صوت الحرب عالٍ في الشرق الأوسط، وصاخبٌ على ضفتي الخليج العربي شرقاً وغرباً، فحين تحاصر إيران «مضيق هرمز» تتبع أميركا قول محمود درويش: «حاصر حصارك»، فتفرض حصاراً تاماً على هذا المضيق الذي يمرّ منه خُمس طاقة العالم، فتختلف مواقف الدول العظمى عمّا كان قبل، وتصبح المواقف متناقضةً وغريبةً وبحاجةٍ للتفسير.
في عام 1812، قامت حربان مهمتان، حرب أميركا ضد بريطانيا، وحرب فرنسا ضد روسيا التي قادها نابليون بونابرت، ولكن ما بقي من تينك الحربين، كوثائق ومعلوماتٍ علميةٍ وكتبٍ تاريخيةٍ، لم يشهد الانتشار الذي حظيت به رواية ليو تولستوي الطويلة تحت عنوان «الحرب والسلام»، وهي الرواية التي رسخت في عقول كثيرين حول العالم، ورصدت كثيراً من المشاعر والمواقف والقصص لتوضح حجم المآسي التي تجلت عن تلك الحرب.
دائماً ما تكون المقابلة في الوصف العلمي قادرةً على كشف التناقض أو إيضاح التباين أو رصد الاختلاف؛ لأن هذه المقابلة بين المفاهيم الحديثة التي لم تستقر بعد، أو المقارنة بين الأقوال والأفعال، أو رصد التناقضات في تصرفات الأشخاص أو المجتمعات أو الدول، كفيلٌ بكشف جوانب مخفيةٍ يريد البعض إقصاءها من المشهد وجعلها على هامشه، ولكنها تعود في وقتٍ لاحقٍ لتحكم على المشهد برمته وتقود تخليده في التاريخ، مواقف وشخصيات، أحداث وقرارات، صغيرة كانت أم كبيرة.
حين تتطوّر العلوم تدخل في مرحلتين: الجمع من جهةٍ والتفصيل والتجزئة والتركيز من جهةٍ أخرى؛ فبعضها يهتمّ بالجمع بين علومٍ مختلفة للخروج بعلمٍ جديدٍ أو نظريةٍ مفيدةٍ، وبعضها يهتم بالتفريق بين المتشابهات لأجل التمييز الذي ينتج علماً جديداً، قل مثل هذا في التفريق بين النظرية الثقافية والنظرية الشعبية، أو بين سياسة الثقافة وثقافة السياسة، وهي عناوين مهمةٌ لكتبٍ حديثةٍ.
لم يكن وزير الدعاية الألماني جوزف غلوبز فيلسوفاً ولا عالماً، ولكنه اخترع «البروباغندا» القائمة على مقولة «اكذب واكذب حتى يصدقك الناس»، وحوّل الثقافة إلى أداةٍ متطرفةٍ، والفكر والفلسفة إلى مجرد دعايةٍ، ولئن كان مبدعاً في استخدام الفلسفة والثقافة الألمانيتَين لخدمة هدفه، فقد ارتكب جنايةً تاريخيةً على ألمانيا وتاريخها وثقافتها، جعلته رمزاً للكذب والادعاء والفشل الذي لا يُعقب بلاده إلا خساراً.
في تاريخنا العربي الحديث، مرت مراحل بالغة الأهمية، قادها رموزٌ سياسيون ومثقفون وكتابٌ وصحفٌ ووسائل إعلامٍ، وبعد أن انجلى الغبار تكشّف المشهد عن رابحٍ وخاسرٍ، عن مصيبٍ ومخطئ، عن متمثلٍ لقيم العروبة الحقيقيةٍ ومدعٍ لها، كما أبان عن بعض الشخصيات التي لطالما قادها تفكيرها المنحاز والواثق بقدراته الموهمة لارتكاب جناياتٍ بحق شعوبٍ عربيةٍ كاملةٍ مثل العراق قبيل حرب 2003 التي خسر فيها العراق الملايين من أبنائه، بسبب تحيزٍ سياسي وآيديولوجي في لحظاتٍ حاسمةٍ تاريخياً.
أصبح معروفاً في كثيرٍ من العلوم الحديثة التي تطورت في سياق الحضارة الغربية ما يعرف بـ«علم المستقبل» أو «المستقبليات»، وهو علمٌ تشكلت بداياته في الدول الغربية في المجال العسكري والاقتصادي والسياسي، ثم شمل غالب العلوم، وهو بالغ الأهمية؛ لأنه يقدّم قراءاتٍ تجمع المعرفة التاريخية، وتربطه بإمكانات الحاضر وتحدياته، وتسعى للجمع بين التنبؤ والحدس لاستباق الأحداث.
في زمن الحروب المتشابكة والمشاهد السياسية المختلطة، يصبح المثقف متعددَ المعارف، والخبير متنوع التجارب، والمحلل كثير الأدوات، مطلباً لأي صحيفةٍ أو صاحب قرارٍ؛ لأنه يستطيع أن يكتشف شيئاً مما تخفيه هذه المشاهد، وهو نادرٌ في كل الأزمنة، وهو يختلف تماماً عن جامع المعلومات أو راصدها بسرعةٍ باتت متاحةً للجميع في زمن الإنترنت و«الذكاء الاصطناعي».
فيما يتعلق بالسياسة، فمنذ الخمسينات من القرن المنصرم، كان ثمة خلافاتٌ في المنهج وفي الأولويات، وخلافٌ قبلها في المصادر المعتمدة والخلفيات الفكرية بين مدرستين فكريتين في العالم العربي؛ الأولى نشأت بعد الانقلابات العسكرية التي سميت فيما بعد «الثورات»، وهي مدرسةٌ تعتمد الشعارات والمبالغات والخطابات الرنانة، ومثلها كثيرٌ من الكتاب القوميين واليساريين والإسلامويين.
أما الثانية فهي مدرسةٌ تتَّجه للواقعية السياسية والعقلانية الفكرية، تعتمد على المعلومات الموثقة وأدوات التحليل والتركيب الحديثة، وتكتنز كثيراً من العلوم؛ بغية استخلاص الحقائق بأوضح حجةٍ وأيسر طريقٍ، ويمثل هذه المدرسة قلةٌ من الكتاب العرب وكثيرٌ من الكتاب الخليجيين.
أخيراً، فمع انتظارنا لاعتماد أميركا وإيران اتفاقاً جديداً خلال المفاوضات التي تستضيفها باكستان، ها هي إيران تغلق المضيق مجدداً بعد أن فتحته، هل هي عودة أخرى للحرب؟
