرئيس اللجنة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج حملت قافلة المساعدات السعودية الجديدة على متنها كميات كبيرة من السلال الغذائية (واس)

قافلة مساعدات سعودية جديدة تصل إلى غزة

وصلت إلى قطاع غزة الفلسطيني قافلة مساعدات إنسانية سعودية جديدة، تحمل على متنها كميات كبيرة من السلال الغذائية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

في غمرة انشغال قوى «الإطار التنسيقي» بتشكيل الحكومة الجديدة وما يرتبط بذلك من خلافات حادة بين زعمائه حول المرشح المناسب لرئاستها، يأتي إدراج وزارة الخزانة الأميركية 7 من قادة الميليشيات العراقية على قائمة العقوبات، ليزيد الأمر تعقيداً، حسب مراقبين، خصوصاً أنها طالت قوى وازنة، مثل «عصائب أهل الحق» التي تمتلك نحو 27 مقعداً برلمانياً وقد حصلت على منصب نائب رئيس البرلمان الاتحادي.

وجاءت العقوبات الجديدة بعد أقل من أسبوع على قيام وزارة الخارجية الأميركية بعرض مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن أحمد الحميداوي، زعيم «كتائب حزب الله» العراقي. بعد أن حمَّلته واشنطن مسؤولية شن هجمات ضد المنشآت الدبلوماسية الأميركية، وخطف مواطنين أميركيين، وقتل مدنيين عراقيين.

المكافأة التي نشرتها «الخارجية» الأميركية مقابل معلومات عن زعيم «كتائب حزب الله» العراقي

اتهامات أميركية

واتهم مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، في بيان، الجماعات المعاقبة بـ«ضلوعها في التخطيط والتوجيه وتنفيذ هجمات استهدفت أفراداً ومنشآت ومصالح أميركية داخل العراق. ويقود الأفراد المستهدفون في هذا الإجراء عدداً من أكثر الفصائل المسلحة الموالية لإيران عنفاً في العراق، من بينها (كتائب حزب الله)، و(كتائب سيد الشهداء)، و(حركة النجباء)، و(عصائب أهل الحق)».

وتعمل هذه الفصائل، حسب البيان، «بقدر كبير من الإفلات من العقاب، حيث تنفذ هجمات ضد أفراد أميركيين ومدنيين عراقيين، وتستنزف ثروات العراق لتمويل أنشطتها الإرهابية، كما تقوّض سيادة العراق وعملياته الديمقراطية».

وانخرطت الفصائل إلى جانب إيران في حربها ضد الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وقامت بتنفيذ مئات الهجمات الصاروخية وإطلاق المسيَّرات على مواقع دبلوماسية وعسكرية أميركية في العراق، ومن ضمنها أكثر من 600 هجمة ضد أصول مدنية وعسكرية في إقليم كردستان، وهجمات صاروخية ضد بعض الدول الخليجية.

ونقل البيان الأميركي عن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، القول: «لن نسمح للميليشيات الإرهابية في العراق، المدعومة من إيران، بتهديد أرواح الأميركيين أو مصالحهم. وكل مَن يمكّن عنف هذه الميليشيات سيُحاسب».

وتأتي الخطوة، بحسب البيان «استناداً إلى الأمر التنفيذي 13224 المعدل، الذي يستهدف الإرهابيين وداعميهم، وتستكمل سلسلة من الإجراءات السابقة التي اتخذتها وزارة الخزانة ضد شبكة الميليشيات المدعومة من إيران والتي تهدد العراقيين والأميركيين في المنطقة».

وسبق أن صنفت واشنطن «كتائب حزب الله»، و«عصائب أهل الحق»، و«حركة النجباء»، و«كتائب سيد الشهداء» جماعات «إرهابية عالمية ومنظمات إرهابية أجنبية».

ودعا رئيس حكومة إقليم كردستان، السبت، ما وصفهم بـ«شركائنا الدوليين إلى توفير المعدات اللازمة لحماية مواطني كردستان والبنية التحتية للطاقة من هذه التهديدات المستمرة». في إشارة إلى الهجمات المتكررة التي تنفذها الفصائل المسلحة ضد الإقليم، وقد سقط جراءها 5 قتلى خلال الأيام القليلة الماضية.

أبرز قادة الميليشيات

وذكر البيان الأميركي أن «كتائب حزب الله» تبنّت العديد من الهجمات منذ تأسيسها عام 2006، ليس فقط ضد الولايات المتحدة، بل أيضاً ضد قوات التحالف الدولي. وترتبط الجماعة آيديولوجياً بإيران وتتلقى منها دعماً مالياً وعسكرياً، ومن بين المدرجين على لائحة العقوبات، عمار جاسم كاظم الرماحي، قائد عمليات في «كتائب حزب الله»، يشرف على التخطيط للهجمات وتحديد أهدافها. ورضوان يوسف حميد المحمد وحسن ذياب حمزة، وهما من كبار مسؤولي الكتائب ويشاركان في تنسيق العمليات، حسب البيان.

كما أشار البيان إلى أن «عصائب أهل الحق» نفذت آلاف الهجمات ضد القوات الأميركية وقوات التحالف، وتتلقى دعماً وتدريباً من إيران، واستخدمت طائرات مسيّرة إيرانية في هجمات شمال العراق حتى مارس (آذار) 2026.

ومن ضمن قادة «العصائب» التي طالتها العقوبات الأميركية، صفاء عدنان جبار سويد، قائد عسكري ومسؤول عمليات في محافظة صلاح الدين.

وذكرت أن «كتائب سيد الشهداء» التي يقودها أبو آلاء الولائي، وهو قيادي في «قوى الإطار التنسيقي» تتلقى دعماً إيرانياً في التدريب والتمويل والتسليح، ومن بين قادتها، خالد جميل عبد البختري وسعيد كاظم مخميس.

كما أدرجت اللائحة الأميركية هشام هاشم جيثوم، مدرب عسكري في «حركة النجباء»، التي أعلنت ولاءها لإيران وهددت باستهداف الأميركيين في العراق والمنطقة.

وأشار البيان الأميركي إلى أنه بموجب هذه الإجراءات «سيتم تجميد جميع الأصول والمصالح المالية للأشخاص المدرجين داخل الولايات المتحدة أو التي تقع تحت سيطرة أشخاص أميركيين، مع إلزام الجهات المعنية بالإبلاغ عنها، كما تُحظر على الأشخاص الأميركيين إجراء أي معاملات مع هؤلاء، ما لم يكن ذلك بموجب ترخيص خاص».

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)

شحنات الدولار

بالتزامن، تشير تقارير اقتصادية إلى تحديات تتعلق بوصول شحنات الدولار النقدي المقبلة من البنك الفيدرالي الأميركي إلى البنك المركزي العراقي، ولم يصدر عن البنك المركزي أي بيان في هذا الاتجاه، الأمر الذي لا يمكن التأكد من حقيقة هذه التقارير. وقبل نحو شهرين، تحدثت تقارير مشابه عن تعثر وصول الأموال إلى بغداد، خصوصاً عقب غلق الأجواء العراقية نتيجة الحرب. ومعروف أن أموال النفط العراقي توضع في البنك الفيدرالي الأميركي قبل أن يتم شحنها نقداً إلى العراق.

وتشير بعض المصادر الاقتصادية إلى أن البنك الفيدرالي الأميركي يسعى إلى فرض قيود أشد للحد من تهريب الدولار إلى خارج العراق والالتزام بمعايير الامتثال الدولية (غسيل الأموال).

تشكيل الحكومة

لا تبتعد لائحة العقوبات الجديدة كثيراً عن أجواء تشكيل الحكومة الجديدة، غير أنه «ليس من الواضح فاعليتها في التأثير على خيارات القوى الإطارية بالنسبة لرئيس الوزراء المقبل»، حسب مصدر قيادي في القوى الإطارية.

وقال المصدر إن «عقوبات سابقة طالت الفصائل، لكنها لم تؤثر على نفوذها السياسي داخلياً، وأبرز مثال على ذلك (عصائب أهل الحق)».

لكنه لا يرجح «تجاهل قوى الإطار للرسائل الأميركية المباشرة وغير المباشرة لأنها تدرك حجم المخاطر وكلفة هذا النوع من السلوك، لذلك نجد هذا التعثر الواضح في حسم ملف تشكيل الحكومة».

في المقابل، ترى مصادر أميركية أن العقوبات الجديدة لا تبتعد عن محاولات واشنطن «منع تشكيل حكومة جديدة خاضعة لنفوذ الفصائل المسلحة» حيث تتحكم هذه الفصائل في نحو 100 مقعد برلماني، إلى جانب نفوذها الكبير داخل «قوى الإطار التنسيقي» المسؤولة عن تشكيل الحكومة وطرح مرشح لرئاسة الوزراء. وتفيد مصادر أميركية مطلعة بأن القائم بالأعمال الأميركي في العراق، جوشوا هاريس، أبلغ بعض قادة الإطار أن لدى إدارته «الكثير من المؤشرات السلبية تجاه جميع صانعي القرار في العراق بخصوص نفوذ الميليشيات».

وتقول المصادر إن هاريس تحدث عن أن «واشنطن ستتعامل بحزم مع أي حكومة لن تعمل على إيقاف الميليشيات من الاستمرار في زعزعة استقرار العراق والمنطقة وتوقف كل أنواع الدعم عنها».

وأيضاً «ستقوم واشنطن بمعاقبة أي كيان أو مؤسسة عراقية ستستمر بتسهيل حصول إيران على الدولار سواء كانت رسمية أم غير رسمية».


«حزب الله» لوّح بالعودة إلى الحرب مع إسرائيل… وفي الداخل

عائلة نازحة خلال عودتها إلى قريتها في الجنوب إثر الإعلان عن الهدنة وهي ترفع علم «حزب الله» على السيارة (رويترز)
عائلة نازحة خلال عودتها إلى قريتها في الجنوب إثر الإعلان عن الهدنة وهي ترفع علم «حزب الله» على السيارة (رويترز)
TT

«حزب الله» لوّح بالعودة إلى الحرب مع إسرائيل… وفي الداخل

عائلة نازحة خلال عودتها إلى قريتها في الجنوب إثر الإعلان عن الهدنة وهي ترفع علم «حزب الله» على السيارة (رويترز)
عائلة نازحة خلال عودتها إلى قريتها في الجنوب إثر الإعلان عن الهدنة وهي ترفع علم «حزب الله» على السيارة (رويترز)

لوّح «حزب الله» بالعودة إلى الحرب مع إسرائيل، بالتوازي مع الحملة السياسية العنيفة التي شنّها نواب وقياديون من الحزب ضد رئيس الجمهورية جوزيف عون على خلفية تمسّكه بخيار التفاوض وعدم توجيهه الشكر لإيران و«المقاومة»، وصولاً إلى القول على لسان أحد نواب الحزب إن من يريد أن يكون مثل (قائد ميليشيا جيش لبنان الجنوبي التي أنشأتها إسرائيل) أنطوان لحد، سنقاتله كما قاتلنا الإسرائيلي».

وجاء موقف الحزب الميداني ليعزّز منسوب التصعيد؛ إذ دعا النازحين صراحة إلى عدم الاستقرار في بلداتهم وقراهم في الجنوب أو الضاحية الجنوبية، والبقاء في أماكن نزوحهم مع الاكتفاء بتفقد الممتلكات، وهو ما عكس توجهاً واضحاً على استعداد الحزب لمرحلة قد تشهد تجدداً للحرب، وهو ما تحدث عنه نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي، متوجهاً إلى جمهور الحزب بالقول: «لا تستقروا في قراكم في الجنوب، ولا حتى في الضاحية، اطمئنوا على أملاككم، ولا تستقروا، ولا تتركوا أماكن نزوحكم».

وانطلاقاً من هذه الأجواء شهد طريق الجنوب - بيروت، يوم السبت، زحمة خانقة لمواطنين عادوا وغادروا مجدداً بلداتهم الجنوبية التي وصلوا إليها، الجمعة، بينما تناقل ناشطون مقربون من «حزب الله» على وسائل التواصل الاجتماعي بياناً طالب «الأهالي الذين عادوا إلى منازلهم خلال فترة الهدنة، تجهيز الاحتياجات الأساسية والضرورية فقط والاستعداد للعودة الفورية إلى أماكن النزوح الآمنة التي كنتم فيها». وورد في البيان أيضاً: «نريد الميدان خالياً إلا من رجال (حزب الله)، كي يكون الرد على الخروقات موجعاً، دقيقاً، وبلا أي تكلفة بشرية في صفوف أهلنا الصامدين».

تهديد عون بمصير السادات

وبعدما كان «حزب الله» لفترة طويلة يحيّد عون عن حملاته التي كان يركزها على رئيس الحكومة نواف سلام، فتح النار مؤخراً عليهما معاً بعد الاجتماع التمهيدي اللبناني - الإسرائيلي الذي عُقد في واشنطن، يوم الثلاثاء الماضي، ووصلت الأمور بمسؤول ملف الموارد والحدود في «حزب الله» نواف الموسوي بالقول إن رئيس الجمهورية حين يتفرد بخطوات بملف التفاوض المباشر «لن يكون بعد الآن رئيساً مقبولاً من أحد في لبنان، فهو ليس أهم من أنور السادات الذي عندما انفرد بخطوة من هذا النوع قاطعه العرب جميعاً وعزلوه». وكان الرئيس المصري الراحل أنور السادات أول رئيس عربي يوقع اتفاقية سلام مع إسرائيل عام 1978، وقد تم اغتياله خلال عرض عسكري في ذكرى حرب أكتوبر (تشرين الأول).

أطفال في السيارة خلال رحلة العودة إلى قريتهم في الجنوب بعد الإعلان عن هدنة الأيام العشرة رافعين إشارة النصر وعلم «حزب الله» (رويترز)

مواقف تصعيدية بالجملة

وانبرى نواب وقياديو الحزب في الساعات الماضية بالتهجم على عون مطالبين إياه بالتراجع عن مسار التفاوض. وفي مؤتمر صحافي لنائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي استنكر «الجحود الرسمي الفاقع الخارج عن الدبلوماسية» معتبراً أن «رئيس الجمهورية شكر القاتل والمجرم، ولم يشكر من أنقذنا وهي إيران».

وأضاف: «الدولة تركض وتهرول نحو الذل والهوان ونحو التفريط بالسيادة خطوة بعد خطوة بدلاً من التمسك بأقوى أوراقها».

من جهته، قال النائب عن الحزب حسن فضل الله: «من يريد أن يكون (أنطوان لحد) سنقاتله كما قاتلنا الإسرائيلي»، وأضاف: «نحن تفردنا بخيار المقاومة، ولم نطلب من السلطة سوى عدم طعننا... أعطيناكم صورة نصر فلا تعطونا صورة ذل».

حنكش: فليأخذوا العبر من التفاوض الأميركي - الإيراني

ورد النائب عن حزب «الكتائب اللبنانية» إلياس حنكش على مواقف نواب وقياديي الحزب معتبراً «أن (حزب الله) لا يزال ينتظر إشارة من إيران، فإذا أُبلغ بقرار الالتزام بمسار التفاوض فسيلتزم، علماً أنه إذا كانت طهران هي نفسها تفاوض من تسميها (الشيطان الأكبر)، فعلى الحزب أن يأخذ العبر مما يحصل بعدما فتح حرباً لمساندة إيران عسكرياً، وأوقف الحرب لمساندتها في مفاوضاتها».

ورأى حنكش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الهجوم على الرئيس عون غير مبرر ومردود لـ(حزب الله)». وأضاف: «كنا نتوقع قليلاً من النضج والحكمة بالتعاطي على المستوى الوطني من قبلهم، لكن كل مرة تؤكد قياداتهم أنها منفصلة عن الواقع، وتنتهج سياسة النعامة غير آبهة بما يحصل من حولها».

مواطن يشرب الشاي في بيته المتضرر في بلدة قانا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وشدد حنكش على أن «الرئيس عون هو الذي يمثل الشرعية، وقام بمبادرة التفاوض مع إسرائيل بالمباشر، وهذا ما سيحصل، وكل لبنان يسير خلفه ما عدا (حزب الله)»، وقال: «يجب أن تسير هذه المفاوضات بالتوازي مع التزام الجميع بسقف الدولة وحصرية السلاح وبسط السيادة اللبنانية على الأراضي اللبنانية كافة، غير ذلك يكون الحزب يضع نفسه بمواجهة كل اللبنانيين، وسيكون مرة جديدة سبب تأخير قيام الدولة في لبنان... وهذا غير مستغرب من فصيل إيراني يفتخر أنه تابع لـ«الحرس الثوري)».

مواقف عون

وكان الرئيس عون قد توجه للبنانيين بخطاب أوضح خلاله توجهات السلطة اللبنانية في المرحلة المقبلة، فأكد «استعادة لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن»، مشدداً على «أننا اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً». وشدد على أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أي شيء كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني، ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه.


لبنان جاهز للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل... وتوجه لتشكيل وفد مصغر برئاسة كرم

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)
TT

لبنان جاهز للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل... وتوجه لتشكيل وفد مصغر برئاسة كرم

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)

يشهد لبنان، في أعقاب إعلان وقف إطلاق النار، حراكاً سياسياً ودبلوماسياً يتمحور حول تهيئة الأرضية اللازمة لإطلاق مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، في محاولة لتحويل الهدنة المؤقتة إلى مسار تفاوضي مستدام يفضي إلى تثبيت الاستقرار. وتتكامل في هذا السياق الجهود الداخلية التي تقودها مؤسسات الدولة مع تحركات خارجية على أكثر من خط، فيما تؤدي المملكة العربية السعودية -التي وجه إليها رئيس الجمهورية جوزيف عون الشكر، خلال كلمة له مساء الجمعة- دوراً بارزاً في هذا الإطار.

كما تلقّى الرئيس عون، يوم السبت، اتصالاً من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جرى خلاله بحث التطورات الأخيرة، ولا سيما الإعلان عن وقف إطلاق النار، والتحضيرات الجارية لإطلاق المفاوضات انطلاقاً من مبادرة الرئيس عون في هذا المجال، حسب بيان صادر عن الرئاسة اللبنانية. وأشار البيان إلى أن الرئيس عون شكر الرئيس الفرنسي على «الدعم الذي يلقاه لبنان منه ومن فرنسا في المجالات كافة، وللمساعدات التي قدمتها بلاده لإنهاء معاناة الشعب اللبناني».

توحيد الموقف وتثبيت سلطة الدولة

على المستوى الداخلي، يقود رئيس الجمهورية جوزيف عون، بالتعاون مع رئيس الحكومة نواف سلام، مساراً سياسياً يهدف إلى بلورة موقف لبناني موحّد حيال المفاوضات المرتقبة. وشكّل الاجتماع الذي عُقد بينهما صباح السبت محطة أساسية لتقييم مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، ووضع تصور أولي للإطار التفاوضي، بما يضمن حماية المصالح اللبنانية.

وحسب بيان رئاسة الجمهورية، «أجرى الرئيسان تقييماً لمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، والمساعي الجارية لتثبيته، ومنها الاتصالات التي أجراها رئيس الجمهورية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو وعدد من قادة الدول العربية والأجنبية».

وبعد اللقاء، أوضح سلام أن البحث مع الرئيس عون تناول أيضاً الجاهزية اللبنانية للمفاوضات، إضافة إلى متابعة تنفيذ قرارات مجلس الوزراء، ولا سيما منها القرار الذي صدر في الجلسة الأخيرة للمجلس القاضي بتعزيز بسط سلطة الدولة على محافظة بيروت، وحصر السلاح فيها.

وأعرب سلام عن «أمله في أن يتمكن النازحون بعد ثبات وقف إطلاق النار من العودة الآمنة إلى منازلهم في أقرب وقت، مؤكداً أن الدولة اللبنانية ستواكب عودتهم، وتُقدم كل ما هو مطلوب منها لجهة تسهيل هذه العودة، ولا سيما ترميم الجسور المهدمة، وفتح الطرق وتأمين المستلزمات في المناطق التي ستكون العودة إليها آمنة وممكنة».

لبنان جاهز للمفاوضات

وقالت مصادر وزارية مقربة من رئاسة الجمهورية لـ«الشرق الأوسط»: «إن اللقاء بين عون وسلام تناول موضوع المفاوضات المحتملة؛ حيث أكّد رئيس الجمهورية أن لبنان جاهز للدخول في مفاوضات مباشرة فور تحديد موعدها، وأنّ الجانب اللبناني سيكون على أتم الاستعداد عند انطلاقها»، مشيرة «إلى أنّ تشكيل الوفد اللبناني سيتم بناءً على تركيبة الوفد الإسرائيلي، مع ترجيح أن يقتصر على السفير سيمون كرم رئيساً، إلى جانب معاون له وضابط من الجيش اللبناني»، ويأتي ذلك بعدما اصطدمت محاولة الرئيس عون بتشكيل وفد تفاوضي يمثل مختلف الطوائف برفض الطرف الشيعي الذي يمثله «حزب الله» ورئيس البرلمان نبيه بري.

مواطن ينقل بضائع من متجر تضرّر جراء غارة إسرائيلية قبيل بدء سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة 10 أيام (رويترز)

وأشارت المصادر إلى «أنّ الورقة اللبنانية باتت جاهزة، وخطوطها العريضة واضحة، وتتمحور حول تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها، وعودة الأسرى، إضافة إلى البند المتعلق بالنقاط الـ13 المختلف عليها بين لبنان وإسرائيل والمرتبطة بالخط الأزرق».

وعما إذا كان هناك لقاء قريب بين عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قالت المصادر: «هذا الأمر غير مطروح في المرحلة الراهنة».

كما تطرّق لقاء عون - سلام، حسب المصادر، إلى موضوع نزع السلاح في بيروت، في إطار تنفيذ قرار الحكومة، ولا سيما بعدما حصل في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر وقف إطلاق النار مساء الخميس، إلى جانب التشديد على ضرورة عودة النازحين إلى قراهم، والعمل على تأمين المساعدات اللازمة وتمويل عملية العودة، بما يضمن استقرارهم في مناطقهم.

دور سعودي داعم للبنان

وفي ظل الجهود التي يبذلها عدد من الدول لدعم الاستقرار في لبنان، تتوقف المصادر عند الدور السعودي البارز في المرحلة الأخيرة من الاتصالات التي سبقت وقف إطلاق النار؛ حيث دخلت المملكة العربية السعودية على خط التحرك عبر وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان، والأمير يزيد بن فرحان المكلّف بالملف اللبناني.

يقف موسى بدران بجوار المبنى الذي يضم أعماله التجارية بعدما دُمّر في غارة إسرائيلية قبيل بدء سريان وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام بين لبنان وإسرائيل في بلدة العباسية بقضاء صور (رويترز)

وفي هذا الإطار، كشفت المصادر الوزارية أنّ زيارة النائب علي حسن خليل، المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري، إلى الرياض قبل أيام كانت بدعوة من المملكة لوضعه في أجواء الجهود المبذولة لوقف إطلاق النار، مشيرة كذلك إلى اتصالات قامت بها السعودية دعماً للموقف اللبناني، ولا سيما لجهة فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني، في موازاة تأكيدها الاستمرار في دعم التحرك والمواقف اللبنانية، سعياً منها لتكريس الاستقرار، وتعزيز فرص نجاح المسار التفاوضي.

مواقف داعمة لرئيس الجمهورية ومسار الدولة

وبرزت في الداخل اللبناني سلسلة مواقف سياسية داعمة لرئيس الجمهورية وخياراته في إدارة المرحلة. فقد عدّ وزير الإعلام بول مرقص أن ما تحقق من وقف لإطلاق النار نتيجة الجهود الدولية يُشكل فرصة يجب عدم تفويتها، مؤكداً أن لبنان يسعى إلى تثبيت هذا الوقف وجعله مستداماً، بالتوازي مع تحقيق مطالب أساسية، أبرزها انسحاب إسرائيل، والإفراج عن الأسرى، ومعالجة النزاعات الحدودية. كما شدد على تمسك لبنان بمسار تفاوضي خاص به، بعيداً عن أي مسارات إقليمية أوسع، وبغطاء دولي، ولا سيما من الولايات المتحدة.

وفي السياق نفسه، عبّر النائب أشرف ريفي عن دعمه الكامل لرئيس الجمهورية، معتبراً أن اللبنانيين يراهنون على هذا المسار لاستعادة الدولة وهيبتها، داعياً إلى المُضي قدماً في مشروع استعادة السيادة، ووضع حد للفوضى التي أنهكت البلاد. وتعكس هذه المواقف توجهاً داخلياً متنامياً لمنح الدولة فرصة فعلية لإثبات قدرتها على إدارة المرحلة الحساسة، خصوصاً في ظل الدعم الدولي المتزايد.

كذلك، تركزت مواقف سياسية أخرى على ضرورة استثمار الهدنة لتحقيق تقدم فعلي في ملف التفاوض، بالتوازي مع معالجة القضايا الداخلية العالقة. وفي هذا الإطار، شدد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع على أن لبنان يقف أمام لحظة حاسمة تتطلب قرارات واضحة، معتبراً أن مهلة وقف إطلاق النار تُشكل اختباراً لقدرة الدولة على فرض سيادتها. وأكد أن الأولوية يجب أن تكون لحصر السلاح بيد الدولة، إذ لا يمكن قيام دولة فعلية في ظل تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري، محمّلاً «حزب الله» مسؤولية إدخال لبنان في دائرة المواجهة.

كما دعا إلى تعزيز حضور الجيش في المناطق الحدودية، ولا سيما لحماية القرى ومنع تهجير سكانها، مشدداً على ضرورة ربط أي دور سياسي مستقبلي للحزب بالتزامه الكامل بالدستور وقرارات الدولة.

من جهته، أكد النائب إبراهيم منيمنة أن تسليم السلاح لا يُشكل استسلاماً، بل خطوة نحو إعادة التوازن الوطني. كما حذَّر من هشاشة الهدنة، مشيراً إلى أن نجاحها مرتبط بتطورات أوسع، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمالات الوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد.

بدوره، قال النائب وضاح الصادق: «رسم الرئيس عون الجدل، وأكد أن استعادة الدولة سيادتها وهيبتها لا جدال فيها. الدولة وحدها تفاوض، وحدها تحمي شعبها وتصون أرضها، وحدها تعمل على استعادة كل شبر من لبنان وتُعيد الإعمار. بعد قرارات الحكومة، أسقط الرئيس منطق سلاح (حزب الله) نهائياً، وأنهى هيمنة إيران على قرار لبنان. قطار الدولة اللبنانية انطلق».