النزوح جنوباً... مئات الآلاف من سكان غزة يواجهون المجهول

طفل فلسطيني ينظر من خلال منزله المتضرر إلى منزل دمر تماماً في قصف إسرائيلي (الأونروا)
طفل فلسطيني ينظر من خلال منزله المتضرر إلى منزل دمر تماماً في قصف إسرائيلي (الأونروا)
TT

النزوح جنوباً... مئات الآلاف من سكان غزة يواجهون المجهول

طفل فلسطيني ينظر من خلال منزله المتضرر إلى منزل دمر تماماً في قصف إسرائيلي (الأونروا)
طفل فلسطيني ينظر من خلال منزله المتضرر إلى منزل دمر تماماً في قصف إسرائيلي (الأونروا)

منذ أن أعلن الجيش الإسرائيلي، يوم الجمعة الماضي، قراره بضرورة إخلاء سكان مدينة غزة لمنازلهم والتوجه نحو جنوب القطاع، وجد مئات الآلاف ممن يقطنون المنطقة أنفسهم أمام مصير مجهول لم يسبق لهم أن عايشوه.

فعلى مدار الحروب والمواجهات العديدة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، كانت هذه المنطقة تُصنف باعتبارها مركز القطاع وملجأ النازحين من مختلف أنحائه.

فالنزوح في الماضي، منذ حرب غزة عام 2008، لم يكن ليتعدى بعض المناطق الحدودية مع إسرائيل إلى الشرق من مدينة غزة.

أما القصف الأخير الذي اشتعل منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، فلم تنجُ منه مستشفيات ولا منشآت ولا مراكز لجأ إليها المئات من المدنيين النازحين.

تقول فريال، إحدى النازحات من حي الرمال بغرب المدينة: «عندما تلقينا خبر الإخلاء سارعنا بأخذ الأوراق المهمة والقليل من الملابس دون التفكير بالخطوة التالية. كل ما كان يهمني أن أخرج بأطفالي نحو جنوب القطاع دون أن أفكر في الوجهة».

وعند الوصول، صُدمت بضخامة أعداد النازحين وطبيعة مراكز الإيواء التي كانت أول مرة تراها فيها. فخلال حملة القصف، وقعت مئات الغارات على مدينة غزة وضواحيها، ودُمرت مئات المباني والمرافق الحكومية والخدماتية، كما استهدفت الطرق الواصلة بينها، ما أدى إلى تغير ملامح مساحات واسعة من القطاع، وطغى الدمار على المشهد.

ومساء الثلاثاء الماضي، تعرض المستشفى الأهلي العربي، المعروف باسم مستشفى المعمداني، في غزة، الذي كان يؤوي مئات النازحين، لقصف أودى بحياة 500 فلسطيني، بحسب وزارة الصحة في القطاع.

الأونروا وعالم «فقد إنسانيته»

عادة ما تفتح وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا) مدارسها ومرافقها الصحية لاستقبال النازحين خلال جولات القتال بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل.

لكن هذه المنشآت ما عادت في مأمن. ففي بث مباشر أمس الأربعاء، قال تلفزيون «فلسطين» إن رجال الإنقاذ انتشلوا «عشرات القتلى والمصابين» في قصف مدرسة تابعة للأونروا بمخيم المغازي في وسط غزة.

وكان فيليب لازاريني، المفوض العام للأونروا، قد ذكر في بيان في وقت سابق من أمس، أن مدرسة تابعة للوكالة تؤوي أربعة آلاف نازح تعرضت للقصف، مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن ستة أشخاص على الأقل وإصابة العشرات.

واليوم، استهدف القصف منزلاً سكنياً في محيط مدرسة تابعة للأونروا تؤوي نازحين في حي الأمل بغرب خان يونس.

ورصد شاهد لوكالة أنباء العالم العربي (AWP)، وصول أربع جثث على الأقل وعدد من المصابين إلى مستشفى ناصر الطبي جراء الاستهداف.

وقالت الأونروا، هذا الأسبوع، إن أكثر من مليون شخص في غزة، أي ما يقرب من نصف عدد سكان القطاع، نزحوا منذ بدء المواجهات بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية.

وذكرت في بيان أن هناك نحو 600 ألف نازح في المنطقة الوسطى وخان يونس ورفح بقطاع غزة، من بينهم حوالي 400 ألف في مرافقها.

وأشارت إلى أنها أخلت 127 منشأة تابعة لها في مدينة غزة وشمال القطاع كان يوجد بها ما يقرب من 170 ألف نازح وقت صدور أمر الإخلاء الإسرائيلي.

وقال لازاريني، في تصريحات صحافية يوم الاثنين، إن الأونروا لم يعد بمقدورها تقديم المساعدة الإنسانية في غزة، مؤكداً أن عدد من يلتمسون المأوى في مرافقها الأخرى بجنوب القطاع «هائل للغاية».

وأضاف: «لم يتم السماح بدخول قطرة ماء واحدة، ولا حبة قمح واحدة، ولا لتر وقود إلى قطاع غزة خلال الأيام الثمانية الماضية. لم يعد زملائي في الأونروا في غزة قادرين على تقديم المساعدة الإنسانية».

وقال إن غزة تشهد «كارثة غير مسبوقة»، وإن العالم «فقد إنسانيته على ما يبدو».

«اليوم كلنا نازحون»

يروي محمد، النازح من تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، حكايته ويقول: «في بداية الأمر قررت الإخلاء نحو مستشفى القدس القريب من بيتي، ولم أستطع تحمل الأوضاع هناك».

فالمستشفى مكتظ بدرجة حالت دون قدرته هو وأفراد أسرته العشرة على البقاء به. يستطرد قائلاً: «ما زاد الطين بلة هو تهديد إسرائيل بقصف المشفى، والغارات الجوية المرعبة في محيطه وفي منطقة تل الهوى بالعموم».

قرر محمد مغادرة المنطقة والتوجه نحو إحدى مدارس الأونروا في مدينة دير البلح الواقعة على بعد 14 كيلومتراً جنوبي مدينة غزة.

وليد المصري نازح آخر، قال: «لم أشهد نزوحاً مثل هذا في قطاع غزة على مر حياتي التي نزحت خلالها خمس مرات»، مشيراً إلى أنه من سكان مدينة بيت حانون بشمال قطاع غزة.

وأضاف: «عادة ما كنا ننزح إلى المدارس القريبة من منطقتنا أو في مدينة غزة. لكن اليوم كلنا نازحون نحو الجنوب، في مشهد لم أره سابقاً وسيؤدي إلى كوارث إنسانية واجتماعية».

رفض التهجير

ووسط خضم أحاديث عن محاولات إسرائيلية لدفع أهالي غزة نحو الجنوب بغية «تهجيرهم» إلى سيناء بمصر، تعالت النبرات الرافضة والمحذرة من ذلك. ففي عمّان، أصدر الديوان الملكي الأردني، اليوم الخميس، بياناً جاء فيه أن الملك عبد الله الثاني والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي شددا على رفض أي محاولة «للتهجير القسري» لسكان قطاع غزة إلى الأردن أو مصر.

وشدد البيان على موقف البلدين «الموحد الرافض لسياسة العقاب الجماعي من حصار أو تجويع أو تهجير» لسكان غزة، وحذر الزعيمان من أن «عدم توقف الحرب واتساعها وانتشار آثارها سينقل المنطقة إلى منزلق خطير ينذر بالتسبب في دخول الإقليم بكارثة تُخشى عواقبها».

وفي القاهرة، أعلن مجلس النواب اليوم تفويضه للسيسي في اتخاذ ما يلزم لحماية الأمن القومي ودعم الفلسطينيين. وكان مجلس الشيوخ المصري قد أعلن أمس دعمه للرئيس «في كل ما يتخذه من إجراءات لحماية الأمن القومي وتأمين حدود الدولة ودعم الشعب الفلسطيني».

جاء ذلك بعدما حذر الرئيس المصري أمس من أن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء سيعني تحويلها إلى قاعدة تنطلق منها هجمات على إسرائيل، مما قد يستدعي رداً من الجانب الإسرائيلي، وهو ما من شأنه أن يبدد فكرة السلام.

وشدد السيسي على أن مصر ترفض تصفية القضية الفلسطينية بالأدوات العسكرية، أو أي محاولات لتهجير الفلسطينيين قسراً «أو أن يأتي ذلك على حساب المنطقة».

ونظم آلاف المصريين بالفعل وقفات احتجاجية في عدة محافظات، أمس الأربعاء، تنديداً بالهجمات الإسرائيلية في قطاع غزة، ورفضاً لمحاولات تهجير سكانه لسيناء وتصفية القضية الفلسطينية. ووسط كل هذه الأحداث المتلاحقة، تبقى عيون النازحين معلقة على مصير مجهول.


مقالات ذات صلة

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

شؤون إقليمية صورة تذكارية للوزراء والمسؤولين المشاركين في الاجتماع حول غزة على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في جنوب تركيا السبت (الخارجية التركية)

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

أكد وزراء ومسؤولون من تركيا، والسعودية، ومصر، والأردن، وقطر، والإمارات ضرورة وقف انتهاكات إسرائيل في غزة، والانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

خاص ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

تواجه حركة «حماس» أكبر حالة ضغط من الوسطاء وأطراف أخرى للموافقة على وثيقة «مجلس السلام» حتى ولو بشكل مبدئي، قبل التفاوض عليها بشأن خطة نزع سلاح الفصائل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطيني يحمل جثمان فتى (12 عاماً) قُتل برصاص إسرائيلي خلال تشييعه خارج «مستشفى الشفاء» بمدينة غزة الجمعة (أ.ب)

فوضى واستقالات «ممنوعة» في «لجنة غزة»

علمت «الشرق الأوسط» من مصدرين مطلعين أن عضوين على الأقل في «اللجنة الوطنية» من سكان قطاع غزة، قدما استقالتَيهما لرئيس اللجنة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

قائد «فيلق القدس» في بغداد لبحث تداعيات الحرب

قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
TT

قائد «فيلق القدس» في بغداد لبحث تداعيات الحرب

قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)

يزور قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني بغداد لبحث تداعيات الحرب في الشرق الأوسط ولقاء مسؤولين وقادة فصائل مسلحة موالية لطهران، حسبما قال مسؤول عراقي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت.

وسيبحث قاآني كذلك «أزمة الانسداد السياسي» بشأن تسمية مرشح لرئاسة الحكومة العراقية، بعد تراجع حظوظ نوري المالكي بالعودة للمنصب.

وهذه أول زيارة خارجية لقاآني يُكشف عنها منذ سريان وقف لإطلاق النار يمتد لأسبوعين بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية، في الثامن من أبريل (نيسان).

وتجهد بغداد منذ أعوام لتحقيق توازن في علاقاتها مع الخصمَين النافذَين في سياستها، إيران والولايات المتحدة.

ولم يسلم العراق من تداعيات الحرب التي استمرت لأكثر من 40 يوماً. وخلالها، تعرّضت مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لإيران لغارات منسوبة للولايات المتحدة وإسرائيل، في حين استُهدفت مصالح أميركية بهجمات تبنتها فصائل عراقية، ونفّذت طهران ضربات ضد مجموعات إيرانية كردية معارِضة في شمال البلاد.

وبدأ قاآني «عقد سلسلة لقاءات مع قادة القوى السياسية وعدد من قيادات الفصائل المسلحة»، حسبما أفاد مسؤول عراقي رفيع المستوى، مؤكداً أن «اللقاءات تتناول ملف التهدئة الإقليمية وانعكاساتها على الساحة العراقية».

وأضاف أن الوفد الإيراني يسعى كذلك إلى «تنسيق المواقف بين القوى الحليفة لطهران داخل العراق، وضمان عدم انزلاق الأوضاع نحو تصعيد أمني» في العراق والمنطقة.

وأكّد الزيارة كذلك مصدر في فصيل مسلح نافذ موالٍ لإيران، ومصدران مقرّبان من تحالف «الإطار التنسيقي» الذي يشكّل أكبر كتلة في البرلمان، ويتألف من أحزاب شيعية مقرّبة من طهران.

ويقود قاآني «فيلق القدس» الموكل بالعمليات الخارجية في «الحرس». وهو سبق له أن زار العراق مراراً منذ توليه مهامه خلفاً للواء قاسم سليماني الذي اغتيل بضربة أميركية قرب مطار بغداد في يناير (كانون الثاني) 2020. لكن يندُر الإعلان عن مثل هذه الزيارات.

وأوضح المسؤول العراقي أن الزيارة الحالية تأتي كذلك في إطار «تحرّكات إيرانية مكثفة لدعم مسار التفاهم بين الأطراف العراقية وتقريب وجهات النظر، خصوصاً مع استمرار الخلافات بشأن تشكيل الحكومة وتوازنات السلطة».

وكان «الإطار التنسيقي» أعلن في يناير ترشيح المالكي لخلافة محمّد شياع السوداني رئيساً للوزراء، وذلك عقب الانتخابات التي شهدتها البلاد قبل شهرين من ذلك. غير أن واشنطن هددت بوقف دعم بغداد في حال عودة المالكي، ما أثار إرباكاً في الأوساط السياسية العراقية.

وقالت مصادر سياسية عراقية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين، إن حظوظ المالكي بالعودة للمنصب الذي شغله مرتين بين 2006 و2014، تراجعت.

وانتخب البرلمان نزار آميدي رئيساً للعراق في 11 أبريل (نيسان). وهو يتوجب عليه أن يكلّف خلال 15 يوماً من انتخابه مرشح «الكتلة النيابية الكبرى» عدداً بتشكيل الحكومة، وفق الدستور.


«حزب الله» يتوعّد بالرد على «خروقات» إسرائيل لوقف النار

أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ)
أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ)
TT

«حزب الله» يتوعّد بالرد على «خروقات» إسرائيل لوقف النار

أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ)
أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ)

حذّر الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني، نعيم قاسم، السبت، من أن عناصره سيردون على «خروقات» إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، مشدداً على أن التزامه «يجب أن يكون من الطرفين».

وقال قاسم إن الهدنة المقررة لعشرة أيام وتسري منذ منتصف ليل الخميس - الجمعة، تعني «وقفاً كاملاً لكل الأعمال العدائية، ولأننا لا نثق بهذا العدو، فسيبقى المقاومون في الميدان وأيديهم على الزناد، وسيردون على خروقات العدوان بحسبها».

وشدد على أنه «لا يوجد وقف لإطلاق النار من طرف المقاومة فقط، بل يجب أن يكون من الطرفين»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أنه أقام «خطاً أصفر» فاصلاً في جنوب لبنان على غرار الخط الذي يفصل قواته عن المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس» في قطاع غزة، مشيراً إلى قتل عناصر من «حزب الله» على مقربة منه.

وقال الجيش: «خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، رصدت قوات الجيش الإسرائيلي العاملة جنوب الخط الأصفر في جنوب لبنان إرهابيين انتهكوا اتفاق وقف إطلاق النار، واقتربوا من القوات من شمال الخط الأصفر في صورة شكلت تهديداً مباشراً».

وهي المرة الأولى التي يتحدث فيها الجيش عن هذا الخط منذ وقف النار.

وأضاف: «مباشرة بعد الرصد وبهدف القضاء على التهديد، هاجمت القوات الإرهابيين في عدة مناطق بجنوب لبنان»، مذكراً بأن الجيش مخوّلٌ التحرك ضد التهديدات، رغم وقف إطلاق النار.

وفي بيان ثانٍ، السبت، أعلن الجيش الإسرائيلي أن سلاح الجو قتل أفراد «خلية إرهابية» كانت تعمل على مقربة من قواته في الجنوب اللبناني.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن، الخميس، دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان حيّز التنفيذ، حيث كانت إسرائيل تخوض مجدداً حرباً مفتوحة ضد «حزب الله» منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي.

وأكد الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موافقتهما على وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام.


نازحون لبنانيون يتريثون في العودة إلى منازلهم خشية انهيار الهدنة

رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
TT

نازحون لبنانيون يتريثون في العودة إلى منازلهم خشية انهيار الهدنة

رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)
رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)

بعد سريان الهدنة بين إسرائيل و«حزب الله»، تفقدت سماح حجول منزلها في ضاحية بيروت الجنوبية، وأحضرت ثياباً صيفية لأطفالها قبل أن تعود إلى خيمة عند الواجهة البحرية للعاصمة، لعدم ثقتها باستمرار وقف إطلاق النار.

أمام الخيمة، تقول حجول، الأم لأربعة أطفال والنازحة من منطقة الليلكي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أخاف من العودة إلى منزلي؛ لأن الوضع لم يستقر بعد».

وتفقدت حجول منزلها في الضاحية التي تعرضت لدمار واسع جراء الغارات الإسرائيلية خلال الحرب التي استمرت أكثر من شهر. ووجدت أنه تعرّض لأضرار طفيفة جراء تحطم زجاج نوافذه، لكنها لم تبقَ فيه.

وتقول: «أذهب من أجل تحميم الأولاد وإحضار ثياب صيفية» مع ارتفاع درجات الحرارة في اليومين الأخيرين، «لكننا لا نشعر بالأمان لنعود».

وتضيف: «أخشى أن يحدث شيء في الليل ولا أتمكن من حمل أولادي والفرار بهم» على غرار ما فعلته بعد اندلاع الحرب في الثاني من مارس (آذار).

رجل يقود سيارته وهو يلوّح بعلامة النصر بعد دخول وقف إطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل حيز التنفيذ (رويترز)

«ليس ثمة حل»

وبينما عاد الكثير من النازحين إلى مناطقهم بعد سريان الهدنة، منتصف ليل الخميس/ الجمعة، ينتظر آخرون يقيمون في خيام وسط بيروت انقضاء مهلة الأيام العشرة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف النار، قبل حسم قرارهم.

وتشرح حجول: «سننتظر لنرى ما سيحصل... إذا تمّ تثبيت وقف إطلاق النار سنعود إلى منازلنا».

وتتوافد عائلات إلى الضاحية الجنوبية لتفقد منازلها وأخذ احتياجاتها. ولا تزال أحياء في عمق المنطقة شبه خالية، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، مع تفضيل سكان كثر التريث قبل العودة نهائياً.

بين هؤلاء حسن (29 عاماً) الذي تفقد السبت منزله، قبل أن يعود إلى مركز إيواء داخل مدرسة.

ويقول هذا الأب لطفل: «جئت لأتفقد المنزل وأحضر أغراضاً منه». ويضيف: «لا أستطيع البقاء؛ لأننا نخاف من أي توتر في ظل خرق الهدنة، ومع إعادة إقفال مضيق هرمز»، السبت، من إيران، التي سبق أن أعلنت أن الهدنة في لبنان كانت «جزءاً» من تفاهمات وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة.

ويتابع حسن الذي طلب عدم كشف هويته كاملة: «لا شيء يؤشر إلى أنه ثمة حل، نخاف إذا عدنا إلى الضاحية أن نخسر مكاننا في المدرسة التي نزحنا إليها».

«عدو غدار»

أسفرت الحرب خلال أكثر من ستة أسابيع عن مقتل نحو 2300 شخص، ونزوح أكثر من مليون، بحسب السلطات، خصوصاً من ضاحية بيروت ومن جنوب البلاد، وهما المنطقتان اللتان تعدان من معاقل «حزب الله».

وضاقت المدارس التي حولتها الحكومة إلى مراكز إيواء بعشرات الآلاف من النازحين، خصوصاً في بيروت ومحيطها.

وتفاقمت المخاوف، السبت، بعد تصريحات للقيادي في «حزب الله» محمود قماطي، دعا فيها النازحين إلى تفقد منازلهم والعودة بعدها إلى أماكن نزوحهم.

وقال خلال مؤتمر صحافي في الضاحية: «أدعو أهلنا ألا تستقروا حيث تذهبون إلى الجنوب أو تعودون إلى الضاحية... كونوا على حذر، الغدر الإسرائيلي متوقع في كل وقت، وهذه هدنة مؤقتة».

رجل نازح يقيم في خيمة بالعاصمة اللبنانية بيروت (أ.ب)

وتابع: «خذوا نفساً، واطمئنوا قليلاً، ولكن لا تتخلوا عن الأماكن التي لجأتم إليها حتى نطمئن تماماً للعودة»، مضيفاً: «سوف ندعوكم للعودة والاستقرار. أما الآن فللاطمئنان ثم المغادرة».

وأفادت «وكالة الصحافة الفرنسية» بزحمة سير صباحاً على الطريق من بيروت إلى الجنوب، مقابل زحمة معاكسة بعد الظهر من الجنوب باتجاه صيدا وبيروت.

ويتبادل «حزب الله» وإسرائيل اتهامات بخرق الهدنة. وتواصل القوات الإسرائيلية، وفق الإعلام المحلي وشهادات سكان، تنفيذ عمليات تدمير وتفجير لمنازل في عدد من القرى الحدودية. وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أنه قتل أفراد «خلية إرهابية» اقتربوا من قواته جنوباً.

نساء نازحات يتفقدن الأضرار التي لحقت بممتلكاتهن في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

«يعودون بحذر»

وتأمل السلطات اللبنانية أن يتيح تثبيت وقف إطلاق النار انطلاق مفاوضات مع إسرائيل بوساطة أميركية، من شأنها أن توفر شروط عودة النازحين إلى بلداتهم، وانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق تقدمت إليها في جنوب لبنان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، إقامة «خط أصفر» في جنوب لبنان، على غرار الخط الذي يفصل قواته عن مناطق سيطرة حركة «حماس» الفلسطينية في قطاع غزة، بعد يومين من تأكيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن قواته ستبقى ضمن «منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات».

وفي جنوب لبنان، منذ الساعات الأولى لسريان الهدنة، عملت وحدات الجيش وبلديات ومنظمات محلية على المساهمة في فتح طرق وجسور أغلقتها الغارات.

وفي بلدة حناوية، يشير نائب رئيس البلدية مصطفى بزُّون إلى أبنية سكنية مدمرة ومحال متضررة جراء الغارات.

ويقول: «أول ما نقوم به هو أن نعيد الحياة مجدداً من خلال تأمين الخدمات كافة من اتصالات وفتح طرقات... حتى تعود الناس بأسرع وقت ممكن إلى حياتها الطبيعية».

ويضيف: «يعود الناس ولكن بحذر، لكننا نبني على أن تكون عودتهم دائمة، ربما ستغادر مؤقتاً، لكنها ستعود» لاحقاً.