علاوي: أميركا خرّبت العراق وإيران شريكتها وبايدن تمسّك بالمالكي

رئيس الوزراء العراقي الأسبق روى لـ«الشرق الأوسط» رحلته مع «البعث» وصدام وعراق ما بعد الاحتلال (3)

TT

علاوي: أميركا خرّبت العراق وإيران شريكتها وبايدن تمسّك بالمالكي


علاوي والمالكي في أحد لقاءاتهما ببغداد عام 2010 (غيتي)
علاوي والمالكي في أحد لقاءاتهما ببغداد عام 2010 (غيتي)

عندما احتلت أميركا العراق أصيب العرب بالذهول والقلق واختاروا الابتعاد عن الساحة العراقية كي لا يُتهموا بدعم الاحتلال. وظّفت إيران هذا الغياب العربي وأطلقت عملية واسعة لمنع قيام نظام عراقي موالٍ للغرب. سهّلت الغزو لكنها سارعت إلى زعزعة الاستقرار الذي كان الأميركيون يراهنون عليه لبناء ما سمّوه العراق الديمقراطي الجديد. أفادت إيران أيضاً من قرارات خطرة اتخذتها واشنطن، بينها حل الجيش العراقي واجتثاث البعث، وتوهّم القدرة على إعادة بناء العراق من الصفر بعد تفكيك دولته.

سألت الرئيس جلال طالباني، الذي كان عائداً من رحلة إلى طهران، عمّا تريده إيران فعلاً من أميركا، فقال إنه استنتج أنها مستعدة للتفاوض مع أميركا من أفغانستان إلى لبنان. قال أيضاً ما يوضح ويشرح: «إيران لا تقول إنها تريد حصة، بل تقول إنها تريد علاقات طبيعية مع أميركا وإنهاء العداوة والحصار، وحجز الأموال الإيرانية في أميركا. وهي تؤكد أنها ساعدت أميركا في أفغانستان، لكنها نالت جزاء سنمار. مرة قال لي وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي في هذا البيت (مقر طالباني): «قل لصديقك السفير الأميركي زلماي خليل زاد - وكان يومها سفيراً في بغداد - ماذا يريد الأميركيون منا؟ نحن أيّدنا تحرير العراق من صدام، وأيّدنا مجلس الحكم وانتخاب رئيس الجمهورية، وأيّدنا هذا الوضع الجديد الذي أقامه الأميركيون في العراق. لا يوجد شيء عمله الأميركيون لم نؤيده، فقل لصديقك: ماذا يريدون منّا أكثر؟». نقلت هذا الكلام لخليل زاد فقال لي: «نريد الاستقرار والأمن في العراق».

المالكي مترئساً اجتماعاً أميركياً ــ إيرانياً في بغداد مايو 2007 (غيتي)

وأضاف طالباني: «حاولنا الجمع بين خليل زاد ومتقي لكننا لم ننجح. كنا توصلنا إلى موافقة مبدئية من الطرفين ثم ذهبت كوندوليزا رايس إلى الكونغرس، وألمحت إلى اللقاء الذي كان يُفترض أن يلتئم في شكل سريّ فتراجع الإيرانيون. ما أقصده أن إيران ترغب في حل هذه المشاكل وإقامة علاقات جيدة مع أميركا».

كان طالباني أكثر واقعية من علاوي. أدرك باكراً أن العلاقة مع واشنطن لا تكفي، ولا بد من المرور عبر طهران.

في 2007 بعثت إيران برسالة بالغة الدلالات. في العراق الذي تحتله قوات «الشيطان الأكبر»، هبطت في مطار بغداد طائرة الرئيس محمود أحمدي نجاد، وكان وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري رئيس البعثة المرافقة له. لم يعترض الأميركيون على زيارة نجاد، بل رحّبوا بها. نفّذت نقاط التفتيش الأميركية التوجيهات بتسهيل مرور موكب الزائر إلا واحدة اعترضته، وسرعان ما تبيّن أن الجنود الأميركيين لا يريدون أكثر من التقاط صورة، لكن الجانب العراقي طلب من نجاد عدم الخروج من سيارته.

جندي أميركي يقاتل في الفلوجة نوفمبر 2004 (غيتي)

كانت زيارة نجاد رسالة مفادها أن الجيش الأميركي سيغادر ذات يوم لكن إيران، وبحكم الجغرافيا، باقية قرب العراق وفيه، وهذا ما حصل، خصوصاً أن سليماني راح يزعزع الأرض العراقية تحت أقدام الجيش الأميركي.

سمع زيباري ذات يوم نصيحة تستحق التسجيل. استقبل الرئيس حسني مبارك الوزير العراقي، وتطرق الحديث إلى الأميركيين. فوجئ زيباري بالرئيس المصري يقول عنهم: «ليس لديهم دين ولا رب، ولا أمان معهم، ويبيعون أصدقاءهم بسهولة.. زيّ الميه». وأعطى مثلاً الرئيس الباكستاني برويز مشرف. وشرب مبارك لاحقاً من كأس أميركية أشد مرارة من تلك التي شرب منها مشرف.

لم يكن إياد علاوي رجل الأميركيين. لم يسلّم بحقهم في رسم أزياء العراق الجديد على هواهم. اجتماعاته بعدد من المسؤولين الأميركيين لم تكن ناجحة. وفي الوقت نفسه لم يعثر على لغة للتفاهم مع طهران. لا يقبل بشروطها ولا تقبل بنهجه.

في السابع من مارس (آذار) 2010 شهد العراق انتخابات عامة. فازت لائحة «العراقية» بزعامة علاوي بـ91 مقعداً، في حين فازت لائحة «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي بـ89 مقعداً. وبحسب التفسير المعمول به للدستور، يُفترض أن توكل إلى علاوي مهمة تشكيل الحكومة. انتزع المالكي من المحكمة الاتحادية العليا تفسيراً آخر للمادة التي تتحدث عن الكتلة الأكبر، واندلعت أزمة سياسية حادة استمرت نحو تسعة أشهر، وانتهت لصالح المالكي. سألت علاوي عن الجهات التي حالت دون قيامه بتشكيل الحكومة وتركته يروي.

حققنا الفوز في الانتخابات رغم كل ما تعرضنا له. تعرضوا لـ500 شخص بإجراءات تحت ذريعة «اجتثاث البعث». وكان بين هؤلاء عدد من المرشحين معنا. اغتالوا تسعة أشخاص. أغلقوا مناطق بأكملها لمنع أنصارنا من الانتخاب، ورغم ذلك تقدمنا عليهم بثلاثة مقاعد. الحقيقة أنني فوجئت بما حدث. لم أتوقع أن يصل الموقف الأميركي والموقف الإيراني إلى هذا الحد. منعني من تشكيل الحكومة أميركا وإيران. عملتا معاً. في تلك الفترة كان نائب الرئيس الأميركي جو بايدن يتردد نحو ثلاث مرات شهرياً على بغداد. كان همّه أن أتنازل لمصلحة المالكي. طرح عليّ أن أتولى رئاسة الجمهورية، فقلت له إن الشعب انتخبنا لنشكّل الحكومة فكيف أصبح رئيساً للجمهورية بلا شغل أو عمل (طابع المنصب شبه بروتوكولي). جدد بايدن محاولته، وقال لي: «إذا وافقت أن تصبح رئيساً للجمهورية سأكون أنا مدير حملتك». فقلت له: «إنني لست بحاجة إلى حملة، فأنا حملتي الشعب العراقي، وانتُخبت لأكون رئيساً للحكومة». تصوّر أن بايدن قال لممثّلي السنّة أمامي: «أنتم لن تنالوا أي وزارة»، فردّوا عليه: «نحن لا نريد وزارة، بل يكفينا أن يصبح علاوي رئيساً للوزراء لأنه غير طائفي». كرر بايدن مطالبته لي بالتنازل للمالكي فقلت له: «والله إن لم تسمحوا لي بأن أصبح رئيساً للوزراء فإن الإرهاب سيعشش أكثر وستنغرس الطائفية في القلوب وكذلك الكراهية للنظام والديمقراطية بأكملها».

علاوي والمالكي في أحد لقاءاتهما ببغداد عام 2010 (غيتي)

في تلك الفترة كانت تجري في مسقط مفاوضات أميركية - إيرانية. كان الوفد الأميركي برئاسة بن رودس نائب مستشار الأمن القومي في عهد أوباما. نقل الجانب الإيراني إلى الجانب الأميركي تهديداً، مفاده أن إيران ستوقف المفاوضات وستُحدث مشاكل في العراق إذا تولى إياد علاوي رئاسة الوزراء. ألّف بن رودس لاحقاً كتاباً بعنوان «العالم كما هو». روى فيه قصة التهديد الإيراني، واتهم بايدن بخطف العملية الانتخابية من علاوي، وإهدائها إلى المالكي تحت الضغط الإيراني.

الحقيقة أنني التقيت بايدن نحو 20 مرة. عرفته مذ كان مسؤولاً عن لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. شخصيته مهزوزة، وهو كذّاب ومنافق.

> هل أفهم من كلامك أن أميركا خرّبت العراق؟

- نعم، أميركا خرّبت العراق.

> هل كان لها شركاء؟

- نعم، إيران. من حلّ الجيش العراقي، إلى «الحشد الشعبي»، والميليشيات المسلّحة والإرهاب، ووأد الديمقراطية وانتشار الطائفية السياسية.

> لم تزر إيران علانية، هل زرتها سراً؟

- لم أزر إيران طوال عمري.

> هل سهّلت إيران الغزو الأميركي للعراق؟

- سهّلت كثيراً. وافقت على قيام مجلس الحكم ولم تعترض.

> لماذا وقفت إيران ضدك إلى هذا الحد؟

- لأنني لا أنتمي إلى الفكر السياسي الإسلامي. ثم إن قضيتي مع صدام حسين، التي دفعتني إلى الابتعاد نهائياً عن البعث هي التنازلات الكبيرة التي قدّمها في اتفاق عام 1975 مع إيران حول شط العرب. التقيت تلك السنة وخلال المفاوضات وزير الخارجية آنذاك شاذل طاقة. قال لي إن صدام كان يرسل لهم خلال المفاوضات رسائل مفادها: تراجعوا تراجعوا تراجعوا، أي قدّموا التنازلات. وهذا أضر بالعراق كثيراً. والإيرانيون يعرفون موقفي هذا. ثم إنني حين توليت رئاسة الوزراء كانت إيران تطالب بتعويضات قدرها 120 مليار دولار. قلت لهم: عن أي تعويضات تتحدثون؟ نحن نطالبكم بـ200 مليار دولار لأنكم من 1982 وحتى 1988 رفضتم وقف إطلاق النار في الحرب العراقية - الإيرانية.

أنا اللواء قاسم سليماني

بعد سقوط نظام صدام حسين ظهر على المسرح العراقي لاعب بارز، هو الجنرال قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» الإيراني. لم يقتصر دوره على استنزاف الجيش الأميركي والهيبة الأميركية، بل تعدّى ذلك إلى فرض مشاركته في اختيار الرؤساء وتشكيل الحكومات وتحديد المسارات، وهو دور لعب سليماني ما يشبهه في لبنان وسوريا واليمن أيضاً. سألت علاوي عن علاقته بسليماني فاستعاد محطاتها.

تعرّفت على الجنرال سليماني في بيت عادل عبد المهدي (رئيس الوزراء لاحقاً). دعاني عادل إلى العشاء، ولم يقل لي من سيكون حاضراً. كان لديّ زوّار، فقال: «أحضرهم معك فبيتنا بيتك». ذهبنا. وبعد نصف ساعة وصل إلى المكان رجلان، الأول شعره أبيض والثاني شعره أسود. اقترب الأول منّي وقال لي: «أنا اللواء قاسم سليماني». خلال اللقاء قال لي سليماني: «نحن عملنا ضدك كل الوقت». فأجبته: «وأنا كنت ضدكم كل الوقت». قلت له: «لماذا عملتم ضدنا؟ أنا أشركتكم في لقاء شرم الشيخ متحدياً الإرادة الدولية. فتحت لكم كل المجالات. أوقفنا نشاط (مجاهدي خلق) وسحبنا الأسلحة الثقيلة منهم. أرسلت إليكم أقوى وفد اقتصادي، وعلى أساس تحسين موقف الجوار العراقي. لماذا هذا الموقف؟». أجاب: «نحن أخطأنا، وأنا الآن في حضرة قائد كبير». قلت له: «أنا لست قائداً كبيراً ولا بطيخاً. لا تتدخلوا في شؤون العراق الداخلية فترجع الأمور إلى مسارها الطبيعي».

بعد سنة وتحديداً بعد الانتخابات في 2018، اتصل بي أبو مهدي المهندس (الذي قتل مع سليماني في مطار بغداد) وقال لي: «هناك صديق يريد أن يكلمك». لم يدع لي مجالاً لأسأل عن هوية الصديق، وأعطى الهاتف للرجل وتبيّن أنه سليماني. قال لي: «نريد أن نأتي إليك». أجبته أنني مدعو إلى فطور، وكنا في رمضان. سألني متى أرجع فقلت في الساعة الواحدة. قال: «نكون عندك في الواحدة والنصف».

جاءوا في الموعد المحدد. سليماني وأبو مهدي المهندس ومسؤول من «حزب الله» في لبنان اسمه محمد كوثراني. وكان حاضراً على ما أذكر أربعة من أصدقائي بينهم النائب كاظم الشمري وأكرم زنكنة. قال سليماني: «لماذا لا تدعو (قادة) الشيعة إلى فطور؟» قلت له: «أنا لست صائماً فكيف أدعوهم إلى فطور». أجاب: «لا مشكلة في ذلك. وجّه لهم الدعوة ونحن نساعدك كي تتزعم الحركة الشيعية».

استغربت كلامه. حكيت له القصة التالية. عندما أردت خوض الانتخابات جاءني عبد العزيز الحكيم، رحمه الله، وقال لي إن السيّد (يقصد آية الله السيستاني) أرسلني إليك. سألني: «لماذا لا تدخل معنا في القائمة الشيعية؟». فقلت: «كيف؟» أجاب: «ثلث لك، وثلث لنا، وثلث للشيعة الآخرين». قلت له: «دربي غير دربكم، ما هذا؟ شيعي وسني ومسيحي؟» ثم قال لي الحكيم: «هذا ما يقول السيّد، ونحن سنضمن أن تكون رئيساً للوزراء إذا تعاونَّا». أجبته: «من قال لك إنني أقبل أن أكون رئيس حكومة طائفي في العراق؟ أنا لا أقبل».

رويت القصة لسليماني فسألني: «هل أنت ضد الشيعة؟»، قلت: «لا، أنا شيعي لكنني لست ملتزماً بالفكر السياسي الإسلاموي للشيعة. أنا بعيد عن هذه الأفكار. نشأتُ في حزب وطني وقومي وعروبي وليست لدي هذه الأمور». قلت ذلك في حضور الذين شاركوا في اللقاء.

بوتين: لماذا لا تذهب إلى إيران؟

طلبت من علاوي أن يتذكر أبرز النصائح التي وُجّهت إليه لزيارة إيران، وسأتركه يروي.

في الشهر السابع من عام 2010 زرت موسكو، ولم تكن لي أي صفة رسمية.

دعاني الرئيس فلاديمير بوتين إلى عشاء في الكرملين لم يحضره سوى المترجم. سألني بوتين لماذا لا أذهب إلى إيران، فأجبته: هل تذهب أنت مثلاً إلى فنلندا لتصبح رئيس جمهورية روسيا؟ فقال: لا. قلت: لماذا تريديني أن أذهب إلى إيران كي أصبح تابعاً لهم؟ أنا لا أريد رئاسة الوزراء أو رئاسة الجمهورية. أنا خادم للشعب العراقي والأمة العربية وأتشرف بذلك، ولست مستعداً لتوسّل إيران أو غيرها من أجل منصب. سألني هل لديك مانع في أن أرسل إليهم مستشاراً من عندي، فأجبت: لا، ولكن بشرط أن ألتقيهم هنا أو في مصر أو في بغداد لكنني لن أذهب إلى إيران.

قال لي بوتين من حقك أن تصبح رئيساً للوزراء، ملمحاً إلى أن القضية تصطدم بصعوبات. استفسرت منه، فقال إن هيلاري كلينتون (وزيرة الخارجية الأميركية) قالت له إن من حق علاوي أن يصبح رئيساً للوزراء، لكنه لن يصبح.

سألها عن السبب، فأجابت بأنه لن يحصل على الأصوات الكافية في البرلمان. قال لها: فليحاول، وإن فشل يكلّف رئيس الجمهورية شخصاً آخر. كانت إيران حازمة في رفض أن أتولى المنصب.

مقاتلون من الحشد الشعبي يستعدون لمقاتلة داعش غرب الموصل عام 2017 (غيتي)

الحقيقة أن بوتين شخص لطيف ومهم وملم. ورأيي الخاص أن روسيا في أخلاقياتها أقرب إلى العرب من أميركا. أكثر جدية وصراحة ومباشرة من الأميركيين.

في الحقيقة، استوقفني كلام لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. قال لي: نحن كنا مقصرين ولم نفهم أن للصراع في المنطقة طابعاً سنياً - شيعياً في جانب منه. ونحن يجب أن نقف مع الشيعة لأنهم يمثّلون عمقاً مهماً، وهم أكثر، من العراق إلى سوريا إلى اليمن. هذه الدول كلها أو أكثريتها شيعية. قلت له إن الصراع ليس سنياً - شيعياً، بل هو بين فريق يؤمن بالأمة العربية وفريق لا يؤمن بها. وأكدت له أن العروبة شيء موجود وليست مجرد شعار.

في الواقع، كنت قد زرت بوتين مع وفد في 2004 بصفتي رئيساً للوزراء. كانت بداية الاجتماع سيئة. استهل كلامه على نحو أزعجني، مستخدماً كلاماً قاسياً نوعاً ما حول الاحتلال والشرعية. رددت عليه بكلام أقسى من كلامه. قلت له: جئنا إلى هنا تلبية لدعوتكم، ولنا هدفان من هذه الزيارة. الأول أننا نريد أن نقيم ضدكم قضية قضائية حول ديونكم للعراق، لأنكم بعتم أسلحة بأسعار خيالية إلى العراق أثناء حربه مع إيران. الثاني أننا نريد تشكيل لجنة مشتركة لإنهاء عقود شركاتكم أو إعادة مناقشتها، ولعلمكم سيادة الرئيس أننا ناضلنا ضد صدام حسين وتعرضنا للكثير من الاضطهاد، فإن كنتم تعتقدون أننا دخلنا مع الأميركيين وعلى دباباتهم فأنتم واهمون. ساد الصمت القاعة ومرر لي أحد الوزراء العراقيين ورقة قال فيها إننا قد نُطرد من موسكو. لكن بعد تلك المشاحنة تحوّل الاجتماع إلى لقاء إيجابي ونشأت علاقة بيني وبين بوتين.

في 29 سبتمبر (أيلول) 2010، لبّيت، على رأس وفد من «العراقية»، دعوة لزيارة سوريا. بادرنا الرئيس الدكتور بشار الأسد بالقول إنه سيسافر إلى طهران لكي يتكلم في موضوع تشكيل الحكومة العراقية. استغربت هذا الطرح العجيب بأن يجري تشكيل الحكومة العراقية من دمشق وطهران، من جهة، والإدارة الأميركية، من جهة أخرى. حضر اللقاء من الجانب السوري وزير الخارجية فاروق الشرع والدكتورة بثينة شعبان واللواء محمد ناصيف (أبو وائل) مستشار رئيس الجمهورية.

قال الأسد إن الشرع سيزور إيران غداً وسيتصل بنا عند عودته.

إيرانيون يرفعون صوراً لسليماني أثناء جنازته يناير 2020 (غيتي)

واسترسل قائلاً إنه بات واضحاً أن إيران ضد علاوي ولن تسمح له بتشكيل الحكومة، وأن الإدارة الأميركية متوافقة مع إيران في هذا الأمر، فما هو موقف «العراقية» وما هي البدائل؟ شرحت للرئيس السوري أن الأمر لا يتعلق بشخص رئيس الوزراء، بل بالنهج الذي سيتبعه، وإننا نريد إخراج العراق من المحاصصة والطائفية السياسية وبناء عراق يتسع لكل شعبه وإعادته إلى حاضنته العربية. سألني الأسد: من تقترحون أن يشغل هذا الموقع إن لم يكن لكم؟ فاقترحت أن يكون عادل عبد المهدي، واستناداً إلى برنامج إصلاح وعلى قاعدة الشراكة الحقيقية. تأثر الجو حين قال الأسد: وإذا أصرّت إيران على المالكي ولم ترض بعادل عبد المهدي؟ أجبته: هل تسافر إلى إيران للتفاوض أم للاستماع إلى إملاءات إيران على العراق؟

بعد اللقاء دعانا محمد ناصيف إلى غداء في مطعم مطل على دمشق. قال: لماذا لا تسافر إلى إيران؟ يمكن أن نعمل لك ترتيباً معهم. فقلت له: أخي أبو وائل إذا استمر إصراركم على هذا الكلام، فلن أحضر الغداء ولن أزور سوريا أبداً في المستقبل، فاتركوا هذه المسألة.

في الشهر السابق لزيارتي سوريا، ذهبت إلى الكويت لحضور مؤتمر. أبلغت أن الأمير الشيخ صباح الأحمد يدعوني للاجتماع به. ذهبت وتكلمنا عن الانتخابات وأوضاع المنطقة والعراق. ثم فاجأني قائلاً: لماذا لا تذهب إلى إيران؟ فأجبته: أخي أبا ناصر كيّف أستجدي من إيران رئاسة الوزراء؟ أنا مستعد للقائهم في أي مكان، في الكويت أو مصر أو بغداد. قال إنه سيوفد مبعوثاً لإبلاغهم. وبالفعل أرسل مستشاره السفير السابق لدى الأمم المتحدة محمد أبو الحسن حاملاً رسالة منه إلى الرئيس أحمدي نجاد. بعد يومين، عاد المبعوث وزارني في مقر إقامتي وقال إن السلطات الإيرانية ترحّب باللقاء وتفضّل أن يكون في إيران، وإذا كان ذلك صعباً فإن المسؤولين سيجدون الوقت المناسب لزيارة الكويت.

الحقيقة أنني كنت أبديت لدى تولي رئاسة الوزراء في 2004 رغبة في زيارة إيران في إطار جولة في دول الجوار. طلبت أن نناقش في الزيارة المشكلات العالقة لبناء علاقات طبيعية بين جارين. أصروا على أن تكون الزيارة بروتوكولية لأنهم يعرفون موقفي من اتفاقية الجزائر والتعويضات والتدخلات.

بوش لا يستحق الرئاسة

سألت علاوي عن انطباعه عن لقائه مع الرئيس جورج بوش الابن، فأجاب: لا يستحق أن يكون رئيساً لأميركا. لم أره ثابتاً على وضوح أو أفكار. لم تكن لديهم سياسة بعد إسقاط النظام. حلّ الجيش واجتثاث البعث وكل هذه الممارسات العشوائية. لقد شرحت ذلك لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وطلبت منه أن يتحدث معه أكثر في موضوع العراق.

* غداً حلقة رابعة


مقالات ذات صلة

واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

في غمرة انشغال قوى «الإطار التنسيقي» بتشكيل الحكومة الجديدة، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية 7 من قادة الميليشيات العراقية على قائمة العقوبات.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

اجتماع مرتقب في بغداد قد يحدد مرشح رئاسة الحكومة

من المقرر أن تعقد قوى «الإطار التنسيقي»، التحالف الحاكم في العراق، اجتماعاً حاسماً يوم السبت في بغداد، في محاولة للتوصل إلى اتفاق بشأن مرشح لرئاسة الوزراء.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عناصر من «البيشمركة» يتموضعون تحت صورة لمسعود بارزاني في كركوك (أرشيفية - إ.ب.أ)

بارزاني يهاجم «صفقات مشبوهة» شمال العراق

أعلن مسعود بارزاني رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني» رفضه لمخرجات التوافق السياسي الأخير في محافظة كركوك شمال العراق؛ ما أفضى إلى تغيير منصب المحافظ.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

مناورات تشكيل الحكومة العراقية تدخل مرحلة حاسمة

دخلت القوى السياسية العراقية مرحلة حاسمة في تشكيل الحكومة الجديدة، في وقت قرر فيه "الإطار التنسيقي" تأجيل اجتماع حاسم إلى السبت المقبل.

حمزة مصطفى (بغداد)
الخليج علم الإمارات (الشرق الأوسط)

الإمارات تحتج لدى العراق على «هجمات انطلقت من أراضيه»

استدعت وزارة الخارجية الإماراتية القائم بأعمال السفارة العراقية، وسلّمته مذكرة احتجاج عبّرت فيها عن إدانتها واستنكارها لما وصفته بـ«الاعتداءات الإرهابية».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

مقتل جندي فرنسي في جنوب لبنان: ماكرون يتهم «حزب الله»

عدد من الجنود الفرنسيين في قوات الـ«يونيفيل» يقفون إثر بدء وقف إطلاق النار بالقرب من جسر القاسمية الذي تعرض لقصف إسرائيلي وهو يربط جنوب لبنان ببقية البلاد (رويترز)
عدد من الجنود الفرنسيين في قوات الـ«يونيفيل» يقفون إثر بدء وقف إطلاق النار بالقرب من جسر القاسمية الذي تعرض لقصف إسرائيلي وهو يربط جنوب لبنان ببقية البلاد (رويترز)
TT

مقتل جندي فرنسي في جنوب لبنان: ماكرون يتهم «حزب الله»

عدد من الجنود الفرنسيين في قوات الـ«يونيفيل» يقفون إثر بدء وقف إطلاق النار بالقرب من جسر القاسمية الذي تعرض لقصف إسرائيلي وهو يربط جنوب لبنان ببقية البلاد (رويترز)
عدد من الجنود الفرنسيين في قوات الـ«يونيفيل» يقفون إثر بدء وقف إطلاق النار بالقرب من جسر القاسمية الذي تعرض لقصف إسرائيلي وهو يربط جنوب لبنان ببقية البلاد (رويترز)

قُتل عسكري فرنسي، وجُرح 3 آخرون، السبت، في جنوب لبنان، في هجوم استهدف قوة حفظ السلام الدولية الـ«يونيفيل»، وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن «كل المؤشرات تفيد بأن المسؤولية تقع على عاتق «حزب الله»، بينما أدان المسؤولون في لبنان الحادث، وأعطوا توجيهاتهم إلى الأجهزة المختصة للتحقيق الفوري، وتحديد المسؤوليات.

وشدد ماكرون عبر منصة «إكس» على «ضرورة ضمان أمن القوات الدولية»، كما أعلن قصر الإليزيه أن ماكرون طالب، في اتصال مع رئيس الجمهورية اللبنانية ورئيس الحكومة، بـ«ضمان أمن» جنود «اليونيفيل» في لبنان.

إدانات لبنانية وتعهد بالمحاسبة

في المقابل، سارع المسؤولون اللبنانيون إلى إدانة الحادث والتشديد على ملاحقة المتورطين. وأدان الرئيس عون بشدة استهداف القوة الفرنسية التي تؤدي مهامها على الأراضي اللبنانية في خدمة السلم والاستقرار في منطقة انتشارها في الجنوب، منوهاً بتضحيات الجنود الدوليين، ومتمنياً الشفاء العاجل للجرحى.

وأكد الرئيس اللبناني خلال اتصال تلقاه من الرئيس ماكرون أن لبنان الذي يرفض رفضاً قاطعاً التعرض لـ«اليونيفيل»، مُلتزم بصون سلامة هذه القوات، وتأمين الظروف الملائمة لأداء مهامها، وأنه أصدر توجيهاته إلى الأجهزة المختصة للتحقيق الفوري في هذا الحادث، وتحديد المسؤوليات، مشدداً على أن لبنان لن يتهاون في ملاحقة المتورطين، وتقديمهم إلى العدالة.

وأوضح عون أن العسكري الفرنسي قُتل وجُرح عدد من رفاقه، بينما كانوا في مهمة في بلدة الغندورية الجنوبية، وذلك برصاص مسلحين في المنطقة.

بدوره، أدان رئيس مجلس النواب نبيه بري الاعتداء، مشيداً بـ«التضحيات التي بذلتها وتبذلها قوات (اليونيفيل) طيلة عقود، لا سيما الوحدة الفرنسية»، ومتوجهاً إلى عائلة الجندي الفقيد وعائلات زملائه بـ«أحر التعازي»، ومتمنياً للجرحى «الشفاء العاجل»، كما أجرى اتصالاً بقائد قوات الـ«يونيفيل» الجنرال ديوداتو أبنيارا، «معزياً ومطمئناً إلى الجرحى».

كذلك، استنكر رئيس الحكومة نواف سلام الاعتداء «بأشد العبارات»، مؤكداً أنه «أعطى تعليماته المشددة بإجراء التحقيق الفوري للكشف عن ملابسات هذا الاعتداء، ومحاسبة المرتكبين»، معتبراً أن «هذا المسلك غير المسؤول يلحق الأذى الكبير بلبنان وعلاقاته مع الدول الصديقة الداعمة له في العالم».

بدورها، استنكرت قيادة الجيش الحادثة التي جرت مع دورية من قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان - اليونيفيل في منطقة الغندورية - بنت جبيل، على أثر تبادل لإطلاق النار مع مسلحين؛ ما أدى إلى وقوع إصابات بين عناصر الدورية.

وأكدت في بيان لها «استمرار التنسيق الوثيق مع (اليونيفيل) خلال المرحلة الدقيقة الراهنة، كما يُجري الجيش التحقيق اللازم للوقوف على ملابسات الحادثة، وتوقيف المتورطين».

تفاصيل الهجوم وموقف «اليونيفيل»

من جهتها، دعت «اليونيفيل» السلطات اللبنانية إلى فتح تحقيق، مؤكدة ضرورة «تحديد هوية المتورطين بالهجوم المتعمد»، مشيرة إلى أن التقييم الأولي يفيد بأن إطلاق النار جاء من «جهات غير حكومية يُزعم أنها (حزب الله)».

وفي تفاصيل العملية، أعلنت وزيرة الجيوش الفرنسية كاترين فوتران أن الرقيب الأول فلوريان مونتوريو قُتل بعد تعرضه لـ«إصابة مباشرة بنيران سلاح خفيف»، موضحة أنه «كان في مهمة لفتح طريق نحو موقع تابع لـ(اليونيفيل) معزول منذ أيام بسبب المعارك في المنطقة، حين تعرّض لكمين من قبل مجموعة مسلحة على مسافة قريبة جداً»، لافتة إلى أن العسكري «متمرّس»، و«سبق أن شارك في عمليات عدة». وأضافت أن فرنسا «تنحني إجلالاً أمام رحيل أحد أبنائها بعدما وهب حياته لأجلها»، مقدّمة «تعازيها لشريكته وأبنائه وأقربائه ورفاق السلاح».

«حزب الله» ينفي

في المقابل، نفى «حزب الله» علاقته بالحادث، مؤكداً «عدم مسؤوليته عن الهجوم الذي حصل مع قوات (اليونيفيل) في منطقة الغندورية - بنت جبيل»، وداعياً إلى «توخي الحذر في إطلاق الأحكام والمسؤوليات بانتظار تحقيقات الجيش اللبناني لمعرفة ملابسات الحادثة بالكامل».

جنود حفظ السلام التابعون للأمم المتحدة من مختلف الوحدات الوطنية يسيرون خلال احتفال بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لتأسيس «يونيفيل» في مقر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في بلدة الناقورة بجنوب لبنان 19 مارس 2025 (أ.ب)

كما شدد «حزب الله» على «استمرار التعاون بين الأهالي و(اليونيفيل) والجيش اللبناني»، مؤكداً «ضرورة التنسيق بين الجيش اللبناني واليونيفيل في تحركاتها سيّما في هذه الظروف الدقيقة». وفي هذا الإطار، قالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن القوة الفرنسية دخلت البلدة من دون مرافقة مع الجيش اللبناني، وهو ما أثار امتعاض الموجودين في المنطقة، وأدى إلى إشكال بين الطرفين.


استعدادات للانتخابات البرلمانية في الحسكة السورية

اجتماع اللجنة العليا في محافظة الحسكة والفريق الرئاسي (فيسبوك)
اجتماع اللجنة العليا في محافظة الحسكة والفريق الرئاسي (فيسبوك)
TT

استعدادات للانتخابات البرلمانية في الحسكة السورية

اجتماع اللجنة العليا في محافظة الحسكة والفريق الرئاسي (فيسبوك)
اجتماع اللجنة العليا في محافظة الحسكة والفريق الرئاسي (فيسبوك)

بدأت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري الخطوات العملية لإجراء الانتخابات في محافظة الحسكة، شمال شرقي سوريا.

وقال المتحدث باسم الفريق الرئاسي، أحمد الهلالي، لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماعاً موسعاً عُقد في مبنى محافظة الحسكة، السبت، شارك فيه محافظ الحسكة نور الدين أحمد، واللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، وفريق البعثة الرئاسية بقيادة العميد زياد العايش، ومديرية الشؤون السياسية، وتمت مناقشة أفضل السبل لإنجاز هذا الاستحقاق بكل سلاسة.

وأوضح الهلالي أن دور الفريق الرئاسي، المكلف بمتابعة تنفيذ اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) المبرم بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، في عملية الانتخابات سيكون «تنسيقياً وبهدف تذليل العقبات أمام عمل اللجنة العليا واللجان الفرعية».

وفيما يتعلق بموعد الانتخابات قال الهلالي إن ذلك «يعتمد على استكمال الإجراءات اللازمة»؛ إذ سيتم خلال الأسبوع القادم تشكيل اللجان الفرعية في المناطق، يليه تشكيل الهيئات الناخبة، ثم إجراء الانتخابات، لافتاً إلى أن اللجنة العليا واللجان الفرعية سيعملون على «توسيع التمثيل لتكون الهيئات الناخبة معبرة عن تنوع الحسكة بطريقة مرضية، حيث تضم الهيئات نسبة 70 في المائة من الكفاءات، و30 في المائة من الوجهاء والأعيان».

اللجنة العليا للانتخابات مع محافظ الحسكة والفريق الرئاسي في محافظة الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)

وأكد المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات، نوار نجمة، لـ«الشرق الأوسط»، أن المشاركين في الاجتماع أبدوا إيجابية كي يكون نجاح العملية الانتخابية في الحسكة «خطوة إيجابية جديدة في إطار عملية الاندماج السياسي والاجتماعي».

وأضاف نجمة أن اللجنة العليا أجرت عدة لقاءات، أبرزها كان مع محافظ الحسكة، مشيراً إلى أن اللقاءات كانت إيجابية وتم الاتفاق على البدء مباشرة بالخطوات العملية للعملية الانتخابية، وأنه سوف تتشكل اللجان الفرعية، والتي تقوم بدورها باقتراح أسماء أعضاء الهيئات الناخبة، ولافتاً إلى أن اللجنة العليا والمحافظ والوفد الرئاسي «أبدوا إيجابية عالية للتعاون لتشكيل اللجان الفرعية والهيئات الناخبة».

وأوضح نجمة أن حصة محافظة الحسكة في مجلس الشعب عشرة مقاعد، وقد تم انتخاب واحد منها في منطقة رأس العين، وتتبقى تسعة مقاعد موزعة على مناطق الحسكة والمالكية والقامشلي. وأكد أن تشكيل الهيئات الناخبة سيراعي التنوع في المحافظة، مضيفاً أن اللجنة العليا تعمل على أن يكون نجاح العملية الانتخابية في الحسكة «خطوة إيجابية جديدة في إطار عملية الاندماج السياسي والاجتماعي بالنسبة للمحافظة» و«نقطة انطلاق حقيقية لعودة الحياة السياسية إلى طبيعتها في سوريا».

صورة متداولة لوصول وفد اللجنة العليا للانتخابات إلى مطار القامشلي (مرصد الحسكة)

ووصل وفد من اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب إلى مطار القامشلي في أول رحلة قادمة من مطار دمشق منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وأول رحلة بعد تسلم الحكومة السورية إدارة مطار القامشلي، في إطار عملية الدمج تنفيذاً لاتفاق 29 يناير.

الرئيس السوري أحمد الشرع كشف خلال مشاركته في مؤتمر أنطاليا الدبلوماسي، الجمعة، أن أولى جلسات مجلس الشعب ستُعقد مع نهاية أبريل (نيسان) الحالي. وقال إن من جدول أعماله سيكون صياغة الدستور، وسيتضمن داخله الكثير من التشريعات، التي سيجري التصويت عليها، منها تفاصيل وشكل مرحلة ما بعد السنوات الخمس الانتقالية.

وكانت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب أجّلت انتخابات مجلس الشعب في ثلاث محافظات، هي الحسكة والرقة والسويداء، بسبب «التحديات الأمنية»، وجرت الانتخابات في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 وفق نظام انتخابي غير مباشر لانتخاب 140 عضواً من أصل 210 أعضاء، ويقوم رئيس الجمهورية باختيار الأعضاء السبعين المتبقين، ومع انتهاء العملية الانتخابية في محافظة الحسكة تكون العملية الانتخابية شملت كافة المحافظات السورية ما عدا محافظة السويداء؛ إذ أُجريت في محافظة الرقة الانتخابات في مارس (آذار) الماضي، وفاز أربعة أعضاء عن دائرتَي الرقة والطبقة.


واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

في غمرة انشغال قوى «الإطار التنسيقي» بتشكيل الحكومة الجديدة وما يرتبط بذلك من خلافات حادة بين زعمائه حول المرشح المناسب لرئاستها، يأتي إدراج وزارة الخزانة الأميركية 7 من قادة الميليشيات العراقية على قائمة العقوبات، ليزيد الأمر تعقيداً، حسب مراقبين، خصوصاً أنها طالت قوى وازنة، مثل «عصائب أهل الحق» التي تمتلك نحو 27 مقعداً برلمانياً وقد حصلت على منصب نائب رئيس البرلمان الاتحادي.

وجاءت العقوبات الجديدة بعد أقل من أسبوع على قيام وزارة الخارجية الأميركية بعرض مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن أحمد الحميداوي، زعيم «كتائب حزب الله» العراقي. بعد أن حمَّلته واشنطن مسؤولية شن هجمات ضد المنشآت الدبلوماسية الأميركية، وخطف مواطنين أميركيين، وقتل مدنيين عراقيين.

المكافأة التي نشرتها «الخارجية» الأميركية مقابل معلومات عن زعيم «كتائب حزب الله» العراقي

اتهامات أميركية

واتهم مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، في بيان، الجماعات المعاقبة بـ«ضلوعها في التخطيط والتوجيه وتنفيذ هجمات استهدفت أفراداً ومنشآت ومصالح أميركية داخل العراق. ويقود الأفراد المستهدفون في هذا الإجراء عدداً من أكثر الفصائل المسلحة الموالية لإيران عنفاً في العراق، من بينها (كتائب حزب الله)، و(كتائب سيد الشهداء)، و(حركة النجباء)، و(عصائب أهل الحق)».

وتعمل هذه الفصائل، حسب البيان، «بقدر كبير من الإفلات من العقاب، حيث تنفذ هجمات ضد أفراد أميركيين ومدنيين عراقيين، وتستنزف ثروات العراق لتمويل أنشطتها الإرهابية، كما تقوّض سيادة العراق وعملياته الديمقراطية».

وانخرطت الفصائل إلى جانب إيران في حربها ضد الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وقامت بتنفيذ مئات الهجمات الصاروخية وإطلاق المسيَّرات على مواقع دبلوماسية وعسكرية أميركية في العراق، ومن ضمنها أكثر من 600 هجمة ضد أصول مدنية وعسكرية في إقليم كردستان، وهجمات صاروخية ضد بعض الدول الخليجية.

ونقل البيان الأميركي عن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، القول: «لن نسمح للميليشيات الإرهابية في العراق، المدعومة من إيران، بتهديد أرواح الأميركيين أو مصالحهم. وكل مَن يمكّن عنف هذه الميليشيات سيُحاسب».

وتأتي الخطوة، بحسب البيان «استناداً إلى الأمر التنفيذي 13224 المعدل، الذي يستهدف الإرهابيين وداعميهم، وتستكمل سلسلة من الإجراءات السابقة التي اتخذتها وزارة الخزانة ضد شبكة الميليشيات المدعومة من إيران والتي تهدد العراقيين والأميركيين في المنطقة».

وسبق أن صنفت واشنطن «كتائب حزب الله»، و«عصائب أهل الحق»، و«حركة النجباء»، و«كتائب سيد الشهداء» جماعات «إرهابية عالمية ومنظمات إرهابية أجنبية».

ودعا رئيس حكومة إقليم كردستان، السبت، ما وصفهم بـ«شركائنا الدوليين إلى توفير المعدات اللازمة لحماية مواطني كردستان والبنية التحتية للطاقة من هذه التهديدات المستمرة». في إشارة إلى الهجمات المتكررة التي تنفذها الفصائل المسلحة ضد الإقليم، وقد سقط جراءها 5 قتلى خلال الأيام القليلة الماضية.

أبرز قادة الميليشيات

وذكر البيان الأميركي أن «كتائب حزب الله» تبنّت العديد من الهجمات منذ تأسيسها عام 2006، ليس فقط ضد الولايات المتحدة، بل أيضاً ضد قوات التحالف الدولي. وترتبط الجماعة آيديولوجياً بإيران وتتلقى منها دعماً مالياً وعسكرياً، ومن بين المدرجين على لائحة العقوبات، عمار جاسم كاظم الرماحي، قائد عمليات في «كتائب حزب الله»، يشرف على التخطيط للهجمات وتحديد أهدافها. ورضوان يوسف حميد المحمد وحسن ذياب حمزة، وهما من كبار مسؤولي الكتائب ويشاركان في تنسيق العمليات، حسب البيان.

كما أشار البيان إلى أن «عصائب أهل الحق» نفذت آلاف الهجمات ضد القوات الأميركية وقوات التحالف، وتتلقى دعماً وتدريباً من إيران، واستخدمت طائرات مسيّرة إيرانية في هجمات شمال العراق حتى مارس (آذار) 2026.

ومن ضمن قادة «العصائب» التي طالتها العقوبات الأميركية، صفاء عدنان جبار سويد، قائد عسكري ومسؤول عمليات في محافظة صلاح الدين.

وذكرت أن «كتائب سيد الشهداء» التي يقودها أبو آلاء الولائي، وهو قيادي في «قوى الإطار التنسيقي» تتلقى دعماً إيرانياً في التدريب والتمويل والتسليح، ومن بين قادتها، خالد جميل عبد البختري وسعيد كاظم مخميس.

كما أدرجت اللائحة الأميركية هشام هاشم جيثوم، مدرب عسكري في «حركة النجباء»، التي أعلنت ولاءها لإيران وهددت باستهداف الأميركيين في العراق والمنطقة.

وأشار البيان الأميركي إلى أنه بموجب هذه الإجراءات «سيتم تجميد جميع الأصول والمصالح المالية للأشخاص المدرجين داخل الولايات المتحدة أو التي تقع تحت سيطرة أشخاص أميركيين، مع إلزام الجهات المعنية بالإبلاغ عنها، كما تُحظر على الأشخاص الأميركيين إجراء أي معاملات مع هؤلاء، ما لم يكن ذلك بموجب ترخيص خاص».

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)

شحنات الدولار

بالتزامن، تشير تقارير اقتصادية إلى تحديات تتعلق بوصول شحنات الدولار النقدي المقبلة من البنك الفيدرالي الأميركي إلى البنك المركزي العراقي، ولم يصدر عن البنك المركزي أي بيان في هذا الاتجاه، الأمر الذي لا يمكن التأكد من حقيقة هذه التقارير. وقبل نحو شهرين، تحدثت تقارير مشابه عن تعثر وصول الأموال إلى بغداد، خصوصاً عقب غلق الأجواء العراقية نتيجة الحرب. ومعروف أن أموال النفط العراقي توضع في البنك الفيدرالي الأميركي قبل أن يتم شحنها نقداً إلى العراق.

وتشير بعض المصادر الاقتصادية إلى أن البنك الفيدرالي الأميركي يسعى إلى فرض قيود أشد للحد من تهريب الدولار إلى خارج العراق والالتزام بمعايير الامتثال الدولية (غسيل الأموال).

تشكيل الحكومة

لا تبتعد لائحة العقوبات الجديدة كثيراً عن أجواء تشكيل الحكومة الجديدة، غير أنه «ليس من الواضح فاعليتها في التأثير على خيارات القوى الإطارية بالنسبة لرئيس الوزراء المقبل»، حسب مصدر قيادي في القوى الإطارية.

وقال المصدر إن «عقوبات سابقة طالت الفصائل، لكنها لم تؤثر على نفوذها السياسي داخلياً، وأبرز مثال على ذلك (عصائب أهل الحق)».

لكنه لا يرجح «تجاهل قوى الإطار للرسائل الأميركية المباشرة وغير المباشرة لأنها تدرك حجم المخاطر وكلفة هذا النوع من السلوك، لذلك نجد هذا التعثر الواضح في حسم ملف تشكيل الحكومة».

في المقابل، ترى مصادر أميركية أن العقوبات الجديدة لا تبتعد عن محاولات واشنطن «منع تشكيل حكومة جديدة خاضعة لنفوذ الفصائل المسلحة» حيث تتحكم هذه الفصائل في نحو 100 مقعد برلماني، إلى جانب نفوذها الكبير داخل «قوى الإطار التنسيقي» المسؤولة عن تشكيل الحكومة وطرح مرشح لرئاسة الوزراء. وتفيد مصادر أميركية مطلعة بأن القائم بالأعمال الأميركي في العراق، جوشوا هاريس، أبلغ بعض قادة الإطار أن لدى إدارته «الكثير من المؤشرات السلبية تجاه جميع صانعي القرار في العراق بخصوص نفوذ الميليشيات».

وتقول المصادر إن هاريس تحدث عن أن «واشنطن ستتعامل بحزم مع أي حكومة لن تعمل على إيقاف الميليشيات من الاستمرار في زعزعة استقرار العراق والمنطقة وتوقف كل أنواع الدعم عنها».

وأيضاً «ستقوم واشنطن بمعاقبة أي كيان أو مؤسسة عراقية ستستمر بتسهيل حصول إيران على الدولار سواء كانت رسمية أم غير رسمية».