الملك عبد العزيز نجح في فرض سلطته وأجبر بريطانيا على تغيير سياستها

القوة العظمى فشلت في تكبيله وتخلت عن حليفها بعد هزيمته من قبل المؤسس

الملك عبد العزيز وابنه الملك سعود
الملك عبد العزيز وابنه الملك سعود
TT

الملك عبد العزيز نجح في فرض سلطته وأجبر بريطانيا على تغيير سياستها

الملك عبد العزيز وابنه الملك سعود
الملك عبد العزيز وابنه الملك سعود

بعد فتح الرياض عام 1902م على يد الملك عبد العزيز وهو الحدث الأهم لقيام المملكة العربية السعودية، بدأ الملك عبد العزيز مرحلة أخرى من الكفاح لتأمين حدود دولته الناشئة من قوى كبرى تحيط بدولته من جميع الجهات، وقد تعامل الملك المؤسس مع هذه القوى بكل قوة وحكمة واستغل أحداثاً وظروفاً لصالح وطنه. «الشرق الأوسط» طرحت على الأميرة الدكتورة جواهر بنت عبد المحسن بن عبد الله بن جلوي آل سعود، تساؤلات حول كل هذه الظروف التي أحاطت بالدولة الناشئة وكيف تعامل معها الملك عبد العزيز، وجاء الحوار كما يلي:

كيف كان المشهد أو الواقع عندما استرد الملك عبد العزيز الرياض اللبنة الأولى لقيام الدولة السعودية الثالثة؟

إن الإنجازات التي حققها الملك عبد العزيز خلال عقدين، بدأها باسترداده الرياض عام (1319هـ - 1902م)، ما جعله مطوقاً من الشمال والغرب بالولايات العربية العثمانية، وفي وسط الجزيرة حكم العثمانيون من خلال القوى المحلية، وفي الشرق والجنوب يكمن الوجود البريطاني، أما القبائل العربية التي ارتبط الأمن بتحركاتها، والتي إما أن تكون حربة في يد الحاكم القوي يضرب بها أعداءه ويستخدمها لتحقيق أهدافه، أو أن تكون حربة في ظهره إذا فشل في إدارتها. قُدر للملك عبد العزيز التعامل مع هذه القوى التي أثار قلقها عودة السلطة السعودية من جديد على يده خوفاً من تنامي النفوذ السعودي، كما كان حاله في عهد أسلافه في بداية القرن الثالث عشر الهجري - التاسع عشر الميلادي.

الملك عبد العزيز ويقف خلفه ابناه الملك سعود والملك فيصل (واس)

القوة الذاتية حركت الأحداث

كيف قرأ الملك عبد العزيز هذا الواقع وكيف تعامل معه؟

كان عام 1333هـ - 1915م هو العام الذي بدأت فيه بريطانيا بإجراء مراسلات سرية مع شريف مكة الحسين بن علي، التي عرفت بمراسلات الحسين – ماكماهون، تعهدت فيها بريطانيا بإقامة دولة عربية مستقلة بزعامة الشريف حسين، وتقديم الحماية الكاملة لها ضد أي تهديدات خارجية، مقابل ذلك تعهده بإعلان الثورة المسلحة ضد الأتراك العثمانيين في المناطق العربية.

كشفت مراسلات 1334 – 1335هـ - 1916م التوتر في العلاقات بين الملك عبد العزيز والحسين، الذي طلب مشاركة القوات النجدية، ولكن الملك عبد العزيز كان يسعى لصالح قضيته، فاشترط تحديد الحدود بينهما، إلا أن الشريف رفض. ورغم ذلك أعلن الملك عبد العزيز تأييده الصريح للثورة العربية، إلا أنه لم يشارك فيها رغم بغضه الشديد للأتراك العثمانيين لماضيهم الاستعماري في المنطقة العربية.

وجد الملك عبد العزيز أن العلاقات بينه وبين الشريف ستتحول في يوم ما إلى صدام مسلح، وأن الشريف لن يتردد في استغلال الثورة العربية ليعلن نفسه ملكاً على العرب، وهذا ما حدث في 2 محرم 1335هـ- 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1916م، ما أدى إلى استياء الملك عبد العزيز كما هو حال الحكام والزعماء العرب. في حين أن الحكومة البريطانية وجدت أن تصريح الحسين أمر مربك لها لوجود حكام آخرين يمارسون سلطة لا تقل عن سلطته في المنطقة؛ لهذا اقتصرت على الاعتراف به ملكاً على الحجاز.

أدرك الملك عبد العزيز أنّ القوة الذاتية هي القادرة على تحريك الأحداث المحليــة والحدّ من تأثير القــوى العالمية ومنع الانقياد وراء أهدافها على غرار ما حدث لكّل شيوخ المنطقة؛ ولذلك حاول إيجاد نوع من التوازن بين القوى الدولية والأهداف المحلية، بعكس الحكام العرب وقادة الجمعيات العربية الذين بحثوا عن حلول لقضيتهم العربية في دهاليز الخارجية البريطانيـة والفرنسية، غير مدركين لمقدرات الأمة العربية وطبيعة الأطماع الأوروبية في القرن الثالث عشر – الرابع عشر الهجري - النّصف الثاني من القرن التاسع عشـر الميلادي، وما ترتّب على ذلك من نشوء كيانات سياسية متفرّقة أخذت تُقاوم الاستعمار في مرحلة ما بين الحربين العالميتين.

الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن خلال تدشينه أحد المشاريع (واس)

الخرمة وتربة في قلب الأحداث

توتر العلاقات بين السعوديين والأشراف كيف تعاملت معها بريطانيا؟

كان على بريطانيا التعامل مع أزمة توتر العلاقات بين الشريف والملك عبد العزيز، التي تعود بجذورها إلى الصراع الذي كان قائماً بين أئمة الدولة السعودية الأولى والأشراف، والذي تجدد في قضية الخرمة، تلك القرية الصغيرة التي لم تدخل حيز التاريخ إلا بعد أن تنافس على سيادتها الملك عبد العزيز والشريف حسين. وكانت الشرارة التي فتحت باب الخصومة بينهما عام 1327 – 1328هـ - 1910م، بعد أسر الأمير سعد بن عبد الرحمن شقيق الملك عبد العزيز الأصغر من قبل الشريف حسين في أثناء تأديته لإحدى المهام، ورفض الشريف تسليمه إلا مقابل أمرين، الاعتراف بالحكم العثماني بالقصيم ودفع الضريبة السنوية له التي توقف الملك عبد العزيز عن دفعها منذ ثلاث سنوات، وقَبِل الملك عبد العزيز تلك الشروط مقابل تخليص شقيقه، تلا ذلك هدوء بين الطرفين بسبب انشغال الملك عبد العزيز في ترتيب بيته الداخلي. عاد الشريف ليمارس عمليات استفزازية بقصد إثارة الملك عبد العزيز، وتلاها بهجمات فاشلة على الخرمة، رغم إرسال بريطانيا تعليمات للشريف حسين بالكف عن استفزاز الملك عبد العزيز. وفي الوقت نفسه تم إبلاغ الملك عبد العزيز باستياء الحكومة البريطانية لتحديه للحسين وضرورة إيقاف العمليات العسكرية ضد الهاشميين والتخلي عن الخرمة. إلا أن الملك عبد العزيز لم يصغ لهذه التهديدات، وصمم على تصديه لتجاوزات الحسين على أراضيه، وأظهر استياءه من تجاوزات الحسين واللهجة التي استخدمتها السلطات البريطانية في تهديده، ما دفع بريطانيا إلى عقد مؤتمر دوائر الشرق الأوسط الأول في لندن في 7 جمادى الآخرة 1337هـ - 10 مارس (آذار) 1919م، بهدف إعادة النظر في السياسة البريطانية تجاه المنطقة العربية، وتحديد موقفها تجاه النزاع بين الحسين والملك عبد العزيز. وقد ظهر أن الخلاف بينهما قد انتقل إلى الدوائر السياسية البريطانية، بعد أن انعكس على علاقة الإدارتين اللتين يتم الاتصال بهما، فالسيد ريجنالد وينغيت والكرنل لورنس يدافعان عن ادعاءات الحسين، بينما تحظى ادعاءات الملك عبد العزيز بتأييد الكرنل ويلسن والمستر فيلبي. وقد اتضح ذلك في مرئيات المؤتمر الذي تفاوتت توقعاته، فرأى البعض أن الملك عبد العزيز لن يصمد أمام قوات الحسين النظامية التي تم تدريبها من قبل خبراء وعسكريين بريطانيين وتم تزويدها بأسلحة بريطانية متطورة ولها خبرة قتالية معروفة، والبعض الآخر ذكر أن قوة جيش الملك عبد العزيز وحسن تدريبه سيؤديان إلى تحقيق انتصاره على الهاشميين وشاركهم الرأي ضباط وزارة الحرب الذين بينوا شكوكهم بإمكان تغلب القوات الحجازية على النجدية. وخرجت القرارات الختامية للمؤتمر بتمكين الحسين من واحة الخرمة، وإبلاغ الملك عبد العزيز وتحذيره من مغبة القيام بأي أعمال عدائية ضد الحسين، وتوجيه إنذار للملك عبد العزيز بأن الحكومة البريطانية ستعمل على حرمانه من الامتيازات في حال رفضه. إلا أن الملك عبد العزيز الذي كان يعتمد في مطالبه في الخرمة على مسوغات دينية وإقليمية وتاريخية وإدارية وعشائرية، تجاهل التحذيرات البريطانية وواصل حشد قواته للدفاع عن الخرمة ومنع أي اضطرابات، ما سيترتب عليه نشوب مواجهة جديدة بينه وبين الحسين. في الوقت الذي طالب فيه الحسين من الحكومة البريطانية بتزويده بالدبابات والطائرات لمواجهة الملك عبد العزيز في الخرمة.

تجاهل الحسين مرة أخرى النصائح البريطانية، وأمر ابنه الشريف عبد الله بمهاجمة تربة والتوغل في الأراضي النجدية، ما أدى إلى إرسال الملك عبد العزيز قواته إلى تربة وإلحاق هزيمة ساحقة بقوات الحسين نجا منها عبد الله بن الحسين بأعجوبة. وقد ذكر غارنلد في مذكراته بتاريخ 5 رمضان 1337هـ - 4 يونيو (حزيران) 1919ه أن الحقيقة المؤسفة هي أن قوات الشريف حسين اندحرت اندحاراً سيئاً، وأنه أخفق في تحقيق توقعات الضباط البريطانيين بعد خبرة سنتين ونصف، وأخفق جيش عبد الله النظامي المجهز بالمدافع والرشاشات في الانتصار على جيش غير مدرب اقتصر تسليحه على البنادق فقط. سارع الشريف حسين بحثّ الحكومة البريطانية بالضغط على الملك عبد العزيز حتى وصلت إلى تهديدات بقطع العلاقات ونقض اتفاقية 1334هـ - 1915م. ونتيجة للمخاوف البريطانية من تقدم الملك عبد العزيز تجاه الأراضي الحجازية، سارعت بريطانيا لعقد مؤتمر دوائر الشرق الأوسط الثاني في لندن في ذي الحجة 1337هـ - سبتمبر (أيلول) 1919م، وانتهى المؤتمر بقطع الامتيازات عن الملك عبد العزيز، وإرسال ست طائرات حربية إلى جدة لدعم الحسين، وإرسال مبعوث إلى الملك عبد العزيز، وطلب الانسحاب حتى تتم المفاوضات بين الطرفين، وأنه في حال عدم التزامه ستعد اتفاقية 1334هـ- 1915م ملغاة.

وافق الملك عبد العزيز على انتظار المفاوضات، أما الحسين فقد رفض التعامل مع الملك عبد العزيز. واستمرت بريطانيا في دعم الحسين والتضييق على الملك عبد العزيز، وقد كشفت تلك الأحداث الأخيرة ما بين عامي 1336هـ – 1338هـ - 1918 – 1919م عن التحيز البريطاني في هذه الأزمة للحسين ومدى قوة الملك عبد العزيز العسكرية والضعف الذي تعانيه القوات الهاشمية؛ ما دفع بريطانيا لإعادة نظرتها لمكانة وإمكانيات الملك عبد العزيز العسكرية ومدى نفوذه.

وجه وزير المستعمرات ونستون تشرشل دعوة إلى السياسيين والعسكريين البريطانيين لحضور مؤتمر القاهرة رجب 1339هـ - مارس 1921م، بهدف انتهاج سياسة جديدة لإعطاء استقلال اسمي للمناطق التابعة لبريطانيا في محاولة لإثبات صدق نياتها حول الوعود باستقلال العرب، ومن ذلك إقامة حكم ملكي في العراق، ورغم ورود اسم الملك عبد العزيز بصفته أحد المرشحين، فإنه تم استبعاده للحفاظ على مبدأ التوازن السياسي في الجزيرة العربية وعدم قيام اتحاد عربي.

لهذا تم ترشيح فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، وعبد الله بن الحسين ملكاً على شرق الأردن بعد طلبه في ظل الدعم البريطاني. وبهذا قسمت بريطانيا عرشي العراق وشرقي الأردن على أبناء الحسين بن علي، أما الملك عبد العزيز فقد وجد نفسه محاصرا بالعروش الهاشمية، ولم يعد أمامه سوى الاستمرار في تثبيت أقدامه ومد نفوذه وتحقيق أهدافه لمواجهة هذا التكتل الهاشمي المدعوم من بريطانيا.

كان الملك عبد العزيز العقبة الحقيقية التي وقفت في وجه المخططات البريطانية لتقسيم الجزيرة العربية لكيانات صغيرة متنابذة يسهل السيطرة عليها، خاصة بعد وضع وزير المستعمرات ونستون تشرشل خريطة سياسية للجزيرة العربية أبقى فيها على جميع الكيانات السياسية ما عدا حكومة الملك عبد العزيز فلم يكن مرحباً ببقائها؛ خوفاً من تنامي سلطته وأنه قد يعمل على توحيد عرب الجزيرة وأوصى بضرورة الحد من تفوقه على جيرانه. وصدق حدس ونستون تشرشل، فلم يلتزم الملك عبد العزيز ببنود اتفاقية دارين نتيجة لازدياد نفوذه، خاصة بعد فشل مؤتمر الكويت عام 1342هـ- 1923 – 1924م، الذي اشترط فيه الملك عبد العزيز شرطاً ينم عن دهاء وفطنة، وهو أن يقتصر كل وفد على تمثيل مصالح بلده، بهدف ألا يصبح ممثلو الحجاز وشرقي الأردن والعراق كتلة ضده. ورغم الدعم السياسي والعسكري الذي تلقاه الحسين من الحكومة البريطانية، فإنها لم تقف عائقاً أمام ضم الملك عبد العزيز للحجاز، بعد أن خيب توقعات رجالات السياسة البريطانيين والعسكريين، الذين كانوا يتوقعون حصول قوات الحسين على انتصار سهل، إلا أن الملك عبد العزيز قد حيرهم حيرة أذهلت الجميع بدخول قواته مكة المكرمة واسترداد الحجاز عام 1344هـ - 1925م ثم عسير. عندها أدركت الحكومة البريطانية أنه لا بد من إيقاف طموح الملك عبد العزيز خوفاً من مواصلة تطلعاته التي قد تصل إلى العراق وشرقي الأردن؛ ما عجل تحرك الحكومة البريطانية بعد أن ثبت أن معاهدة دارين مع الملك عبد العزيز لم تعد فاعلة كأساس لعلاقتها معه نظراً للقوة والمكانة والتأثير على محيطه الإقليمي، لهذا كانت الحكومة البريطانية بحاجة إلى وضع أسس ثابتة لعلاقاته بالدول المحيطة بغرض حمايتها.

وبذلك اتجهت بريطانيا نحو توطيد الصداقة المحايدة، بعد فشلها في تكبيله بمعاهدات مشابهة لتلك التي فرضتها على حكام وشيوخ المنطقة، فكانت «معاهدة جدة» في 18 من ذي القعدة 1345هـ- 20 مايو (أيار) 1927، التي نجح فيها الملك عبد العزيز في فرض سلطته حاكماً مستقلاً، وذلك يعد تحولاً كبيراً في السياسة البريطانية في المنطقة، فلم تكن مطالبه تقاس فقط بما يقدمه من التزامات، ولكن أيضاً بمدى النفوذ الذي يمارسه هذا الكيان القوي الذي فرض على بريطانيا تغيير سياستها في المنطقة واضطرارها ولأول مرة لتقديم تنازلات لنجاح المفاوضات والتوصل إلى معاهدة معه.

كان الملك عبد العزيز العقبة الحقيقية التي وقفت في وجه المخططات البريطانية لتقسيم الجزيرة العربية (واس)

مخاوف بريطانية من النفوذ السعودي القادم

هل امتدت المخاوف البريطانية من الملك عبد العزيز إلى الخليج؟

لم تنته المخاوف البريطانية بتوقيع معاهدة جدة، فما زالت تخشى على مشيخاتها في الخليج العربي وعلى قاعدتها الاستراتيجية في عدن، خاصة بعد أن أرسل المقيم البريطاني في الخليج العربي (1345 – 1347هـ) - (1927 – 1928م) إلى وزارة الهند ما يفيد بقلقه الشديد من ازدياد نفوذ الملك عبد العزيز في شبه الجزيرة العربية وخشيته على القواعد الجوية البريطانية في ساحلها الشرقي نتيجة لتدخل الملك عبد العزيز في شؤون مشيخات ساحل عُمان.

كما أكدت الوثائق البريطانية أن نشاط جباة أمير الأحساء داخل قطر دفعها إلى تقديم شكوى إلى بريطانيا بتاريخ 11 صفر 1342هـ - 21 سبـتمبر 1923م، وأدّى ذلك إلى إرسال تحذير إلى الملك عبد العزيز في 1 ربيع الآخـر عام 1343هـ - 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1923م. وكانت الإدارة البريطانية متخوفــة من صلاحيات أمير الأحساء، الذي أثار نشاطه من خلال عملية جباية الزكاة وبعض العمليات التأديبية للقبائل القنصل البريطاني في بوشهر الذي توقع «... أن يكون الهدف هو احتواء ساحل عمان المهادن وعمان المستقل، وأنَ ابن جلوي قد يستخــدم حماية القبائل الساكنة فيه. كما أنه قد يعمل على ضم جزء كبير من سلطنة عمان المناوئة للملك عبد العزيز، وكذلك شرق الضفرة والمناطق الساحلية التابعة لإمارة أبوظبي. وفي هذه الحالة سيبحث شيوخ المهادن عن أنسب الحلول مع الملك عبد العزيز ويعرضون الانضمام لنجد خاصة إذا حصلوا على اعتراف بحكمهم الوراثي لمناطقهم...». وعلى هذا نبّهت القنصلية البريطانية إلى ضرورة زيادة النفوذ السياسي البريطاني في الساحل المهادن للحد من الضغـط الذي يستخدمه ابن جلوي على حدود الساحل. وتجددت مخاوف المقيم السياسي في الخليج العربي في تقريره إلى سكرتير دولة المستعمرات بتاريخ 4 من ذي الحجة 1344هـ - 14 يونيو 1926م حول نشاط ابن جلوي في عمان.

كما نَبّه القنصل البريطانـي فـي بوشهر إلى أنّه في حالة حرص حكومته على حفظ استقـلال شيوخ المهادن وحماية مسقط من نشاط ابن جلوي، فلا بُدّ من مساءلة حاكم نجد للضغط عليه لقصـر نشاطه عن شيوخ المهادن والمحافظة على الحدود المتفق عليها في عام 1348هـ - 1929م.

واجهت بريطانيا مشكلة جديدة مع الملك عبد العزيز بعد تقدمه بشكوى في شعبان 1334هـ- يونيـــو 1916م حول تهريب البضائع من الكويت إلى نجد، ووصلت إلى فرضه حصارا اقتصاديا على الكويت بعد تعنت شيخها.

أكدت التقارير البريطانية أن الحصار التجاري لم يكن برياً فحسب، بل امتد إلى عمليات بحرية بإيعاز من ابن جلوي. وقد تزايدت المخاوف البريطانية حول مصير الكويت التي قد يؤدي التطويق الاقتصادي النجدي إلى إذابتها ضمن الحدود النجدية، وهذا ما دفع حكومة بريطانيا إلى إعطاء حاكم الكويت وعداً بتسوية مرضية والدفاع عن مصالح الكويت.

لهذا وجهت الحكومة البريطانية تحذيرا للملك عبد العزيز الذي أكّد بدوره أنه يحرص في المقام الأول على حفظ أمن حدوده، وأنّه ليس لديه نيات للتدخل فـي شؤون الكـويت، وأنّه لن يتنـــازل عن مطالبه خصوصاً بعد الخسائر الاقتصادية الفادحة التي تعرّض لها بسبب تهريب البضائع.

لم تقبل بريطانيا موقف الملك عبد العزيز الذي قد ينعكس سلباً على ثقلها السياسي في مشيخات الخليج العربي؛ خصوصاً أن منع التبادل التجاري بين السعودية والكويت قد يكون موجهاً ضد بريطانيا، ولكن عملياً ليس مخالفاً للقانون الدولي الذي يعطي أي دولة الحقّ في تنظيم وارداتها واستيفاء الرسوم الجمركية. ورغم الضغــوط التي مارستها الحكومة البريطانية على الملك عبد العزيز، فإنّها كانت تُدرك الفرق بين الصّداقــة معه وسياستها تجــاه محمياتها في الخليج، كما أنها لا ترغب في تأزّم جديد في علاقاتها بالملك عبد العزيز بعد إدراكها مدى تشدده، ما دفعها إلى تغيير سياستها بغية إيجاد تسوية مرضية للطرفين. وبقي الملك عبد العزيز حجر عثرة في طريق المخططات البريطانية في المنطقة.


مقالات ذات صلة

الحاضر امتداد للتاريخ الأول... السعودية تحتفل بـ«يوم التأسيس»

الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

الحاضر امتداد للتاريخ الأول... السعودية تحتفل بـ«يوم التأسيس»

يحتفي السعوديون اليوم بمرور 299 عاماً على ذكرى خالدة في التاريخ، حين أسس الإمام محمد بن سعود في 22 فبراير (شباط) 1727 الدولة السعودية الأولى في الدرعية.

بدر الخريف (الرياض)
عالم الاعمال «مجموعة أباريل» تختتم حملتها الحصرية في «بارك أفنيو مول» بفعالية كبرى للسحب على السيارات

«مجموعة أباريل» تختتم حملتها الحصرية في «بارك أفنيو مول» بفعالية كبرى للسحب على السيارات

اختتمت مجموعة «أباريل»، الشركة العالمية الرائدة في مجال التجزئة، حملتها الحصرية احتفالاً باليوم الوطني السعودي في «بارك أفنيو مول».

الخليج حضور تمثل بمسؤولين ودبلوماسيين وشخصيات فاعلة اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وإعلامياً (واس)

احتفال سعودي باليوم الوطني يجتذب اهتمام الباريسيين

اجتذب الاحتفال السعودي باليوم الوطني الـ95 اهتمام الباريسيين والسياح، حيث صدحت الموسيقى التقليدية في مقر الحدث وجواره، واستمتع الضيوف والمارة برقصة «العرضة».

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة سعودية احتفالات متنوعة أقامها القادسية بمناسبة اليوم الوطني (نادي القادسية)

بيسغروف: مجتمع الخبر هو القلب النابض لتراث القادسية

أكّد الأسكوتلندي جيمس بيسغروف، الرئيس التنفيذي للقادسية، أن اليوم الوطني الـ95 يمثل مناسبة استثنائية للمملكة بشكل عام، ولناديه بشكل خاص.

سعد السبيعي
رياضة سعودية النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو قائد فريق النصر (الشرق الأوسط)

رونالدو وفينالدوم ورينارد يشاركون السعوديين احتفالات اليوم الوطني الـ95

تفاعلت الأندية السعودية ولاعبوها المحترفون الأجانب مع احتفالات المملكة باليوم الوطني الـ95، حيث امتلأت منصات التواصل الاجتماعي ورسائل التهاني بأجواء الفخر.

«الشرق الأوسط» (الرياض )

وزيرا خارجية السعودية والجزائر يبحثان المستجدات الإقليمية

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال لقائه نظيره الجزائري أحمد عطّاف (واس)
الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال لقائه نظيره الجزائري أحمد عطّاف (واس)
TT

وزيرا خارجية السعودية والجزائر يبحثان المستجدات الإقليمية

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال لقائه نظيره الجزائري أحمد عطّاف (واس)
الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال لقائه نظيره الجزائري أحمد عطّاف (واس)

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع نظيره الجزائري أحمد عطّاف، السبت، مستجدات الأوضاع الإقليمية، بالإضافة إلى عددٍ من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

كما بحث الأمير فيصل بن فرحان والوزير أحمد عطّاف، على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي 2026» في تركيا، العلاقات الثنائية بين البلدين.

وذكرت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، أن الوزير عطاف جدد تضامن الجزائر ووقوفها التام مع السعودية «إزاء الاعتداءات التي طالتها في سياق التصعيد العسكري الذي شهدته منطقة الخليج العربي». وأشار البيان إلى أن الوزيرين ناقشا التطورات الأخيرة في المنطقة على ضوء اتفاق وقف إطلاق النار بين الأطراف المعنية، وأعربا عن تطلعهما إلى أن يشكل هذا الاتفاق منطلقاً للتوصل إلى حلول نهائية تكفل عودة الأمن والسكينة إلى المنطقة برمتها. واستعرض الوزيران بحسب البيان «الحركية المتميزة التي تعرفها الشراكة بين البلدين، لا سيما في شقها الاقتصادي»، وأكدا «ضرورة إضفاء المزيد من الزخم عليها، في إطار التحضيرات الجارية لعقد الدورة الأولى لمجلس التنسيق الأعلى الجزائري-السعودي».


«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.