ماذا وراء قصف المدنيين بهذه الدموية في غزة؟

«مجزرة دامية» في غزة
«مجزرة دامية» في غزة
TT

ماذا وراء قصف المدنيين بهذه الدموية في غزة؟

«مجزرة دامية» في غزة
«مجزرة دامية» في غزة

القصف بالدبابات من بعيد في غرب غزة، الذي أصاب مجموعة كبيرة من المدنيين الأبرياء وهم ينتظرون تلقي حفنة صغيرة من المساعدات لسد الرمق، وحصد منهم 104 قتلى ونحو 800 جريح، يثير السؤال عن أهدافه. ولأن الضمير الإنساني يهتز وينتفض، يستصعب استيعاب مثل هذا القصف، فيطرح تساؤلات جمة: هل هو قصف متعمد أم عشوائي؟ وهل هي سياسة حكومية أم مجرد انفلات لضابط مهووس؟ وهل هي عملية انتقامية أم عملية محسوبة ذات أهداف سياسية وعسكرية؟

هل يعقل أن إسرائيل، التي تدير معركة على الوعي الإنساني طوال عشرات السنوات ضد الوحش النازي وجرائمه ضد اليهود وغيرهم إبان الحرب العالمية الثانية، يمكن أن تدير حرب دمار كهذه طوال خمسة شهور وتحصد هذا العدد من المدنيين، 30 ألف إنسان، بينهم 12500 طفل و8 آلاف امرأة؟ هل هي عملية تكتيكية استهدفت منها إسرائيل دفع حركة «حماس» إلى تفجير المفاوضات حول صفقة الهدنة المرتقبة، لكي تستمر الحرب وبذلك يضمن بنيامين نتنياهو استمراره في الحكم؟

كلها أسئلة صعبة لكنها واجبة. فالقادة العسكريون في إسرائيل، وليس نتنياهو وحده، يديرون حرباً على غزة وأهلها تخالف أي منطق إنساني وتنطوي على خروق مرعبة حتى للقوانين الحربية. وسيكون عليهم إعطاء الجواب عليها. هم يدعون أن هذه حرب دفاعية بسبب «الفظائع الوحشية التي نفذتها حماس خلال هجومها على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي». وكانت هناك فظائع فعلاً، لكن الرد الإسرائيلي الانتقامي لم يكن متناسباً ولم يكن طبيعياً، كما أنه لم يكن ضد «حماس» بل ضد المواطنين الفلسطينيين الأبرياء. ورغم مضي نحو خمسة شهور، والانتقادات الواسعة في العالم، ما زالت إسرائيل تنفذ عمليات تبدو وحشية أكثر من سابقاتها.

جنديان إسرائيليان يقفان على دبابة بالقرب من الحدود مع غزة بجنوب إسرائيل (أ.ب)

الأخطاء الإنسانية

ولنبدأ بالحديث عن الأخطاء الإنسانية. بالطبع، ليس مستبعداً أن يكون القصف المباشر للمدنيين ناجما عن خطأ غير مقصود. فالجيش الإسرائيلي مثل أي جيش يرتكب أخطاء، وليس فقط ضد الفلسطينيين. اليوم، نشر تقرير يفيد بأن دبابات إسرائيلية أطلقت النار عن طريق الخطأ داخل الأراضي الإسرائيلية خمس مرات على الأقل قرب حدود غزة والحدود اللبنانية منذ بداية الحرب.

وقالت صحيفة «هآرتس» إنه، وفقاً لمعلومات حصلت عليها لا تريد أن تكشف مصدرها، إن هذا القصف تسبب في مناسبتين على الأقل، بإلحاق أضرار بالمباني، وفي إحداهما أطلقت دبابة قذيفتين على كيبوتس (مستوطنة) هانيتا، على الحدود اللبنانية. ونتيجة لذلك أقيل قائد الفصيل من منصبه، علما بأنه ضابط برتبة ملازم أول، كان أيضاً قائد الدبابة. هذا عدا عن حوادث تم خلالها قتل جنود ومواطنين إسرائيليين بنيران صديقة.

لكن عندما يحصل خطأ يفترض أن هناك اعترافا ومحاسبة واعتذارا. وهذا لا نراه في الحادثة الأخيرة في غرب غزة. بل يتضح أن هذا المكان بالذات، تم قصفه مرتين في الماضي وبنفس الطريقة وأدى إلى مقتل مدنيين أبرياء، ولم تعتذر إسرائيل. وكما هو معروف، فإن قصف الدبابات لا يكون دقيقا مثل الطائرة. وكل قصف دبابة من بعيد يكون محفوفا بالمخاطر. والفلسطينيون يتحدثون عن مجازر يومية ترتكب في غزة خلال الحرب، وهم يعتبرون أن كل عملية يتم فيها قتل أكثر من 5 أشخاص في تجمع واحد هي مجزرة. ولهذا، فإن إحصاءاتهم تتحدث عن عدد القتلى وعدد الجرحى وعدد المجازر.

فلسطيني فوق أنقاض منزله المدمر في شرق مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (إ.ب.أ)

ما هو الهدف؟

لذلك، فإن الاحتمال أن يكون هذا القصف غرب غزة مجرد خطأ غير مؤكد. إذن، ما هو الهدف؟ أولا، هناك احتمال كبير أن يكون هذا القصف تعبيراً عن إفلاس في الأهداف العسكرية. لقد تحدثت إسرائيل في بداية الحرب عن إعداد بنك أهداف عسكرية يتضمن عشرات ألوف المواقع. ومن يتابع الغارات الجوية والبرية والبحرية، يجد أن من الأهداف العسكرية كانت مدارس ومستشفيات ومباني في الجامعات وثلاث كنائس وعشرات الجوامع ونوادي وغيرها.

وثانيا، منذ بداية الحرب والقادة الإسرائيليون يتحدثون عن هدف يسمونه «تغيير الوعي الفلسطيني»، ويقصدون أن يحفروا في الذاكرة أن المساس بإسرائيل له ثمن باهظ، قد يكون خسارة الأرض وقد يكون الاستيطان اليهودي في الأرض وقد يكون القتل الجماعي وقد يكون نكبة جديدة، وفي كل الأحوال النتيجة هي أرض محروقة.

وهم يريدون إيصال الجمهور الفلسطيني إلى وضع يتهم فيه «حماس» بالمسؤولية عن هذه النكبة، مثلما اتهم الفلسطينيون قادتهم بالمسؤولية عن النكبة الأولى. واليوم حاولت تعزيز هذه القناعة من خلال النشر عن رسالة يدعون أن يحيى السنوار، قائد «حماس» في قطاع غزة، الذي يعتبرونه في إسرائيل المسؤول الأول عن هجوم 7 أكتوبر، أرسلها إلى قادة «حماس» في الخارج، يطمئنهم فيها بأن المقاومة بخير وطلب منهم ألا يتأثروا من قتل إسرائيل لكثير من المدنيين الفلسطينيين، لأن الأمر يضر إسرائيل ويقود إلى الضغوط عليها.

فلسطينية تسير مع طفليها بين أنقاض مبنى سكني مدمر في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (إ.ب.أ)

السنوار يطمئن

فكما جاء في تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، ووقعه مراسلوها في المنطقة ماركوس ووكر وعنات بيلد وسمر سعيد، فإن «مسؤولين كبارا في قيادة «حماس» أعربوا عن قلقهم من نجاحات الجيش الإسرائيلي في القتال وتآكل الذراع العسكرية للمنظمة، وذلك خلال اجتماع مطلع الشهر الحالي في قطر». لكن السنوار قال مطمئنا على لسان أحد مبعوثيه «إن الإسرائيليين موجودون حيث نريد لهم بالضبط أن يكونوا. ومقاتلو القسام جاهزون لمواجهة الجيش الإسرائيلي في رفح. والخسائر المدنية في جنوب غزة ستؤدي إلى ضغط دولي على إسرائيل».

وادعت الصحيفة أن «هدف السنوار هو خروج حماس من تحت أنقاض غزة بعد الحرب، وإعلان انتصار تاريخي على إسرائيل، والاستيلاء على القيادة الفلسطينية».

ففي إسرائيل، ثمة من يفكر في خوض هذه المنافسة حتى النهاية ولسان حاله يقول: «هكذا يريد السنوار. حسنا. تعالوا نعطيه. خذ أكبر عدد من القتلى ونحن نتحمل الضغوط الدولية». وهؤلاء لا يكترثون لشيء في العالم سوى الموقف الأميركي. فإذا لم تطلب واشنطن وقف النار بشكل صارم، لا يرضخون.

والاستمرار في الحرب يشجع العديد من القوى في إسرائيل على مزيد من القتل ومزيد من تحدي المجتمع الدولي وحتى مزيد من التطاول على الإدارة الأميركية. وليس فقط إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، بل حتى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يجاهر بالخلافات مع الرئيس الأميركي جو بايدن ويقول إن «80 في المائة من الشعب الأميركي معنا».

مقاتلان من «كتائب القسام» برفقة أسيرين خلال عملية تبادل الأسرى بين «حماس» وإسرائيل في نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

أدوات التفاوض

وثالثا، الكثير، وربما الغالبية الساحقة من العمليات الحربية الإسرائيلية، خصوصا في الشهور الأربعة الأخيرة، جاءت لتكون أداة أخرى من أدوات التفاوض على صفقة تبادل. تشدد الضربات العسكرية لتضغط الطرف الآخر في المفاوضات. وكلما تقدمت المفاوضات أكثر واقتربت من نهايتها، تمارس ضغطا أشد لتبتز تنازلات أخرى. في كثير من الحالات كاد مثل هذا الضغط ينسف المفاوضات، لكنه مغامرة محسوبة.

ورابعا، عندما يتحارب الصقور السياسيون، ينفذون عملية تشابك بين العمليات الحربية والمفاوضات. ويصرون على جعل آخر العمليات الحربية كاسحة بشكل خاص. وقد حصل الأمر عدة مرات في جولات التفاوض السابقة بين إسرائيل وحماس. فبقدر ما يبدو الأمر فظيعا، فإنه الواقع. ولذلك، لن يكون مستبعدا أن تنهي «حماس« الحرب بقصف صاروخي على تل أبيب قبل دقائق من موعد وقف إطلاق النار، وليس مستبعدا أن تنفذ إسرائيل عملية شرسة بشكل خاص قبل أيام من موعد وقف النار.


مقالات ذات صلة

«اتفاق غزة»: الوسطاء يسعون لتفعيل «لجنة التكنوقراط»

تحليل إخباري أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»: الوسطاء يسعون لتفعيل «لجنة التكنوقراط»

تتجه الأنظار نحو «لجنة إدارة قطاع غزة» بعد 3 أشهر من تأسيسها دون بدء عملها الفعلي من القطاع، وذلك بعد حديث الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» بقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية صورة تذكارية للوزراء والمسؤولين المشاركين في الاجتماع حول غزة على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في جنوب تركيا السبت (الخارجية التركية)

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

أكد وزراء ومسؤولون من تركيا، والسعودية، ومصر، والأردن، وقطر، والإمارات ضرورة وقف انتهاكات إسرائيل في غزة، والانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

خاص ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

تواجه حركة «حماس» أكبر حالة ضغط من الوسطاء وأطراف أخرى للموافقة على وثيقة «مجلس السلام» حتى ولو بشكل مبدئي، قبل التفاوض عليها بشأن خطة نزع سلاح الفصائل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)

نازحون لبنانيون يتريثون في العودة إلى منازلهم خشية انهيار الهدنة

رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
TT

نازحون لبنانيون يتريثون في العودة إلى منازلهم خشية انهيار الهدنة

رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)

بعد سريان الهدنة بين إسرائيل و«حزب الله»، تفقدت سماح حجول منزلها في ضاحية بيروت الجنوبية، وأحضرت ثياباً صيفية لأطفالها قبل أن تعود إلى خيمة عند الواجهة البحرية للعاصمة، لعدم ثقتها باستمرار وقف إطلاق النار.

أمام الخيمة، تقول حجول، الأم لأربعة أطفال والنازحة من منطقة الليلكي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أخاف من العودة إلى منزلي؛ لأن الوضع لم يستقر بعد».

وتفقدت حجول منزلها في الضاحية التي تعرضت لدمار واسع جراء الغارات الإسرائيلية خلال الحرب التي استمرت أكثر من شهر. ووجدت أنه تعرّض لأضرار طفيفة جراء تحطم زجاج نوافذه، لكنها لم تبقَ فيه.

وتقول: «أذهب من أجل تحميم الأولاد وإحضار ثياب صيفية» مع ارتفاع درجات الحرارة في اليومين الأخيرين، «لكننا لا نشعر بالأمان لنعود».

وتضيف: «أخشى أن يحدث شيء في الليل ولا أتمكن من حمل أولادي والفرار بهم» على غرار ما فعلته بعد اندلاع الحرب في الثاني من مارس (آذار).

رجل يقود سيارته وهو يلوّح بعلامة النصر بعد دخول وقف إطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل حيز التنفيذ (رويترز)

«ليس ثمة حل»

وبينما عاد الكثير من النازحين إلى مناطقهم بعد سريان الهدنة، منتصف ليل الخميس/ الجمعة، ينتظر آخرون يقيمون في خيام وسط بيروت انقضاء مهلة الأيام العشرة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف النار، قبل حسم قرارهم.

وتشرح حجول: «سننتظر لنرى ما سيحصل... إذا تمّ تثبيت وقف إطلاق النار سنعود إلى منازلنا».

وتتوافد عائلات إلى الضاحية الجنوبية لتفقد منازلها وأخذ احتياجاتها. ولا تزال أحياء في عمق المنطقة شبه خالية، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، مع تفضيل سكان كثر التريث قبل العودة نهائياً.

بين هؤلاء حسن (29 عاماً) الذي تفقد السبت منزله، قبل أن يعود إلى مركز إيواء داخل مدرسة.

ويقول هذا الأب لطفل: «جئت لأتفقد المنزل وأحضر أغراضاً منه». ويضيف: «لا أستطيع البقاء؛ لأننا نخاف من أي توتر في ظل خرق الهدنة، ومع إعادة إقفال مضيق هرمز»، السبت، من إيران، التي سبق أن أعلنت أن الهدنة في لبنان كانت «جزءاً» من تفاهمات وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة.

ويتابع حسن الذي طلب عدم كشف هويته كاملة: «لا شيء يؤشر إلى أنه ثمة حل، نخاف إذا عدنا إلى الضاحية أن نخسر مكاننا في المدرسة التي نزحنا إليها».

«عدو غدار»

أسفرت الحرب خلال أكثر من ستة أسابيع عن مقتل نحو 2300 شخص، ونزوح أكثر من مليون، بحسب السلطات، خصوصاً من ضاحية بيروت ومن جنوب البلاد، وهما المنطقتان اللتان تعدان من معاقل «حزب الله».

وضاقت المدارس التي حولتها الحكومة إلى مراكز إيواء بعشرات الآلاف من النازحين، خصوصاً في بيروت ومحيطها.

وتفاقمت المخاوف، السبت، بعد تصريحات للقيادي في «حزب الله» محمود قماطي، دعا فيها النازحين إلى تفقد منازلهم والعودة بعدها إلى أماكن نزوحهم.

وقال خلال مؤتمر صحافي في الضاحية: «أدعو أهلنا ألا تستقروا حيث تذهبون إلى الجنوب أو تعودون إلى الضاحية... كونوا على حذر، الغدر الإسرائيلي متوقع في كل وقت، وهذه هدنة مؤقتة».

رجل نازح يقيم في خيمة بالعاصمة اللبنانية بيروت (أ.ب)

وتابع: «خذوا نفساً، واطمئنوا قليلاً، ولكن لا تتخلوا عن الأماكن التي لجأتم إليها حتى نطمئن تماماً للعودة»، مضيفاً: «سوف ندعوكم للعودة والاستقرار. أما الآن فللاطمئنان ثم المغادرة».

وأفادت «وكالة الصحافة الفرنسية» بزحمة سير صباحاً على الطريق من بيروت إلى الجنوب، مقابل زحمة معاكسة بعد الظهر من الجنوب باتجاه صيدا وبيروت.

ويتبادل «حزب الله» وإسرائيل اتهامات بخرق الهدنة. وتواصل القوات الإسرائيلية، وفق الإعلام المحلي وشهادات سكان، تنفيذ عمليات تدمير وتفجير لمنازل في عدد من القرى الحدودية. وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أنه قتل أفراد «خلية إرهابية» اقتربوا من قواته جنوباً.

نساء نازحات يتفقدن الأضرار التي لحقت بممتلكاتهن في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

«يعودون بحذر»

وتأمل السلطات اللبنانية أن يتيح تثبيت وقف إطلاق النار انطلاق مفاوضات مع إسرائيل بوساطة أميركية، من شأنها أن توفر شروط عودة النازحين إلى بلداتهم، وانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق تقدمت إليها في جنوب لبنان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، إقامة «خط أصفر» في جنوب لبنان، على غرار الخط الذي يفصل قواته عن مناطق سيطرة حركة «حماس» الفلسطينية في قطاع غزة، بعد يومين من تأكيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن قواته ستبقى ضمن «منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات».

وفي جنوب لبنان، منذ الساعات الأولى لسريان الهدنة، عملت وحدات الجيش وبلديات ومنظمات محلية على المساهمة في فتح طرق وجسور أغلقتها الغارات.

وفي بلدة حناوية، يشير نائب رئيس البلدية مصطفى بزُّون إلى أبنية سكنية مدمرة ومحال متضررة جراء الغارات.

ويقول: «أول ما نقوم به هو أن نعيد الحياة مجدداً من خلال تأمين الخدمات كافة من اتصالات وفتح طرقات... حتى تعود الناس بأسرع وقت ممكن إلى حياتها الطبيعية».

ويضيف: «يعود الناس ولكن بحذر، لكننا نبني على أن تكون عودتهم دائمة، ربما ستغادر مؤقتاً، لكنها ستعود» لاحقاً.


إسرائيل تعلن قتل أفراد «خلية إرهابية» بجنوب لبنان رغم وقف النار

عربات تابعة للجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود كما تظهر من الجليل الأعلى (إ.ب.أ)
عربات تابعة للجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود كما تظهر من الجليل الأعلى (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تعلن قتل أفراد «خلية إرهابية» بجنوب لبنان رغم وقف النار

عربات تابعة للجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود كما تظهر من الجليل الأعلى (إ.ب.أ)
عربات تابعة للجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود كما تظهر من الجليل الأعلى (إ.ب.أ)

أعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أن سلاح الجو قتل أفراد «خلية إرهابية» في جنوب لبنان، رغم وقف إطلاق النار الساري مع «حزب الله».

وقال الجيش، في بيان، إن سلاح الجو شنّ غارة أسفرت عن «القضاء على خلية إرهابية كانت تعمل بالقرب من قواته في منطقة خط الدفاع الأمامي؛ وذلك لمنع تهديد مباشر على بلدات الشمال»، من دون أن يحدد عدد هؤلاء، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلن الجيش الإسرائيلي، في وقت سابق اليوم، أنه أقام خطأ أصفر فاصلاً في جنوب لبنان على غرار الخط الذي يفصل قواته عن المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس» في غزة، لافتاً إلى أنه استهدف مسلحين مشبوهين حاولوا الاقتراب من قواته على طول هذا الخط.

وقال الجيش: «خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، رصدت قوات الجيش الإسرائيلي العاملة جنوب الخط الأصفر في جنوب لبنان إرهابيين انتهكوا اتفاق وقف إطلاق النار، واقتربوا من القوات من شمال الخط الأصفر، في صورة شكلت تهديداً مباشراً»، في إشارة أولى إلى هذا الخط منذ بدء تنفيذ وقف النار.

وأضاف: «مباشرة بعد الرصد، وبهدف القضاء على التهديد، هاجمت القوات الإرهابيين في عدة مناطق بجنوب لبنان»، مذكراً بأن الجيش مخوّل بالتحرك ضد التهديدات، رغم وقف إطلاق النار، ومشيراً أيضاً إلى «قصف مدفعي (إسرائيلي) دعماً للقوات البرية العاملة في المنطقة».

أشخاص يمرون وسط المنازل المدمرة جراء الضربات الإسرائيلية مع عودة النازحين إلى قراهم في جنوب لبنان إثر وقف إطلاق النار (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن، الخميس، دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان حيّز التنفيذ، حيث كانت إسرائيل تخوض مجدداً حرباً مفتوحة ضد «حزب الله» المدعوم من إيران منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي.

وأكد الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موافقتهما على وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام.

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيانه، إنه يتحرك وفق توجيهات الحكومة، وإنه «مخوّل باتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس في مواجهة التهديدات (...) كون عمليات الدفاع وتحييد التهديدات غير مقيّدة خلال فترة وقف إطلاق النار».

وكان ترمب كتب، الخميس، على منصته «تروث سوشيال»: «لن تقصف إسرائيل لبنان بعد الآن. تحظر عليها الولايات المتحدة ذلك. لقد طفح الكيل!».

وأسفرت الضربات الإسرائيلية في لبنان عن نحو 2300 قتيل منذ الثاني من مارس، بحسب وزارة الصحة اللبنانية.

وفي الجانب الإسرائيلي، أسفرت الحرب مع «حزب الله» عن ثلاثة قتلى داخل إسرائيل، إضافة إلى مقتل 13 جندياً في المعارك في جنوب لبنان.

وفي قطاع غزة، يُطلق اسم «الخط الأصفر» على خط الفصل بين المنطقة الخاضعة لسيطرة حركة «حماس» وتلك التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، والتي تمثل أكثر من 50 في المائة من مساحة القطاع، وذلك بعد إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في إطار وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.


مقتل جندي فرنسي في جنوب لبنان: ماكرون يتهم «حزب الله»

عدد من الجنود الفرنسيين في قوات الـ«يونيفيل» يقفون إثر بدء وقف إطلاق النار بالقرب من جسر القاسمية الذي تعرض لقصف إسرائيلي وهو يربط جنوب لبنان ببقية البلاد (رويترز)
عدد من الجنود الفرنسيين في قوات الـ«يونيفيل» يقفون إثر بدء وقف إطلاق النار بالقرب من جسر القاسمية الذي تعرض لقصف إسرائيلي وهو يربط جنوب لبنان ببقية البلاد (رويترز)
TT

مقتل جندي فرنسي في جنوب لبنان: ماكرون يتهم «حزب الله»

عدد من الجنود الفرنسيين في قوات الـ«يونيفيل» يقفون إثر بدء وقف إطلاق النار بالقرب من جسر القاسمية الذي تعرض لقصف إسرائيلي وهو يربط جنوب لبنان ببقية البلاد (رويترز)
عدد من الجنود الفرنسيين في قوات الـ«يونيفيل» يقفون إثر بدء وقف إطلاق النار بالقرب من جسر القاسمية الذي تعرض لقصف إسرائيلي وهو يربط جنوب لبنان ببقية البلاد (رويترز)

قُتل عسكري فرنسي، وجُرح 3 آخرون، السبت، في جنوب لبنان، في هجوم استهدف قوة حفظ السلام الدولية الـ«يونيفيل»، وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن «كل المؤشرات تفيد بأن المسؤولية تقع على عاتق «حزب الله»، بينما أدان المسؤولون في لبنان الحادث، وأعطوا توجيهاتهم إلى الأجهزة المختصة للتحقيق الفوري، وتحديد المسؤوليات.

وشدد ماكرون عبر منصة «إكس» على «ضرورة ضمان أمن القوات الدولية»، كما أعلن قصر الإليزيه أن ماكرون طالب، في اتصال مع رئيس الجمهورية اللبنانية ورئيس الحكومة، بـ«ضمان أمن» جنود «اليونيفيل» في لبنان.

إدانات لبنانية وتعهد بالمحاسبة

في المقابل، سارع المسؤولون اللبنانيون إلى إدانة الحادث والتشديد على ملاحقة المتورطين. وأدان الرئيس عون بشدة استهداف القوة الفرنسية التي تؤدي مهامها على الأراضي اللبنانية في خدمة السلم والاستقرار في منطقة انتشارها في الجنوب، منوهاً بتضحيات الجنود الدوليين، ومتمنياً الشفاء العاجل للجرحى.

وأكد الرئيس اللبناني خلال اتصال تلقاه من الرئيس ماكرون أن لبنان الذي يرفض رفضاً قاطعاً التعرض لـ«اليونيفيل»، مُلتزم بصون سلامة هذه القوات، وتأمين الظروف الملائمة لأداء مهامها، وأنه أصدر توجيهاته إلى الأجهزة المختصة للتحقيق الفوري في هذا الحادث، وتحديد المسؤوليات، مشدداً على أن لبنان لن يتهاون في ملاحقة المتورطين، وتقديمهم إلى العدالة.

وأوضح عون أن العسكري الفرنسي قُتل وجُرح عدد من رفاقه، بينما كانوا في مهمة في بلدة الغندورية الجنوبية، وذلك برصاص مسلحين في المنطقة.

بدوره، أدان رئيس مجلس النواب نبيه بري الاعتداء، مشيداً بـ«التضحيات التي بذلتها وتبذلها قوات (اليونيفيل) طيلة عقود، لا سيما الوحدة الفرنسية»، ومتوجهاً إلى عائلة الجندي الفقيد وعائلات زملائه بـ«أحر التعازي»، ومتمنياً للجرحى «الشفاء العاجل»، كما أجرى اتصالاً بقائد قوات الـ«يونيفيل» الجنرال ديوداتو أبنيارا، «معزياً ومطمئناً إلى الجرحى».

كذلك، استنكر رئيس الحكومة نواف سلام الاعتداء «بأشد العبارات»، مؤكداً أنه «أعطى تعليماته المشددة بإجراء التحقيق الفوري للكشف عن ملابسات هذا الاعتداء، ومحاسبة المرتكبين»، معتبراً أن «هذا المسلك غير المسؤول يلحق الأذى الكبير بلبنان وعلاقاته مع الدول الصديقة الداعمة له في العالم».

بدورها، استنكرت قيادة الجيش الحادثة التي جرت مع دورية من قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان - اليونيفيل في منطقة الغندورية - بنت جبيل، على أثر تبادل لإطلاق النار مع مسلحين؛ ما أدى إلى وقوع إصابات بين عناصر الدورية.

وأكدت في بيان لها «استمرار التنسيق الوثيق مع (اليونيفيل) خلال المرحلة الدقيقة الراهنة، كما يُجري الجيش التحقيق اللازم للوقوف على ملابسات الحادثة، وتوقيف المتورطين».

تفاصيل الهجوم وموقف «اليونيفيل»

من جهتها، دعت «اليونيفيل» السلطات اللبنانية إلى فتح تحقيق، مؤكدة ضرورة «تحديد هوية المتورطين بالهجوم المتعمد»، مشيرة إلى أن التقييم الأولي يفيد بأن إطلاق النار جاء من «جهات غير حكومية يُزعم أنها (حزب الله)».

وفي تفاصيل العملية، أعلنت وزيرة الجيوش الفرنسية كاترين فوتران أن الرقيب الأول فلوريان مونتوريو قُتل بعد تعرضه لـ«إصابة مباشرة بنيران سلاح خفيف»، موضحة أنه «كان في مهمة لفتح طريق نحو موقع تابع لـ(اليونيفيل) معزول منذ أيام بسبب المعارك في المنطقة، حين تعرّض لكمين من قبل مجموعة مسلحة على مسافة قريبة جداً»، لافتة إلى أن العسكري «متمرّس»، و«سبق أن شارك في عمليات عدة». وأضافت أن فرنسا «تنحني إجلالاً أمام رحيل أحد أبنائها بعدما وهب حياته لأجلها»، مقدّمة «تعازيها لشريكته وأبنائه وأقربائه ورفاق السلاح».

«حزب الله» ينفي

في المقابل، نفى «حزب الله» علاقته بالحادث، مؤكداً «عدم مسؤوليته عن الهجوم الذي حصل مع قوات (اليونيفيل) في منطقة الغندورية - بنت جبيل»، وداعياً إلى «توخي الحذر في إطلاق الأحكام والمسؤوليات بانتظار تحقيقات الجيش اللبناني لمعرفة ملابسات الحادثة بالكامل».

جنود حفظ السلام التابعون للأمم المتحدة من مختلف الوحدات الوطنية يسيرون خلال احتفال بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لتأسيس «يونيفيل» في مقر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في بلدة الناقورة بجنوب لبنان 19 مارس 2025 (أ.ب)

كما شدد «حزب الله» على «استمرار التعاون بين الأهالي و(اليونيفيل) والجيش اللبناني»، مؤكداً «ضرورة التنسيق بين الجيش اللبناني واليونيفيل في تحركاتها سيّما في هذه الظروف الدقيقة». وفي هذا الإطار، قالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن القوة الفرنسية دخلت البلدة من دون مرافقة مع الجيش اللبناني، وهو ما أثار امتعاض الموجودين في المنطقة، وأدى إلى إشكال بين الطرفين.