نيودلهي تؤكد شراكتها الاستراتيجية مع الرياض وتكشف عن نشرها 12 سفينة حربية في البحر الأحمر

مساعد وزير خارجيتها لـ«الشرق الأوسط»: الهند ثاني أكبر شريك تجاري للسعودية

موكتيش بارديشي مساعد وزير الخارجية الهندي للشؤون الخارجية (تصوير: عبد الرحمن القحطاني)
موكتيش بارديشي مساعد وزير الخارجية الهندي للشؤون الخارجية (تصوير: عبد الرحمن القحطاني)
TT

نيودلهي تؤكد شراكتها الاستراتيجية مع الرياض وتكشف عن نشرها 12 سفينة حربية في البحر الأحمر

موكتيش بارديشي مساعد وزير الخارجية الهندي للشؤون الخارجية (تصوير: عبد الرحمن القحطاني)
موكتيش بارديشي مساعد وزير الخارجية الهندي للشؤون الخارجية (تصوير: عبد الرحمن القحطاني)

أكد موكتيش بارديشي، مساعد وزير الخارجية الهندي للشؤون الخارجية، التزام بلاه الشراكة الاستراتيجية مع السعودية، لافتاً إلى أن حصة الحجاج الهنود لهذا العام بلغت أكثر من 175 ألف نسمة.

وأشار إلى أن نيودلهي نشرت أكثر من 12 سفينة حربية شرق البحر الأحمر لتوفير الأمن ضد القراصنة، مشدداً على قلق الهند البالغ إزاء التهديدات الحوثية للملاحة البحرية.

لقاءات ناجحة

بارديشي تحدث إلى «الشرق الأوسط» عن أهداف زيارته الرياض ومضامين اللقاءات التي أجراها مع المسؤولين السعوديين، وقال: «تأكيداً لالتزامنا الازدهار المتبادل والتعاون بمختلف المجالات، شاركتُ في سلسلة لقاءات مكثفة في الرياض، بغية تعزيز العلاقة طويلة الأمد والشراكة متعددة الأوجه بين الهند والمملكة من جانب، وبين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي من جانب آخر».

وأوضح أنه بحثت مع نائب وزير الحج، الدكتور عبد الفتاح مشاط، «الترتيبات اللوجيستية وتطويرات البنية التحتية لضمان تجربة حج سلسة ومريحة لحجاجنا، وكجزء من حصة الحج لعام 2024، سيبدأ إجمالي 175.025 ألف حاج هندي رحلتهم الروحانية إلى المملكة»، إضافةً إلى بحث أوضاع الجالية الهندية بالسعودية، التي يبلغ عددها 2.4 مليون نسمة، وسبل الاستفادة من المبادرات المستقبلية، التي تهدف إلى تحسين رفاهيتهم بشكل عام واندماجهم داخل المجتمع السعودي.

شراكات استراتيجية

موكتيش بارديشي مساعد وزير الخارجية الهندي للشؤون الخارجية (تصوير: عبد الرحمن القحطاني)

ولفت إلى أنه ناقش مع الدكتور سعود الساطي، نائب الوزير للشؤون السياسية بالخارجية السعودية، سبل تعزيز العلاقات الدبلوماسية والتعاون في المسائل ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب استكشاف سبل التعاون الاقتصادي، ومع الدكتور رعد البركاتي، الرئيس والمدير التنفيذي للمركز السعودي للشراكات الاستراتيجية الدولية، فرص الاستثمار بمجالات البنية التحتية ونقل التكنولوجيا.

وناقش أيضاً مع مساعدَي الوزراء لشؤون الكهرباء والبترول والغاز د.ناصر القحطاني ومحمد إبراهيم على التوالي، التعاون في مجال الطاقة.

وبحث المسؤول الهندي مع الدكتور عبد العزيز العويشق، الأمين العام المساعد لدول مجلس التعاون الخليجي، تعزيز العلاقات الهندية - الخليجية، وتوسيع التعاون بمجالات التجارة والأمن والتبادل الثقافي.

العلاقات السعودية - الهندية

وقال بارديشي: «منذ الاستقلال، تطورت العلاقات الهندية - السعودية إلى شراكة استراتيجية متعددة الأوجه، وذات منفعة متبادلة، تشمل التبادلات الثقافية والتعاون الدفاعي والأمني ​​والتجارة والاستثمارات والرعاية الصحية والتكنولوجيا وأمن الطاقة والأمن الغذائي».

وأضاف: «حصلت العلاقات الثنائية على مزيد من الزخم مع زيارات رئيس وزرائنا للمملكة في عامي 2016 و2019، وزيارات ولي العهد رئيس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، للهند في عام 2019، حيث أُنشئ مجلس الشراكة الاستراتيجية الهندية - السعودية».

وأشار بارديشي إلى زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، الهند من 9 إلى 11 سبتمبر (أيلول) 2023 للمشاركة في قمة قادة مجموعة العشرين، واصفاً الزيارة بأنها «تاريخية وحققت نجاحاً هائلاً، إذ عززت الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، خصوصاً أنه خلال الزيارة جرى توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات مختلفة من الجانبين في مختلف المجالات، فكانت زيارة ولي العهد السعودي للهند».

وقال: «نرى أن (رؤية المملكة 2030) توفر فرصاً هائلة توسع الشراكة الهندية - السعودية، تشمل الطاقة المتجددة والصحة والإسكان والسياحة والزراعة والأمن الغذائي وتصنيع الأغذية، والخدمات اللوجيستية، وتنمية المهارات، والفضاء، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات... تعد (رؤية 2030) مكمِّلة لسياسات الهند الخاصة مثل (صنع في الهند)، و(الهند الرقمية)، و(الهند الناشئة)».

موكتيش بارديشي مساعد وزير الخارجية الهندي للشؤون الخارجية (تصوير: عبد الرحمن القحطاني)

وتابع: «كان الإعلان عن مشروع الممر بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEEC) خلال زيارة ولي العهد السعودي، بمثابة حدث تاريخي، سيوفر فرصاً في مجالات الاتصال والخدمات اللوجيستية والطاقة والبيانات، ويعزز تعاوننا الاقتصادي، وسنحافظ على الزخم والعمل على إبرام الاتفاقات الأولية في المجال».

التجارة والاقتصاد

شدد مساعد وزير الخارجية الهندي على أن بلاده تعد ثاني أكبر شريك تجاري للمملكة، في حين أن المملكة هي رابع أكبر شريك تجاري للهند، مبيناً أن قيمة التجارة البينية، تبلغ نحو 52.75 مليار دولار (2022 - 2023)، بينما بلغت قيمة الصادرات الهندية إلى المملكة 11.56 مليار دولار بين عامي 2023 و2024.

ووفق بارديشي، فإن السعودية تعدّ شريكاً رئيسياً للهند في ضمان أمن الطاقة، مبيناً أن المملكة كانت ثالث أكبر مصدر للنفط الخام للهند في فترة 2022 - 2023.

وأضاف بارديشي: «كان التركيز سابقاً على الطاقة المتجددة. والعام الماضي وقَّع البلدان اتفاقية بشأن الاتصال بالشبكة، والتطوير المشترك للمشاريع، والإنتاج المشترك للهيدروجين الأخضر النظيف والطاقة المتجددة».

ولفت إلى أن قطاع الطاقة أسهم في تنويع سلة التجارة، وتضاعفت صادرات الهند على مدى السنوات الخمس الماضية، وتشمل المواد الغذائية، والمنسوجات، وقطاع السيارات والآلات، مشيراً إلى المشاريع المشتركة، وتبادل الابتكار.

العلاقات الاستثمارية

وأكد بارديشي أن الشركات الهندية استثمرت في المملكة بمجالات الإدارة والاستشارات والإنشاءات والاتصالات السلكية واللاسلكية، إلى جانب تكنولوجيا المعلومات والخدمات المالية والأدوية، فيما استقبلت بلاده استثمارات صندوق الاستثمارات العامة؛ وبعض الشركات المملوكة للدولة والخاصة.

وقال: «تتمتع الهند بقطاع الشركات الناشئة النابض بالحياة، حيث قررنا مؤخراً تعميق تعاوننا في هذا القطاع، من خلال إطلاق جسر للشركات الناشئة»، مشيراً إلى أن اتفاقية ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا تعزز مجالات الاتصال والمواصلات والخدمات اللوجيستية، وتغيّر قواعد اللعبة لربط ثلاث قارات.

التجربة الهندية في خضمّ التهديدات الحوثية

وحول الموقف الهندي من التهديدات التي تشهدها منطقة البحر الأحمر، قال بارديشي: «تشكل الهجمات على السفن التجارية مصدر قلق للهند، ما يؤثر في الروابط التجارية ويعرِّض حياة البحارة للخطر، ولذا تدعم الهند مبدأ حرية الملاحة في البحر الأحمر».

موكتيش بارديشي مساعد وزير الخارجية الهندي للشؤون الخارجية (تصوير: عبد الرحمن القحطاني)

ووفق بارديشي، فإن الهند تراقب عن كثب التطورات في المنطقة، إلى جانب التحذيرات الأمنية لمختلف وكالات الشحن للتعامل مع أي هجوم محتمَل، ولذا تحافظ البحرية الهندية على وجود قوي في خليج عدن والمحيط الهندي لمساعدة السفن التجارية على المرور الآمن.

وأوضح أن بلاده نشرت أكثر من 12 سفينة حربية شرق البحر الأحمر لتوفير الأمن ضد القراصنة، حيث حقّق أفراد البحرية الهندية، بما في ذلك قوات الكوماندوز الخاصة، مع عديد من السفن والقوارب الصغيرة خلال الأشهر الماضية، وصعدوا على متن كثير من هذه السفن من أجل حماية حرية الملاحة في المياه الدولية.

وتابع بارديشي: «كانت هناك عدة حوادث جاءت فيها البحرية الهندية لإنقاذ سفن الشحن المعرَّضة للهجوم. وفي حادث وقع في يناير (كانون الثاني) 2024، استجابت المدمرة البحرية الهندية (INS Visakhapatnam) بنجاح لنداء استغاثة من السفينة التجارية (M.V.Genco Picardy) التي ترفع علم جزيرة مارشال، عقب هجوم بطائرة من دون طيار شنه الحوثيون».

وزاد: «في مارس (آذار) 2024، استولت القوات البحرية الهندية، بما في ذلك قوات الكوماندوز الخاصة، على سفينة شحن في بحر العرب اختطفها قراصنة صوماليون وأنقذت 17 من أفراد الطاقم. استسلم جميع القراصنة الخمسة والثلاثين، الذين كانوا على متن سفينة الشحن (MV Ruen) التي ترفع العلم المالطي، وجرى فحص السفينة بحثاً عن وجود أسلحة وذخائر وممنوعات غير قانونية».

وشرح بارديشي أن البحرية الهندية جاءت لإنقاذ الناقلة «MV Andromeda Star»، التي تعرضت لهجوم صاروخي من المسلحين الحوثيين بالقرب من اليمن في 26 أبريل (نيسان)، ونشرت البحرية الهندية المدمرة «INS Kochi» لمساعدة الناقلة، وأجرت استطلاعاً جوياً وأطلقت عملية للتخلص من الذخائر المتفجرة، موضحاً أن فريقاً لتقييم التهديد أبلغ عن سلامة جميع أفراد الطاقم الثلاثين، بمن في ذلك 22 هندياً.


مقالات ذات صلة

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

الخليج مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً.

عزيز مطهري (الرياض)
الخليج تحرص السعودية على تمكين الحجاج من أداء مناسكهم في بيئة آمنة ومنظمة (تصوير: محمد المانع)

السعودية تُشدِّد على إلزامية تصريح الحج

شدَّدت السعودية على ضرورة التزام مكاتب شؤون الحجاج بتوعية ضيوف الرحمن بضرورة الحصول على التصريح الرسمي لأداء مناسك الحج لهذا العام، واتباع المسارات النظامية.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (واس)

وزير الخارجية السعودي يصل إلى تركيا

وصل الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، مساء الجمعة، إلى مدينة أنطاليا التركية.

«الشرق الأوسط» (أنطاليا)
الخليج «الجوازات» السعودية سخَّرت جميع إمكاناتها لتسهيل إجراءات دخول الحجاج عبر المنافذ الدولية (واس)

السعودية تبدأ استقبال طلائع الحجاج

أكملت السعودية جاهزيتها لاستقبال حجاج هذا العام الذين يبدأون، السبت، التوافد على البلاد من مختلف أنحاء العالم وسط خدمات متكاملة، ليؤدوا مناسكهم بيسر وطمأنينة.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والوزير ماركو روبيو (الخارجية السعودية)

فيصل بن فرحان وروبيو يبحثان استدامة فتح مضيق هرمز

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، مستجدات أوضاع المنطقة، وفي مقدمتها الجهود الرامية لضمان استدامة فتح مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.