رئيس «إتش إس بي سي»: السعودية محور النمو الإقليمي ونتطلع لتوسيع أعمالنا في المنطقة

الحداري كشف لـ«الشرق الأوسط» ملامح الاستراتيجية الجديدة: بناء مصرف أكثر مرونةً وطموحاً

مقر مجموعة «إتش إس بي سي» في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
مقر مجموعة «إتش إس بي سي» في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
TT

رئيس «إتش إس بي سي»: السعودية محور النمو الإقليمي ونتطلع لتوسيع أعمالنا في المنطقة

مقر مجموعة «إتش إس بي سي» في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
مقر مجموعة «إتش إس بي سي» في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

رسمَ الرئيس التنفيذي لمجموعة «إتش إس بي سي» (HSBC)، ملامح استراتيجية المصرف بعد إعادة الهيكلة العالمية التي انطلقت في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، مؤكداً تحقيق «تقدّم ملحوظ» في بناء مصرف «أكثر مرونةً وبساطةً وتركيزاً وطموحاً للنمو».

وأشار الحداري في حوار مع «الشرق الأوسط» على هامش مشاركته في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض، إلى المضي على «الطريق الصحيح» نحو أهداف خفض التكاليف، عبر إعلان 11 صفقة تخارج هذا العام، واصفاً إياها بأنها «كلها في مجالات غير استراتيجية». ولفت إلى أن «مشروع الخصخصة المقترح لبنك هانغ سنغ»، الذي أُعلن عنه مؤخراً، يمثّل مثالاً واضحاً على «كيفية الاستثمار من أجل تحقيق النمو»، كما تطرق إلى عمليات البنك في السعودية والمنطقة ورؤيته المستقبلية في هذا الجانب.

إعادة الهيكلة

شدّد الحداري على أن «إتش إس بي سي» يحقق تقدماً ملحوظاً في سعيه لبناء مصرف يتسم بمزيد من المرونة والبساطة والتركيز والطموح لتحقيق مزيدٍ من النمو، موضحاً أنهم، ضمن هذه الرؤية، يسيرون على الطريق الصحيح لتحقيق الأهداف المتعلقة بخفض التكاليف. وقال الرئيس التنفيذي لـ«إتش إس بي سي»، إن المصرف أعلن عن 11 صفقة تخارج لأعمال مصرفية محددة هذا العام، جميعُها في مجالات غير استراتيجية.

وأضاف: «من شأن عمليات التخارج هذه أن تتيح لنا فرصة الاستثمار في المجالات التي نتمتع فيها بميزةٍ تنافسيةٍ أقوى. ويعد مشروع الخصخصة المقترح لبنك هانغ سنغ، الذي أعلنا عنه مؤخراً، مثالاً واضحاً على كيفية استثمارنا من أجل تحقيق النمو».

الأولويات الرئيسية

وحول انعكاس الاستراتيجية العالمية على أولويات البنك وخطط تحقيق النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، قال الحداري: «إذا نظرنا إلى تاريخ وجودنا في المنطقة، فإننا موجودون في الشرق الأوسط منذ أكثر من 130 عاماً؛ وقد أسهمنا في إرساء أسس التجارة، وإنشاء صناديق الثروة السيادية، وبناء أسواق رأس المال وتعزيزها، كما استثمرنا في مشاريع البنية التحتية الوطنية الأساسية».

وأضاف: «التزامنا تجاه هذه المنطقة قوي، ونرى فرصاً هائلة للنمو، بما في ذلك ربط المنطقة بالعالم عبر ممراتٍ اقتصادية ناشئة ومزدهرة، ودعم برامج التنمية والتطوير الاقتصادي لدول المنطقة، وتلبية الطلب المزداد على خدمات إدارة الثروات».

جورج الحداري الرئيس التنفيذي لمجموعة «إتش إس بي سي»

أنشطة الدمج والاستحواذ وأسواق المال

وبشأن إعلان البنك في وقتٍ سابق من هذا العام، الخروجَ من أنشطة الدمج والاستحواذ وأعمال أسواق رأس المال المساهم في أوروبا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، وإعادة تركيز الجهود في مجال الخدمات المصرفية الاستثمارية على آسيا والشرق الأوسط، بوصفها جزءاً من التحول الاستراتيجي العالمي نحو آسيا، أكّد الحداري أن تقليص هذه الأنشطة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأوروبا سيتيح وفوراتٍ في التكاليف بقيمة 300 مليون دولار.

وأوضح: «يمكننا إعادة استثمارها وتوظيفها في مجالات أخرى. لم تكن هذه الأنشطة مربحةً على نحوٍ ملموس، ونتوقع تحقيق عائدٍ أعلى عند إعادة استثمار هذه الوفورات. كما نحافظ على تركيزٍ أكبر في أسواق الدمج والاستحواذ وأسواق رأس المال المساهم في آسيا وهنا في منطقة الشرق الأوسط، حيث يمكننا تحقيق قيمةٍ إضافيةٍ لعملائنا».

العوامل الجيوسياسية العالمية

وعن تأثير العوامل الجيوسياسية العالمية على الأعمال خارجياً على المستوى العالمي وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، قال الحداري: «ليست العوامل الجيوسياسية والرسوم الجمركية أموراً جديدةً على الاقتصاد العالمي؛ الجديد هو وتيرة التغييرات وحجمها. وبعض هذه التغييرات هيكليةٌ بطبيعتها وتصب في مصلحتنا لأنها تعزّز نقاط قوتنا».

وأضاف: «على سبيل المثال، تنمية التجارة المتبادلة بين منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا وآسيا، وتنمية التجارة في مجال الخدمات، ونحن في الحالتين نتمتع بوضعٍ جيد يتيح لنا توفير الدعم لكليهما».

وتابع: «بشكلٍ عام، فإن ملاءتنا المالية القوية، وخبرتنا في تيسير التدفقات المالية، إضافةً إلى خبراتنا المحلية، تعني أن المجموعة في وضعٍ جيد لتجاوز هذه الفترة من عدم الاستقرار والضبابية، وكذلك تقديم الدعم لعملائنا لمساعدتهم في تجاوزها».

وزاد: «ينطبق ذلك على دعم عملائنا في السعودية؛ إذ أظهرت نتائج استطلاعنا الأخير (شبكات إتش إس بي سي الجديدة لرأس المال في المملكة العربية السعودية)، أن 8 من أصل كل 10 شركات تخطط لزيادة التجارة والاستثمار في السعودية خلال السنوات الخمس المقبلة، وأن 89 في المائة من هذه الشركات ترى أن السعودية تُشكّل مركزاً موثوقاً للتجارة والاستثمار الإقليمي والدولي في ظل الظروف الجيوسياسية المتوترة».

الآفاق الاقتصادية

وتطرّق الحداري إلى الآفاق الاقتصادية الحالية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، مشيراً إلى أن المنطقة لا تزال تتمتع بالقدرة على التكيف والمرونة، مدعومةً بأوضاع مالية قوية، وخطط تحولٍ اقتصادي مهمة، وبرامج تنويعٍ اقتصادي متسارعة في اقتصادات دول الخليج.

وأوضح: «نعتقد أن خطط الإنفاق الحكومية المستمرة، لا سيما في قطاعات البنية التحتية والسياحة والصناعة، ستواصل تعزيز الطلب المحلي وفتح آفاق جديدة لتوسع القطاع الخاص».

وأكد أن من بين العوامل الرئيسية الأخرى المحفّزة للنمو، تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية مع آسيا، بما يعيد تشكيل تدفقات رأس المال ويعزّز دور المنطقة حلقةَ وصلٍ بين الشرق والغرب، مشدداً على أن هذا التحول في السيولة نحو الشرق، إلى جانب استمرار نشاط إصدار السندات السيادية وتوسع أسواق رأس المال إقليمياً، كفيلٌ بجذب المستثمرين المحليين والدوليين على حدٍّ سواء.

«رؤية 2030»

وتحدث الحداري عن التحول السريع الذي تشهده السعودية في ظل «رؤية 2030»، والفرص التي يراها «إتش إس بي سي» لدعم هذه المبادرة، قائلاً: «نرى إمكاناتٍ هائلة في المنطقة، ولا شك أن السعودية محور هذا النمو المتوقع».

وأضاف: «إن خطة التحول الاقتصادي التي تعتمدها المملكة، من خلال (رؤية 2030)، تُترجم إلى زخمٍ اقتصادي حقيقي، بينما يجذب تركيزُ هذه الرؤية على الابتكار الشركاتِ والمستثمرين العالميين. ويتوقع اقتصاديونا نموَّ الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بنسبة 4.3 في المائة في عام 2025، فيما زاد الناتج الاقتصادي غير النفطي بأكثر من 40 في المائة عن مستويات ما قبل الجائحة».

وتابع: «تشير الآراء التي تم استطلاعها لدى 4000 من قادة الأعمال العالميين في تقريرنا حول (شبكات إتش إس بي سي الجديدة لرأس المال في السعودية)، إلى أن المملكة باتت وجهةً رئيسية للتجارة والاستثمار بالنسبة للشركات العالمية، في حين أن 74 في المائة من هذه الشركات توصي بالسعودية بوصفها وجهة استثمارية للشركات الأخرى».

وأضاف: «قمنا على مدى السنوات العشر الماضية بتوسيع قدراتنا للمساهمة في تطوير البنية التحتية المالية للمملكة وتلبية احتياجات عملائنا، ولا نزال نواصل الاستثمار في هذا المجال».

«إتش إس بي سي» يعزّز حضوره في العاصمة بانتقال مقره إلى مركز الملك عبد الله المالي (الشرق الأوسط)

وأكّد أن البنك يستعد للمرحلة التالية من النمو لأعماله دعماً لعملائه، قائلاً: «ستَنقل (إتش إس بي سي العربية السعودية) مكاتبها إلى مركز الملك عبد الله المالي (كافد) في قلب مدينة الرياض أوائل العام المقبل. ويمثّل هذا الإعلان تدشيناً لمرحلةٍ جديدة من نمو الشركة ومواكبةً لمسيرة التنمية الاقتصادية التي تعيشها المملكة. ولدينا أكثر من 300 خبيرٍ متخصص في الخدمات المصرفية الاستثمارية وأسواق رأس المال في الرياض».

وزاد: «نستثمر أيضاً في مجالاتٍ تنافسيةٍ أساسية بالمنطقة؛ فعلى سبيل المثال لدينا أكبر فريقٍ من الخبراء المتخصصين في إدارة أسواق رأس المال المساهم في الشرق الأوسط». وتابع: «ومع وجود فرق قيادتنا العليا لأسواق رأس المال والاستشارات لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا في مركزين ماليين رئيسيين؛ هما السعودية والإمارات، سنكون في وضعٍ أفضل للشراكة مع عملائنا ودعمهم في استكشاف إمكانات النمو بالمنطقة».

خطط الاستثمار والنمو

وشدّد الحداري على أن منطقة الشرق الأوسط تقع في صميم المرحلة المقبلة من تحقيق النمو لأعمال البنك، وأن المكانة المتميزة لـ«إتش إس بي سي» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا تؤهّله لتحقيق هذا النمو المنشود. وأضاف: «نستثمر في تعزيز قدراتنا الميدانية في أسواق رئيسية مثل الإمارات والسعودية وقطر ومصر، مع توسيع عروض منتجاتنا وخدماتنا في مجالات التمويل التجاري، وخدمات المعاملات المصرفية، والأسواق، وإدارة الثروات».

وفي مجال إدارة الثروات، قال: «أعلنا في سبتمبر (أيلول) من هذا العام، افتتاح أول مركزٍ للثروات في الشرق الأوسط، وذلك في دولة الإمارات، ضمن تركيزنا على توفير حلول إدارة ثرواتٍ رائدة ومتميزة في مختلف أنحاء المنطقة. كما نواصل قيادة التحول الرقمي في خدمات المدفوعات والتجارة والتداول وصرف العملات الأجنبية والأوراق المالية».

وختم: «نواصل الاستثمار في ابتكار حلول التمويل المستدام لمساعدة عملائنا في مواكبة التحول بمجال الطاقة والتنويع الاقتصادي على نطاقٍ أوسع. ومع أخذ كل ذلك في الحسبان، تؤكد هذه الاستثمارات مدى ثقة بنك (إتش إس بي سي) في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا مركزاً حيوياً للتجارة ورأس المال والابتكار».


مقالات ذات صلة

السوق السعودية تنهي الأسبوع بتراجع 0.3 % بتأثير من أسهم قيادية

الاقتصاد مستثمر يتابع شاشة الأسهم في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)

السوق السعودية تنهي الأسبوع بتراجع 0.3 % بتأثير من أسهم قيادية

تراجع مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية بنسبة 0.3 في المائة، في نهاية جلسة الخميس، ليصل إلى 11554 نقطة، وبتداولات قيمتها 6.4 مليار ريال (1.7 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد لافتات بنوك «جي بي مورغان تشيس» و«سيتي بنك» و«ويلز فارغو» (رويترز)

بنوك «وول ستريت» تجني 45 مليار دولار من الأزمات الجيوسياسية

بينما يواجه العالم تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، أثبت «شارع المال» الأميركي قدرة استثنائية على تحويل التقلبات إلى مكاسب مليارية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مستثمرون يتابعون شاشة التداول في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)

تباين الأسهم الخليجية في التداولات المبكرة مع ترقب لاتفاق سلام محتمل   

شهدت أسواق الأسهم الخليجية تبايناً في أدائها خلال التداولات المبكرة يوم الخميس، حيث يترقب المستثمرون احتمالات التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب المرتبطة بإيران.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)

الأسواق الخليجية تغلق مرتفعة بدعم من آمال استئناف محادثات السلام

أنهت أسواق الأسهم الخليجية تعاملات يوم الأربعاء على ارتفاع، مواصلة مكاسبها من الجلسة السابقة، بدعم من آمال استئناف محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مبنى «بنك أوف أميركا» في لوس أنجليس (رويترز)

أرباح «بنك أوف أميركا» تتجاوز التوقعات بفضل الأسهم والاستثمار المصرفي

تجاوز «بنك أوف أميركا» توقعات أرباح الربع الأول مدعوماً بأداء قياسي في تداول الأسهم، وارتفاع رسوم الاستثمار المصرفي نتيجة انتعاش نشاط الاندماجيات، والاستحواذات.

«الشرق الأوسط» (كارولاينا)

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية انفراجة واسعة واستعادة قوية للزخم عقب قرار إيران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، تزامناً مع هدنة لبنان. وأدى هذا التحول الإيجابي إلى تبدد سريع للمخاوف الجيوسياسية؛ ما دفع أسعار النفط للتراجع بنسبة تجاوزت 10 في المائة، حيث استقر «برنت» عند 88.27 دولار؛ ما خفف الضغوط التضخمية عالمياً.

وانعكس هذا الاستقرار فوراً على أسواق الأسهم التي انتعشت لتسجل مستويات قياسية، مدفوعة بارتفاع شهية المخاطرة لدى المستثمرين.

وفي سوق العملات، تراجع الدولار ليتيح المجال لصعود اليورو والين، بينما واصلت المعادن النفيسة مكاسبها النوعية.

أما أسواق السندات فقد شهدت هدوءاً مع تقليص الرهانات على رفع الفائدة؛ ما يعكس تفاؤلاً كبيراً بعودة استقرار سلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة العالمية بسلاسة.


الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
TT

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)

أطلق وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، موقفاً حازماً أكد فيه أن قدرة العالم على مواجهة الأزمات مرهونة بتبني «رؤية استراتيجية موحدة وإصلاحات سريعة»، مُحذراً من أن التفاؤل المفرط في الأسواق قد يحجب حقيقة التحديات الجيوسياسية الراهنة، لا سيما في ظل الصراعات التي تهدد أمن الإمدادات.

كلام الجدعان جاء في مؤتمر صحافي مشترك مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي، وذلك خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.

وقد توّج الاجتماع بتبني «مبادئ الدرعية» إطاراً تاريخياً لحوكمة صندوق النقد الدولي؛ ما يرسخ مرحلة جديدة من التعاون متعدد الأطراف في مواجهة حالة عدم اليقين العالمي.

الجدعان متحدثاً في المؤتمر الصحافي (أ.ف.ب)

السلام ركيزةً للنمو المستدام

استهل الجدعان المؤتمر بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي قد تعرَّض لاختبارات متلاحقة جراء صدمات متكررة على مدى السنوات القليلة الماضية، ناتجة من الحروب والصراعات، بما في ذلك الصراع الجديد في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أنه بالإضافة إلى الآثار الإنسانية العميقة، فإن الأثر الاقتصادي لهذه الصدمات هو أثر عالمي، وسوف يضرب مرة أخرى الفئات الأفقر والأكثر ضعفاً بشدة، محذراً من أن هذا يأتي في وقت تآكلت فيه مساحة السياسات وضعف فيه التعاون الدولي.

وأشار الجدعان إلى أن الاستجابة المناسبة من حيث السياسات تعتمد على كيفية انتشار الصدمة عبر الاقتصاد المحلي؛ ما يستدعي سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف مدعومة بأطر عمل موثوقة وتعاون دولي.

وشدد على أن إنهاء الحروب والصراعات وتأمين سلام دائم في جميع أنحاء العالم يظل أمراً أساسياً لا غنى عنه لتحقيق النمو المستدام والاستقرار طويل الأجل.

المؤتمر الصحافي المشترك للجدعان وغورغييفا (أ.ف.ب)

مخاطر الصراعات وتداعياتها على أمن الطاقة

وأكد بيان صادر عن اللجنة أن الاقتصاد العالمي ظل صامداً على مدى السنوات القليلة الماضية رغم الصدمات المتكررة، بما في ذلك الحروب والصراعات. ووصف البيان الصراع في الشرق الأوسط بأنه صدمة عالمية رئيسية جديدة، سيعتمد أثرها الاقتصادي على مدتها وكثافتها وتوسعها الجغرافي.

ولفت إلى أنه بات من الواضح بالفعل، من خلال الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية واضطرابات النقل حتى الآن، أنها تشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد العالمي، رغم الجهود الملحوظة لاستدامة تدفق الطاقة، بما في ذلك من خلال إعادة توجيه مسارات النقل لتعزيز أمن الإمدادات.

ونوّه الأعضاء إلى أن تأثير الصدمة غير متماثل للغاية عبر البلدان، وإذا طال أمدها، فقد تبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة ممتدة، وتعطل إمدادات المدخلات الرئيسية، وتضخم المخاطر التي تهدد أمن الطاقة والغذاء، والنمو العالمي، والتضخم، وحسابات القطاع الخارجي.

وأشار البيان إلى أن الأوضاع المالية المشددة والتداعيات المحتملة على الاستقرار المالي قد تزيد من الضغط على الآفاق المستقبلية، في وقت يمر فيه العالم بتحولات هيكلية عميقة في التكنولوجيا، والديموغرافيا، والمخاطر المرتبطة بالمناخ، وهي تغييرات ستعيد تشكيل الاقتصادات وتختبر قدرتها على التكيف.

الجدعان يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

أولويات السياسة الاقتصادية والمالية

أكدت اللجنة أنه في هذه البيئة التي تكتنفها حالة من عدم اليقين الشديد، تتمثل الأولوية القصوى في تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي، مع تمكين نمو قوي واسع القاعدة، من خلال سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف وموثوقة.

وشددت البنوك المركزية على التزامها القوي بالحفاظ على استقرار الأسعار، عادَّةً أن استقلاليتها والتواصل الواضح ضروريان لمصداقية السياسة وإبقاء توقعات التضخم راسية.

كما أفادت بأن السياسة المالية يجب أن تُعايَر بشكل مناسب وتُرسخ في أطر متوسطة الأجل موثوقة لضمان استدامة الدين، مع إمكانية استخدام تدابير مؤقتة ومستهدفة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً حيثما توفرت المساحة المالية.

وأكد الأعضاء استمرارهم في الالتزام بالمعايير الدولية ومراقبة المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي، بما في ذلك تعزيز الرقابة على المخاطر النظامية الناشئة عن الذكاء الاصطناعي، والمؤسسات المالية غير المصرفية، والأصول الرقمية، مع تسخير فوائد الابتكار التكنولوجي.

الإصلاحات الهيكلية والتعاون الدولي

وأشارت اللجنة إلى المضي قدماً في الإصلاحات الهيكلية لتمكين استثمار القطاع الخاص، وزيادة الإنتاجية، وحماية أمن الطاقة.

وأكد الأعضاء مواصلة التعاون لمعالجة الاختلالات العالمية المفرطة والتوترات التجارية وبناء سلاسل إمداد أكثر صموداً، ودعم اقتصاد عالمي عادل ومنفتح، مع التأكيد مجدداً على التزامات أسعار الصرف الصادرة في أبريل (نيسان) 2021.

وعبّر البيان عن ترحيب اللجنة بجدول أعمال السياسة العالمية للمدير العام، مؤكداً على الدور الحاسم لصندوق النقد الدولي في مساعدة الدول عبر مشورة السياسات وتنمية القدرات والدعم المالي بالتعاون مع المؤسسات الأخرى.

دعم الدول الضعيفة ومعالجة الديون

وتعهد البيان بمواصلة دعم البلدان في جهودها لتعزيز الاستقرار والنمو، مع إيلاء اهتمام خاص للبلدان منخفضة الدخل والدول الهشة المتأثرة بالصراعات، لا سيما حيث تتزايد ضغوط الديون. وأكد الأعضاء التزامهم بتحسين عمليات إعادة هيكلة الديون، بما في ذلك في «إطار العمل المشترك»، والمضي قدماً في المائدة المستديرة العالمية للديون السيادية.

ورحَّب البيان بـ«دليل إعادة الهيكلة» المحدث، ودعا إلى تعزيز شفافية الديون من جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الدائنون من القطاع الخاص.

كما حث البيان على زيادة الدعم للبلدان ذات الديون المستدامة التي تواجه تحديات تمويل قصيرة الأجل عبر تسريع تنفيذ نهج الركائز الثلاث لصندوق النقد والبنك الدولي، والانتهاء من مراجعة إطار استدامة الديون.

تعزيز الرقابة وأدوات الإقراض

أعلن البيان دعم اللجنة لزيادة تركيز الرقابة بناءً على الصرامة التحليلية والإنصاف، والتطلع إلى الانتهاء من المراجعة الشاملة للرقابة ومراجعة برنامج تقييم القطاع المالي (FSAP).

كما أيَّد الأعضاء الجهود المستمرة لتحصين إطار الإقراض الخاص بالصندوق، بما في ذلك مراجعة تصميم البرامج والشروط (ROC) والعمل على أطر السياسة النقدية للبلدان التي تمر بأزمات.

مبادئ الدرعية وحوكمة الصندوق

وفي ختام البيان، أعلن الأعضاء تأييدهم لـ«مبادئ الدرعية التوجيهية» لإصلاحات الحصص والحوكمة، عادِّين إياها إنجازاً جماعياً كبيراً ومعلماً مهماً في أجندة إصلاح حوكمة الصندوق.

وتقدمت اللجنة بالشكر لنواب اللجنة الدولية والمجلس التنفيذي والإدارة على جهودهم، مؤكدة أن هذه المبادئ ستعمل كدليل للمناقشات المستقبلية، بما في ذلك المراجعة العامة السابعة عشرة للحصص.

واختتم البيان بالتأكيد مجدداً على الالتزام بصندوق نقد دولي قوي، وقائم على الحصص، ومزود بموارد كافية ليكون في مركز شبكة الأمان المالي العالمية، مع التطلع إلى الانتهاء من الموافقات المحلية لموافقة الأعضاء على زيادة الحصص بموجب المراجعة العامة السادسة عشرة دون أي تأخير إضافي.


الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية تحركات حادة يوم الجمعة، في أعقاب قرار إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات الجيوسياسية بسرعة.

فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني، يوم الجمعة، أن مضيق هرمز بات مفتوحاً بالكامل أمام جميع السفن التجارية طوال فترة وقف إطلاق النار، في خطوة جاءت بالتزامن مع الهدنة في لبنان. وقال عباس عراقجي في منشور على منصة «إكس» إن عبور السفن عبر المضيق سيجري وفق المسار المنسق الذي أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية.

وجاء هذا الإعلان ليخفف جزئياً من المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية، ما انعكس سريعاً على الأسواق مع تراجع حاد في أسعار النفط عقب التصريحات.

تراجع حاد في أسعار النفط

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 10 في المائة يوم الجمعة، مواصلة خسائرها السابقة، وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 11.12 دولار أو 11.2 في المائة لتسجل 88.27 دولاراً للبرميل عند الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش، فيما هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 11.40 دولار أو 12 في المائة إلى 83.29 دولار للبرميل.

وقال جيوفاني ستونوفو، المحلل في بنك «يو بي إس»، إن تصريحات وزير الخارجية الإيراني «تشير إلى خفض التصعيد في حال استمر وقف إطلاق النار، لكن يبقى السؤال ما إذا كان تدفق ناقلات النفط عبر المضيق سيشهد زيادة ملموسة».

ويعكس هذا التراجع انحساراً مؤقتاً في علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت أسعار النفط خلال الفترة الماضية، وسط ترقب المستثمرين لاحتمال تحول وقف إطلاق النار إلى تهدئة أوسع نطاقاً في المنطقة.

الدولار يتراجع أيضاً

تراجع مؤشر الدولار الأميركي بعد إعلان إيران، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 0.46 في المائة إلى مستوى 97.765. وتراجع الدولار بنسبة 0.6 في المائة إلى 158 يناً، فيما ارتفع اليورو بنسبة 0.6 في المائة إلى 1.1848 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له في شهرين.

في المقابل، ارتفع الدولار الكندي أمام نظيره الأميركي يوم الجمعة، فيما تراجعت عوائد السندات الحكومية الكندية. وجرى تداول الدولار الكندي (اللوني) مرتفعاً بنسبة 0.3 في المائة عند 1.366 دولار كندي للدولار الأميركي، بما يعادل 73.21 سنت أميركي، بعد تحركات بين 1.3661 و1.3707 خلال الجلسة.

الأسهم العالمية تواصل مكاسبها

شهدت الأسهم العالمية، التي كانت تتداول بالفعل عند مستويات قياسية، مزيداً من المكاسب عقب الإعلان. وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.4 في المائة، فيما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.9 في المائة.

وقال مايكل براون، كبير استراتيجيي الأبحاث في شركة «بيبرستون»، إن تحسن آفاق الملاحة عبر مضيق هرمز يقلص بشكل واضح علاوة المخاطر الجيوسياسية، ما يدعم شهية المخاطرة في الأسواق. وأضاف أن هذا التحول يفسر رد الفعل الإيجابي في الأسواق.

السندات العالمية تتحرك بحذر

في أسواق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.27 في المائة، بينما سجلت عوائد السندات لأجل عامين 3.74 في المائة، في إشارة إلى توازن حذر في توقعات السياسة النقدية. كما انخفض عائد السندات الحكومية الكندية لأجل 10 سنوات بمقدار 8.3 نقطة أساس إلى 3.421 في المائة.

وفي أوروبا، تراجعت عوائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين إلى أدنى مستوياتها في شهر، بعدما هبطت عوائد «شاتز» لأجل عامين، وهي الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة والتضخم، بما يصل إلى 11.2 نقطة أساس لتسجل 2.412 في المائة قبل أن تقلص خسائرها إلى 2.43 في المائة، مسجلة تراجعاً يومياً بنحو 9.6 نقطة أساس. وكانت العوائد قد بلغت أعلى مستوياتها منذ يوليو الماضي في أواخر مارس (آذار) عند نحو 2.77 في المائة.

وأشارت الأسواق إلى تقليص رهاناتها على رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة؛ إذ قدرت احتمالات الرفع في الاجتماع المقبل بنحو 8 في المائة، مقارنة بـ15 في المائة في وقت سابق من الجلسة، مع توقعات بوصول سعر فائدة الإيداع إلى 2.44 في المائة بنهاية العام مقابل 2.55 في المائة سابقاً.

المعادن النفيسة ترتفع

أما في أسواق المعادن النفيسة، فقد ارتفع الذهب الفوري بنحو 2 في المائة إلى 4881 دولاراً للأونصة، كما صعدت الفضة بأكثر من 5 في المائة إلى 82.30 دولار، والبلاتين بنسبة 3 في المائة إلى 2149.15 دولار، وارتفع البلاديوم بنسبة 3 في المائة إلى 1600.88 دولاراً، مدعومة بتزايد الطلب على الملاذات الآمنة رغم تراجع النفط.