ترمب «يقتحم» غرفة القرار النقدي... فهل ينجح في إعادة تشكيل «الفيدرالي»؟

الأنظار على «المتمردين» في لجنة الفائدة

مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

ترمب «يقتحم» غرفة القرار النقدي... فهل ينجح في إعادة تشكيل «الفيدرالي»؟

مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

بعد انتظار دام تسعة أشهر، تتجه الأنظار إلى واشنطن، حيث من المتوقع أن يصدر الاحتياطي الفيدرالي قراره التاريخي الأول في عهد الرئيس دونالد ترمب بخفض أسعار الفائدة. وهو قرارٌ يبدو شبه محسوم بخفض ربع نقطة مئوية، لكن ما يدور خلف الأبواب المغلقة من صراع نفوذ قد يحدد مستقبل استقلالية البنك المركزي.

يحمل اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، الذي يستمر ليومين، عنصراً من التشويق لم يسبق له مثيل. فقبل ساعات قليلة من القرار، كانت هناك حالة من عدم اليقين حول هوية المصوّتين وحجم التخفيض المحتمل. هذه الدراما السياسية تعكس التجاذب المتصاعد بين البيت الأبيض و«حراس» السياسة النقدية.

تشكيلة اللجنة: خريطة المعركة

تتألف اللجنة من 12 عضواً، سبعة منهم من مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وأربعة رؤساء من بنوك الاحتياطي الفيدرالي الإقليمية الـ11 الأخرى الذين يتم اختيارهم على أساس تناوب سنوي. ويتمتع سبعة محافظين في الاحتياطي الفيدرالي بحق التصويت على أسعار الفائدة، إلى جانب خمسة من رؤساء البنوك الإقليمية الثمانية الذين يتناوبون على التصويت.

تحركات حاسمة

شهدت الساعات الأخيرة تحركات حاسمة:

1- ستيفن ميران تحت الأضواء: وافق مجلس الشيوخ على تعيين ستيفن ميران، أحد كبار مستشاري ترمب الاقتصاديين، لملء مقعدٍ شاغر. مع العلم بأن ولاية ميران لن تتجاوز بضعة أشهر، وهو ما دفعه إلى الإعلان أنه لن يستقيل من منصبه في البيت الأبيض، مكتفياً بأخذ إجازة دون أجر. هذا الإجراء، الذي وصفه البعض بأنه «سابقة خطيرة»، يأتي بعد تصريحات لميران أهان فيها الأعضاء الحاليين بقوله إنهم يعانون من «متلازمة جنون الرسوم الجمركية». وكان اقترح علناً منح البيت الأبيض سلطة تعيين وإقالة واسعة لمسؤولي البنك.

ستيفن ميران يدلي بشهادته خلال جلسة استماع في لجنة المصارف بمجلس الشيوخ لتأكيد تعيينه بمجلس الاحتياطي الفيدرالي (أ.ف.ب)

2- معركة ليزا كوك: في جبهة أخرى، حاولت إدارة ترمب عزل المحافِظة ليزا كوك، التي رشحها الرئيس جو بايدن، في محاولة لمنعها من التصويت، لكن محكمة الاستئناف أصدرت، مساء الاثنين، حكماً يسمح لها بالتصويت. وهذا يعني أن كوك ستشارك بشكل كامل في اجتماع السياسة النقدية في غياب تدخل فوري من المحكمة العليا.

محافِظة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك تحضر اجتماعاً في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

مواجهة باول - ترمب

يصرّ ترمب على خفض كبير لأسعار الفائدة التي تتراوح حالياً بين 4.25 في المائة و4.50 في المائة منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، واصفاً قرار التخفيض المحتمل بـ 25 نقطة أساس بأنه «ليس كافياً». وفي منشور على حسابه الخاص على «سوشيال تروث»، طالب ترمب، يوم الاثنين، بخفض لأسعار الفائدة أكبر من المتوقع، الذي هو 25 نقطة أساس، ووصف رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بأنه «متأخر جداً». وقال إن تخفيضات أسعار الفائدة التي يدرسها مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي ليست كافية. وكان دعا في يوليو (تموز) الماضي إلى خفض أكبر بكثير، وقال إن سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية أعلى بثلاث نقاط مئوية على الأقل.

ورغم أن الأسواق المالية تتوقع بنسبة 96 في المائة خفضاً بمقدار 25 نقطة أساس، فإن الساحة السياسية داخل اللجنة لا تخلو من الانقسامات. فمن هم الأعضاء الذين قد «يصغون» لمطالب ترمب؟

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي سابق (رويترز)

المصوّتون على السياسة النقدية

يترأس باول الاجتماعات السنوية الثمانية للبنك المركزي. ويتمتع الأعضاء الأحد عشر الآخرون المصوّتون في لجنة السوق المفتوحة برأي متساوٍ في كل قرار يتعلق بأسعار الفائدة الفيدرالية من خلال تصويت الأغلبية.

والسؤال هنا: مَن من اللجنة الذي «سينصاع» لمطالب ترمب؟ توضح تركيبة اللجنة هذه اعتبارات الأعضاء في تصويتهم:

  • باول: رشحه ترمب لمنصب رئيس المجلس، وأعاد الرئيس جو بايدن ترشيحه. تنتهي فترة رئاسته في 15 مايو (أيار) 2026.
  • فيليب جيفرسون، نائب الرئيس: رشحه بايدن. تنتهي فترة عمله بصفته نائباً للرئيس في سبتمبر (أيلول) 2027. ويعد من الدائرة المقربة لباول، ولكنه يفضل الظهور بشكل متحفظ.
  • ميشيل بومان، نائبة الرئيس للإشراف المصرفي في الاحتياطي الفيدرالي: رشحها ترمب. تنتهي فترة عملها بصفتها نائبة للرئيس للإشراف في يونيو (حزيران) 2029. تذبذب موقفها من معارضة خفض كبير لأسعار الفائدة في الخريف الماضي إلى الدفع للعودة إلى الخفض هذا الصيف. في اجتماع يوليو الماضي، صوّتت لصالح خفض سعر الفائدة.
  • مايكل بار، محافظ في الاحتياطي الفيدرالي: رشحه بايدن، وهو عمل مشرفاً مالياً أعلى في الاحتياطي الفيدرالي قبل بومان، حيث تم ترشيحه من قبل بايدن لهذا المنصب. استقال من منصب نائب رئيس الإشراف في فبراير (شباط) ولكنه يحتفظ بدوره بوصفه محافظاً.
  • ليزا كوك، محافظة في الاحتياطي الفيدرالي: رشحها بايدن، وكانت اقتصادية في البيت الأبيض في عهد أوباما.
  • ستيفن ميران، محافظ في الاحتياطي الفيدرالي (خلفاً لأدريانا كوغلر): رشحه ترمب لخدمة الأشهر القليلة المتبقية من ولاية المحافظ التي أصبحت شاغرة بعد استقالة كوغلر، ووافق مجلس الشيوخ على هذا الترشيح إلى يناير (كانون الثاني) المقبل. وعندما تنتهي هذه الفترة في يناير، يمكن لترمب أن يستخدم الشغور لإضافة من يختاره خلفاً لجيروم باول بصفته رئيساً للبنك.
  • كريستوفر والر، محافظ في الاحتياطي الفيدرالي: رشحه ترمب، وكان رئيساً لقسم الأبحاث في بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، وأصبح مرشحاً بارزاً ليخلف باول بصفته رئيساً. وقد انضم إلى بومان في التصويت لصالح خفض سعر الفائدة في اجتماع يوليو.
  • جون ويليامز، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، نائب رئيس اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة: يعد من كبار مساعدي باول. هو أيضاً رئيس سابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو ومخضرم في اجتماعات اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة التي استمرت لعقود.
  • سوزان كولنز، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن: قبل توليها قيادة بنك بوسطن الفيدرالي في عام 2022، كانت أكاديمية اقتصادية وعميدة في جامعة «ميشيغان».
  • أوستان غولسبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو: مسؤول سابق في إدارة أوباما، ويصف رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأسطوري بول فولكر بأنه معلمه.
  • ألبرتو موسالم، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس: وهو مستثمر سابق في صناديق التحوط.
  • جيفري شميد، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي: هو مصرفي من نبراسكا، وتولى إدارة بنك كانساس سيتي الفيدرالي في عام 2023، وكان دعا إلى دعم الاقتصاد الزراعي وإلى اهتمام متشدد بكبح التضخم.

وبالتالي، فإن حلفاء ترمب هما بومان ووالر، حيث صوّتا لصالح خفض سعر الفائدة في اجتماع يوليو الماضي. كما أن وجود المرشح الجديد ستيفن ميران يعزز هذا التيار المطالب بخفض أوسع. وفي ظل غياب أغلبية واضحة لفرض تغييرات جذرية، قد يكون تأثير ميران الأكبر هو من خلال تصريحاته العلنية، التي تهدف إلى إثارة النقاش حول السياسة النقدية، وفتح الباب أمام تغييرات أكبر في المستقبل.

متداول يراقب شاشة تداول الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

أما المعتدلون والمحافظون فهم: باول الذي يعي حساسية موقفه بصفته رئيساً عينته إدارتان مختلفتان، والذي يواجه تحدي تحقيق التوازن، كما أن أعضاء مثل فيليب جيفرسون وجون ويليامز، هم أقرب إلى نهج باول الحذر، بينما يمثل رؤساء الفروع الإقليمية مثل جيفري شميد نهجاً متشدداً يخشى التضخم.

وفي هذا الإطار، نقلت «رويترز» عن ديريك تانغ من مؤسسة «إل إتش ماير» للأبحاث الاقتصادية، قوله إنه «من المحتمل أن ينظر الناس إلى محافظي المجلس من منظور من قام بتعيينهم، بدلاً من أن يتوقعوا منهم اتخاذ قرارات محايدة بناء على البيانات الاقتصادية»، وهو ما وصفه بأنه «تحول كبير بالنسبة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي لطالما نأى بنفسه عن السياسة».

وبغض النظر عن هذه التطورات، ينصب تركيز الاحتياطي الفيدرالي على جانب آخر - على اقتصاد يشهد سوق عمل أكثر هشاشة مما بدت عليه الحال عندما اجتمع صانعو السياسات آخر مرة في أواخر يوليو، بينما يستمر التضخم في الارتفاع فوق هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى الرسوم الجمركية الصارمة التي فرضها ترمب على الواردات.

ماذا ينبغي على الاحتياطي الفيدرالي فعله؟ في المجمل، بينما يُثير ضعف سوق العمل القلق، فإنّ حالة عدم اليقين بشأن التضخم لا تُبرّر إجراء تخفيف كبير هذا الأسبوع، بحسب محللين الذين يرون أن خفضاً بمقدار 25 نقطة أساس يبدو خطوة معقولة.

وهكذا، لن يكون قرار الغد مجرد إعلان عن سعر فائدة جديد، بل سيكون أول اختبار حقيقي لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي في مواجهة رغبات رئيس البيت الأبيض. فهل سيتمكن باول وزملاؤه من الحفاظ على سيادة أهم مؤسسة نقدية في العالم، أم أننا نشهد بداية عهد جديد يكون فيه الاحتياطي الفيدرالي مجرد امتداد للسياسة؟


مقالات ذات صلة

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

الاقتصاد جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد كيفن وورش يتحدث خلال مؤتمر حول السياسة النقدية في معهد هوفر بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا (رويترز)

تعثر «الانتقال السلس»... شكوك حول تثبيت مرشح ترمب لقيادة «الفيدرالي» قبل مايو

تبدو احتمالات الانتقال السلس وفي الوقت المحدد للقيادة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى كيفن وورش، مرشح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرئاسة البنك المركزي مهددة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد خلال الزيارة المفاجئة التي قام بها ترمب لتفقد أعمال تجديد مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يوليو الماضي (رويترز)

هل يملك ترمب الصلاحية القانونية لعزل رئيس الاحتياطي الفيدرالي؟

دخلت المواجهة بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول مرحلة «كسر العظم».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صورة مركبة لكل من ترمب وباول (أ.ف.ب)

ترمب يتوعد باول بالإقالة... وتحقيقات جنائية «تقتحم» حصن «الفيدرالي»

تصاعدت حدة المواجهة بين البيت الأبيض ومجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى مستويات غير مسبوقة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد امرأة تمر أمام متجر لبيع الذهب في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

الذهب يقترب من حاجز الـ4900 دولار وسط ترقب لإنهاء الحرب

ارتفعت أسعار الذهب يوم الخميس، مدعومة بضعف الدولار وارتفاع التفاؤل بشأن اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية انفراجة واسعة واستعادة قوية للزخم عقب قرار إيران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، تزامناً مع هدنة لبنان. وأدى هذا التحول الإيجابي إلى تبدد سريع للمخاوف الجيوسياسية؛ ما دفع أسعار النفط للتراجع بنسبة تجاوزت 10 في المائة، حيث استقر «برنت» عند 88.27 دولار؛ ما خفف الضغوط التضخمية عالمياً.

وانعكس هذا الاستقرار فوراً على أسواق الأسهم التي انتعشت لتسجل مستويات قياسية، مدفوعة بارتفاع شهية المخاطرة لدى المستثمرين.

وفي سوق العملات، تراجع الدولار ليتيح المجال لصعود اليورو والين، بينما واصلت المعادن النفيسة مكاسبها النوعية.

أما أسواق السندات فقد شهدت هدوءاً مع تقليص الرهانات على رفع الفائدة؛ ما يعكس تفاؤلاً كبيراً بعودة استقرار سلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة العالمية بسلاسة.


الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
TT

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)

أطلق وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، موقفاً حازماً أكد فيه أن قدرة العالم على مواجهة الأزمات مرهونة بتبني «رؤية استراتيجية موحدة وإصلاحات سريعة»، مُحذراً من أن التفاؤل المفرط في الأسواق قد يحجب حقيقة التحديات الجيوسياسية الراهنة، لا سيما في ظل الصراعات التي تهدد أمن الإمدادات.

كلام الجدعان جاء في مؤتمر صحافي مشترك مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي، وذلك خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.

وقد توّج الاجتماع بتبني «مبادئ الدرعية» إطاراً تاريخياً لحوكمة صندوق النقد الدولي؛ ما يرسخ مرحلة جديدة من التعاون متعدد الأطراف في مواجهة حالة عدم اليقين العالمي.

الجدعان متحدثاً في المؤتمر الصحافي (أ.ف.ب)

السلام ركيزةً للنمو المستدام

استهل الجدعان المؤتمر بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي قد تعرَّض لاختبارات متلاحقة جراء صدمات متكررة على مدى السنوات القليلة الماضية، ناتجة من الحروب والصراعات، بما في ذلك الصراع الجديد في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أنه بالإضافة إلى الآثار الإنسانية العميقة، فإن الأثر الاقتصادي لهذه الصدمات هو أثر عالمي، وسوف يضرب مرة أخرى الفئات الأفقر والأكثر ضعفاً بشدة، محذراً من أن هذا يأتي في وقت تآكلت فيه مساحة السياسات وضعف فيه التعاون الدولي.

وأشار الجدعان إلى أن الاستجابة المناسبة من حيث السياسات تعتمد على كيفية انتشار الصدمة عبر الاقتصاد المحلي؛ ما يستدعي سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف مدعومة بأطر عمل موثوقة وتعاون دولي.

وشدد على أن إنهاء الحروب والصراعات وتأمين سلام دائم في جميع أنحاء العالم يظل أمراً أساسياً لا غنى عنه لتحقيق النمو المستدام والاستقرار طويل الأجل.

المؤتمر الصحافي المشترك للجدعان وغورغييفا (أ.ف.ب)

مخاطر الصراعات وتداعياتها على أمن الطاقة

وأكد بيان صادر عن اللجنة أن الاقتصاد العالمي ظل صامداً على مدى السنوات القليلة الماضية رغم الصدمات المتكررة، بما في ذلك الحروب والصراعات. ووصف البيان الصراع في الشرق الأوسط بأنه صدمة عالمية رئيسية جديدة، سيعتمد أثرها الاقتصادي على مدتها وكثافتها وتوسعها الجغرافي.

ولفت إلى أنه بات من الواضح بالفعل، من خلال الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية واضطرابات النقل حتى الآن، أنها تشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد العالمي، رغم الجهود الملحوظة لاستدامة تدفق الطاقة، بما في ذلك من خلال إعادة توجيه مسارات النقل لتعزيز أمن الإمدادات.

ونوّه الأعضاء إلى أن تأثير الصدمة غير متماثل للغاية عبر البلدان، وإذا طال أمدها، فقد تبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة ممتدة، وتعطل إمدادات المدخلات الرئيسية، وتضخم المخاطر التي تهدد أمن الطاقة والغذاء، والنمو العالمي، والتضخم، وحسابات القطاع الخارجي.

وأشار البيان إلى أن الأوضاع المالية المشددة والتداعيات المحتملة على الاستقرار المالي قد تزيد من الضغط على الآفاق المستقبلية، في وقت يمر فيه العالم بتحولات هيكلية عميقة في التكنولوجيا، والديموغرافيا، والمخاطر المرتبطة بالمناخ، وهي تغييرات ستعيد تشكيل الاقتصادات وتختبر قدرتها على التكيف.

الجدعان يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

أولويات السياسة الاقتصادية والمالية

أكدت اللجنة أنه في هذه البيئة التي تكتنفها حالة من عدم اليقين الشديد، تتمثل الأولوية القصوى في تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي، مع تمكين نمو قوي واسع القاعدة، من خلال سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف وموثوقة.

وشددت البنوك المركزية على التزامها القوي بالحفاظ على استقرار الأسعار، عادَّةً أن استقلاليتها والتواصل الواضح ضروريان لمصداقية السياسة وإبقاء توقعات التضخم راسية.

كما أفادت بأن السياسة المالية يجب أن تُعايَر بشكل مناسب وتُرسخ في أطر متوسطة الأجل موثوقة لضمان استدامة الدين، مع إمكانية استخدام تدابير مؤقتة ومستهدفة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً حيثما توفرت المساحة المالية.

وأكد الأعضاء استمرارهم في الالتزام بالمعايير الدولية ومراقبة المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي، بما في ذلك تعزيز الرقابة على المخاطر النظامية الناشئة عن الذكاء الاصطناعي، والمؤسسات المالية غير المصرفية، والأصول الرقمية، مع تسخير فوائد الابتكار التكنولوجي.

الإصلاحات الهيكلية والتعاون الدولي

وأشارت اللجنة إلى المضي قدماً في الإصلاحات الهيكلية لتمكين استثمار القطاع الخاص، وزيادة الإنتاجية، وحماية أمن الطاقة.

وأكد الأعضاء مواصلة التعاون لمعالجة الاختلالات العالمية المفرطة والتوترات التجارية وبناء سلاسل إمداد أكثر صموداً، ودعم اقتصاد عالمي عادل ومنفتح، مع التأكيد مجدداً على التزامات أسعار الصرف الصادرة في أبريل (نيسان) 2021.

وعبّر البيان عن ترحيب اللجنة بجدول أعمال السياسة العالمية للمدير العام، مؤكداً على الدور الحاسم لصندوق النقد الدولي في مساعدة الدول عبر مشورة السياسات وتنمية القدرات والدعم المالي بالتعاون مع المؤسسات الأخرى.

دعم الدول الضعيفة ومعالجة الديون

وتعهد البيان بمواصلة دعم البلدان في جهودها لتعزيز الاستقرار والنمو، مع إيلاء اهتمام خاص للبلدان منخفضة الدخل والدول الهشة المتأثرة بالصراعات، لا سيما حيث تتزايد ضغوط الديون. وأكد الأعضاء التزامهم بتحسين عمليات إعادة هيكلة الديون، بما في ذلك في «إطار العمل المشترك»، والمضي قدماً في المائدة المستديرة العالمية للديون السيادية.

ورحَّب البيان بـ«دليل إعادة الهيكلة» المحدث، ودعا إلى تعزيز شفافية الديون من جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الدائنون من القطاع الخاص.

كما حث البيان على زيادة الدعم للبلدان ذات الديون المستدامة التي تواجه تحديات تمويل قصيرة الأجل عبر تسريع تنفيذ نهج الركائز الثلاث لصندوق النقد والبنك الدولي، والانتهاء من مراجعة إطار استدامة الديون.

تعزيز الرقابة وأدوات الإقراض

أعلن البيان دعم اللجنة لزيادة تركيز الرقابة بناءً على الصرامة التحليلية والإنصاف، والتطلع إلى الانتهاء من المراجعة الشاملة للرقابة ومراجعة برنامج تقييم القطاع المالي (FSAP).

كما أيَّد الأعضاء الجهود المستمرة لتحصين إطار الإقراض الخاص بالصندوق، بما في ذلك مراجعة تصميم البرامج والشروط (ROC) والعمل على أطر السياسة النقدية للبلدان التي تمر بأزمات.

مبادئ الدرعية وحوكمة الصندوق

وفي ختام البيان، أعلن الأعضاء تأييدهم لـ«مبادئ الدرعية التوجيهية» لإصلاحات الحصص والحوكمة، عادِّين إياها إنجازاً جماعياً كبيراً ومعلماً مهماً في أجندة إصلاح حوكمة الصندوق.

وتقدمت اللجنة بالشكر لنواب اللجنة الدولية والمجلس التنفيذي والإدارة على جهودهم، مؤكدة أن هذه المبادئ ستعمل كدليل للمناقشات المستقبلية، بما في ذلك المراجعة العامة السابعة عشرة للحصص.

واختتم البيان بالتأكيد مجدداً على الالتزام بصندوق نقد دولي قوي، وقائم على الحصص، ومزود بموارد كافية ليكون في مركز شبكة الأمان المالي العالمية، مع التطلع إلى الانتهاء من الموافقات المحلية لموافقة الأعضاء على زيادة الحصص بموجب المراجعة العامة السادسة عشرة دون أي تأخير إضافي.


الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية تحركات حادة يوم الجمعة، في أعقاب قرار إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات الجيوسياسية بسرعة.

فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني، يوم الجمعة، أن مضيق هرمز بات مفتوحاً بالكامل أمام جميع السفن التجارية طوال فترة وقف إطلاق النار، في خطوة جاءت بالتزامن مع الهدنة في لبنان. وقال عباس عراقجي في منشور على منصة «إكس» إن عبور السفن عبر المضيق سيجري وفق المسار المنسق الذي أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية.

وجاء هذا الإعلان ليخفف جزئياً من المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية، ما انعكس سريعاً على الأسواق مع تراجع حاد في أسعار النفط عقب التصريحات.

تراجع حاد في أسعار النفط

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 10 في المائة يوم الجمعة، مواصلة خسائرها السابقة، وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 11.12 دولار أو 11.2 في المائة لتسجل 88.27 دولاراً للبرميل عند الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش، فيما هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 11.40 دولار أو 12 في المائة إلى 83.29 دولار للبرميل.

وقال جيوفاني ستونوفو، المحلل في بنك «يو بي إس»، إن تصريحات وزير الخارجية الإيراني «تشير إلى خفض التصعيد في حال استمر وقف إطلاق النار، لكن يبقى السؤال ما إذا كان تدفق ناقلات النفط عبر المضيق سيشهد زيادة ملموسة».

ويعكس هذا التراجع انحساراً مؤقتاً في علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت أسعار النفط خلال الفترة الماضية، وسط ترقب المستثمرين لاحتمال تحول وقف إطلاق النار إلى تهدئة أوسع نطاقاً في المنطقة.

الدولار يتراجع أيضاً

تراجع مؤشر الدولار الأميركي بعد إعلان إيران، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 0.46 في المائة إلى مستوى 97.765. وتراجع الدولار بنسبة 0.6 في المائة إلى 158 يناً، فيما ارتفع اليورو بنسبة 0.6 في المائة إلى 1.1848 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له في شهرين.

في المقابل، ارتفع الدولار الكندي أمام نظيره الأميركي يوم الجمعة، فيما تراجعت عوائد السندات الحكومية الكندية. وجرى تداول الدولار الكندي (اللوني) مرتفعاً بنسبة 0.3 في المائة عند 1.366 دولار كندي للدولار الأميركي، بما يعادل 73.21 سنت أميركي، بعد تحركات بين 1.3661 و1.3707 خلال الجلسة.

الأسهم العالمية تواصل مكاسبها

شهدت الأسهم العالمية، التي كانت تتداول بالفعل عند مستويات قياسية، مزيداً من المكاسب عقب الإعلان. وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.4 في المائة، فيما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.9 في المائة.

وقال مايكل براون، كبير استراتيجيي الأبحاث في شركة «بيبرستون»، إن تحسن آفاق الملاحة عبر مضيق هرمز يقلص بشكل واضح علاوة المخاطر الجيوسياسية، ما يدعم شهية المخاطرة في الأسواق. وأضاف أن هذا التحول يفسر رد الفعل الإيجابي في الأسواق.

السندات العالمية تتحرك بحذر

في أسواق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.27 في المائة، بينما سجلت عوائد السندات لأجل عامين 3.74 في المائة، في إشارة إلى توازن حذر في توقعات السياسة النقدية. كما انخفض عائد السندات الحكومية الكندية لأجل 10 سنوات بمقدار 8.3 نقطة أساس إلى 3.421 في المائة.

وفي أوروبا، تراجعت عوائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين إلى أدنى مستوياتها في شهر، بعدما هبطت عوائد «شاتز» لأجل عامين، وهي الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة والتضخم، بما يصل إلى 11.2 نقطة أساس لتسجل 2.412 في المائة قبل أن تقلص خسائرها إلى 2.43 في المائة، مسجلة تراجعاً يومياً بنحو 9.6 نقطة أساس. وكانت العوائد قد بلغت أعلى مستوياتها منذ يوليو الماضي في أواخر مارس (آذار) عند نحو 2.77 في المائة.

وأشارت الأسواق إلى تقليص رهاناتها على رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة؛ إذ قدرت احتمالات الرفع في الاجتماع المقبل بنحو 8 في المائة، مقارنة بـ15 في المائة في وقت سابق من الجلسة، مع توقعات بوصول سعر فائدة الإيداع إلى 2.44 في المائة بنهاية العام مقابل 2.55 في المائة سابقاً.

المعادن النفيسة ترتفع

أما في أسواق المعادن النفيسة، فقد ارتفع الذهب الفوري بنحو 2 في المائة إلى 4881 دولاراً للأونصة، كما صعدت الفضة بأكثر من 5 في المائة إلى 82.30 دولار، والبلاتين بنسبة 3 في المائة إلى 2149.15 دولار، وارتفع البلاديوم بنسبة 3 في المائة إلى 1600.88 دولاراً، مدعومة بتزايد الطلب على الملاذات الآمنة رغم تراجع النفط.