لماذا يسرّع الاتحاد الأوروبي شراكاته التجارية في عهد ترمب؟

من الهند إلى «ميركوسور»… اتفاقيات تاريخية تعيد التموضع عالمياً

تُلقي رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خطاب «حال الاتحاد الأوروبي» أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بفرنسا (رويترز)
تُلقي رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خطاب «حال الاتحاد الأوروبي» أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بفرنسا (رويترز)
TT

لماذا يسرّع الاتحاد الأوروبي شراكاته التجارية في عهد ترمب؟

تُلقي رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خطاب «حال الاتحاد الأوروبي» أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بفرنسا (رويترز)
تُلقي رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خطاب «حال الاتحاد الأوروبي» أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بفرنسا (رويترز)

تُبرز اتفاقية التجارة الحرة الطموحة بين الاتحاد الأوروبي والهند مساعي الاتحاد لإبرام شراكات عالمية جديدة في وقت هزّت فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عواصمَ المنطقة، التي لطالما اعتمدت على علاقة مستقرة مع واشنطن في مجالات التجارة والدفاع والدبلوماسية.

وتعكس الاتفاقية التي أُعلنت يوم الثلاثاء، أولوية جديدة للاتحاد الأوروبي المكوَّن من 27 دولة، وهو أكبر تكتل تجاري في العالم، وذلك بعد أن هدّد الرئيس ترمب بفرض رسوم جمركية، بسبب معارضة ما عدّه سيطرة أميركية على غرينلاند، قبل أن يتراجع عن ذلك بعد أيام. وتأتي هذه الاتفاقية في سياق صفقات تجارية أُبرمت أو لا تزال قيد التفاوض خلال العام الماضي مع الهند واليابان وإندونيسيا والمكسيك ودول «ميركوسور» الخمس في أميركا الجنوبية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ووزير الخارجية البرازيلي ومفوّض الاتحاد للتجارة والأمن الاقتصادي يلتقطون صورة بعد اجتماع حول اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي و«ميركوسور» في ريو دي جانيرو (د.ب.أ)

وقال رئيس قبرص نيكوس خريستودوليدس، في خطاب ألقاه الأسبوع الماضي أمام البرلمان الأوروبي، وهو يستعرض أولويات بلاده مع بدء ولايتها التي تمتد ستة أشهر على رأس الاتحاد الأوروبي: «إن النظام الدولي الذي اعتمدنا عليه لعقود لم يعد أمراً مسلماً به».

وأضاف أن «هذه اللحظة تتطلّب تحركاً حاسماً وموثوقاً وموحداً. وتتطلّب اتحاداً أكثر استقلالية وانفتاحاً على العالم»، معبراً عن شعور واسع الانتشار داخل التكتل.

صفقات بروكسل حول العالم

بعد حضوره عرضاً عسكرياً في نيودلهي، وقّعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين اتفاقية التجارة الحرة، لتعميق الروابط الاقتصادية والاستراتيجية مع الهند، ووصفتها بأنها «أمّ الصفقات».

وقد تؤثر هذه الاتفاقية على ما يصل إلى مليارَي شخص، وتُخفّض الرسوم الجمركية على نحو 97 في المائة من صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الهند، مثل السيارات والنبيذ، وعلى 99 في المائة من شحنات السلع الهندية إلى الاتحاد الأوروبي، مثل المنسوجات والأدوية.

وقالت الزميلة البارزة في «صندوق مارشال الألماني»، غاريما موهان: «تحتاج أوروبا والهند إلى بعضهما اليوم أكثر من أي وقت مضى». وأضافت أن بروكسل ونيودلهي سعتا منذ فترة طويلة إلى علاقات أوثق بوصفها قوة موازنة لصعود الصين الاقتصادي، لكن حدة إدارة ترمب في القضايا الاقتصادية والأمنية هي التي حسمت الاتفاق.

وأضافت غاريما موهان: «هذا التوجه نحو التنويع، والبحث عن شركاء جدد، وبناء الاعتماد الذاتي؛ كان كل هذا نتيجة للتوترات مع الصين، وتأكد بشكل حاسم بفعل تصدع الشراكة عبر الأطلسي». وقالت إن الاتفاق «لم يكن ليرى النور إلا في هذا المنعطف الجيوسياسي تحديداً، وهذا بحد ذاته يعكس طبيعة العالم الذي نعيش فيه».

أورسولا فون دير لاين تتابع تحية رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي في نيودلهي (أ.ب)

وأبرم الاتحاد الأوروبي أول اتفاق تجاري له في يوليو (تموز) مع إندونيسيا. وقبل أسبوعين، وقّعت فون دير لاين اتفاقاً مع دول «ميركوسور» في أميركا الجنوبية، استغرق إعداده عقوداً، لإنشاء سوق تجارة حرة تضم أكثر من 700 مليون شخص، وأكدت أن لديها الصلاحية لتنفيذه رغم الاعتراضات التي أثارها البرلمان الأوروبي.

كما عزز الاتحاد الأوروبي علاقاته مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، وهي دول في منطقة المحيط الهادئ تشعر بالقلق من الطموحات الاستراتيجية لبكين ومن التقلبات السياسية في واشنطن.

وقال كبير محللي السياسات في «مركز السياسة الأوروبية»، إيفانو دي كارلو: «هناك أمل في أن تتغير الأمور، نظراً إلى أهمية الولايات المتحدة بالنسبة إلينا... لكن هناك إدراكاً الآن بأننا أصبحنا إلى حد ما أكثر وحدة في هذا العالم».

علما الاتحاد الأوروبي وتكتل «ميركوسور» معروضان على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)

صناعة دفاعية قارية آخذة في النمو

دفع الغزو الروسي لأوكرانيا الاتحاد الأوروبي إلى إنشاء أدوات مالية لتعزيز صناعة الدفاع والبنى التحتية في التكتل، مثل القطارات والطرق والمواني. غير أن انتقادات إدارة ترمب مستويات الإنفاق الدفاعي المنخفضة في أوروبا سرّعت هذه المبادرات بشكل كبير.

وقالت رئيسة وزراء الدنمارك إن روسيا قد تشكل تهديداً أمنياً موثوقاً للاتحاد الأوروبي بحلول نهاية العقد، وإن الصناعات الدفاعية في أوروبا وأوكرانيا يجب أن تكون قادرة على التصدي لهذا التهديد.

وقادت فرنسا الدعوات إلى بناء «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا، وقد ازداد الدعم لهذا التوجه منذ أن حذّرت إدارة ترمب العام الماضي من أن أولوياتها الأمنية تقع في أماكن أخرى، وأن على الأوروبيين الاعتماد على أنفسهم.

وبعد فترة وجيزة من بدء ترمب ولايته الثانية في البيت الأبيض، اتفق قادة الاتحاد الأوروبي على زيادة ميزانياتهم الدفاعية. وبوصفها أولوية، خُصّصت 150 مليار يورو (162 مليار دولار) على شكل قروض لأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وأنظمة المدفعية والذخائر والطائرات المسيّرة والنقل الجوي، بالإضافة إلى أنظمة الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية.

وقال قادة صناعيون وخبراء في أنحاء أوروبا إن تحقيق قوة عسكرية مكتفية ذاتياً حقاً يتطلّب التغلب على عقود من الاعتماد على الولايات المتحدة، فضلاً عن تجاوز حالة التشرذم الوطني داخل صناعة الدفاع الأوروبية نفسها.

وقد سجلت أسهم كبرى شركات السلاح الأوروبية؛ مثل: «ليوناردو» (إيطاليا)، و«راينميتال» (ألمانيا)، و«ثاليس» (فرنسا)، و«ساب» (السويد)، ارتفاعات ملحوظة.

تبعية في مجال الطاقة

وفي إطار سعيه لقطع علاقاته الطاقية مع روسيا، بدأ الاتحاد الأوروبي شراء المزيد من الطاقة من الولايات المتحدة، وفقاً لمعهد تحليل اقتصادات الطاقة والتمويل. لكن ذلك ينطوي أيضاً على مخاطر بالنسبة إلى التكتل، حسب ما قاله المفوض الأوروبي للطاقة والإسكان دان يورغنسن خلال قمة بحر الشمال في هامبورغ بألمانيا يوم الاثنين.

ويستورد الاتحاد الأوروبي 14.5 في المائة من نفطه، و60 في المائة من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، وفقاً لوكالة الإحصاء الأوروبية (يوروستات).

وقال يورغنسن إن على الاتحاد الأوروبي السعي إلى مزيد من الاستقلالية في مجال الطاقة من خلال الاستثمار في الإنتاج المحلي ومصادر بديلة.

وأضاف: «لا نريد استبدال تبعية بأخرى... نحتاج إلى التنويع».

وقالت موهان إن «فك الارتباط أسهل قولاً منه فعلاً»، لكن بناء علاقات عالمية جديدة يمنح الاتحاد الأوروبي أفضلية في تعامله مع بكين وموسكو وواشنطن.


مقالات ذات صلة

دوري أبطال أوروبا: «يويفا» يفتح تحقيقاً بعد إصابة مصورين خلال مباراة بايرن وريال

رياضة عالمية الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) (رويترز)

دوري أبطال أوروبا: «يويفا» يفتح تحقيقاً بعد إصابة مصورين خلال مباراة بايرن وريال

فتح الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) تحقيقاً تأديبياً الجمعة، بعدما أُصيب عدد من المصورين إثر اقتحام مشجعين الحواجز في نهاية مباراة ربع النهائي.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

تتسارع الجهود الأوروبية بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط» يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الاقتصاد مجسّم لدونالد ترمب مع علمي أميركا والاتحاد الأوروبي وعبارة «رسوم 15 %» في رسم توضيحي (رويترز)

الرسوم الأميركية تضرب صادرات الاتحاد الأوروبي وتهبط بفائضه التجاري

انكمش الفائض التجاري للاتحاد الأوروبي مع بقية دول العالم بنسبة 60 في المائة خلال فبراير (شباط)، مدفوعاً بتراجع حاد في الصادرات إلى الولايات المتحدة تجاوز الربع.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
أوروبا ضباط إنفاذ قانون أوكرانيون يفتشون أجزاء من طائرة مسيّرة في موقع هجوم جوي روسي على خاركيف، أوكرانيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

مسيّرة روسية تنتهك المجال الجوي لرومانيا

قالت وزارة الدفاع الرومانية، اليوم (الجمعة)، إن أنظمة الرادار رصدت اختراق طائرة مسيّرة للمجال الجوي للبلاد خلال هجوم شنته روسيا ليلا على الجارة أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (بوخارست)
الخليج جاسم البديوي خلال إحاطة أمام لجنة الشؤون الخارجية للبرلمان الأوروبي في بروكسل الأربعاء (مجلس التعاون الخليجي)

البديوي: استقرار الخليج ينعكس على العالم

قال جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، إن تطورات المنطقة الأخيرة تؤكد أن استقرار الخليج ليس شأناً إقليمياً فحسب، بل عنصر أساس في الاستقرار العالمي

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية انفراجة واسعة واستعادة قوية للزخم عقب قرار إيران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، تزامناً مع هدنة لبنان. وأدى هذا التحول الإيجابي إلى تبدد سريع للمخاوف الجيوسياسية؛ ما دفع أسعار النفط للتراجع بنسبة تجاوزت 10 في المائة، حيث استقر «برنت» عند 88.27 دولار؛ ما خفف الضغوط التضخمية عالمياً.

وانعكس هذا الاستقرار فوراً على أسواق الأسهم التي انتعشت لتسجل مستويات قياسية، مدفوعة بارتفاع شهية المخاطرة لدى المستثمرين.

وفي سوق العملات، تراجع الدولار ليتيح المجال لصعود اليورو والين، بينما واصلت المعادن النفيسة مكاسبها النوعية.

أما أسواق السندات فقد شهدت هدوءاً مع تقليص الرهانات على رفع الفائدة؛ ما يعكس تفاؤلاً كبيراً بعودة استقرار سلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة العالمية بسلاسة.


الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
TT

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)

أطلق وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، موقفاً حازماً أكد فيه أن قدرة العالم على مواجهة الأزمات مرهونة بتبني «رؤية استراتيجية موحدة وإصلاحات سريعة»، مُحذراً من أن التفاؤل المفرط في الأسواق قد يحجب حقيقة التحديات الجيوسياسية الراهنة، لا سيما في ظل الصراعات التي تهدد أمن الإمدادات.

كلام الجدعان جاء في مؤتمر صحافي مشترك مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي، وذلك خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.

وقد توّج الاجتماع بتبني «مبادئ الدرعية» إطاراً تاريخياً لحوكمة صندوق النقد الدولي؛ ما يرسخ مرحلة جديدة من التعاون متعدد الأطراف في مواجهة حالة عدم اليقين العالمي.

الجدعان متحدثاً في المؤتمر الصحافي (أ.ف.ب)

السلام ركيزةً للنمو المستدام

استهل الجدعان المؤتمر بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي قد تعرَّض لاختبارات متلاحقة جراء صدمات متكررة على مدى السنوات القليلة الماضية، ناتجة من الحروب والصراعات، بما في ذلك الصراع الجديد في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أنه بالإضافة إلى الآثار الإنسانية العميقة، فإن الأثر الاقتصادي لهذه الصدمات هو أثر عالمي، وسوف يضرب مرة أخرى الفئات الأفقر والأكثر ضعفاً بشدة، محذراً من أن هذا يأتي في وقت تآكلت فيه مساحة السياسات وضعف فيه التعاون الدولي.

وأشار الجدعان إلى أن الاستجابة المناسبة من حيث السياسات تعتمد على كيفية انتشار الصدمة عبر الاقتصاد المحلي؛ ما يستدعي سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف مدعومة بأطر عمل موثوقة وتعاون دولي.

وشدد على أن إنهاء الحروب والصراعات وتأمين سلام دائم في جميع أنحاء العالم يظل أمراً أساسياً لا غنى عنه لتحقيق النمو المستدام والاستقرار طويل الأجل.

المؤتمر الصحافي المشترك للجدعان وغورغييفا (أ.ف.ب)

مخاطر الصراعات وتداعياتها على أمن الطاقة

وأكد بيان صادر عن اللجنة أن الاقتصاد العالمي ظل صامداً على مدى السنوات القليلة الماضية رغم الصدمات المتكررة، بما في ذلك الحروب والصراعات. ووصف البيان الصراع في الشرق الأوسط بأنه صدمة عالمية رئيسية جديدة، سيعتمد أثرها الاقتصادي على مدتها وكثافتها وتوسعها الجغرافي.

ولفت إلى أنه بات من الواضح بالفعل، من خلال الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية واضطرابات النقل حتى الآن، أنها تشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد العالمي، رغم الجهود الملحوظة لاستدامة تدفق الطاقة، بما في ذلك من خلال إعادة توجيه مسارات النقل لتعزيز أمن الإمدادات.

ونوّه الأعضاء إلى أن تأثير الصدمة غير متماثل للغاية عبر البلدان، وإذا طال أمدها، فقد تبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة ممتدة، وتعطل إمدادات المدخلات الرئيسية، وتضخم المخاطر التي تهدد أمن الطاقة والغذاء، والنمو العالمي، والتضخم، وحسابات القطاع الخارجي.

وأشار البيان إلى أن الأوضاع المالية المشددة والتداعيات المحتملة على الاستقرار المالي قد تزيد من الضغط على الآفاق المستقبلية، في وقت يمر فيه العالم بتحولات هيكلية عميقة في التكنولوجيا، والديموغرافيا، والمخاطر المرتبطة بالمناخ، وهي تغييرات ستعيد تشكيل الاقتصادات وتختبر قدرتها على التكيف.

الجدعان يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

أولويات السياسة الاقتصادية والمالية

أكدت اللجنة أنه في هذه البيئة التي تكتنفها حالة من عدم اليقين الشديد، تتمثل الأولوية القصوى في تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي، مع تمكين نمو قوي واسع القاعدة، من خلال سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف وموثوقة.

وشددت البنوك المركزية على التزامها القوي بالحفاظ على استقرار الأسعار، عادَّةً أن استقلاليتها والتواصل الواضح ضروريان لمصداقية السياسة وإبقاء توقعات التضخم راسية.

كما أفادت بأن السياسة المالية يجب أن تُعايَر بشكل مناسب وتُرسخ في أطر متوسطة الأجل موثوقة لضمان استدامة الدين، مع إمكانية استخدام تدابير مؤقتة ومستهدفة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً حيثما توفرت المساحة المالية.

وأكد الأعضاء استمرارهم في الالتزام بالمعايير الدولية ومراقبة المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي، بما في ذلك تعزيز الرقابة على المخاطر النظامية الناشئة عن الذكاء الاصطناعي، والمؤسسات المالية غير المصرفية، والأصول الرقمية، مع تسخير فوائد الابتكار التكنولوجي.

الإصلاحات الهيكلية والتعاون الدولي

وأشارت اللجنة إلى المضي قدماً في الإصلاحات الهيكلية لتمكين استثمار القطاع الخاص، وزيادة الإنتاجية، وحماية أمن الطاقة.

وأكد الأعضاء مواصلة التعاون لمعالجة الاختلالات العالمية المفرطة والتوترات التجارية وبناء سلاسل إمداد أكثر صموداً، ودعم اقتصاد عالمي عادل ومنفتح، مع التأكيد مجدداً على التزامات أسعار الصرف الصادرة في أبريل (نيسان) 2021.

وعبّر البيان عن ترحيب اللجنة بجدول أعمال السياسة العالمية للمدير العام، مؤكداً على الدور الحاسم لصندوق النقد الدولي في مساعدة الدول عبر مشورة السياسات وتنمية القدرات والدعم المالي بالتعاون مع المؤسسات الأخرى.

دعم الدول الضعيفة ومعالجة الديون

وتعهد البيان بمواصلة دعم البلدان في جهودها لتعزيز الاستقرار والنمو، مع إيلاء اهتمام خاص للبلدان منخفضة الدخل والدول الهشة المتأثرة بالصراعات، لا سيما حيث تتزايد ضغوط الديون. وأكد الأعضاء التزامهم بتحسين عمليات إعادة هيكلة الديون، بما في ذلك في «إطار العمل المشترك»، والمضي قدماً في المائدة المستديرة العالمية للديون السيادية.

ورحَّب البيان بـ«دليل إعادة الهيكلة» المحدث، ودعا إلى تعزيز شفافية الديون من جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الدائنون من القطاع الخاص.

كما حث البيان على زيادة الدعم للبلدان ذات الديون المستدامة التي تواجه تحديات تمويل قصيرة الأجل عبر تسريع تنفيذ نهج الركائز الثلاث لصندوق النقد والبنك الدولي، والانتهاء من مراجعة إطار استدامة الديون.

تعزيز الرقابة وأدوات الإقراض

أعلن البيان دعم اللجنة لزيادة تركيز الرقابة بناءً على الصرامة التحليلية والإنصاف، والتطلع إلى الانتهاء من المراجعة الشاملة للرقابة ومراجعة برنامج تقييم القطاع المالي (FSAP).

كما أيَّد الأعضاء الجهود المستمرة لتحصين إطار الإقراض الخاص بالصندوق، بما في ذلك مراجعة تصميم البرامج والشروط (ROC) والعمل على أطر السياسة النقدية للبلدان التي تمر بأزمات.

مبادئ الدرعية وحوكمة الصندوق

وفي ختام البيان، أعلن الأعضاء تأييدهم لـ«مبادئ الدرعية التوجيهية» لإصلاحات الحصص والحوكمة، عادِّين إياها إنجازاً جماعياً كبيراً ومعلماً مهماً في أجندة إصلاح حوكمة الصندوق.

وتقدمت اللجنة بالشكر لنواب اللجنة الدولية والمجلس التنفيذي والإدارة على جهودهم، مؤكدة أن هذه المبادئ ستعمل كدليل للمناقشات المستقبلية، بما في ذلك المراجعة العامة السابعة عشرة للحصص.

واختتم البيان بالتأكيد مجدداً على الالتزام بصندوق نقد دولي قوي، وقائم على الحصص، ومزود بموارد كافية ليكون في مركز شبكة الأمان المالي العالمية، مع التطلع إلى الانتهاء من الموافقات المحلية لموافقة الأعضاء على زيادة الحصص بموجب المراجعة العامة السادسة عشرة دون أي تأخير إضافي.


الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية تحركات حادة يوم الجمعة، في أعقاب قرار إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات الجيوسياسية بسرعة.

فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني، يوم الجمعة، أن مضيق هرمز بات مفتوحاً بالكامل أمام جميع السفن التجارية طوال فترة وقف إطلاق النار، في خطوة جاءت بالتزامن مع الهدنة في لبنان. وقال عباس عراقجي في منشور على منصة «إكس» إن عبور السفن عبر المضيق سيجري وفق المسار المنسق الذي أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية.

وجاء هذا الإعلان ليخفف جزئياً من المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية، ما انعكس سريعاً على الأسواق مع تراجع حاد في أسعار النفط عقب التصريحات.

تراجع حاد في أسعار النفط

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 10 في المائة يوم الجمعة، مواصلة خسائرها السابقة، وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 11.12 دولار أو 11.2 في المائة لتسجل 88.27 دولاراً للبرميل عند الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش، فيما هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 11.40 دولار أو 12 في المائة إلى 83.29 دولار للبرميل.

وقال جيوفاني ستونوفو، المحلل في بنك «يو بي إس»، إن تصريحات وزير الخارجية الإيراني «تشير إلى خفض التصعيد في حال استمر وقف إطلاق النار، لكن يبقى السؤال ما إذا كان تدفق ناقلات النفط عبر المضيق سيشهد زيادة ملموسة».

ويعكس هذا التراجع انحساراً مؤقتاً في علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت أسعار النفط خلال الفترة الماضية، وسط ترقب المستثمرين لاحتمال تحول وقف إطلاق النار إلى تهدئة أوسع نطاقاً في المنطقة.

الدولار يتراجع أيضاً

تراجع مؤشر الدولار الأميركي بعد إعلان إيران، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 0.46 في المائة إلى مستوى 97.765. وتراجع الدولار بنسبة 0.6 في المائة إلى 158 يناً، فيما ارتفع اليورو بنسبة 0.6 في المائة إلى 1.1848 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له في شهرين.

في المقابل، ارتفع الدولار الكندي أمام نظيره الأميركي يوم الجمعة، فيما تراجعت عوائد السندات الحكومية الكندية. وجرى تداول الدولار الكندي (اللوني) مرتفعاً بنسبة 0.3 في المائة عند 1.366 دولار كندي للدولار الأميركي، بما يعادل 73.21 سنت أميركي، بعد تحركات بين 1.3661 و1.3707 خلال الجلسة.

الأسهم العالمية تواصل مكاسبها

شهدت الأسهم العالمية، التي كانت تتداول بالفعل عند مستويات قياسية، مزيداً من المكاسب عقب الإعلان. وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.4 في المائة، فيما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.9 في المائة.

وقال مايكل براون، كبير استراتيجيي الأبحاث في شركة «بيبرستون»، إن تحسن آفاق الملاحة عبر مضيق هرمز يقلص بشكل واضح علاوة المخاطر الجيوسياسية، ما يدعم شهية المخاطرة في الأسواق. وأضاف أن هذا التحول يفسر رد الفعل الإيجابي في الأسواق.

السندات العالمية تتحرك بحذر

في أسواق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.27 في المائة، بينما سجلت عوائد السندات لأجل عامين 3.74 في المائة، في إشارة إلى توازن حذر في توقعات السياسة النقدية. كما انخفض عائد السندات الحكومية الكندية لأجل 10 سنوات بمقدار 8.3 نقطة أساس إلى 3.421 في المائة.

وفي أوروبا، تراجعت عوائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين إلى أدنى مستوياتها في شهر، بعدما هبطت عوائد «شاتز» لأجل عامين، وهي الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة والتضخم، بما يصل إلى 11.2 نقطة أساس لتسجل 2.412 في المائة قبل أن تقلص خسائرها إلى 2.43 في المائة، مسجلة تراجعاً يومياً بنحو 9.6 نقطة أساس. وكانت العوائد قد بلغت أعلى مستوياتها منذ يوليو الماضي في أواخر مارس (آذار) عند نحو 2.77 في المائة.

وأشارت الأسواق إلى تقليص رهاناتها على رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة؛ إذ قدرت احتمالات الرفع في الاجتماع المقبل بنحو 8 في المائة، مقارنة بـ15 في المائة في وقت سابق من الجلسة، مع توقعات بوصول سعر فائدة الإيداع إلى 2.44 في المائة بنهاية العام مقابل 2.55 في المائة سابقاً.

المعادن النفيسة ترتفع

أما في أسواق المعادن النفيسة، فقد ارتفع الذهب الفوري بنحو 2 في المائة إلى 4881 دولاراً للأونصة، كما صعدت الفضة بأكثر من 5 في المائة إلى 82.30 دولار، والبلاتين بنسبة 3 في المائة إلى 2149.15 دولار، وارتفع البلاديوم بنسبة 3 في المائة إلى 1600.88 دولاراً، مدعومة بتزايد الطلب على الملاذات الآمنة رغم تراجع النفط.