عبد ربه: عرفات كان مشاكساً مع القذافي... والعسكريون السوريون توارثوا كراهيته

«الشرق الأوسط» تعيد فتح دفاتر الرحلة الفلسطينية بمفاوضاتها الشائكة وعلاقاتها الصعبة (الحلقة الأخيرة)

TT

عبد ربه: عرفات كان مشاكساً مع القذافي... والعسكريون السوريون توارثوا كراهيته

عرفات في حديث مع حافظ الأسد خلال احتفالات ذكرى الثورة الليبية في طرابلس عام 1989 (أ.ف.ب)
عرفات في حديث مع حافظ الأسد خلال احتفالات ذكرى الثورة الليبية في طرابلس عام 1989 (أ.ف.ب)

لما يجري في غزة علاقة بالظلم الإسرائيلي المتمادي، خصوصاً إصرار الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على التهرب من استحقاقات السلام. تفاقم هذا الظلم بعدما اتخذ الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قرار التوقيع على اتفاق أوسلو في 13 سبتمبر (أيلول) 1993.

راهن عرفات على أن يكون اتفاق أوسلو خطوة أولى لقيام دولة فلسطينية على بعض الأرض، لكن بنيامين نتنياهو بنى سياسته على اغتيال الاتفاق ومفاعيله. ولاتفاق أوسلو علاقة بما سبقه، خصوصاً حروب العواصم والعلاقات الشائكة التي قامت بين منظمة التحرير وبعض الدول العربية البارزة.

كان الغرض من الحوار مع ياسر عبد ربه، أمين السر السابق للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ربط الحاضر ببعض الماضي؛ لتسليط الضوء على أحداث لم يتيسر لمن ولدوا بعد أوسلو أن يعايشوها. وهنا نص الحلقة الثالثة والأخيرة:

سألت عبد ربه كيف تعامل عرفات مع هجمات 11 سبتمبر 2001، وعن رفض الرئيس جورج بوش مصافحة الزعيم الفلسطيني في مقر الأمم المتحدة، فتذكر: «أولاً عدم مصافحة جورج بوش هي نتيجة لما رآه الأميركيون اختباراً تلو الاختبار لياسر عرفات، وأن الأخير فشل في الاختبار لجهة إدانة الأعمال التي كانت تقوم بها «حماس» وفصائل أخرى تستهدف المدنيين، ولأنه لم يقم بما يكفي من أجل منع تلك الأعمال، وأن ياسر عرفات أيضاً كان متواطئاً إلى حد ما. ودليلهم على ذلك سفينة «كارين أيه» وغيرها.

كان تصريح جورج بوش الشهير بأن «الشعب الفلسطيني يستحق ما هو أفضل من هذه القيادة الفلسطينية، وهي متورطة في الإرهاب». وعملياً أوجد تصريحه وضعاً انتقلنا فيه فعلاً لمرحلة جديدة بالكامل، مرحلة القطيعة مع الإدارة الأميركية، وإشهار هذه الإدارة العداء الكامل لشخص عرفات، عدا عن العداء للسلطة ككل تحت قيادته.

بعدها طرحوا فكرة أن عرفات يمكن أن يظل رمزاً، ولكن من دون صلاحيات تنفيذية واسعة، وأن تُحال هذه الصلاحيات التنفيذية إلى رئيس وزراء كان الأميركيون قد حددوه سلفاً وهو الأخ محمود عباس «أبو مازن». هذا كان الجانب الأول من عدم المصافحة لأن الإدارة الأميركية كانت قد أعلنت عملياً القطيعة مع ياسر عرفات، ولذلك امتنع بوش عن مصافحته.

عرفات ينتظر كلمة جورج بوش الابن أمام أول جمعية عامة للأمم المتحدة بعد 11 سبتمبر (غيتي)

على رغم الأجواء التي كانت سائدة فإن ياسر عرفات ذهب (إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة)، وجلس متوقعاً أن تحصل المصافحة. ويومها قال بوش لكوفي أنان (الأمين العام السابق للأمم المتحدة)، إن هذا الرجل يريدني أن أصافحه فليصافح نفسه.

عرفات في 11 سبتمبر: هذه طائرات وهمية

هذه كانت طريقة جورج بوش. في 11 سبتمبر، أنا شاهدت الأحداث على التلفزيون من بيتي في رام الله. أخذت سيارة وانتقلت إلى غزة فوراً، كانت الطريق مفتوحة والمسافة قريبة وتستغرق ساعتين أو أقل، فوجدت ياسر عرفات وحده بالمكتب. كانت فترة بعد الظهر تقريباً بتوقيتنا. وفور وصولي قال لي: أخشى أن يكون هناك طرف فلسطيني أو يد فلسطينية في هذه العملية، لذلك أول نظرية كانت عنده أن هذه طائرات وهمية اخترعت في التصوير على التلفزيون. قلت له: أبو عمار، هذه طائرات حقيقية ضربت البناية. قال: لا، لا، وهمية. الانفجار تم من داخل المباني وليس من خارجها. ما هو الفرق بين داخل المباني وخارجها؟ فقال لي: أنا خائف أن تكون الطائرات فلسطينية. طيب إذا افترضنا أنها فلسطينية فهذا لا يلغي أنه من الخارج.

تذكر عرفات خطف الطائرات على أيدي الفلسطينيين، واعتقد أن هذه يمكن أن تكون واحدة من المغامرات التي قمنا بها في الماضي ومجددة بطريقة مختلفة. قلت له: لا، دعنا نتريث. فعلاً هوية الخاطفين المنفذين لم تتضح يومها. سأل عرفات: ماذا يفعلون في العالم؟ أجبت. كما سمعت، فتحوا حملات تبرع بالدم، دعنا نطلع للتبرع بالدم. قال: أنا رجل كبير بالسن، والتبرع بالدم ممكن يضعفني. قلت له: سنجد حلاً لهذه القضية. المهم أن تقوم بخطوة رمزية وليس المهم أن يأخذوا دماً أو لا يأخذوا، هي خطوة رمزية.

فعلاً، انتقلنا إلى مستشفى الشفاء واصطف عدد من مرافقي ياسر عرفات ومن المواطنين ومن المرضى ومن الأطباء للتبرع بالدم. والمهم أيضاً أننا أحضرنا كاميرات التلفزيون لتصور هذا المشهد. لم يرتح عرفات إلا إذا عندما تيقن أنه ليس هناك أي ضلوع فلسطيني في هذه العملية. وكان هذا متأخراً، يمكن في اليوم التالي أو الذي يليه، عندما تولى أسامة بن لادن الإعلان عن مسؤوليته. ياسر عرفات للأسف كان أيضاً لا يرى أن هذه العملية ستغير من اتجاه سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة وتجاه أعمال الإرهاب. فصل بين هذه العملية وما يمكن أن يكون عليه سلوك الولايات المتحدة. وهذا أدى لتدهور مكانته بالتدريج عند الأميركيين لحد القطيعة الكاملة».

العلاقة الشائكة مع حافظ الأسد

لم تقم علاقة عادية أو ودية أو طبيعية بين ياسر عرفات وحافظ الأسد. ذهب ياسر عبد ربه إلى دمشق بمهمة بعد التدخل العسكري السوري في لبنان سنة 1976 والتقى الأسد. سألته: ماذا قال لك الأسد؟ فأجاب عبد ربه: «جرى اصطدام عسكري في صيدا (جنوب لبنان)، وأيضاً بعض الاصطدامات والمناوشات في منطقة صوفر (جبل لبنان) وغيرها، وتوترت الأجواء وحصلت مواجهة مسلحة بيننا وبينهم (السوريين)، فارتأت القيادة في بيروت ألا ندخل هذه المرحلة من الصدام. وأعتقد أن عدداً من الدول، بما فيها دول الخليج والسعودية بالذات، تدخلت لوقف هذا الاصطدام واحتوائه وتهدئة الوضع، لذلك وافق السوريون على استقبال وفد من عندنا يلتقي مع الرئيس الأسد، فذهبت أنا وفاروق القدومي الذي كان وزير الخارجية، وهو طبعاً رئيس الوفد، والتقينا الرئيس الأسد.

للمرة الأولى يدخل الأسد متجهماً ومعالم الغضب على وجهه. كان من عادته أن يكبت مشاعره، ومن الصعب عليك أن تقرأ في معالم في وجهه ما يدل على أنه سعيد أو غضبان أو موافق أو غير موافق... يعني هذا من المستحيلات. جلسنا فبادر هو. طبعاً، قبل الدخول إلى الاجتماع اشترط عليّ القدومي أن نلعب لعبة مزدوجة، هو الطرف الهادئ والذي يحاول تليين الأمور وأنا الطرف المتشدد قليلاً، يعني المشاغب. طبعاً هو لأن جذوره «بعثية» ولا يريد أن يقطع الحبال نهائياً. المهم، فاجأنا الأسد فوراً وقال: «هيك بتعملوا؟» قلنا: خيراً يا سيادة الرئيس؟ قال: السوريون الذين دخلوا إلى صيدا قطعتم رؤوسهم وتلعبون بها «فوتبول» (كرة قدم) في الشوارع.

أول مرة نسمع هذه التهمة. كان هناك ضابط سوري يبدو تائهاً، فبدل أن يسلك طريق جزين سلك طريق صيدا ولم يجد نفسه إلا في وسط مدينة صيدا، في الساحة، ومعه دبابتان أو ثلاث دبابات... فوجئت الميليشيات الموجودة في صيدا بالأمر وأطلقوا على إحدى الدبابات قذيفة «آر بي جي»، فصار الجنود يصرخون: نحن جنود سوريون... لم يكن أحد «فاهم شو الطبخة»، فأمسكوا نحو 40 جندياً سورياً كانوا آتين بشاحنتين إلى المنطقة من دون حماية أو أي ترتيب مع أحد، وقائدهم ظل مستمراً من دون أن يعرف إلى أين هو ذاهب. فشل عسكري ذريع. الشبان في صيدا، سواء كانوا فلسطينيين أو لبنانيين، أخذوا الأربعين جندياً ووضعوهم في مكان، مدرسة، وأطعموهم وشربوهم وتعاملوا معهم ليسوا بوصفهم أسرى حرب ولم يتعرضوا لهم بإيذاء، ونحن كنا متأكدين من هذا قبل أن نذهب (إلى دمشق)، وطلبنا من الجانب السوري أن يأتي ليأخذهم أو يتولاهم أحد. كان وقتها قراراً، حتى كمال جنبلاط، يعني: هل يعقل أن نأخذ أسرى سوريين؟

تصديت (لكلام الأسد) وقلت له: سيادة الرئيس، كيف هذا الكلام؟ أولاً من المعيب أن يستخدم أحد تعبير أسرى. الجنود السوريون ليسوا أسرى. ثمة خطأ وقع فيه قائد ووجد نفسه في صيدا، وعناصر الميليشيا في صيدا رأوا دبابات لا يعرفون لمن هي، فحصل احتكاك معها ولحسن الحظ لم يصب أحد بإطلاق النار، والأربعون جندياً موجودون وليس هناك قطع رؤوس. فقال: والله هذه هي التقارير التي وردتني، فهل يكتبون لي تقارير كذباً؟

ياسر عبد ربه خلال المقابلة مع «الشرق الأوسط»

قلت: نرجوك تأكد، ليس هناك أي شخص مصاب، ومن أجل زيادة في التأكد ليبعثوا أحداً أو أي جهة تتسلّمهم. نريد نقلهم بالباصات لكننا لا نعرف إلى أي جهة نرسلهم. قال: حسناً سأتأكد من الموضوع. وكانت حينها معركة تل الزعتر مفتوحة، فطلبنا منه أن يتدخل في معركة تل الزعتر لوقفها؛ لأنها ستنتهي بمجزرة، لأن المخيم محاصر ومطوق وعليه قصف، ولم نكن نريد أن نتحدث صراحة عن سلوك بعض ضباطه. قال: «بيصير خير». لم ينطق بأنه سيحاول المساعدة بل قال: «بيصير خير إن شاء الله». وطلعنا على هذا الأساس. طبعاً اتفقت مع الأخ فاروق ألا نروي كل الرواية؛ لأنه أولاً إذا رويتها فكثير أو البعض له علاقات مع سوريا ولم يقطعها، فلا نريد الإساءة إلى الرئيس الرمز».

«من قتل كمال جنبلاط؟»

زيارة أخرى صعبة لدمشق شارك فيها عبد ربه بعد اغتيال الزعيم اللبناني كمال جنبلاط الذي عارض التدخل العسكري السوري في لبنان. وها هو يسترجع تلك المحطة: «عدنا من القاهرة بعد انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني. وكان لا بد من أن نزور سوريا وحافظ الأسد لنطلعه على النتائج كشيء بروتوكولي معتادون عليه مع قيادتي مصر وسوريا. حصل اغتيال كمال جنبلاط بالتزامن مع دورة المجلس الوطني، أي قبل أيام من زيارتنا لدمشق. سمينا الدورة وقتها «دورة الشهيد كمال جنبلاط» تقديراً له. عندما دخلنا على الرئيس حافظ الأسد أخبره ياسر عرفات بأننا سمينا الدورة «دورة الشهيد كمال جنبلاط»، فسارع الرئيس الأسد إلى القول: من برأيك يا «أبو عمار» اغتال كمال جنبلاط؟

عرفات في حديث مع حافظ الأسد خلال احتفالات ذكرى الثورة الليبية في طرابلس عام 1989 (أ.ف.ب)

أنا جالس إلى جانب الرئيس (عرفات)، ومعي أعضاء آخرون من اللجنة التنفيذية - قيادة منظمة التحرير. أنا من الناس الذين بدأوا يتوترون بانتظار رد عرفات. عرفات على طريقته عندما يكون غير قادر على إعطاء جواب وأمام وضع محرج للغاية تصبح رجلاه تتحركان ويكرر الكلمات. بعد قليل قال له: من غيرهم يا سيادة الرئيس؟ من غيرهم؟ من غيرهم؟ فأنا خفت يقول: حضرتك يا سيادة الرئيس، فقال الأسد له: من تعني يا «أبو عمار»؟ فأجاب: طبعاً إسرائيل.

ارتحتُ قليلاً، لكن الأسد أكمل: لماذا تعتقد يا «أبو عمار» أنها إسرائيل وليس غيرها؟ فقال له: أنا أعرف المنطقة التي كان فيها كمال جنبلاط. تنزل نزولاً، وفي آخر النزول توجد تحويلة ثم تبدأ بالصعود. هم كمنوا له عند التحويلة، من يقدر يفعل ذلك غير إسرائيل؟».

عرفات لم يؤيد توسيع الحرب في لبنان

اتُهم ياسر عرفات بأنه حرض كمال جنبلاط على نقل الحرب إلى الجبل، هل صحيح هذا الاتهام؟ يجيب عبد ربه: «بصراحة، أبداً. أنا أعتقد أن كمال جنبلاط كان يريد من المقاومة الفلسطينية بقواتها كلها أن توسع الجبهة في الجبل، بل هو الذي يمكن أنه أشرف حتى على حشد قوات الحزب الاشتراكي (الذي يقوده) في منطقة الجبل، وفي المنطقة المشرفة على الكحالة، من عاليه نزولاً. وطلب اشتراك «فتح» في العملية.

«فتح» لم تشترك، وإذا اشتركت اشتركت بطريقة رمزية. الذي اشترك بقوة كبيرة أتصور «الجبهة الديمقراطية» وتمت خسارة نحو عشرين مقاتلاً من الجبهة التي تصدى لها الجيش اللبناني، ليس فقط «الكتائب» أو «القوات اللبنانية» أو غيره. ياسر عرفات فوجئ بالصعود إلى الجبل. أنا واثق بأنه لم يكن في خطته الصعود للجبل ولا التحول إلى بكفيا من ناحية ضهور الشوير والنزول، كما كان يتوقع آخرون.

الذي اندفع في هذا الاتجاه هم ضباط ما يسمى بـ«تكتل أبو موسى وأبو خالد العملة». ياسر عرفات لم يبد المعارضة الكافية لمنع انخراطهم في هذه العملية. لكن لم يكن القرار بادئ ذي بدء من عند عرفات. كمال جنبلاط كان متحمساً للعملية، الصعود إلى الجبل وكسر ظهر القوات الكتائبية وتطويق المنطقة. ما كان ممكناً لأحد أن يصعد إلى الجبل ومنطقة عاليه إلا بموافقة اشتراكية.

وياسر عرفات لم يكن مؤيداً أيضاً لاجتياح بلدة الدامور اللبنانية. ياسر عرفات لبنانياً لم يقطع محاولات إعادة الاتصال بالطرف الآخر كما يسمونه في لبنان، أي «الكتائب» وكميل شمعون والآخرين. وكان يحرص على أن يبقي «شعرة معاوية» بهذه الاتصالات، وكان يشجع المقربين منه مثل أبو حسن سلامة وأبو الزعيم على أن يواصلوا هذه الصلات. ياسر عرفات، عندما حصل اقتحام الدامور، وبعد قصة تل الزعتر، هو الذي دفع بمجموعات وبقوات من عنده لمحاولة عدم تحويل الموضوع إلى مجزرة.

وأكثر من ذلك هو الذي أجرى اتصالات، كما أعتقد، مع شمعون لكي يذهبوا إلى السعديات، ومن هناك يتم نقلهم عن طريق البحر... كان هنا بعض المجانين الذين ربما أرادوا ارتكاب شيء من المجزرة بالكنيسة في الدامور؛ لأن ثمة أناساً لجأوا إلى الكنيسة، فأرسل من يحمي الكنيسة. أنا واثق، لم يتورط ياسر عرفات في الدخول بحرب قذرة من هذا النوع».

مع محمود درويش وعرفات في شمال لبنان

عام 1983 رجع ياسر عرفات، الذي خرج في 1982 من بيروت، إلى طرابلس في شمال لبنان لمواجهة «الانتفاضة» في «فتح»، وعملياً للدخول في مواجهة مع سوريا. لماذا رجع؟ وما هي قصة زيارة ياسر عبد ربه مع محمود درويش لياسر عرفات في الشمال؟ يتذكر عبد ربه قائلاً: «كانت هناك نظرية سورية فيما بعد بأن ياسر عرفات الداهية هو الذي جاء إلى طرابلس من أجل استدراج السوريين لشن معركة ضده حتى يوصم أبو موسى وأبو خالد العملة وأبو صالح بأن حركتهم ليست حركة تصحيح، ولكنها حركة مدبرة سورياً، وأنه قد نجح إلى حد كبير في هذه العملية. هل كان ياسر عرفات فعلاً عنده مثل هذا المخطط في رأسه؟ أنا لا أستبعد من ياسر عرفات ذلك؛ لأنه كان يريد للاعبين الحقيقيين أن يظهروا على خشبة المسرح من دون أن يأتي أحد ويموّه بستارة فلسطينية أنه باسم الإصلاح في «فتح» قاموا بهذا التدبير. طبعاً خلال فترة حصاره، ذهبنا أنا ومحمود درويش.

محمود درويش ربما هو الذي حرضني وليس أنا من حرضه. محمود درويش كانت بينه وبين ياسر عرفات علاقة ملتبسة. هو يحب عرفات ويطمئن إليه، لكنه في الوقت ذاته يشك في أنه يرتكب مغامرات غير محسوبة أحياناً، ويتخذ قرارات غير قابلة للتراجع عنها. ويفضل عرفات المتردد أحياناً والذي يقوم بالشيء وبعكسه حتى يظل في الوسط من دون التورط الشديد. هو الذي حرضني، أنا متأكد، على الذهاب للقاء «أبو عمار». فذهبنا بالسيارة معنا سائق فقط. وعن طريق حمص (سوريا). ذهبنا ودخلنا إلى طرابلس. قبل طرابلس، إلى البداوي وتلك المناطق حيث يوجد ياسر عرفات من المنطقة الشمالية. وبالعودة نزلنا عن طريق بعلبك. كانت هناك سهولة في دخول لبنان وقتها.

دخلنا فوجدناه يشرف على عمليات الحفر في الجبل، والجبل كله طباشير (كلسي)، الجبل كله أبيض، حتى هو ثيابه بيضاء. المهم، «كيفك أبو عمار؟». قال: كما ترونني أنا أحضّر. سألنا: لماذا الخنادق والحفريات؟ لم نأخذ من عرفات جواباً نهائياً. قال: هذه ترتيبات عسكرية لا علاقة لكم أنتم بها ولا تفهمون في الشأن العسكري. جلسنا معه واطمأننا عليه. معنوياته لا بأس بها. كان ذلك في فترة الظهيرة، فقال: تتغدون معي. محمود درويش فيما يتعلق بالطعام حذر. فكان غداء ياسر عرفات علبتي سردين وحبتين من الطماطم. نظرت إلى وجه محمود درويش فلم يكن راضياً.

شارك درويش بالحد الأدنى. أكل قليلاً من الخبز. بعد ذلك طلبنا منه الإذن بالانصراف لنعود إلى الشام (دمشق) قبل مغيب الشمس ورجعنا عن طريق البقاع».

وهل كانت «حرب المخيمات» في لبنان جزءاً من الرد على سلوك ياسر عرفات؟ يقول عبد ربه: «كان واضحاً أن حركة (أمل) حرّكتها بإيعاز سوري، بتدبير سوري. وكانت ناتجة عن توسع دور «فتح» في الجنوب، وأيضاً تمدد إلى حد ما في مناطق الجبل بتواطؤ ضمني مع وليد جنبلاط الذي كان يمرر كثيراً من المساعدات ويؤوي أيضاً معسكراً على الأقل لـ«فتح»، على ما أذكر، وحركتهم في كل الاتجاهات عبر منطقة الشوف.

كان السوريون يعرفون ذلك، أن «فتح» تتمدد في الجنوب، فأوعزوا إلى «أمل» بأن تقوم بذلك، فتورطت «أمل» بحرب عديمة المعنى والجدوى. محاصرة المخيمات مثل مخيم شاتيلا أو غيره من المخيمات، ولاحقاً تم الرد عليها بعملية مغدوشة، وكانت أيضاً بذات الدرجة من البشاعة.

القسوة ضد عرفات «متوارثة» سورياً

هل صحيح أن رئيس أركان الجيش السوري العماد حكمت الشهابي كان شديد القسوة في الكلام عن ياسر عرفات؟ يجيب عبد ربه: «كان يبدو الموقف متوارثاً في قيادات الجيش السوري. مصطفى طلاس لم يكن يحب ياسر عرفات، وفي أحيان كان في بعض خطبه بذيئاً للغاية ويشتمه بشتائم سوقية ورخيصة، وحكمت الشهابي كان لا يطيق اسم عرفات أبداً. كان يجاهر بذلك أمامنا».

وعن صبري البنا «أبو نضال» وشخصيته، يقول عبد ربه: «التقيته في المرحلة العراقية عندما كان في بغداد، وبعدها لم أره. هو شخص نرجسي للغاية، معتز بنفسه وشديد الشكوك. يتلفت حوله أحياناً، وسريع الاتهام. إذا ذكرت اسم أحد أمامه يقول لك فوراً: هذا جاسوس. ربما هو تأثر بالتقاليد العراقية السياسية لأن تهمة الجاسوس في العراق مثل شربة الماء. هو لا يشعرك بالارتياح، رغم أنه في أوقات أخرى، كأنه كان عنده حالة انفصام فعلياً، تجده شخصاً هادئاً ولطيف المعشر، وفي وقت قصير ينقلب إلى نقيضه.

سبح أبو نضال في الدم الفلسطيني كثيراً كثيراً. وكان هذا عندما حصل التقارب السوري - الفلسطيني، بعد حرب أكتوبر وبعد ما صار هناك مشروع للسلام، وبعدما أعلنا عن خطة النقاط العشرة التي هي أول جنين لمشروع قبول دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة. فهذا كان بالنسبة للعراقيين ناقوس خطر، فبدأوا بالعمل ضد منظمة التحرير وضد «فتح»، ولجأوا لسياسة الاغتيالات. في الكويت اغتالوا السفير، في باريس اغتالوا السفير، في أماكن كثيرة».

القذافي وجاذبية عرفات

هل كان التفاهم بين ياسر عرفات ومعمر القذافي صعباً؟ يجيب عبد ربه: «صعب وسهل. القذافي كان شديد الترحاب بياسر عرفات، وكان ودياً في التعامل معه، وياسر عرفات يجرؤ على أن يحكي معه بلغة فيها بعض القسوة أو التأنيب، حتى إنه كان يناديه: يا معمر. ولم يكن يجرؤ على قول هذا الكلام لصدام أو لحافظ الأسد أو السادات أو سواهم. كان يقول له مثلاً: يا معمر أنت رايح فين؟ أنت غلطان. نعم. كان يقول له: أنت غلطان، وكان ينتقده أحياناً.

القذافي كان يتقبل ذلك كله؛ لأن «أبو عمار» كان يعدّ نفسه ليس فقط أقدم عمراً بل أقدم من حيث تاريخه النضالي، أقدم كثيراً من القذافي. القذافي ضابط صغير برتبة ملازم أو نقيب... «أبو عمار» لم يكن يعطي للقذافي درجة من الأهمية بسبب أن القذافي كان شحيحاً جداً في دعم «فتح» ودعم «منظمة التحرير». لم يكن يدعم المنظمة، بل كان يدعم تنظيمات وفصائل، ويختص بالدعم أحمد جبريل الذي كما يقول المصريون «أكل بعقله حلاوة». أوهم القذافي بأنه قائد عسكري من الطراز الرفيع.

عرفات كان مشاكساً في علاقته بالقذافي. والقذافي كان مضطراً لأنْ يحترمه ويعامله باحترام. طبعاً قام لاحقاً بتمويل (تمرد فصيل) «الانتفاضة» في «فتح» ضد عرفات. كانت لدى عرفات كاريزما، حقيقة، طاغية إلى حد بعيد. هناك من لم يكن يحتملها. أنا متأكد. حافظ الأسد لم يكن يحتملها. أحمد حسن البكر وكان أيضاً لا يطيق عرفات. صدام ربما لم يكن يشعر بمنافسة مع أحد؛ لأنه هو مقتنع بداخله أنه هو منذ نعومة أظفاره متفوق على كل البشرية. القذافي كان أيضاً يغار. تحس أن لديه بعض الغيرة، لكنه كان مضطراً أن يعامل ياسر عرفات باحترام».

هل كانت لدى عدد من الانقلابيين العرب عقدة جمال عبد الناصر؟ يقول عبد ربه: «نعم، هذه موجودة. في الحقيقة، عبد الناصر هو الذي افتتح عهد الضباط الذين يتحولون إلى رموز شعبوية في بلدانهم وعلى المستوى العربي. فكل منهم، حتى الذين ينتقدون، فيهم جزء من خطابية عبد الناصر، مفردات عبد الناصر، فردية عبد الناصر. ربما عبد الناصر كانت عنده مزايا يعني أخرى إيجابية، هنا صعب أن يكون أحد قد تشبّه بها، ربما. لكن عبد الناصر كان نموذجاً للديكتاتور العسكري العربي. والنسخ هي نسخ مشوهة عنه. بالنسبة إلى القذافي كان عبد الناصر، أصلاً، رمزه الأبوي، إن صح التعبير في إطار علم النفس. احتضنه عبد الناصر وشجعه واحتواه».

جمال عبد الناصر مع عرفات والقذافي والملك حسين في القاهرة عام 1970 (غيتي)

«غزة كانت مقدسة عند عرفات»

التقى عبد ربه بعرفات للمرة الأولى في «معركة الكرامة» عام 1968 في الأردن، وهي المعركة التي أعطت الشرعية لـ«فتح» ولعرفات. سألته: هل تفتقد ياسر عرفات اليوم؟، فأجاب عبد ربه: «أكيد، أكيد. لا أحد عرف ياسر عرفات، وبدرجات مختلفة وهم بعدد محدود، إلا ويفتقد دوره، ويتذكر كيف كان يتصرف في هذا الوقت. حتى مؤخراً، هناك من يؤكد أن ياسر عرفات ما كان ليسمح بكل المقدمات التي أوصلت إلى العدوان الأخير على غزة.

ما كان ممكناً أن يسمح بأن يحصل هذا الانقسام الذي وقع في الحركة الفلسطينية وخروج «حماس» عن بقية الأطراف وعن منظمة التحرير، ثم انفصال غزة عن الضفة. ياسر عرفات غزة كانت بالنسبة إليه مقدسة، وما كان ممكناً أن يغادر غزة ولو نفذت «حماس» مائة انقلاب. ليس بالضرورة أن يغزو غزة لكنه مستعد أن يدفع الثمن لـ«حماس» مقابل أن يضع قدمه في غزة مرة أخرى».

سألت عبد ربه كيف خرج من الأردن بعد الأحداث الدامية في 1970 فقال: «خرجت في 1971؛ إذ ظللنا في حالة اختفاء في عمّان بعدما سيطر عليها الجيش الأردني. ثم انتقلت إلى الأحراش في جرش وعجلون التي تجمعت فيها كل قوات المقاومة و(تعرضت) للقصف وإلى آخره. ثم عقد اجتماع للمجلس الوطني في يوليو (تموز) أو أغسطس (آب)، فطلبوا منا، أنا و«أبو جهاد» (خليل الوزير)، أن نغادر أحراش جرش وعجلون ونذهب إلى القاهرة لنحضر المجلس الوطني، فغادرنا برعاية عربية، وحصل اكتساح أحراش جرش وعجلون ونحن في القاهرة».

حقائق

من هو ياسر عبد ربه؟

ولد ياسر عبد ربه في يافا في 1945. هاجرت عائلته بعد النكبة إلى لبنان. كان في سن الخامسة عشرة حين نجح السياسي اليساري اللبناني محسن إبراهيم في إقناعه بالانضمام إلى «حركة القوميين العرب». تابع في الجامعة الأميركية في القاهرة دراسته في مجال الاقتصاد والعلوم السياسية.

في 1968 كان إلى جانب جورج حبش ونايف حواتمة ووديع حداد في تأسيس «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». وشارك في السنة التالية في تأسيس «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» وهو كان الرجل الثاني فيها بعد حواتمة. غادر الجبهة عام 1990 وأسس حزب «فدا»، قبل أن يتخلى عن قيادته ويعمل مستقلاً منذ 2004.

كان لقاؤه الأول مع ياسر عرفات في 1968 إبان «معركة الكرامة» حين تصدت المنظات الفلسطينية الناشئة بدعم من مدفعية الجيش الأردني لقوات إسرائيلية هاجمت بلدة الكرامة الحدودية. ربطته لاحقاً بعرفات علاقة ثقة وطيدة مكنته من لعب دور بارز في الحوار بين أميركا ومنظمة التحرير الفلسطينية.

ترأس عبد ربه الجانب الفلسطيني في أول حوار مع الولايات المتحدة عام 1989، وكان شريكاً فاعلاً في ما عُرف بـ«مطبخ اتفاق أوسلو». وتولى بعد ذهاب القيادة الفلسطينية إلى الأراضي المحتلة مناصب وزارية. وشارك في معظم لقاءات عرفات مع كبار المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين.

تولى بين 2005 و2015 منصب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وأخرج من منصبه في ختام تلك الفترة بعد خلافات علنية مع الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس. أتاح له دوره في منظمة التحرير المشاركة في لقاءات رفيعة مع زعماء من العالم العربي وخارجه. وربطته علاقة مودة عميقة مع الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش.

متزوج من الروائية ليانة بدر، وله ولدان.


مقالات ذات صلة

البرغوثي بعد 24 عاماً في المعتقل... حضور طاغٍ

خاص مروان البرغوثي (أرشيفية)

البرغوثي بعد 24 عاماً في المعتقل... حضور طاغٍ

مروان البرغوثي بعد 24 عاماً في المعتقل ما زال يحظى بحضور مهم داخل المشهد الفلسطيني. والمؤتمر الثامن للحركة سيختبر ذلك.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب) p-circle

إدانات فلسطينية وعربية ودولية لإقرار الكنيست «قانون إعدام الأسرى»

أدانت فصائل فلسطينية ومسؤولون في السلطة الفلسطينية ودولية عربية وألمانيا والاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إقرار الكنيست قانوناً يجيز إعدام الأسرى.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي عبيدات: صاروخ من القذافي لإسقاط طائرة الملك حسين

عبيدات: صاروخ من القذافي لإسقاط طائرة الملك حسين

كشف رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات تفاصيل محاولة لاغتيال العاهل الأردني الراحل الملك حسين اتهم العقيد معمر القذافي بتدبيرها مع القيادي الفلسطيني.

غسان شربل (عمّان)
خاص لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب) p-circle 06:06

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي حاول اغتيال الملك حسين بصاروخ سلمه لوديع حداد

في الحلقة الثانية من شهادته، روى رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل محاولة اغتيال للملك حسين بصاروخ «أرسله معمر القذافي».

غسان شربل (عمّان)
خاص وصفي التل مع الملك حسين (غيتي) p-circle 00:44

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: قناص غامض قتل وصفي التل برصاصة من الخلف

في الحلقة الأولى من شهادته، يتحدث رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات عن «خيط غامض» في اغتيال وصفي التل، وتفاصيل محطات الصدام الأردني - الفلسطيني.

غسان شربل (عمّان)

واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

في غمرة انشغال قوى «الإطار التنسيقي» بتشكيل الحكومة الجديدة وما يرتبط بذلك من خلافات حادة بين زعمائه حول المرشح المناسب لرئاستها، يأتي إدراج وزارة الخزانة الأميركية 7 من قادة الميليشيات العراقية على قائمة العقوبات، ليزيد الأمر تعقيداً، حسب مراقبين، خصوصاً أنها طالت قوى وازنة، مثل «عصائب أهل الحق» التي تمتلك نحو 27 مقعداً برلمانياً وقد حصلت على منصب نائب رئيس البرلمان الاتحادي.

وجاءت العقوبات الجديدة بعد أقل من أسبوع على قيام وزارة الخارجية الأميركية بعرض مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن أحمد الحميداوي، زعيم «كتائب حزب الله» العراقي. بعد أن حمَّلته واشنطن مسؤولية شن هجمات ضد المنشآت الدبلوماسية الأميركية، وخطف مواطنين أميركيين، وقتل مدنيين عراقيين.

المكافأة التي نشرتها «الخارجية» الأميركية مقابل معلومات عن زعيم «كتائب حزب الله» العراقي

اتهامات أميركية

واتهم مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، في بيان، الجماعات المعاقبة بـ«ضلوعها في التخطيط والتوجيه وتنفيذ هجمات استهدفت أفراداً ومنشآت ومصالح أميركية داخل العراق. ويقود الأفراد المستهدفون في هذا الإجراء عدداً من أكثر الفصائل المسلحة الموالية لإيران عنفاً في العراق، من بينها (كتائب حزب الله)، و(كتائب سيد الشهداء)، و(حركة النجباء)، و(عصائب أهل الحق)».

وتعمل هذه الفصائل، حسب البيان، «بقدر كبير من الإفلات من العقاب، حيث تنفذ هجمات ضد أفراد أميركيين ومدنيين عراقيين، وتستنزف ثروات العراق لتمويل أنشطتها الإرهابية، كما تقوّض سيادة العراق وعملياته الديمقراطية».

وانخرطت الفصائل إلى جانب إيران في حربها ضد الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وقامت بتنفيذ مئات الهجمات الصاروخية وإطلاق المسيَّرات على مواقع دبلوماسية وعسكرية أميركية في العراق، ومن ضمنها أكثر من 600 هجمة ضد أصول مدنية وعسكرية في إقليم كردستان، وهجمات صاروخية ضد بعض الدول الخليجية.

ونقل البيان الأميركي عن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، القول: «لن نسمح للميليشيات الإرهابية في العراق، المدعومة من إيران، بتهديد أرواح الأميركيين أو مصالحهم. وكل مَن يمكّن عنف هذه الميليشيات سيُحاسب».

وتأتي الخطوة، بحسب البيان «استناداً إلى الأمر التنفيذي 13224 المعدل، الذي يستهدف الإرهابيين وداعميهم، وتستكمل سلسلة من الإجراءات السابقة التي اتخذتها وزارة الخزانة ضد شبكة الميليشيات المدعومة من إيران والتي تهدد العراقيين والأميركيين في المنطقة».

وسبق أن صنفت واشنطن «كتائب حزب الله»، و«عصائب أهل الحق»، و«حركة النجباء»، و«كتائب سيد الشهداء» جماعات «إرهابية عالمية ومنظمات إرهابية أجنبية».

ودعا رئيس حكومة إقليم كردستان، السبت، ما وصفهم بـ«شركائنا الدوليين إلى توفير المعدات اللازمة لحماية مواطني كردستان والبنية التحتية للطاقة من هذه التهديدات المستمرة». في إشارة إلى الهجمات المتكررة التي تنفذها الفصائل المسلحة ضد الإقليم، وقد سقط جراءها 5 قتلى خلال الأيام القليلة الماضية.

أبرز قادة الميليشيات

وذكر البيان الأميركي أن «كتائب حزب الله» تبنّت العديد من الهجمات منذ تأسيسها عام 2006، ليس فقط ضد الولايات المتحدة، بل أيضاً ضد قوات التحالف الدولي. وترتبط الجماعة آيديولوجياً بإيران وتتلقى منها دعماً مالياً وعسكرياً، ومن بين المدرجين على لائحة العقوبات، عمار جاسم كاظم الرماحي، قائد عمليات في «كتائب حزب الله»، يشرف على التخطيط للهجمات وتحديد أهدافها. ورضوان يوسف حميد المحمد وحسن ذياب حمزة، وهما من كبار مسؤولي الكتائب ويشاركان في تنسيق العمليات، حسب البيان.

كما أشار البيان إلى أن «عصائب أهل الحق» نفذت آلاف الهجمات ضد القوات الأميركية وقوات التحالف، وتتلقى دعماً وتدريباً من إيران، واستخدمت طائرات مسيّرة إيرانية في هجمات شمال العراق حتى مارس (آذار) 2026.

ومن ضمن قادة «العصائب» التي طالتها العقوبات الأميركية، صفاء عدنان جبار سويد، قائد عسكري ومسؤول عمليات في محافظة صلاح الدين.

وذكرت أن «كتائب سيد الشهداء» التي يقودها أبو آلاء الولائي، وهو قيادي في «قوى الإطار التنسيقي» تتلقى دعماً إيرانياً في التدريب والتمويل والتسليح، ومن بين قادتها، خالد جميل عبد البختري وسعيد كاظم مخميس.

كما أدرجت اللائحة الأميركية هشام هاشم جيثوم، مدرب عسكري في «حركة النجباء»، التي أعلنت ولاءها لإيران وهددت باستهداف الأميركيين في العراق والمنطقة.

وأشار البيان الأميركي إلى أنه بموجب هذه الإجراءات «سيتم تجميد جميع الأصول والمصالح المالية للأشخاص المدرجين داخل الولايات المتحدة أو التي تقع تحت سيطرة أشخاص أميركيين، مع إلزام الجهات المعنية بالإبلاغ عنها، كما تُحظر على الأشخاص الأميركيين إجراء أي معاملات مع هؤلاء، ما لم يكن ذلك بموجب ترخيص خاص».

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)

شحنات الدولار

بالتزامن، تشير تقارير اقتصادية إلى تحديات تتعلق بوصول شحنات الدولار النقدي المقبلة من البنك الفيدرالي الأميركي إلى البنك المركزي العراقي، ولم يصدر عن البنك المركزي أي بيان في هذا الاتجاه، الأمر الذي لا يمكن التأكد من حقيقة هذه التقارير. وقبل نحو شهرين، تحدثت تقارير مشابه عن تعثر وصول الأموال إلى بغداد، خصوصاً عقب غلق الأجواء العراقية نتيجة الحرب. ومعروف أن أموال النفط العراقي توضع في البنك الفيدرالي الأميركي قبل أن يتم شحنها نقداً إلى العراق.

وتشير بعض المصادر الاقتصادية إلى أن البنك الفيدرالي الأميركي يسعى إلى فرض قيود أشد للحد من تهريب الدولار إلى خارج العراق والالتزام بمعايير الامتثال الدولية (غسيل الأموال).

تشكيل الحكومة

لا تبتعد لائحة العقوبات الجديدة كثيراً عن أجواء تشكيل الحكومة الجديدة، غير أنه «ليس من الواضح فاعليتها في التأثير على خيارات القوى الإطارية بالنسبة لرئيس الوزراء المقبل»، حسب مصدر قيادي في القوى الإطارية.

وقال المصدر إن «عقوبات سابقة طالت الفصائل، لكنها لم تؤثر على نفوذها السياسي داخلياً، وأبرز مثال على ذلك (عصائب أهل الحق)».

لكنه لا يرجح «تجاهل قوى الإطار للرسائل الأميركية المباشرة وغير المباشرة لأنها تدرك حجم المخاطر وكلفة هذا النوع من السلوك، لذلك نجد هذا التعثر الواضح في حسم ملف تشكيل الحكومة».

في المقابل، ترى مصادر أميركية أن العقوبات الجديدة لا تبتعد عن محاولات واشنطن «منع تشكيل حكومة جديدة خاضعة لنفوذ الفصائل المسلحة» حيث تتحكم هذه الفصائل في نحو 100 مقعد برلماني، إلى جانب نفوذها الكبير داخل «قوى الإطار التنسيقي» المسؤولة عن تشكيل الحكومة وطرح مرشح لرئاسة الوزراء. وتفيد مصادر أميركية مطلعة بأن القائم بالأعمال الأميركي في العراق، جوشوا هاريس، أبلغ بعض قادة الإطار أن لدى إدارته «الكثير من المؤشرات السلبية تجاه جميع صانعي القرار في العراق بخصوص نفوذ الميليشيات».

وتقول المصادر إن هاريس تحدث عن أن «واشنطن ستتعامل بحزم مع أي حكومة لن تعمل على إيقاف الميليشيات من الاستمرار في زعزعة استقرار العراق والمنطقة وتوقف كل أنواع الدعم عنها».

وأيضاً «ستقوم واشنطن بمعاقبة أي كيان أو مؤسسة عراقية ستستمر بتسهيل حصول إيران على الدولار سواء كانت رسمية أم غير رسمية».


«حزب الله» لوّح بالعودة إلى الحرب مع إسرائيل… وفي الداخل

عائلة نازحة خلال عودتها إلى قريتها في الجنوب إثر الإعلان عن الهدنة وهي ترفع علم «حزب الله» على السيارة (رويترز)
عائلة نازحة خلال عودتها إلى قريتها في الجنوب إثر الإعلان عن الهدنة وهي ترفع علم «حزب الله» على السيارة (رويترز)
TT

«حزب الله» لوّح بالعودة إلى الحرب مع إسرائيل… وفي الداخل

عائلة نازحة خلال عودتها إلى قريتها في الجنوب إثر الإعلان عن الهدنة وهي ترفع علم «حزب الله» على السيارة (رويترز)
عائلة نازحة خلال عودتها إلى قريتها في الجنوب إثر الإعلان عن الهدنة وهي ترفع علم «حزب الله» على السيارة (رويترز)

لوّح «حزب الله» بالعودة إلى الحرب مع إسرائيل، بالتوازي مع الحملة السياسية العنيفة التي شنّها نواب وقياديون من الحزب ضد رئيس الجمهورية جوزيف عون على خلفية تمسّكه بخيار التفاوض وعدم توجيهه الشكر لإيران و«المقاومة»، وصولاً إلى القول على لسان أحد نواب الحزب إن من يريد أن يكون مثل (قائد ميليشيا جيش لبنان الجنوبي التي أنشأتها إسرائيل) أنطوان لحد، سنقاتله كما قاتلنا الإسرائيلي».

وجاء موقف الحزب الميداني ليعزّز منسوب التصعيد؛ إذ دعا النازحين صراحة إلى عدم الاستقرار في بلداتهم وقراهم في الجنوب أو الضاحية الجنوبية، والبقاء في أماكن نزوحهم مع الاكتفاء بتفقد الممتلكات، وهو ما عكس توجهاً واضحاً على استعداد الحزب لمرحلة قد تشهد تجدداً للحرب، وهو ما تحدث عنه نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي، متوجهاً إلى جمهور الحزب بالقول: «لا تستقروا في قراكم في الجنوب، ولا حتى في الضاحية، اطمئنوا على أملاككم، ولا تستقروا، ولا تتركوا أماكن نزوحكم».

وانطلاقاً من هذه الأجواء شهد طريق الجنوب - بيروت، يوم السبت، زحمة خانقة لمواطنين عادوا وغادروا مجدداً بلداتهم الجنوبية التي وصلوا إليها، الجمعة، بينما تناقل ناشطون مقربون من «حزب الله» على وسائل التواصل الاجتماعي بياناً طالب «الأهالي الذين عادوا إلى منازلهم خلال فترة الهدنة، تجهيز الاحتياجات الأساسية والضرورية فقط والاستعداد للعودة الفورية إلى أماكن النزوح الآمنة التي كنتم فيها». وورد في البيان أيضاً: «نريد الميدان خالياً إلا من رجال (حزب الله)، كي يكون الرد على الخروقات موجعاً، دقيقاً، وبلا أي تكلفة بشرية في صفوف أهلنا الصامدين».

تهديد عون بمصير السادات

وبعدما كان «حزب الله» لفترة طويلة يحيّد عون عن حملاته التي كان يركزها على رئيس الحكومة نواف سلام، فتح النار مؤخراً عليهما معاً بعد الاجتماع التمهيدي اللبناني - الإسرائيلي الذي عُقد في واشنطن، يوم الثلاثاء الماضي، ووصلت الأمور بمسؤول ملف الموارد والحدود في «حزب الله» نواف الموسوي بالقول إن رئيس الجمهورية حين يتفرد بخطوات بملف التفاوض المباشر «لن يكون بعد الآن رئيساً مقبولاً من أحد في لبنان، فهو ليس أهم من أنور السادات الذي عندما انفرد بخطوة من هذا النوع قاطعه العرب جميعاً وعزلوه». وكان الرئيس المصري الراحل أنور السادات أول رئيس عربي يوقع اتفاقية سلام مع إسرائيل عام 1978، وقد تم اغتياله خلال عرض عسكري في ذكرى حرب أكتوبر (تشرين الأول).

أطفال في السيارة خلال رحلة العودة إلى قريتهم في الجنوب بعد الإعلان عن هدنة الأيام العشرة رافعين إشارة النصر وعلم «حزب الله» (رويترز)

مواقف تصعيدية بالجملة

وانبرى نواب وقياديو الحزب في الساعات الماضية بالتهجم على عون مطالبين إياه بالتراجع عن مسار التفاوض. وفي مؤتمر صحافي لنائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي استنكر «الجحود الرسمي الفاقع الخارج عن الدبلوماسية» معتبراً أن «رئيس الجمهورية شكر القاتل والمجرم، ولم يشكر من أنقذنا وهي إيران».

وأضاف: «الدولة تركض وتهرول نحو الذل والهوان ونحو التفريط بالسيادة خطوة بعد خطوة بدلاً من التمسك بأقوى أوراقها».

من جهته، قال النائب عن الحزب حسن فضل الله: «من يريد أن يكون (أنطوان لحد) سنقاتله كما قاتلنا الإسرائيلي»، وأضاف: «نحن تفردنا بخيار المقاومة، ولم نطلب من السلطة سوى عدم طعننا... أعطيناكم صورة نصر فلا تعطونا صورة ذل».

حنكش: فليأخذوا العبر من التفاوض الأميركي - الإيراني

ورد النائب عن حزب «الكتائب اللبنانية» إلياس حنكش على مواقف نواب وقياديي الحزب معتبراً «أن (حزب الله) لا يزال ينتظر إشارة من إيران، فإذا أُبلغ بقرار الالتزام بمسار التفاوض فسيلتزم، علماً أنه إذا كانت طهران هي نفسها تفاوض من تسميها (الشيطان الأكبر)، فعلى الحزب أن يأخذ العبر مما يحصل بعدما فتح حرباً لمساندة إيران عسكرياً، وأوقف الحرب لمساندتها في مفاوضاتها».

ورأى حنكش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الهجوم على الرئيس عون غير مبرر ومردود لـ(حزب الله)». وأضاف: «كنا نتوقع قليلاً من النضج والحكمة بالتعاطي على المستوى الوطني من قبلهم، لكن كل مرة تؤكد قياداتهم أنها منفصلة عن الواقع، وتنتهج سياسة النعامة غير آبهة بما يحصل من حولها».

مواطن يشرب الشاي في بيته المتضرر في بلدة قانا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وشدد حنكش على أن «الرئيس عون هو الذي يمثل الشرعية، وقام بمبادرة التفاوض مع إسرائيل بالمباشر، وهذا ما سيحصل، وكل لبنان يسير خلفه ما عدا (حزب الله)»، وقال: «يجب أن تسير هذه المفاوضات بالتوازي مع التزام الجميع بسقف الدولة وحصرية السلاح وبسط السيادة اللبنانية على الأراضي اللبنانية كافة، غير ذلك يكون الحزب يضع نفسه بمواجهة كل اللبنانيين، وسيكون مرة جديدة سبب تأخير قيام الدولة في لبنان... وهذا غير مستغرب من فصيل إيراني يفتخر أنه تابع لـ«الحرس الثوري)».

مواقف عون

وكان الرئيس عون قد توجه للبنانيين بخطاب أوضح خلاله توجهات السلطة اللبنانية في المرحلة المقبلة، فأكد «استعادة لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن»، مشدداً على «أننا اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً». وشدد على أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أي شيء كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني، ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه.


لبنان جاهز للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل... وتوجه لتشكيل وفد مصغر برئاسة كرم

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)
TT

لبنان جاهز للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل... وتوجه لتشكيل وفد مصغر برئاسة كرم

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)

يشهد لبنان، في أعقاب إعلان وقف إطلاق النار، حراكاً سياسياً ودبلوماسياً يتمحور حول تهيئة الأرضية اللازمة لإطلاق مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، في محاولة لتحويل الهدنة المؤقتة إلى مسار تفاوضي مستدام يفضي إلى تثبيت الاستقرار. وتتكامل في هذا السياق الجهود الداخلية التي تقودها مؤسسات الدولة مع تحركات خارجية على أكثر من خط، فيما تؤدي المملكة العربية السعودية -التي وجه إليها رئيس الجمهورية جوزيف عون الشكر، خلال كلمة له مساء الجمعة- دوراً بارزاً في هذا الإطار.

كما تلقّى الرئيس عون، يوم السبت، اتصالاً من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جرى خلاله بحث التطورات الأخيرة، ولا سيما الإعلان عن وقف إطلاق النار، والتحضيرات الجارية لإطلاق المفاوضات انطلاقاً من مبادرة الرئيس عون في هذا المجال، حسب بيان صادر عن الرئاسة اللبنانية. وأشار البيان إلى أن الرئيس عون شكر الرئيس الفرنسي على «الدعم الذي يلقاه لبنان منه ومن فرنسا في المجالات كافة، وللمساعدات التي قدمتها بلاده لإنهاء معاناة الشعب اللبناني».

توحيد الموقف وتثبيت سلطة الدولة

على المستوى الداخلي، يقود رئيس الجمهورية جوزيف عون، بالتعاون مع رئيس الحكومة نواف سلام، مساراً سياسياً يهدف إلى بلورة موقف لبناني موحّد حيال المفاوضات المرتقبة. وشكّل الاجتماع الذي عُقد بينهما صباح السبت محطة أساسية لتقييم مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، ووضع تصور أولي للإطار التفاوضي، بما يضمن حماية المصالح اللبنانية.

وحسب بيان رئاسة الجمهورية، «أجرى الرئيسان تقييماً لمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، والمساعي الجارية لتثبيته، ومنها الاتصالات التي أجراها رئيس الجمهورية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو وعدد من قادة الدول العربية والأجنبية».

وبعد اللقاء، أوضح سلام أن البحث مع الرئيس عون تناول أيضاً الجاهزية اللبنانية للمفاوضات، إضافة إلى متابعة تنفيذ قرارات مجلس الوزراء، ولا سيما منها القرار الذي صدر في الجلسة الأخيرة للمجلس القاضي بتعزيز بسط سلطة الدولة على محافظة بيروت، وحصر السلاح فيها.

وأعرب سلام عن «أمله في أن يتمكن النازحون بعد ثبات وقف إطلاق النار من العودة الآمنة إلى منازلهم في أقرب وقت، مؤكداً أن الدولة اللبنانية ستواكب عودتهم، وتُقدم كل ما هو مطلوب منها لجهة تسهيل هذه العودة، ولا سيما ترميم الجسور المهدمة، وفتح الطرق وتأمين المستلزمات في المناطق التي ستكون العودة إليها آمنة وممكنة».

لبنان جاهز للمفاوضات

وقالت مصادر وزارية مقربة من رئاسة الجمهورية لـ«الشرق الأوسط»: «إن اللقاء بين عون وسلام تناول موضوع المفاوضات المحتملة؛ حيث أكّد رئيس الجمهورية أن لبنان جاهز للدخول في مفاوضات مباشرة فور تحديد موعدها، وأنّ الجانب اللبناني سيكون على أتم الاستعداد عند انطلاقها»، مشيرة «إلى أنّ تشكيل الوفد اللبناني سيتم بناءً على تركيبة الوفد الإسرائيلي، مع ترجيح أن يقتصر على السفير سيمون كرم رئيساً، إلى جانب معاون له وضابط من الجيش اللبناني»، ويأتي ذلك بعدما اصطدمت محاولة الرئيس عون بتشكيل وفد تفاوضي يمثل مختلف الطوائف برفض الطرف الشيعي الذي يمثله «حزب الله» ورئيس البرلمان نبيه بري.

مواطن ينقل بضائع من متجر تضرّر جراء غارة إسرائيلية قبيل بدء سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة 10 أيام (رويترز)

وأشارت المصادر إلى «أنّ الورقة اللبنانية باتت جاهزة، وخطوطها العريضة واضحة، وتتمحور حول تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها، وعودة الأسرى، إضافة إلى البند المتعلق بالنقاط الـ13 المختلف عليها بين لبنان وإسرائيل والمرتبطة بالخط الأزرق».

وعما إذا كان هناك لقاء قريب بين عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قالت المصادر: «هذا الأمر غير مطروح في المرحلة الراهنة».

كما تطرّق لقاء عون - سلام، حسب المصادر، إلى موضوع نزع السلاح في بيروت، في إطار تنفيذ قرار الحكومة، ولا سيما بعدما حصل في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر وقف إطلاق النار مساء الخميس، إلى جانب التشديد على ضرورة عودة النازحين إلى قراهم، والعمل على تأمين المساعدات اللازمة وتمويل عملية العودة، بما يضمن استقرارهم في مناطقهم.

دور سعودي داعم للبنان

وفي ظل الجهود التي يبذلها عدد من الدول لدعم الاستقرار في لبنان، تتوقف المصادر عند الدور السعودي البارز في المرحلة الأخيرة من الاتصالات التي سبقت وقف إطلاق النار؛ حيث دخلت المملكة العربية السعودية على خط التحرك عبر وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان، والأمير يزيد بن فرحان المكلّف بالملف اللبناني.

يقف موسى بدران بجوار المبنى الذي يضم أعماله التجارية بعدما دُمّر في غارة إسرائيلية قبيل بدء سريان وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام بين لبنان وإسرائيل في بلدة العباسية بقضاء صور (رويترز)

وفي هذا الإطار، كشفت المصادر الوزارية أنّ زيارة النائب علي حسن خليل، المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري، إلى الرياض قبل أيام كانت بدعوة من المملكة لوضعه في أجواء الجهود المبذولة لوقف إطلاق النار، مشيرة كذلك إلى اتصالات قامت بها السعودية دعماً للموقف اللبناني، ولا سيما لجهة فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني، في موازاة تأكيدها الاستمرار في دعم التحرك والمواقف اللبنانية، سعياً منها لتكريس الاستقرار، وتعزيز فرص نجاح المسار التفاوضي.

مواقف داعمة لرئيس الجمهورية ومسار الدولة

وبرزت في الداخل اللبناني سلسلة مواقف سياسية داعمة لرئيس الجمهورية وخياراته في إدارة المرحلة. فقد عدّ وزير الإعلام بول مرقص أن ما تحقق من وقف لإطلاق النار نتيجة الجهود الدولية يُشكل فرصة يجب عدم تفويتها، مؤكداً أن لبنان يسعى إلى تثبيت هذا الوقف وجعله مستداماً، بالتوازي مع تحقيق مطالب أساسية، أبرزها انسحاب إسرائيل، والإفراج عن الأسرى، ومعالجة النزاعات الحدودية. كما شدد على تمسك لبنان بمسار تفاوضي خاص به، بعيداً عن أي مسارات إقليمية أوسع، وبغطاء دولي، ولا سيما من الولايات المتحدة.

وفي السياق نفسه، عبّر النائب أشرف ريفي عن دعمه الكامل لرئيس الجمهورية، معتبراً أن اللبنانيين يراهنون على هذا المسار لاستعادة الدولة وهيبتها، داعياً إلى المُضي قدماً في مشروع استعادة السيادة، ووضع حد للفوضى التي أنهكت البلاد. وتعكس هذه المواقف توجهاً داخلياً متنامياً لمنح الدولة فرصة فعلية لإثبات قدرتها على إدارة المرحلة الحساسة، خصوصاً في ظل الدعم الدولي المتزايد.

كذلك، تركزت مواقف سياسية أخرى على ضرورة استثمار الهدنة لتحقيق تقدم فعلي في ملف التفاوض، بالتوازي مع معالجة القضايا الداخلية العالقة. وفي هذا الإطار، شدد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع على أن لبنان يقف أمام لحظة حاسمة تتطلب قرارات واضحة، معتبراً أن مهلة وقف إطلاق النار تُشكل اختباراً لقدرة الدولة على فرض سيادتها. وأكد أن الأولوية يجب أن تكون لحصر السلاح بيد الدولة، إذ لا يمكن قيام دولة فعلية في ظل تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري، محمّلاً «حزب الله» مسؤولية إدخال لبنان في دائرة المواجهة.

كما دعا إلى تعزيز حضور الجيش في المناطق الحدودية، ولا سيما لحماية القرى ومنع تهجير سكانها، مشدداً على ضرورة ربط أي دور سياسي مستقبلي للحزب بالتزامه الكامل بالدستور وقرارات الدولة.

من جهته، أكد النائب إبراهيم منيمنة أن تسليم السلاح لا يُشكل استسلاماً، بل خطوة نحو إعادة التوازن الوطني. كما حذَّر من هشاشة الهدنة، مشيراً إلى أن نجاحها مرتبط بتطورات أوسع، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمالات الوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد.

بدوره، قال النائب وضاح الصادق: «رسم الرئيس عون الجدل، وأكد أن استعادة الدولة سيادتها وهيبتها لا جدال فيها. الدولة وحدها تفاوض، وحدها تحمي شعبها وتصون أرضها، وحدها تعمل على استعادة كل شبر من لبنان وتُعيد الإعمار. بعد قرارات الحكومة، أسقط الرئيس منطق سلاح (حزب الله) نهائياً، وأنهى هيمنة إيران على قرار لبنان. قطار الدولة اللبنانية انطلق».