«الساعة الحاسمة» في حياة الإمام محمد بن سعود... نجاة من الاغتيال وبدء التأسيس

عبد الرحمن الشقير لـ«الشرق الأوسط»: دراسات تاريخ الدولة الأولى محلية رغم حضورها الدولي

عبد الرحمن الشقير في إحدى المناسبات
عبد الرحمن الشقير في إحدى المناسبات
TT

«الساعة الحاسمة» في حياة الإمام محمد بن سعود... نجاة من الاغتيال وبدء التأسيس

عبد الرحمن الشقير في إحدى المناسبات
عبد الرحمن الشقير في إحدى المناسبات

وصف الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله الشقير، الباحث الاجتماعي والمهتم بالأنثروبولوجيا، الإمام محمد بن سعود بـ«المهندس السياسي البارع»، استطاع أن يؤسِّس دولةً بامتياز، وحوّل التحديات إلى فرص، كما أظهر قدرةً عاليةً على تهدئة الأوضاع؛ وهو ما أدى إلى استقرار الدرعية لينطلق منها ويؤسِّس الدولة السعودية الأولى، لافتاً إلى أن شخصيته المنضبطة والمتزنة انعكست على سلوكه السياسي.

وعدّ الشقير في حديث لـ«الشرق الأوسط» بمناسبة يوم التأسيس الذي يصادف اليوم، أن الشجاعة والالتزام الأخلاقي، والوقوع في قلب الأحداث بصمت، أبرز سمات المؤسِّس الأول، مشيراً إلى أن هناك تشابهاً بين عبد الرحمن الداخل ومحمد بن سعود، في السلوك السياسي وكيفية التعامل مع الأزمات، والقدرة على رؤية الفرص داخلها.

وشدَّد على أن تاريخ الدولة السعودية الأولى تمَّت دراسته في سياق محلي، رغم وقوعه في مسار دولي، وبروز الدولة في مرحلة مفصلية من التاريخ الإسلامي.

وذكّر بأن الملك سلمان أعاد للدولة الأولى وهجها، ووضع تاريخها في سياقه الصحيح، بعد أن تم اختطاف وإهمال وتغييب سنوات من عمرها. وفيما يلي تفاصيل الحديث:

ما الظروف السياسية التي سبقت تولي الإمام محمد بن سعود إمارة الدرعية؟

سؤالك جميل ومباغت؛ حيث اعتدنا على السؤال عن الوضع الديني قبل قيام الدولة، ولذلك دعني أقدم لك إجابةً تاريخيةً بروح عصرية:

شهدت الدرعية قبل تولي الإمام محمد بن سعود إمارتها، وكان لقبه الأول «الأمير»، اضطرابات سياسية كبيرة، فقد كانت الإمارة تنتقل بسرعة بين أبناء العمومة من آل مقرن، مع ازدياد احتمالية المنافسة على الإمارة.

وعلى مستوى المنطقة، فيوجد 3 قوى رئيسية، هي إمارة العيينة، وهي الأكثر نفوذاً، وإمارة الرياض التي برزت قوةً سياسيةً مع الأمير دهام بن دواس، والدرعية، أما باقي إمارات بلدان نجد فقد كانت محلية.

وأثناء اشتغالي في كتاب «نجد: القصة الكاملة» لاحظت إشكالية دراسة تاريخ الدولة السعودية في سياق محلي، رغم وقوعها في سياق دولي، وبروزها في مرحلة مفصلية من التاريخ الإسلامي، مما أفقد تاريخنا فرصاً تحليلية وفلسفية عميقة، وأبقاه في دوائر النصوص التقليدية.

الإمام محمد بن سعود (دارة الملك عبد العزيز)

ناقشت في كتابي أوهاماً كثيرة، منها اختفاء 18 عاماً من تاريخ الدولة السعودية الأولى، وتقبُّل الباحثين لهذا الاختفاء دون وعي منهم أو قصد، وعدم التنبه إلى 5 قرون قبل تأسيس الدولة السعودية عُدَّت غامضة، والتي أسميها «التاريخ الشبحي»، وتوصَّلتُ إلى وجود ركام معرفي كبير مبني على أسس هشة، ينبغي أن ننتبه له، وأن نناقشه، وهذا ما قمتُ به في ذلك الكتاب.

لحظة فاصلة في التاريخ

ما اللحظة الفاصلة التي أدت إلى تولي محمد بن سعود إمارة الدرعية؟

كانت اللحظة الحاسمة دراماتيكية بمعايير الأفلام السينمائية العالمية، ولكن المؤرخين والباحثين تلقوها بحسٍّ تقليدي، ومرَّت القصة ببرود على مدى 3 قرون، وملخصها التالي:

دعا أمير العيينة محمد بن حمد بن معمر، الأمير زيد بن مرخان إلى قصره في العيينة، واستدراجه غدراً، فحضر الأمير زيد ومعه 40 رجلاً، ومن بينهم الأمير محمد بن سعود، وعندما أخذ زيد مكانه في المجلس مع حاشيته وكبار وجهاء الدرعية، أطلق عليه أتباع محمد بن معمر الرصاص وعلى مَن معه، فقُتِل الأمير زيد وكثير ممَّن معه.

لكن الأمير محمد بن سعود استطاع النجاة، رغم الرصاص المتطاير من كل اتجاه، وعاد مع الناجين من الحاشية إلى الدرعية.

ورغم التدبير الإلهي بنجاة الأمير محمد بن سعود من مذبحة ذهب ضحيتها كبار رجالات الدرعية؛ فإن هذه القصة لم تحظَ بالتأمل الفلسفي والاستراتيجي، وقد حاولت إعادة اكتشافها بتحليل القيم الذاتية في شخصيته، التي تعكس شخصيةً قياديةً لديها رباطة جأش في المواقف العصيبة، التي بفضل الله تعالى، ثم بصفاته القيادية، أحسن التصرف، ونجا من موت محقق.

وفي أثناء بحثي عن مكان حدوث القصة وتفاصيلها، تبيَّن لي أن قصر الأمير محمد بن معمر الذي وقعت فيه الحادثة يتم ترميمه الآن، وما أجمل أن يتزامن ترميم التاريخ مع ترميم المباني التراثية التي شهدت الأحداث!.

وفي الدرعية، اجتمع أعيان آل سعود ووجهاؤها والأهالي لمبايعة محمد بن سعود بالإجماع ليكون أميراً على الدرعية عام 1139هـ. وهي حالة فريدة في اختياره بالإجماع أميراً للدرعية لتأسيس دولة قوية.

عبد الرحمن الشقير في إحدى المناسبات

كانت حادثة العيينة بمثابة «الساعة الحاسمة»، حيث شهدت أحداثاً عاصفة لم تتجاوز ساعة من الزمن، إلا أنها كانت أطول ساعة في القرن الـ18 الميلادي مرَّت على نجد؛ بسبب كثافة الأحداث فيها التي بدأت باغتيال ونجاة من موت، وتولي الإمارة، وتأسيس دولة.

فكان تتويج الأمير محمد بن سعود أميراً على الدرعية بمثابة تتويج ناجٍ خارج من حطام، أو بتعبير جلال الدين الرومي: «عندما تتخطى مرحلةً صعبةً من حياتك، أكمل الحياة كناجٍ وليس ضحية».

عبد الرحمن الداخل والإمام

بحكم اهتمامك بأنسنة التاريخ وأول مَن لفت الانتباه إلى دراسة الحياة اليومية من خلال مشروعك العلمي عن الذاكرة الشعبية والتاريخ السعودي... كيف تنظر لأنسنة لحظة تأسيس الدولة؟

أرى في المقارنات المبتكرة منهجاً جديداً لأنسنة التاريخ وفهمه بروح عصرية؛ وذلك لأن الظروف التي تصنع القادة العظام متشابهة مهما اختلف الزمان والمكان.

مقارنة تحليلية بين ظروف الأميرين عبد الرحمن الداخل في الأندلس ومحمد بن سعود في الدرعية، من حيث تشابه سلوك القادة في التعامل مع الأزمات وقدرتهم على رؤية الفرص بداخلها مهما اختلف الزمان والمكان، كما أن الأميرين استمرا في بناء بلدانهما بتعزيز الاقتصاد، ولم يفكرا بالانتقام، وهكذا القادة الذين يُغلِّبون المصالح العليا للدولة، فالاتجاه نحو بناء الدولة يُحقِّق الإنجازات العظيمة، في حين أن العودة للانتقام يشغل المرء عن تحقيق أهدافه، ويؤدي به إلى مخاطر في غنى عنها.

وليست مرحلة التأسيس مقتصرةً على الإمام محمد بن سعود، بل تشمل أبناءه من بعده؛ لذا فقد كتبت مقالة «القادة الاستثنائيون والجيوبولتيك بين نجد وروسيا»؛ حيث كانت كل من نجد وروسيا مكشوفةً من جميع الجهات وعرضةً للغزو الخارجي، ثم قارنت بين إيفان الرهيب الذي أوقف الهجمات على روسيا وتوسَّعَ بها، والإمام عبد العزيز بن محمد الذي أوقف الهجمات على نجد وتوسَّعَ بها، فكلتا المنطقتين تتعرض للهجوم على مدى آلاف السنين، ولم يفكر أحد من قبل باتباع سياسة «الهجوم الدفاعي» مثلما فعل القائدان لتنعم بلدانهما بسلام.

مهندس سياسي بارع

كيف تعامل الإمام محمد بن سعود مع الاضطرابات الداخلية والخارجية بعد توليه الإمارة؟

ورث الإمام محمد بن سعود إمارةً مضطربةً سياسياً، فقد كانت تعاني من صراعات بين أبناء العمومة داخلياً، كما كانت تواجه تهديدات خارجية من الرياض والعيينة.

تَعامَل الإمام محمد بن سعود مع الملفات السياسية بحنكة كبيرة، حيث وحَّد الصف الداخلي، ونقل الصراع السياسي إلى خارج الدرعية، وهنا تظهر الشخصيات الحكيمة في الأزمات، فليست المشكلات جميعها يمكن أن تُحَلَّ بالقوة، وإنما رأى أن الحسم يكون في توجيه جزء منها إلى خارج الدرعية، وجزء يسيطر عليه داخلياً.

كما أظهر قدرةً عاليةً على تهدئة الأوضاع؛ مما أدى إلى استقرار الدرعية منذ توليه الإمارة عام 1139هـ.

والاستقرار في هذه المدة كان ديناميكيةً للحياة العامة وليست هدفاً مؤقتاً، كما أن الصراع مع الرياض كان ديناميكيةً أيضاً وليس هدفاً، فالاستقرار والصراع مثل عجلتَي الدراجة، تسيران بتناغم ويقظة، وهما أساس التوسُّع بحنكة وسياسة.

مؤلَّف للباحث عبد الرحمن الشقير

وبالتالي اتخذت الأزمات السياسية شكلاً ذكياً وعبقرياً من الإمام محمد بن سعود، وتَعامَل معها كمهندس سياسي، يعرف ماذا يتجنب، وماذا يواجه، وماذا يعيد الاستثمار فيه، وكيف يوجِّه الصراع الداخلي نحو صراع خارجي، ومن ثم تتحد الصفوف الداخلية، وتنتقل الطاقة السلبية لدى البعض التي تميل إلى السيطرة وبسط النفوذ إلى خارج المدينة المستقرة، الدرعية.

شجاعة والتزام أخلاقي

ما أبرز صفات الإمام محمد بن سعود التي جعلته قادراً على قيادة الدرعية في مثل هذه الظروف؟

تَميَّز الإمام محمد بن سعود بالشجاعة والالتزام الأخلاقي، وكان يقع في قلب الأحداث بصمت، والصمت هنا يعدّ قيمةً سياسيةً، وكان له سعر صرف معنوي فيما بعد، ويعرف حدود مسؤولياته ويلتزم بها ويفي بوعوده حتى لو كان الثمن مكلفاً، ولم يكن هذا شعاره المثالي، بل كانت الأحداث تثبت أنه إذا وقع تحت ضغط نفسي ومصيري يستجيب له بكفاءة عالية.

وقد انعكست شخصيته المنضبطة على سلوكه السياسي؛ حيث كان مستشاراً أميناً في فترة حكم الأمير زيد، ومرافقاً له في المغازي والاجتماعات السياسية، ويرى التحولات السياسية ويراقبها بصمت وإدراك عميق لأبعادها.

وعندما استقرَّت الدرعية في عهده وتوقَّف القلقُ السياسي، وتوحَّد الصف الداخلي، فإن هذا لم يأتِ من فراغ، ولكنه ينطوي على مصفوفة قيمية سياسية واجتماعية عميقة، لم تُحلَّل فلسفياً واستراتيجياً حتى الآن، من أبرزها بناء المؤسسات الدينية والاقتصادية والعسكرية والتنموية، وفق الإمكانات المتاحة.

فالاستقرار إنجاز عظيم، ولكنه غير مرئي، ولا يلفت انتباه المؤرخ الذي لا يوثِّق إلا حالات الاضطراب، فالجسد الاجتماعي يشبه جسد الإنسان الذي يدفع مبالغ طائلة للفحوص الطبية حتى يسمع كلمة «سليم»، وقد دفع الإمام محمد بن سعود كثيراً من رأس مال اقتصادي واجتماعي ومعنوي كبير من أجل أن تبقى الدرعية «سليمة»، ولكن القاسم المشترك بين المؤرخ والطبيب أن كليهما يتحدَّث عن المرض والأوجاع، ولا أحد يسألهما عن الوضع الطبيعي.

رمزية الاستقلال

كيف أثَّرت سياسات الإمام محمد بن سعود على العلاقة مع القوى الخارجية؟

- نجح الإمام محمد بن سعود في إنهاء التعديات ونفوذ أمراء مكة والأحساء على الدرعية، مما عزز استقلاليتها، وكان إجراءً ضرورياً لإثبات رمزية الاستقلال وجعل الدرعية قوةً مركزيةً في نجد.

كما ساعد دهام بن دواس، أمير الرياض، على تثبيت حكمه، ولكنه لم يعدّ ذلك تحالفاً سياسياً؛ لأنه يعرف الروح الانتهازية في سياسته، لذلك لم يتردد الإمام محمد في مواجهته لاحقاً بعدما حاصر دهام منفوحة.

محطات مهمة شكَّلت معالم الدولة

ما أهم المحطات الأساسية في فترة حكم الإمام محمد بن سعود؟

توجد 3 محطات أساسية شكلّت معالم الدولة السعودية الأولى:

أولاها: التغلب على الاضطرابات الداخلية وتهدئة الأوضاع لمدة 18 عاماً، منذ توليه الإمارة عام 1139هـ، وأعدّ هذه المحطة من أهم المحطات، وتكمن أهميتها في الاستقرار، وقد اختُطفت هذه الـ18 عاماً من تاريخنا المحلي منذ 3 قرون، وأُهملت، وأصبحنا ندرس تاريخ الدولة السعودية الأولى منقوصاً، حتى أعاد الملك سلمان حفظه الله لها وهجها ووضعها في سياقها الصحيح، وكانت مرحلة تتطلب بذل جهد كبير لتكون مستقرة، وتوجيه اهتمام الأهالي للتجارة والزراعة، وذلك لأنهما أساس التنمية والقوة.

ثانيها: توسيع المؤسسة الدينية وتقويتها، فقد كان في الدرعية علماء وقضاة، ومساجد ومعلمون، ثم اعتنى بها الإمام محمد بن سعود بتبني الدعوة السلفية، وقد كان القرن الـ18 مزدهراً بالدعوات الدينية في العالم الإسلامي، وجميعها اندثرت خلال سنوات، إلا الدعوة السلفية التي دعمتها الدولة السعودية، كانت نقطة تحوُّل في تاريخ العرب الحديث ومنطقة الشرق الأوسط عامة، وفي هذه المرحلة بدأ يمارس مهام «الإمام» بدلاً من لقب «الأمير».

وثالث هذه المحطات: صراع الدرعية مع الرياض الذي استمرَّ 29 عاماً، فقد أظهر الإمام محمد بن سعود براعته في إدارة الحروب الطويلة وتحقيق التوازنات الاستراتيجية.

وبعد وفاة الإمام محمد بن سعود عام 1179هـ/ 1765م، استمرَّت حروب الإمام عبد العزيز بن محمد مع الأمير دهام 10 سنوات، حتى انتهت بهروب دهام عام 1187هـ، وكان هذا بداية توسُّع الدولة السعودية إلى أقصى مدى في العالم العربي.

وقد تمركز المؤرخون الأوائل على المحطة الثانية، وأُهملت الأولى والثالثة كثيراً، وهذا ليس الإشكال الخطير، وإنما الإشكال في وقوع المؤرخين والباحثين في قبضة النصوص والزاوية التي رأوا بها الأحداث، ولهذا كتبتُ في «الذاكرة الشعبية» موضوع «الميت يقبض على الحي»، وطالبتُ فيه بأن يرتبط الباحثون بالنَّص، وليس برؤية المؤرخ للنَّص، وهذا ما أسعى للتأسيس له في مشروعي عن دراسة المجتمع السعودي بالتعمق في جذور الأحداث وتاريخ العادات.

علاقة تكاملية مع المجتمع المحلي

كيف كانت علاقة الإمام محمد بن سعود بالمجتمع المحلي في الدرعية؟

كانت علاقة تكاملية، وفق تقاليد أمراء بلدان نجد عامة، وهي قائمة على التوازن بين القيادة والاعتراف الشعبي، وكان قريباً من الأهالي ويفتح مجلسه يومياً لاستقبال الأهالي وحل مشكلاتهم أو تلقي السلام منهم، واستقبال شيوخ القبائل وعقد الاجتماعات السياسية.

أسهمت هذه التقاليد السياسية في تعزيز العلاقة الاجتماعية بالحاكم، وتحكيم الأحكام الشرعية والأعراف الاجتماعية بتجانس كبير، ومعرفة الأخبار وأحداث الحاضرة والبادية، وبناء علاقات سياسية مع القوى المحيطة به.

مؤلَّف للباحث عبد الرحمن الشقير

وقد كانت المؤسسة الدينية موجودة في الدرعية منذ عام 850هـ، بل هي جزء من نظام جميع بلدان نجد، وتتكون من مساجد وجوامع ومشايخ يمارسون القضاء وإلقاء الدروس الدينية والفتوى، وعلماء لهم مؤلفات في علوم الدين، بل كانت الظاهرة الدينية أحد محددات هوية بلدان نجد منذ زمن النبوة.

إرث من الانضباط النفسي والسلوك السياسي

كيف تُلخص إرث الإمام محمد بن سعود في تأسيس الدولة السعودية؟

من المهم أن نعرف طفولة محمد بن سعود، ولو لم نعرفها من المصادر لتوجَّب علينا بصفتنا فلاسفة التاريخ أن نتخيلها من رؤيته للحياة وأسلوب حكمه، الذي يؤكد على أنه نشأ منذ صغره على قيم الانضباط النفسي، ويعرف أن مكانة الرجل السياسي تكمن في سمعته وفي كلمته، وانعكست تجربة طفولته على سلوكه السياسي في شبابه وكهولته، وتجربة الطفولة يصعب تجاهلها، فهي التي أسَّست لنظام تفكير داخلي متشكل من تاريخ الأسرة وتنشئة الوالدين.

وقد حللت في كتابي «الأديان والجماعات الدينية في نجد» (2021) أن الإمام محمد بن سعود بنى الدولة السعودية من منظومة متكاملة من أسس بناء الدولة، ومن بينها العامل الديني، الذي يعدّ إحدى مؤسسات الدولة، فالعلاقة بين السياسة والدين معقدة، ولا بد أن يخضع أحدهما للآخر، كما في فلسفة توماس هوبز.

كان الإمام محمد بن سعود مؤسس دولة بامتياز، فقد استطاع تحويل التحديات إلى فرص، ووضع الأسس الأولى لاستقرار نجد، ولم يقتصر إرثه على تأسيس إمارة قوية، بل بناء منظومة قيمية سياسية واجتماعية واقتصادية صلبة، ساعدت على نشأة الدولة واستقرارها واستمرارها.


مقالات ذات صلة

وزيرا خارجية السعودية والجزائر يبحثان المستجدات الإقليمية

الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال لقائه نظيره الجزائري أحمد عطّاف (واس)

وزيرا خارجية السعودية والجزائر يبحثان المستجدات الإقليمية

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع نظيره الجزائري أحمد عطّاف، السبت، مستجدات الأوضاع الإقليمية.

«الشرق الأوسط» (أنطاليا )
الخليج مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً.

عزيز مطهري (الرياض)
الخليج تحرص السعودية على تمكين الحجاج من أداء مناسكهم في بيئة آمنة ومنظمة (تصوير: محمد المانع)

السعودية تُشدِّد على إلزامية تصريح الحج

شدَّدت السعودية على ضرورة التزام مكاتب شؤون الحجاج بتوعية ضيوف الرحمن بضرورة الحصول على التصريح الرسمي لأداء مناسك الحج لهذا العام، واتباع المسارات النظامية.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (واس)

وزير الخارجية السعودي يصل إلى تركيا

وصل الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، مساء الجمعة، إلى مدينة أنطاليا التركية.

«الشرق الأوسط» (أنطاليا)
الخليج «الجوازات» السعودية سخَّرت جميع إمكاناتها لتسهيل إجراءات دخول الحجاج عبر المنافذ الدولية (واس)

السعودية تبدأ استقبال طلائع الحجاج

أكملت السعودية جاهزيتها لاستقبال حجاج هذا العام الذين يبدأون، السبت، التوافد على البلاد من مختلف أنحاء العالم وسط خدمات متكاملة، ليؤدوا مناسكهم بيسر وطمأنينة.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

وزيرا خارجية السعودية والجزائر يبحثان المستجدات الإقليمية

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال لقائه نظيره الجزائري أحمد عطّاف (واس)
الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال لقائه نظيره الجزائري أحمد عطّاف (واس)
TT

وزيرا خارجية السعودية والجزائر يبحثان المستجدات الإقليمية

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال لقائه نظيره الجزائري أحمد عطّاف (واس)
الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال لقائه نظيره الجزائري أحمد عطّاف (واس)

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع نظيره الجزائري أحمد عطّاف، السبت، مستجدات الأوضاع الإقليمية، بالإضافة إلى عددٍ من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

كما بحث الأمير فيصل بن فرحان والوزير أحمد عطّاف، على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي 2026» في تركيا، العلاقات الثنائية بين البلدين.


«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.