«ستاندرد آند بورز»: التنويع الاقتصادي السعودي يثبت صلابته أمام التحديات الجيوسياسية

قالت إن النشاط غير النفطي يساهم بـ57 % من الناتج المحلي في 2025

جانب من العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

«ستاندرد آند بورز»: التنويع الاقتصادي السعودي يثبت صلابته أمام التحديات الجيوسياسية

جانب من العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من العاصمة السعودية الرياض (واس)

أصدرت وكالة «ستاندرد آند بورز» تقريراً تفصيلياً تحت عنوان: «من النفط إلى الفرص... كيف تعيد السعودية تعريف اقتصادها»، يوضح أن برنامج «رؤية 2030» ليس مجرد خطة إصلاح، بل هو تحول جذري يُرسّخ دعائم اقتصاد المملكة في وجه تقلبات أسواق الطاقة العالمية، ويؤكد أن جهود التنويع قد عززت مرونة الاقتصاد السعودي وقللت من تقلبه.

أبرزت الوكالة أن النشاط غير النفطي في السعودية هو المحرك الأساسي للنمو، فمن المتوقع أن يُساهم بنحو 57 في المائة من إجمالي الناتج المحلي عام 2025. وأوضحت أن هذا النمو ناتج عن إصلاحات هيكلية عميقة ضمن «رؤية 2030»، أدت إلى مكاسب في سوق العمل، مع زيادة في التوظيف، بما في ذلك ارتفاع مشاركة المرأة في القوى العاملة، وانخفاض مستويات البطالة؛ وفي النمو الكبير بقطاعات عدة، مثل السياحة والترفيه المدعوم بمشروعات ضخمة ممولة من «صندوق الاستثمارات العامة»، والذي يضخ سنوياً أكثر من 40 مليار دولار في مشروعات التنويع؛ وفي تحقيق المرونة، حيث أظهر الأداء الاقتصادي، بما في ذلك الأرقام القياسية للسياح، صموداً قوياً أمام التصعيد الجيوسياسي الإقليمي الأخير.

استثمارات مكثفة

في سياق الدفع القوي نحو تنفيذ «رؤية 2030»، دخلت المملكة مرحلة تتطلب رأسمال مكثفاً لتمويل مشروعات البنية التحتية العملاقة. وتُشير توقعات الوكالة إلى أن هذا الإنفاق الاستراتيجي الكبير، بالإضافة إلى تراجع توقعات أسعار النفط، سيؤديان إلى اتساع مؤقت في العجز المالي.

كما يُتوقع تحول الحساب الجاري إلى عجز أكثر استدامة بنحو 2.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2025 و2028؛ مما يعكس بشكل أساسي الزيادة الحتمية في واردات المعدات والخدمات المرتبطة بتنفيذ المشروعات الكبرى.

وفي هذا الإطار، تتوقع «ستاندرد آند بورز» ارتفاعاً تدريجياً في إجمالي الدين الحكومي، ومع ذلك، تؤكد أن صافي الأصول سيظل قوياً للغاية وكافياً لدعم الجدارة الائتمانية الممتازة للمملكة؛ مما يوضح قدرتها على استيعاب تكاليف هذا التحول الضخم.

الناس يستمتعون بالجلوس في الهواء الطلق مع انحسار حرارة الصيف تدريجياً بالرياض (أ.ف.ب)

قوة القطاع المالي ومحركات القطاع الخاص

تؤكد البيانات أن البنوك السعودية لا تزال في طليعة الجهات الممولة مشروعات «رؤية 2030»، وأنها تحافظ على مركز مالي متين ومربح للغاية، فقد بلغت نسبة كفاية رأس المال الإجمالية للبنوك 19.3 في المائة كما كان خلال 30 يونيو (حزيران) 2025؛ مما يعكس رسملة ممتازة وقدرة على استيعاب المخاطر، وفق ما جاء في التقرير.

وبشأن الربحية، فقد ظلت البنوك السعودية في موقع قوي، حيث وصل العائد على الأصول إلى 2.3 في المائة حتى منتصف 2025، ومن المتوقع أن يظل هذا المعدل مستقراً بفضل ارتفاع أحجام الإقراض، الذي يعوض أي انخفاض متوقع في أسعار الفائدة. وتدعم هذه الأرباح القوية، إلى جانب سياسات توزيع أرباح حكيمة، الرسملة النوعية والكمية للبنوك.

كما شهد القطاع تحولاً هيكلياً في مصادر التمويل، فقد فاق نمو القروض تراكم الودائع؛ مما أدى إلى ارتفاع مطرد في نسبة القروض إلى الودائع، لتتجاوز 110 في المائة. ولمعالجة هذا التحدي التمويلي ودعم الإقراض المتصاعد، زادت البنوك من اعتمادها على التمويل الخارجي. ومع ذلك، وفقاً لـ«ستاندرد آند بورز»، تظل مستويات الدين الخارجي للبنوك تحت السيطرة، حيث من غير المتوقع أن تتجاوز 10 في المائة من إجمالي الإقراض خلال العامين المقبلين؛ مما يحافظ على استقرار ميزانيتها.

الرهن العقاري

وترى الوكالة أن الإقراض السكني (الرهن العقاري) يمثل مجال تركيز حاسم؛ لأنه يدعم الهدف الاستراتيجي لـ«رؤية 2030» برفع نسبة ملكية المنازل إلى 70 في المائة.

في نهاية مارس (آذار) 2025، شكلت قروض الأفراد العقارية 22.5 في المائة من إجمالي قروض البنوك. ولدعم هذا النمو، فمن المتوقع أن يلجأ القطاع إلى سوق الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، خصوصاً بعد الإصدار من قبل «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»؛ مما سيوفر سيولة إضافية للبنوك لإعادة تدوير رؤوس الأموال إلى قروض جديدة.

التعدين والرعاية الصحية يقودان التنويع

قالت «ستاندرد آند بورز» إن المشهد المؤسسي في المملكة يشهد تحولاً كبيراً مع توفير «رؤية 2030» فرصَ نمو هائلةً خارج نطاق النفط التقليدي. وتستفيد الشركات بشكل كبير في قطاعات رئيسية تشمل الرعاية الصحية، والسياحة والضيافة، واللوجيستيات وسلاسل الإمداد، والتعدين.

ويعدّ قطاع التعدين الأبرز في هذه المرحلة، حيث تضع الحكومة خططاً طموحة لتعظيم استغلال الموارد التعدينية غير المستغلة، التي تُقدر قيمتها بـ2.5 تريليون دولار. والهدف هو رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 75 مليار دولار بحلول عام 2030، ارتفاعاً حاداً من 17 مليار دولار المسجلة في عام 2024. وقد دُعّم هذا الهدف بإصدار لوائح تنظيمية جديدة لتسهيل الاستثمار.

وفي موازاة ذلك، يشهد قطاع الرعاية الصحية نمواً مدعوماً بالعوامل الديموغرافية والتوسع في تطبيق التأمين الصحي الإلزامي، حيث من المتوقع أن تزيد الطاقة الاستيعابية للمستشفيات بنسبة 40 في المائة بحلول عام 2030، مقارنة بمستويات عام 2023؛ مما سيسهم في ظهور مزيد من شركات الرعاية الصحية الخاصة. بشكل عام، تعكس هذه التطورات تحولاً نحو استثمارات رأسمالية كبيرة، حيث بلغت إصدارات الشركات نحو 19.9 في المائة من إجمالي الإصدارات المالية البالغة نحو 50 مليار دولار في منتصف عام 2025.

قطاع التأمين: نمو سريع ورسملة قوية

يُشير التقرير إلى أن سوق التأمين السعودية تشهد توسعاً سريعاً، وتتمتع بإمكانات نمو كبيرة، خصوصاً في قطاع الحياة والادخار الذي ازدادت الأقساط المكتتبة الإجمالية فيه لتشكل نحو 10 في المائة من إجمالي الأقساط عام 2024 (ارتفاعاً من 4 في المائة عام 2023). وتتميز محافظ استثمارات شركات التأمين بتقلب منخفض. كما أكدت الوكالة أن جميع التصنيفات الائتمانية لشركات التأمين السعودية كانت ضمن «الدرجة الاستثمارية» وأنها تتمتع بـ«نظرة مستقبلية مستقرة». لكن «ستاندرد آند بورز» أشارت إلى أن السوق لا تزال شديدة التركيز، حيث تُحقق أكبر 5 شركات تأمين ما بين 70 و75 في المائة من إجمالي الإيرادات والأرباح.

متسوقون في أحد المجمعات التجارية (أ.ف.ب)

طفرة التمويل

أشار التقرير إلى ازدياد أهمية التمويل المخصص للمشروعات، الذي يتركز في قطاعات المرافق الحيوية:

* الطاقة المتجددة: تهدف السعودية إلى تأمين 50 في المائة من طاقتها من المصادر المتجددة بحلول عام 2030. ومن المتوقع إضافة نحو 90 غيغاواط من الطاقة المتجددة خلال السنوات الخمس المقبلة.

* تحلية المياه: تتحول المملكة نحو تقنية «التناضح العكسي» الأعلى كفاءة، وتخطط لإضافة سعة تحلية تصل إلى 3.5 مليون متر مكعب يومياً بحلول عام 2030.

* البنية التحتية الرقمية: ظهرت بوصفها من أسرع القطاعات نمواً، مع خطط حكومية لاستثمار نحو 20 مليار دولار لتوسيع قدرة مراكز البيانات بحلول عام 2030.

* إعادة التمويل والتوريق: أصبح «توريق الأصول وإعادة تمويل المشروعات التشغيلية» محوراً رئيسياً، حيث يسمح للبنوك بتحرير السيولة لتمويل مشروعات تنموية جديدة.

وتختتم وكالة «ستاندرد آند بورز» تقريرها بتأكيد التوقعات الإيجابية للاقتصاد السعودي، مشيرة إلى أنها «تستند إلى ركائز متينة، تتمثل في الاحتياطات المالية الضخمة، والسياسة النقدية المستقرة، والدفع المستمر لبرامج التنويع. والاحتياطات النفطية تسمح للحكومة باستدامة الاستثمارات وامتصاص الصدمات الاقتصادية الخارجية». ومع ذلك، تؤكد الوكالة أن نجاح مسار التنمية الاقتصادي على المدى الطويل في المملكة «يظل مرهوناً بالتوازن الدقيق بين إدارة تقلبات أسواق الطاقة وكفاءة تنفيذ أجندتها التحويلية الطموح، إلى جانب النمو المستدام في الإيرادات غير النفطية».


مقالات ذات صلة

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

الاقتصاد أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس) p-circle 00:33

تحليل إخباري الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة محمد شهباز شريف للمملكة تجسيداً لعمق العلاقة

جبير الأنصاري (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

تشهد بيئة الأعمال في السعودية تطوراً متسارعاً؛ مدعوماً بحزمة من الإصلاحات والخدمات الرقمية المتكاملة، حيث تجاوز عدد الخدمات المقدمة 18 مليون خدمة.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)

«مجلس الشؤون الاقتصادية» السعودي يستعرض حصاد «رؤية 2030» لعام 2025

عقد مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية اجتماعاً عبر الاتصال المرئي. وتابع نتائج عدد من الملفات بما فيها «رؤية 2030».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)

«أوكسفورد بزنس غروب»: السعودية ترسخ مكانتها مركزاً بحرياً عالمياً في ظل «رؤية 2030»

تتسارع وتيرة التحول في القطاع البحري السعودي، إذ باتت المملكة تعيد رسم خريطة دورها في منظومة التجارة الدولية، مستندةً إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية متنامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية انفراجة واسعة واستعادة قوية للزخم عقب قرار إيران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، تزامناً مع هدنة لبنان. وأدى هذا التحول الإيجابي إلى تبدد سريع للمخاوف الجيوسياسية؛ ما دفع أسعار النفط للتراجع بنسبة تجاوزت 10 في المائة، حيث استقر «برنت» عند 88.27 دولار؛ ما خفف الضغوط التضخمية عالمياً.

وانعكس هذا الاستقرار فوراً على أسواق الأسهم التي انتعشت لتسجل مستويات قياسية، مدفوعة بارتفاع شهية المخاطرة لدى المستثمرين.

وفي سوق العملات، تراجع الدولار ليتيح المجال لصعود اليورو والين، بينما واصلت المعادن النفيسة مكاسبها النوعية.

أما أسواق السندات فقد شهدت هدوءاً مع تقليص الرهانات على رفع الفائدة؛ ما يعكس تفاؤلاً كبيراً بعودة استقرار سلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة العالمية بسلاسة.


الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
TT

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)

أطلق وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، موقفاً حازماً أكد فيه أن قدرة العالم على مواجهة الأزمات مرهونة بتبني «رؤية استراتيجية موحدة وإصلاحات سريعة»، مُحذراً من أن التفاؤل المفرط في الأسواق قد يحجب حقيقة التحديات الجيوسياسية الراهنة، لا سيما في ظل الصراعات التي تهدد أمن الإمدادات.

كلام الجدعان جاء في مؤتمر صحافي مشترك مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي، وذلك خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.

وقد توّج الاجتماع بتبني «مبادئ الدرعية» إطاراً تاريخياً لحوكمة صندوق النقد الدولي؛ ما يرسخ مرحلة جديدة من التعاون متعدد الأطراف في مواجهة حالة عدم اليقين العالمي.

الجدعان متحدثاً في المؤتمر الصحافي (أ.ف.ب)

السلام ركيزةً للنمو المستدام

استهل الجدعان المؤتمر بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي قد تعرَّض لاختبارات متلاحقة جراء صدمات متكررة على مدى السنوات القليلة الماضية، ناتجة من الحروب والصراعات، بما في ذلك الصراع الجديد في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أنه بالإضافة إلى الآثار الإنسانية العميقة، فإن الأثر الاقتصادي لهذه الصدمات هو أثر عالمي، وسوف يضرب مرة أخرى الفئات الأفقر والأكثر ضعفاً بشدة، محذراً من أن هذا يأتي في وقت تآكلت فيه مساحة السياسات وضعف فيه التعاون الدولي.

وأشار الجدعان إلى أن الاستجابة المناسبة من حيث السياسات تعتمد على كيفية انتشار الصدمة عبر الاقتصاد المحلي؛ ما يستدعي سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف مدعومة بأطر عمل موثوقة وتعاون دولي.

وشدد على أن إنهاء الحروب والصراعات وتأمين سلام دائم في جميع أنحاء العالم يظل أمراً أساسياً لا غنى عنه لتحقيق النمو المستدام والاستقرار طويل الأجل.

المؤتمر الصحافي المشترك للجدعان وغورغييفا (أ.ف.ب)

مخاطر الصراعات وتداعياتها على أمن الطاقة

وأكد بيان صادر عن اللجنة أن الاقتصاد العالمي ظل صامداً على مدى السنوات القليلة الماضية رغم الصدمات المتكررة، بما في ذلك الحروب والصراعات. ووصف البيان الصراع في الشرق الأوسط بأنه صدمة عالمية رئيسية جديدة، سيعتمد أثرها الاقتصادي على مدتها وكثافتها وتوسعها الجغرافي.

ولفت إلى أنه بات من الواضح بالفعل، من خلال الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية واضطرابات النقل حتى الآن، أنها تشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد العالمي، رغم الجهود الملحوظة لاستدامة تدفق الطاقة، بما في ذلك من خلال إعادة توجيه مسارات النقل لتعزيز أمن الإمدادات.

ونوّه الأعضاء إلى أن تأثير الصدمة غير متماثل للغاية عبر البلدان، وإذا طال أمدها، فقد تبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة ممتدة، وتعطل إمدادات المدخلات الرئيسية، وتضخم المخاطر التي تهدد أمن الطاقة والغذاء، والنمو العالمي، والتضخم، وحسابات القطاع الخارجي.

وأشار البيان إلى أن الأوضاع المالية المشددة والتداعيات المحتملة على الاستقرار المالي قد تزيد من الضغط على الآفاق المستقبلية، في وقت يمر فيه العالم بتحولات هيكلية عميقة في التكنولوجيا، والديموغرافيا، والمخاطر المرتبطة بالمناخ، وهي تغييرات ستعيد تشكيل الاقتصادات وتختبر قدرتها على التكيف.

الجدعان يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

أولويات السياسة الاقتصادية والمالية

أكدت اللجنة أنه في هذه البيئة التي تكتنفها حالة من عدم اليقين الشديد، تتمثل الأولوية القصوى في تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي، مع تمكين نمو قوي واسع القاعدة، من خلال سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف وموثوقة.

وشددت البنوك المركزية على التزامها القوي بالحفاظ على استقرار الأسعار، عادَّةً أن استقلاليتها والتواصل الواضح ضروريان لمصداقية السياسة وإبقاء توقعات التضخم راسية.

كما أفادت بأن السياسة المالية يجب أن تُعايَر بشكل مناسب وتُرسخ في أطر متوسطة الأجل موثوقة لضمان استدامة الدين، مع إمكانية استخدام تدابير مؤقتة ومستهدفة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً حيثما توفرت المساحة المالية.

وأكد الأعضاء استمرارهم في الالتزام بالمعايير الدولية ومراقبة المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي، بما في ذلك تعزيز الرقابة على المخاطر النظامية الناشئة عن الذكاء الاصطناعي، والمؤسسات المالية غير المصرفية، والأصول الرقمية، مع تسخير فوائد الابتكار التكنولوجي.

الإصلاحات الهيكلية والتعاون الدولي

وأشارت اللجنة إلى المضي قدماً في الإصلاحات الهيكلية لتمكين استثمار القطاع الخاص، وزيادة الإنتاجية، وحماية أمن الطاقة.

وأكد الأعضاء مواصلة التعاون لمعالجة الاختلالات العالمية المفرطة والتوترات التجارية وبناء سلاسل إمداد أكثر صموداً، ودعم اقتصاد عالمي عادل ومنفتح، مع التأكيد مجدداً على التزامات أسعار الصرف الصادرة في أبريل (نيسان) 2021.

وعبّر البيان عن ترحيب اللجنة بجدول أعمال السياسة العالمية للمدير العام، مؤكداً على الدور الحاسم لصندوق النقد الدولي في مساعدة الدول عبر مشورة السياسات وتنمية القدرات والدعم المالي بالتعاون مع المؤسسات الأخرى.

دعم الدول الضعيفة ومعالجة الديون

وتعهد البيان بمواصلة دعم البلدان في جهودها لتعزيز الاستقرار والنمو، مع إيلاء اهتمام خاص للبلدان منخفضة الدخل والدول الهشة المتأثرة بالصراعات، لا سيما حيث تتزايد ضغوط الديون. وأكد الأعضاء التزامهم بتحسين عمليات إعادة هيكلة الديون، بما في ذلك في «إطار العمل المشترك»، والمضي قدماً في المائدة المستديرة العالمية للديون السيادية.

ورحَّب البيان بـ«دليل إعادة الهيكلة» المحدث، ودعا إلى تعزيز شفافية الديون من جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الدائنون من القطاع الخاص.

كما حث البيان على زيادة الدعم للبلدان ذات الديون المستدامة التي تواجه تحديات تمويل قصيرة الأجل عبر تسريع تنفيذ نهج الركائز الثلاث لصندوق النقد والبنك الدولي، والانتهاء من مراجعة إطار استدامة الديون.

تعزيز الرقابة وأدوات الإقراض

أعلن البيان دعم اللجنة لزيادة تركيز الرقابة بناءً على الصرامة التحليلية والإنصاف، والتطلع إلى الانتهاء من المراجعة الشاملة للرقابة ومراجعة برنامج تقييم القطاع المالي (FSAP).

كما أيَّد الأعضاء الجهود المستمرة لتحصين إطار الإقراض الخاص بالصندوق، بما في ذلك مراجعة تصميم البرامج والشروط (ROC) والعمل على أطر السياسة النقدية للبلدان التي تمر بأزمات.

مبادئ الدرعية وحوكمة الصندوق

وفي ختام البيان، أعلن الأعضاء تأييدهم لـ«مبادئ الدرعية التوجيهية» لإصلاحات الحصص والحوكمة، عادِّين إياها إنجازاً جماعياً كبيراً ومعلماً مهماً في أجندة إصلاح حوكمة الصندوق.

وتقدمت اللجنة بالشكر لنواب اللجنة الدولية والمجلس التنفيذي والإدارة على جهودهم، مؤكدة أن هذه المبادئ ستعمل كدليل للمناقشات المستقبلية، بما في ذلك المراجعة العامة السابعة عشرة للحصص.

واختتم البيان بالتأكيد مجدداً على الالتزام بصندوق نقد دولي قوي، وقائم على الحصص، ومزود بموارد كافية ليكون في مركز شبكة الأمان المالي العالمية، مع التطلع إلى الانتهاء من الموافقات المحلية لموافقة الأعضاء على زيادة الحصص بموجب المراجعة العامة السادسة عشرة دون أي تأخير إضافي.


الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية تحركات حادة يوم الجمعة، في أعقاب قرار إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات الجيوسياسية بسرعة.

فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني، يوم الجمعة، أن مضيق هرمز بات مفتوحاً بالكامل أمام جميع السفن التجارية طوال فترة وقف إطلاق النار، في خطوة جاءت بالتزامن مع الهدنة في لبنان. وقال عباس عراقجي في منشور على منصة «إكس» إن عبور السفن عبر المضيق سيجري وفق المسار المنسق الذي أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية.

وجاء هذا الإعلان ليخفف جزئياً من المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية، ما انعكس سريعاً على الأسواق مع تراجع حاد في أسعار النفط عقب التصريحات.

تراجع حاد في أسعار النفط

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 10 في المائة يوم الجمعة، مواصلة خسائرها السابقة، وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 11.12 دولار أو 11.2 في المائة لتسجل 88.27 دولاراً للبرميل عند الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش، فيما هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 11.40 دولار أو 12 في المائة إلى 83.29 دولار للبرميل.

وقال جيوفاني ستونوفو، المحلل في بنك «يو بي إس»، إن تصريحات وزير الخارجية الإيراني «تشير إلى خفض التصعيد في حال استمر وقف إطلاق النار، لكن يبقى السؤال ما إذا كان تدفق ناقلات النفط عبر المضيق سيشهد زيادة ملموسة».

ويعكس هذا التراجع انحساراً مؤقتاً في علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت أسعار النفط خلال الفترة الماضية، وسط ترقب المستثمرين لاحتمال تحول وقف إطلاق النار إلى تهدئة أوسع نطاقاً في المنطقة.

الدولار يتراجع أيضاً

تراجع مؤشر الدولار الأميركي بعد إعلان إيران، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 0.46 في المائة إلى مستوى 97.765. وتراجع الدولار بنسبة 0.6 في المائة إلى 158 يناً، فيما ارتفع اليورو بنسبة 0.6 في المائة إلى 1.1848 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له في شهرين.

في المقابل، ارتفع الدولار الكندي أمام نظيره الأميركي يوم الجمعة، فيما تراجعت عوائد السندات الحكومية الكندية. وجرى تداول الدولار الكندي (اللوني) مرتفعاً بنسبة 0.3 في المائة عند 1.366 دولار كندي للدولار الأميركي، بما يعادل 73.21 سنت أميركي، بعد تحركات بين 1.3661 و1.3707 خلال الجلسة.

الأسهم العالمية تواصل مكاسبها

شهدت الأسهم العالمية، التي كانت تتداول بالفعل عند مستويات قياسية، مزيداً من المكاسب عقب الإعلان. وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.4 في المائة، فيما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.9 في المائة.

وقال مايكل براون، كبير استراتيجيي الأبحاث في شركة «بيبرستون»، إن تحسن آفاق الملاحة عبر مضيق هرمز يقلص بشكل واضح علاوة المخاطر الجيوسياسية، ما يدعم شهية المخاطرة في الأسواق. وأضاف أن هذا التحول يفسر رد الفعل الإيجابي في الأسواق.

السندات العالمية تتحرك بحذر

في أسواق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.27 في المائة، بينما سجلت عوائد السندات لأجل عامين 3.74 في المائة، في إشارة إلى توازن حذر في توقعات السياسة النقدية. كما انخفض عائد السندات الحكومية الكندية لأجل 10 سنوات بمقدار 8.3 نقطة أساس إلى 3.421 في المائة.

وفي أوروبا، تراجعت عوائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين إلى أدنى مستوياتها في شهر، بعدما هبطت عوائد «شاتز» لأجل عامين، وهي الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة والتضخم، بما يصل إلى 11.2 نقطة أساس لتسجل 2.412 في المائة قبل أن تقلص خسائرها إلى 2.43 في المائة، مسجلة تراجعاً يومياً بنحو 9.6 نقطة أساس. وكانت العوائد قد بلغت أعلى مستوياتها منذ يوليو الماضي في أواخر مارس (آذار) عند نحو 2.77 في المائة.

وأشارت الأسواق إلى تقليص رهاناتها على رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة؛ إذ قدرت احتمالات الرفع في الاجتماع المقبل بنحو 8 في المائة، مقارنة بـ15 في المائة في وقت سابق من الجلسة، مع توقعات بوصول سعر فائدة الإيداع إلى 2.44 في المائة بنهاية العام مقابل 2.55 في المائة سابقاً.

المعادن النفيسة ترتفع

أما في أسواق المعادن النفيسة، فقد ارتفع الذهب الفوري بنحو 2 في المائة إلى 4881 دولاراً للأونصة، كما صعدت الفضة بأكثر من 5 في المائة إلى 82.30 دولار، والبلاتين بنسبة 3 في المائة إلى 2149.15 دولار، وارتفع البلاديوم بنسبة 3 في المائة إلى 1600.88 دولاراً، مدعومة بتزايد الطلب على الملاذات الآمنة رغم تراجع النفط.