طريق الحرير القطبي: الصين تتمدد عبر النظام متعدد الأقطاب

بين دعم الأمم المتحدة والانفتاح على أوروبا... رؤية اقتصادية جديدة تتشكل في بكين

بحر البلطيق المتجمد بالقرب من هلسنكي (رويترز)
بحر البلطيق المتجمد بالقرب من هلسنكي (رويترز)
TT

طريق الحرير القطبي: الصين تتمدد عبر النظام متعدد الأقطاب

بحر البلطيق المتجمد بالقرب من هلسنكي (رويترز)
بحر البلطيق المتجمد بالقرب من هلسنكي (رويترز)

في خضم التوترات الجيوسياسية العالمية، أعادت تصريحات الرئيس الصيني شي جينبينغ، هذا الأسبوع، التأكيد على رؤية بكين لعالم اقتصادي جديد قائم على التعددية والانفتاح، يتمحور حول الأمم المتحدة والعولمة الاقتصادية. هذا الموقف، المعلن خلال استقباله لرئيس الوزراء الفنلندي بيتري أوربو في بكين يوم الثلاثاء، لا يعكس فقط موقفاً دبلوماسياً، بل يُترجم إلى استراتيجية اقتصادية شاملة تمتد من الشراكة الأوروبية إلى أعماق القطب الشمالي. وقال شي بوضوح إن الصين تسعى إلى «تعزيز عالم متعدد الأقطاب قائم على العولمة الاقتصادية»، مؤكداً أن النظام الدولي ينبغي أن يظل قائماً على مبادئ الأمم المتحدة، لا على تحالفات مغلقة أو مسارات موازية. ويأتي هذا التصريح بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مبادرة لإنشاء «مجلس سلام»، في خطوة فُسرت على أنها محاولة لإعادة تشكيل النظام العالمي وفق مصالح أميركية ضيقة. وتسعى الصين، من جهتها، إلى تقديم نفسها بوصفها قوة استقرار اقتصادي عالمي، من خلال تعزيز الشراكات الثنائية والتكتلات التجارية القائمة، والابتعاد عن سياسات العزلة أو المواجهة.

سفينة دورية بحرية تُدعى «تورفا» خلال مناورة بالقرب من هلسنكي في بحر البلطيق (رويترز)

• القطب الشمالي.. الجبهة الاقتصادية الجديدة

ومن بين أبرز الملفات الاقتصادية ذات البعد الاستراتيجي، التي طرحت خلال اللقاء الصيني الفنلندي، كان الاهتمام الكبير بالقطب الشمالي، حيث تسعى الصين، التي تصف نفسها بـ«دولة شبه قطبية»، إلى لعب دور محوري في تطوير «طريق الحرير القطبي»، وهو ممر ملاحي جديد يُتوقع أن يُحدث تحولاً جذرياً في التجارة العالمية.

ومع انحسار الغطاء الجليدي بسبب التغير المناخي، بات القطب الشمالي يُمثّل ممراً تجارياً يختصر زمن العبور بين آسيا وأوروبا إلى النصف تقريباً، ما يعزز كفاءة سلاسل الإمداد ويقلل التكاليف اللوجيستية بشكل كبير. وتطمح الصين إلى أن تكون جزءاً فاعلاً في هذا التحول، عبر الاستثمار في المواني القطبية، والتعاون مع دول مثل فنلندا، التي يُشكل الثلث من أراضيها جزءاً من المنطقة القطبية.

ويأتي انفتاح الصين على فنلندا، وزيارات زعماء غربيين آخرين مثل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الفرنس إيمانويل ماكرون، في وقتٍ يزداد فيه حذر الدول الأوروبية من السياسات الاقتصادية المتقلبة للولايات المتحدة.

تصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ ورئيس الوزراء الفنلندي بيتري أوربو في قاعة الشعب الكبرى ببكين (رويترز)

وفي هذا السياق، يُمكن قراءة التحركات الصينية بوصفها محاولة لتعزيز الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بوصفه مُوازناً تجارياً واستثمارياً، خصوصاً بعد التوترات التي رافقت الحرب التجارية مع واشنطن، وتضييق القيود على التكنولوجيا والتجارة الثنائية.

ورحبت الصين خلال اللقاء الأخير مع أوربو بانخراط الشركات الفنلندية في السوق الصينية، مشجعة على تعزيز التعاون في مجالات تشمل التحول الطاقي، والزراعة، والغابات، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بالاقتصاد الأخضر الذي تتبناه فنلندا ضمن استراتيجيتها الوطنية.

ورغم الطابع الاقتصادي للتقارب، لا تغيب التحديات الجيوسياسية عن المشهد. إذ تشعر فنلندا وبعض شركائها الغربيين بالقلق من موقف الصين المحايد من الحرب الروسية في أوكرانيا، وسط اتهامات بأنها تموّل بشكل غير مباشر المجهود الحربي الروسي من خلال استمرار التجارة.

ويخلق هذا التوتر حالة من الازدواجية الاقتصادية؛ فمن جهة، ترغب الدول الغربية في الانفتاح على السوق الصينية العملاقة، ومن جهة أخرى، تُقيدها الحسابات الأمنية والتحالفات الاستراتيجية مثل حلف «الناتو».

• تنمية متعددة المسارات

والتحول في موقف الصين واضح، فمن الاعتماد الكامل على «مبادرة الحزام والطريق» التقليدية، إلى توسيع نطاق الحضور الاقتصادي من خلال أدوات جديدة، مثل «طريق الحرير القطبي»، و«تعددية اقتصادية تشاركية» تستهدف دول الشمال، والاقتصادات التكنولوجية، والأسواق الخضراء. وتعكس تصريحات شي الأخيرة ونتائج زيارته مع أوربو نموذجاً لهذا التحول، حيث يتم دمج التنمية الاقتصادية، والتوازن الجيوسياسي، والانفتاح التجاري ضمن استراتيجية موحدة، تجعل من الصين فاعلاً اقتصادياً أكثر مرونة وتكيفاً.

وفي الوقت الذي تنشغل فيه الولايات المتحدة بإعادة تعريف النظام العالمي وفق تصوراتها الخاصة، تسعى الصين إلى ترسيخ دورها بوصفها ركيزة للنظام الدولي القائم على المؤسسات متعددة الأطراف، والانفتاح الاقتصادي. ومع انفتاح أبواب القطب الشمالي، وازدياد الرغبة الأوروبية في تنويع شراكاتها التجارية، يبدو أن الاقتصاد العالمي يتّجه نحو مشهد أكثر تعددية، تلعب فيه بكين دور المهندس الاقتصادي الحذر... ولكن شديد الطموح.

لشمالي، وازدياد الرغبة الأوروبية في تنويع شراكاتها التجارية، يبدو أن الاقتصاد العالمي يتّجه نحو مشهد أكثر تعددية، تلعب فيه بكين دور المهندس الاقتصادي الحذر... ولكن شديد الطموح.

 


مقالات ذات صلة

الاقتصاد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني (يسار) مع وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو في مناسبة اقتصادية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

الصين تُشيد بالعلاقات التجارية مع إيطاليا

أشادت الصين بتعزيز العلاقات التجارية مع إيطاليا خلال محادثاتها مع نائب رئيس وزرائها الزائر

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مشاركون في الجلسة العامة للجنة التنمية التابعة لصندوق النقد والبنك الدوليين خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (د.ب.أ)

صندوق النقد والبنك الدوليان يعلنان استئناف تعاملاتهما مع فنزويلا

أعلن صندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الخميس، استئناف تعاملاتهما مع فنزويلا، التي كانت متوقفة منذ عام 2019.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل ينظر إلى شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ ف ب)

«نيكي» يتخلى عن قمته متأثراً بتراجع أسهم التكنولوجيا

تراجع مؤشر نيكي الياباني للأسهم يوم الجمعة من أعلى مستوى قياسي سجله في اليوم السابق

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أذرع روبوتية في مصنع بمدينة فوزو شرق الصين (أ.ف.ب)

نمو فصلي يفوق التوقعات للاقتصاد الصيني... ومخاوف من التحديات

شهد الاقتصاد الصيني انتعاشاً ملحوظاً في أوائل عام 2026، مدفوعاً بارتفاع الصادرات قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد

«الشرق الأوسط» (بكين)

ماليزيا: «بتروناس» تجري مفاوضات مع روسيا لشراء النفط

محطة وقود «بتروناس» وفي الخلفية برجا بتروناس التوأم في كوالالمبور بماليزيا (رويترز)
محطة وقود «بتروناس» وفي الخلفية برجا بتروناس التوأم في كوالالمبور بماليزيا (رويترز)
TT

ماليزيا: «بتروناس» تجري مفاوضات مع روسيا لشراء النفط

محطة وقود «بتروناس» وفي الخلفية برجا بتروناس التوأم في كوالالمبور بماليزيا (رويترز)
محطة وقود «بتروناس» وفي الخلفية برجا بتروناس التوأم في كوالالمبور بماليزيا (رويترز)

أعلن رئيس الوزراء الماليزي، أنور إبراهيم، اليوم السبت، أن شركة النفط الوطنية الماليزية «بتروناس» تعتزم إجراء مفاوضات مع روسيا بهدف شراء النفط وتأمين احتياجات البلاد من الوقود.

ونقلت صحيفة «ذا ستريت تايمز» الماليزية عن أنور قوله إن العديد من الدول الأوروبية والأميركية التي كانت فرضت عقوبات على موسكو في السابق، صارت اليوم تتنافس على شراء النفط الروسي.

وفي تصريحات لصحيفة «سينار هاريان»، على هامش حفل افتتاح المحطة الجديدة لمطار السلطان إسماعيل بيترا في بينكالان تشيبا، اليوم السبت، قال أنور: «لحسن الحظ، علاقاتنا مع روسيا ما زالت جيدة، وبالتالي فإن فريق (بتروناس) قادر على التفاوض معهم».

وكشف رئيس الوزراء أن تحركات دبلوماسية مبكرة قادتها الحكومة جعلت ناقلات النفط الماليزية بين أولى السفن التي تجتاز مضيق هرمز الاستراتيجي، مما جنّب البلاد أزمة كبرى في إمدادات الطاقة.

وأوضح أن التوترات الجيوسياسية القائمة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وأوروبا من جهة أخرى، أثرت بشكل مباشر على حركة النقل البحري العالمية، وأسعار النفط، وشحنات الأسمدة.

وتابع بالقول: «الحمد لله، وصلت ناقلة نفط تابعة لشركة (بتروناس) سالمة إلى مجمع بنجيرانج المتكامل، وكانت هذه الشحنة ضرورية لأن عمليات التكرير لا تجري إلا هناك».

وأرجع أنور هذا النجاح إلى تواصل حكومته المبكر مع القيادة الإيرانية، مما أتاح عبور الناقلات في وقت كانت فيه المفاوضات الدولية بشأن الملاحة في المضيق لا تزال عالقة.


5 سفن قطرية محملة بالغاز الطبيعي تقترب من مضيق هرمز

أدت حرب إيران إلى تعطيل 17 % من طاقة قطر التصديرية للغاز الطبيعي المسال (رويترز)
أدت حرب إيران إلى تعطيل 17 % من طاقة قطر التصديرية للغاز الطبيعي المسال (رويترز)
TT

5 سفن قطرية محملة بالغاز الطبيعي تقترب من مضيق هرمز

أدت حرب إيران إلى تعطيل 17 % من طاقة قطر التصديرية للغاز الطبيعي المسال (رويترز)
أدت حرب إيران إلى تعطيل 17 % من طاقة قطر التصديرية للغاز الطبيعي المسال (رويترز)

أظهرت بيانات تتبع السفن، السبت، أن خمس سفن محملة بالغاز الطبيعي المسال قادمة من رأس لفان في قطر تقترب من مضيق هرمز. وفقاً لـ«رويترز».

وإذا نجحت السفن في عبور المضيق، فسيكون هذا أول عبور لشحنات غاز طبيعي مسال عبر الممر المائي منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأعادت إيران يوم الجمعة فتح المضيق، الذي كان يمر عبره قبل الحرب خُمس تجارة النفط والغاز في العالم، عقب اتفاق وقف إطلاق نار منفصل توسطت فيه الولايات المتحدة يوم الخميس بين إسرائيل ولبنان. وكانت قافلة من ناقلات النفط تعبر مضيق هرمز اليوم السبت، لكن تواردت أنباء عن إعادة إغلاق المضيق مجدداً.

وأظهرت بيانات شركة التحليلات «كبلر» أن الناقلات، وهي «الغشامية» و«لبرثه» و«فويرط» و«رشيدة» و«ديشا»، تحركت شرقاً نحو مضيق هرمز. وتدير شركة «قطر للطاقة» الناقلات الأربع الأولى، بينما تستأجر شركة «بترونيت» الهندية الناقلة «ديشا».

وقالت لورا بيج، مديرة قسم تحليلات الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال في شركة «كبلر»: «نشهد في الوقت الراهن اقتراب خمس سفن محملة من مضيق هرمز. تم تحميل جميع السفن الخمس من محطة رأس لفان في قطر. ومن بين السفن الخمس، تتجه سفينتان إلى باكستان، ومن المرجح أن تتجه سفينتان إلى الهند، بينما لا توجد وجهة واضحة لسفينة واحدة».

وأضافت: «بالإضافة إلى ذلك، دخلت سفينتان تابعتان لشركة (أدنوك) من دون حمولة إلى خليج عمان ورستا خارج الفجيرة. تتوافق تحركات السفن مع بيانات حرق الغاز، مما يشير إلى استئناف العمل في عدة خطوط إنتاج في الموقع الشمالي لرأس لفان، وكذلك في محطة جزيرة داس بالإمارات».

وقطر هي ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وتذهب شحناتها في الغالب إلى مشترين في آسيا. ومع ذلك، أدت الهجمات الإيرانية إلى تعطيل 17 في المائة من طاقة قطر التصديرية للغاز الطبيعي المسال، ومن المتوقع أن تؤدي الإصلاحات إلى توقف إنتاج 12.8 مليون طن سنوياً من الوقود لمدة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات.


أميركا: منح 9 شركات 26 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي

صهاريج تخزين النفط الخام في ولاية أوكلاهوما الأميركية (رويترز)
صهاريج تخزين النفط الخام في ولاية أوكلاهوما الأميركية (رويترز)
TT

أميركا: منح 9 شركات 26 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي

صهاريج تخزين النفط الخام في ولاية أوكلاهوما الأميركية (رويترز)
صهاريج تخزين النفط الخام في ولاية أوكلاهوما الأميركية (رويترز)

قالت وزارة الطاقة الأميركية، إنها منحت 26.03 مليون برميل من النفط الخام من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي لتسع شركات نفطية، في إطار الدفعة الثالثة من جهود إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحد من أسعار الوقود التي ارتفعت بشكل حاد منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

ووافقت إدارة ترمب في مارس (آذار) على سحب 172 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط في خطوة منسقة مع وكالة الطاقة الدولية لسحب 400 مليون برميل في محاولة للسيطرة على أسعار الوقود التي ارتفعت بسبب الحرب.

وقدمت الولايات المتحدة حتى الآن 126 مليون برميل على ثلاث دفعات من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي في صورة قروض، مع إلزام شركات الطاقة بسداد ثمن النفط الخام مع دفع فوائد إضافية.

ووقَّعت شركات الطاقة اتفاقيات لاقتراض نحو 80 مليون برميل، أي أكثر من 63 في المائة مما عرضته الإدارة.

وذكرت وزارة الطاقة الأميركية أن الشركات التي حصلت على الكميات من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي تشمل «بي بي برودكتس نورث أميركا» و«إكسون موبيل أويل كورب» و«ماراثون بتروليوم».