المقايضة الأميركية الكبرى: هل ينجح الذكاء الاصطناعي في ترميم تصدعات الرسوم؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

المقايضة الأميركية الكبرى: هل ينجح الذكاء الاصطناعي في ترميم تصدعات الرسوم؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

مع بداية عام 2026، يترسخ في المشهد الاقتصادي الأميركي نموذجٌ جديد وُلد من رحم تحولات عام 2025؛ العام الذي لم يكن مجرد محطة عابرة، بل نقطة تحول جوهرية في الفلسفة التي تحكم علاقة الدولة بالأسواق. فاليوم، باتت الرسوم الجمركية ركيزةً ثابتة في هيكلية الاقتصاد، بعد أن تجاوزت كونها إجراءً دفاعياً لتصبح أداة استراتيجية لإعادة تموضع الولايات المتحدة في نظام عالمي يتسم بتراجع العولمة، وتصاعد الصراع الجيوسياسي.

الرسوم الجمركية: تكلفة عالية ونمو محدود

من منظور اقتصادي تقليدي، لا يترك هذا التحول مجالاً كبيراً للتفاؤل. فالرسوم الجمركية تُعد، في جوهرها، ضريبة غير مباشرة على الاقتصاد المحلي، إذ تعمل على رفع الأسعار، وتشويه آليات التسعير، وتقليل الكفاءة الإنتاجية، وتقليص حجم التبادل التجاري. والأهم أنها لا تولّد نمواً حقيقياً، بل تعيد توزيع الدخل داخل الاقتصاد بطريقة غير متوازنة، حيث تستفيد قطاعات محدودة على حساب المستهلكين والشركات المرتبطة بسلاسل التوريد.

وتؤكد التجارب التاريخية هذا المنحى المتحفظ. ففي أبريل (نيسان) 2019، استخدم صندوق النقد الدولي نماذج متعددة لتقييم أثر فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على التجارة بين الولايات المتحدة والصين، وخلصت جميعها إلى تسجيل خسائر اقتصادية كبيرة لكلا البلدين. كما أظهرت دراسة قادها ألبرتو كافالو وهو باحث في جامعة «هارفارد» في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه أن الرسوم المفروضة على الواردات الصينية انتقلت بشكل شبه كامل إلى أسعار الاستيراد في الولايات المتحدة، واضطرت الشركات إلى امتصاص جزء من التكلفة عبر تقليص هوامش أرباحها. لاحقاً، قدّرت وزارة الزراعة الأميركية في يناير (كانون الثاني) 2022 أن الصادرات الأميركية تراجعت بنحو 27 مليار دولار نتيجة الرسوم الانتقامية المتبادلة بين عامي 2018 و2019، ما يعكس التكلفة الحقيقية للحمائية التجارية على الأداء الاقتصادي.

دونالد ترمب يحمل أمراً تنفيذياً موقعاً بشأن الرسوم الجمركية في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (رويترز)

صمود الاقتصاد الأميركي: بين التضخم والطلب المحلي

رغم ذلك، أظهر الاقتصاد الأميركي في 2025 درجة لافتة من الصمود، ما دفع البعض إلى عدّ الرسوم أقل ضرراً مما يُفترض نظرياً. فقد نما الاقتصاد الأميركي بمعدل سنوي قوي ومفاجئ بلغ 4.3 في المائة في الربع الثالث، مدفوعاً بارتفاع الإنفاق الاستهلاكي والصادرات والإنفاق الحكومي.

غير أن هذا الاستنتاج يتجاهل طبيعة هذا الصمود وأسبابه. فالنمو الذي تحقق لم يكن نتاج تحسّن في الكفاءة أو توسّع في التجارة، بل جاء مدفوعاً بالطلب المحلي، والإنفاق الحكومي، والسياسة المالية التوسعية. أما التكلفة الحقيقية، فتمثّلت في تحوّل التضخم إلى ظاهرة أكثر لزوجة، نتيجة انتقاله من تضخم الطلب إلى تضخم التكلفة، وهو النوع الذي يصعب احتواؤه من دون إلحاق ضرر بسوق العمل أو الاستثمار.

الذكاء الاصطناعي: تعويض أم محفّز للنمو؟

برز الذكاء الاصطناعي بأنه عامل تعويض اقتصادي أكثر منه محرّك نمو تقليدي. فمع ارتفاع تكاليف العمالة والمدخلات المستوردة، وجدت الشركات الكبرى في الأتمتة والتقنيات الرقمية وسيلة لتقليص الاعتماد على العمل البشري وسلاسل التوريد الخارجية، والحفاظ على هوامش الربحية. وبهذا المعنى، لم يكن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي انعكاساً لبيئة اقتصادية مزدهرة، بل استجابة قسرية لبيئة تجارية أكثر تكلفة وأقل كفاءة.

حجم سوق الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة قُدّر بنحو 54.09 مليار دولار في عام 2024. ومن المتوقع أن ينمو السوق من 66.42 مليار دولار في 2025 إلى 319.32 مليار دولار بحلول 2032، بتسجيل معدل نمو سنوي مركب يبلغ 25.10 في المائة خلال فترة التوقعات.

بحلول عام 2025، أصبحت الولايات المتحدة القائد العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، مدفوعة بمستويات غير مسبوقة من الابتكار، واستمرار نشاط رأس المال المخاطر، والتقدم في تطوير البنية التحتية الرقمية. وتحوّل الذكاء الاصطناعي من مرحلة تجريبية بحتة إلى مرحلة التطبيق على نطاق واسع وبطريقة مفصّلة، ليشمل تقريباً جميع القطاعات الصناعية في البلاد، بما في ذلك الرعاية الصحية، والقطاع المالي، والدفاع، والطاقة.

كما واصلت السياسات الفيدرالية توفير بيئة داعمة لتطوير الذكاء الاصطناعي، حيث لم تتدخل الحكومة الفيدرالية بشكل مباشر، بل دعمت التقدم في القطاع عبر سياسات التخفيف التنظيمي، والاستثمار في البنية التحتية، والشراكات بين القطاعين العام والخاص.

الانقسامات الاقتصادية

غير أن هذا التحول التكنولوجي عمّق الانقسامات داخل الاقتصاد، فظهرت اقتصادات ثنائية المسار: شركات كبرى قادرة على تمويل التحول الرقمي والاستفادة من الإعفاءات والحوافز، مقابل شركات صغيرة ومتوسطة تواجه ضغوطاً مزدوجة من ارتفاع التكاليف ونقص العمالة.

وعلى مستوى سوق العمل، تزامنت الأتمتة مع تشديد سياسات الهجرة وتسارع التقاعد، ما أدى إلى تباطؤ خلق الوظائف وارتفاع البطالة نسبياً، رغم استمرار النمو. هذا الانفصال بين الإنتاجية والتوظيف يطرح تساؤلات جوهرية حول نوعية النمو وقدرته على دعم الاستقرار الاجتماعي.

شاشة في بورصة نيويورك تعرض مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول 10 ديسمبر 2025 (أ.ب)

تحديات السياسة النقدية والمالية

أما الاحتياطي الفيدرالي، فوجد نفسه محاصراً بين خيارات محدودة: فالتضخم المدفوع بالتكلفة يقلّل من فاعلية التشديد النقدي، في حين أن التيسير المفرط قد يرسّخ الضغوط السعرية ويغذي فقاعات الأصول. لذلك، اتسمت السياسة النقدية بالتردد والحذر، في بيئة سياسية تزداد فيها الضغوط على استقلالية البنك المركزي، ما يضيف بُعداً مؤسسياً إلى التحديات الاقتصادية القائمة.

ومع اقتراب عام 2026، يتحوّل الرهان إلى السياسة المالية بوصفها أداة تعويض أساسية. فالحوافز الضريبية والإنفاق الاستثماري المرتقب يُفترض أن يخففا العبء عن الأسر ويدعما استمرار الاستثمار. غير أن هذا الرهان محفوف بالمخاطر، إذ إن توجيه الحوافز نحو الاستهلاك قصير الأجل قد يخفف الألم مؤقتاً، لكنه لن يعالج اختلالات الإنتاجية التي خلقتها الرسوم. أما إذا جرى توظيفها في تعزيز الابتكار والبنية التحتية والمهارات، فقد تسهم في تحويل الصدمة التجارية إلى فرصة هيكلية.

الإنفاق على الذكاء الاصطناعي

ظهرت عدة نظريات متباينة لتفسير استمرار قوة الاقتصاد الأميركي رغم حرب التعريفات الجمركية. ووفقاً لأحد كبار الاقتصاديين، يمكن نسب الفضل في ذلك إلى الإنفاق القوي على الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، فإن الانفجار الكبير في النفقات الرأسمالية التي أنفقتها الشركات هذا العام لبناء مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي قد يخفي حقيقة مزعجة بشأن النمو الاقتصادي الأميركي. يعتقد تورستن سلّوك، كبير الاقتصاديين في شركة «أبوللو غلوبال منجمنت»، أن حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي كان كبيراً بما يكفي لتخفيف أي تأثيرات سلبية متوقعة نتيجة رسوم ترمب الجمركية.

ووفقاً لرؤية جيسون فورمان من جامعة «هارفرد»، لولا المستويات الحالية من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، لكان النمو الإجمالي أقل بكثير، ما يشكل مصدر قلق لأولئك الذين يرون أن طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي غير مستدامة.

وأشار محللون آخرون إلى أن طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي قد تخفي مشكلات أخرى. فقد قدّر محللو «بانثيون للاقتصاد الكلي» في مذكرة حديثة أن النمو الاقتصادي الأميركي دون هذا الإنفاق سيكون أقل من 1 في المائة. بينما تشير أحدث تقديرات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث الصادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا إلى نمو بنسبة 3.9 في المائة.

شعار شركة «إنفيديا» ويد روبوتية يظهران في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

نموذج نمو هش أم فرصة هيكلية؟

في المحصلة، لا يواجه الاقتصاد الأميركي أزمة دورية عابرة، بل يخضع لاختبار عميق لإعادة تعريف معنى النمو في عصر ما بعد العولمة. فالرسوم الجمركية، رغم تكلفتها الاقتصادية المثبتة نظرياً وتجريبياً، أصبحت أداة سياسية يصعب التراجع عنها، فيما يُحمَّل الذكاء الاصطناعي دور المنقذ القادر على تعويض خسائر الكفاءة.

والسؤال الجوهري ليس ما إذا كان الاقتصاد قادراً على الاستمرار، بل ما إذا كان هذا المسار سينتج نموذج نمو بشكل مستدام وشامل، أم مجرد توازن هش قائم على الابتكار التعويضي والحمائية الدائمة.


مقالات ذات صلة

حرب إيران ورسوم ترمب تُجمدان طموحات «أكبر مؤيدي» خفض الفائدة الأميركية

الاقتصاد والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)

حرب إيران ورسوم ترمب تُجمدان طموحات «أكبر مؤيدي» خفض الفائدة الأميركية

ربط محافظ «الاحتياطي الفيدرالي»، كريستوفر والر، مستقبل الفائدة، بـ«سرعة الحل» العسكري والدبلوماسي لحرب إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

ارتفاع العقود الآجلة الأميركية وسط ترحيب المستثمرين بإشارات التهدئة

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية، يوم الجمعة، متجهة نحو تسجيل إغلاق أسبوعي قوي، في ظل ترحيب المستثمرين بإشارات تهدئة التوترات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد أشخاص يصطفّون خارج مركز توظيف في لويفيل بولاية كنتاكي الأميركية (أرشيفية - رويترز)

تراجع الطلبات الأسبوعية لإعانة البطالة في أميركا رغم الحذر من التوظيف

تراجع عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات للحصول على إعانات البطالة الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار استقرار سوق العمل، رغم حذر الشركات بشأن التوظيف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)
ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)
TT

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)
ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)

جددت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية المحملة بالفعل في البحر لمدة شهر تقريباً، وذلك في الوقت الذي اتهم فيه مشرعون الحكومة الأميركية بالتساهل مع موسكو في ظل استمرار حربها على أوكرانيا.

ونشرت وزارة الخزانة الإذن عبر موقعها الإلكتروني في وقت متأخر من يوم الجمعة، مما يسمح للدول بشراء النفط الروسي المحمّل بالفعل في السفن للفترة من 17 أبريل (نيسان) حتى 16 مايو (أيار).

ويأتي الإعفاء في إطار جهود الإدارة الأميركية لكبح أسعار الطاقة العالمية التي ارتفعت بشكل حاد خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ويحل محل إعفاء مدته 30 يوماً انتهى في 11 أبريل. ويستثني الإعفاء أي معاملات لإيران، أو كوبا، أو كوريا الشمالية.

وجاءت الخطوة بعد أن ضغطت دول آسيوية تعاني من صدمة الطاقة العالمية على واشنطن للسماح بوصول إمدادات بديلة إلى الأسواق.

تغيير في موقف وزارة الخزانة

قال متحدث باسم وزارة الخزانة: «مع تسارع المفاوضات (مع إيران)، تريد وزارة الخزانة ضمان توفر النفط لمن يحتاجونه».

وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت يوم الأربعاء الماضي إن واشنطن لن تجدد الإعفاء الخاص بالنفط الروسي، ولن يكون هناك إعفاء آخر خاص بالنفط الإيراني، والذي من المقرر أن ينتهي يوم الأحد.

وانخفضت أسعار النفط العالمية 9 في المائة يوم الجمعة، ختام تعاملات الأسبوع، إلى نحو 90 دولاراً للبرميل بعد أن أعادت إيران فتح مضيق هرمز مؤقتاً، وهو ممر بحري استراتيجي في منطقة الخليج. لكن وكالة الطاقة الدولية تقول إن الحرب تسببت بالفعل في أسوأ اضطراب لإمدادات الطاقة العالمية في التاريخ.

وألحقت الحرب، التي اندلعت قبل أكثر من سبعة أسابيع، أضراراً بأكثر من 80 منشأة للنفط والغاز في الشرق الأوسط، وحذرت طهران من أنها قد تغلق المضيق مرة أخرى إذا استمر الحصار الذي فرضته البحرية الأميركية حديثاً على الموانئ الإيرانية.

وتشكل أسعار النفط المرتفعة تهديداً لأعضاء في «الحزب الجمهوري» الذي ينتمي إليه ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني). كما واجه ترمب ضغوطاً من دول شريكة بشأن أسعار النفط.

وقال مصدر أميركي، وفقاً لـ«رويترز»، إن دولاً شريكة طالبت الولايات المتحدة بتمديد الإعفاء، وذلك على هامش اجتماعات مجموعة العشرين، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي في واشنطن الأسبوع الماضي. وتحدث ترمب عن النفط هذا الأسبوع في اتصال هاتفي مع ناريندرا مودي رئيس وزراء الهند، أحد أكبر مشتري النفط الروسي.

وذكر بيسنت الشهر الماضي أن الإعفاء الخاص بالنفط الإيراني، الذي أصدرته وزارة الخزانة في 20 مارس (آذار)، سمح بوصول نحو 140 مليون برميل من النفط إلى الأسواق العالمية، وساعد في تخفيف الضغط على إمدادات الطاقة خلال الحرب.

ضرر مستمر

انتقد مشرعون أميركيون من الحزبين «الديمقراطي» و«الجمهوري» الإدارة، قائلين إن الإعفاءات من العقوبات من شأنها أن تدعم اقتصاد إيران وسط حربها مع الولايات المتحدة، وكذلك اقتصاد روسيا وسط حربها مع أوكرانيا.

ومن الممكن أن تعوق الإعفاءات جهود الغرب الرامية إلى حرمان روسيا من الإيرادات اللازمة لتمويل حربها في أوكرانيا، وأن تضع واشنطن في خلاف مع حلفائها. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن الوقت الحالي ليس مناسباً لتخفيف العقوبات المفروضة على روسيا.

وقال كيريل دميترييف المبعوث الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن تمديد الإعفاء الأميركي سيطلق العنان لـ100 مليون برميل أخرى من النفط الروسي، ليصل إجمالي الكمية التي يشملها الإعفاءان إلى 200 مليون برميل.

وأضاف دميترييف، الذي سافر إلى الولايات المتحدة في التاسع من أبريل لعقد اجتماعات مع أعضاء في إدارة ترمب قبل حلول أجل الإعفاء السابق، عبر قناته على «تلغرام»، أن التمديد يواجه «معارضة سياسية شديدة».

وذكر بريت إريكسون، خبير العقوبات في شركة الاستشارات «أوبسيديان» ريسك أدفيزورس، أن التجديد لن يكون على الأرجح آخر إعفاء تصدره واشنطن.

وأضاف: «ألحق الصراع ضرراً مستمراً بأسواق الطاقة العالمية، والأدوات المتاحة لمنحها الاستقرار استُنفدت تقريباً».


العراق يعلن استئناف صادرات النفط من جميع الحقول خلال أيام

يرى العراق أن الإسراع بالتصدير يجذب الاستقرار ويسد الحاجة من الغاز المحلي (إكس)
يرى العراق أن الإسراع بالتصدير يجذب الاستقرار ويسد الحاجة من الغاز المحلي (إكس)
TT

العراق يعلن استئناف صادرات النفط من جميع الحقول خلال أيام

يرى العراق أن الإسراع بالتصدير يجذب الاستقرار ويسد الحاجة من الغاز المحلي (إكس)
يرى العراق أن الإسراع بالتصدير يجذب الاستقرار ويسد الحاجة من الغاز المحلي (إكس)

نقلت وكالة الأنباء العراقية الرسمية (واع) اليوم (السبت)، عن وزارة النفط القول إن صادرات الخام من جميع حقول العراق ستستأنف خلال الأيام القليلة المقبلة.

وأفادت 4 مصادر في قطاع الطاقة بأن العراق استأنف صادرات النفط من الجنوب أمس (الجمعة)، بعد توقف دام أكثر من شهر بسبب اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز، وأنه بدأ تحميل النفط على متن ناقلة واحدة.

وأشارت الوزارة إلى أن الإسراع بالتصدير يجذب الاستقرار ويسد الحاجة من الغاز المحلي.

وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة النفط، صاحب بزون، وفقاً للوكالة: «تواصلنا مع الناقلات والشركات الكبيرة من أجل التعاقد لتصدير النفط، والباب مفتوح أمام جميع الشركات»، مبيناً أنه «خلال الأيام القليلة، سنعاود تصدير النفط وجميع الحقول جاهزة للتصدير».

وتابع: «سيبقى الاهتمام بالمنافذ الأخرى مستمراً لتعدد صادرات النفط والنفط الأسود، خلال أيام قليلة، لأن الإسراع بعملية التصدير يجذب الاستقرار وأيضاً لحصد واردات للدولة، بالإضافة إلى تدعيم الإنتاج المحلي من المنتجات النفطية وسد حاجة السوق المحلية من الغاز السائل والجاف لإدامة عمل المحطات الكهربائية».

وفي وقت سابق، أعلنت وزارة النقل عن استقبال موانئ البصرة ناقلة عملاقة لتحميل مليوني برميل من النفط العراقي لأول مرة منذ الإعلان عن افتتاح مضيق هرمز.


حرب إيران ورسوم ترمب تُجمدان طموحات «أكبر مؤيدي» خفض الفائدة الأميركية

والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)
والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)
TT

حرب إيران ورسوم ترمب تُجمدان طموحات «أكبر مؤيدي» خفض الفائدة الأميركية

والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)
والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)

حذّر مسؤول رفيع في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي من أن الحرب الإيرانية تسببت في وضع الاقتصاد الأميركي تحت مجهر الخطر، منذراً بصدمة تضخمية مماثلة لتلك التي أحدثتها جائحة «كوفيد - 19».

وجاء هذا التحذير على لسان محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كريستوفر والر، الذي يُعرف تقليدياً بأنه أحد أكثر أعضاء اللجنة ميلاً نحو التيسير النقدي، إلا أن الظروف الراهنة دفعت به نحو تبني نبرة أكثر حذراً. فبعد أن كان العضو الوحيد المطالب بخفض الفائدة في اجتماع يناير (كانون الثاني)، يحذر والر الآن من ركود تضخم قد يُبقي الفائدة مرتفعة لنهاية العام.

تحالف النفط والرسوم

أوضح والر في خطاب ألقاه بولاية ألاباما، أن ما يثير القلق هو تلاقي تأثيرين متزامنين؛ ارتفاع أسعار النفط الناجم عن التوترات الجيوسياسية، مضافاً إليه الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ورأى أن هذا «التحالف» يزيد من احتمالية حدوث موجة طويلة الأمد من ضغوط الأسعار القوية في أكبر اقتصاد بالعالم، قائلاً: «أعتقد أن هناك احتمالاً بأن تؤدي هذه السلسلة من صدمات الأسعار إلى زيادة أكثر استدامة في التضخم، تماماً كما رأينا مع سلسلة الصدمات خلال فترة الوباء».

وتسلط هذه التصريحات الضوء على مخاوف عميقة لدى مسؤولي البنوك المركزية من أن الحرب قد تزعزع ثقة الجمهور في قدرة «الفيدرالي» على السيطرة على الأسعار.

ويستحضر هذا المشهد ذكريات عام 2022، حين قفز معدل التضخم الرئيسي لنفقات الاستهلاك الشخصي إلى أكثر من 7 في المائة نتيجة اضطرابات سلاسل التوريد والحوافز الحكومية، وهو لا يزال حتى اليوم فوق مستهدف اثنين في المائة.

أزمة هرمز وسيناريو الركود التضخمي

على صعيد الأرقام المباشرة، لفت والر إلى أن أثر الحرب ظهر جلياً في مؤشر أسعار المستهلك لشهر مارس (آذار)، الذي ارتفع إلى 3.3 في المائة بعد أن كان 2.4 في المائة، مدفوعاً بأسعار الوقود. وحذر من أن استمرار الصراع وتقييد الملاحة في مضيق هرمز قد يؤدي إلى سيناريو «ركود تضخمي معقد»، حيث يجتمع التضخم المرتفع مع ضعف سوق العمل، مما قد يحرم «الفيدرالي» من القدرة على خفض الفائدة من نطاقها الحالي (3.5 - 3.75 في المائة).

وقال والر، الذي كان المرشح المفضل لدى كثير من الاقتصاديين لخلافة جيروم باول في رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي: «كلما طالت فترة ارتفاع أسعار الطاقة، زادت احتمالات انتشار التضخم في مجموعة واسعة من السلع والخدمات، وبدء ظهور تأثيرات على سلاسل التوريد، وتباطؤ النشاط الاقتصادي والتوظيف. وإذا استمرت الصدمات الواحدة تلو الأخرى، فلن يكون بمقدورنا غض الطرف عن ارتفاع التوقعات التضخمية لدى الأسر والشركات».

هامش المناورة وسوق العمل

وفي تحليل لافت لمرونة السياسة النقدية، أشار والر إلى أن التغيرات الهيكلية في سوق العمل جعلت مستوى خلق الوظائف المطلوب لاستقرار البطالة يقترب من «الصفر». وهذا يعني، حسب رؤيته، أن فقدان بعض الوظائف شهرياً لا يشير بالضرورة إلى ركود اقتصادي، مما يمنح «الفيدرالي» هامشاً للمناورة للإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول إذا استدعى التضخم ذلك، دون الخوف من انهيار مفاجئ في سوق العمل.

وأوضح أنه سيتعين عليه الموازنة بين جانبي «التفويض المزدوج» بين استقرار الأسعار والتوظيف الكامل، مشدداً على أنه قد يختار الإبقاء على سعر الفائدة الحالي إذا فاقت مخاطر التضخم التهديدات التي تواجه سوق العمل.

ترقب الأسواق لنتائج المفاوضات

على الرغم من هذه النبرة التحذيرية، شهدت الأسواق انفراجة مؤقتة يوم الجمعة مع انخفاض أسعار النفط، بعد إعلان الولايات المتحدة وإيران عن بقاء مضيق هرمز مفتوحاً خلال محادثات وقف إطلاق النار التي تنتهي الثلاثاء. ورغم أن والر كان قد صوّت لصالح خفض الفائدة في يناير (كانون الثاني) الماضي، لدعم المقترضين، فإن الأغلبية وقتها فضلت التثبيت، وهو المسار الذي يبدو أن الأسواق قد سلمت به لما تبقى من هذا العام في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة.