«بي إم دبليو»: السعودية بوابةٌ للشراكات واستثمارات المستقبل

رئيسها التنفيذي لـ«الشرق الأوسط»: أهمية المنطقة تزداد أكثر في ظل انفتاحها التقني

أوليفر تسيبسه الرئيس التنفيذي لمجموعة «بي إم دبليو» (BMW)
أوليفر تسيبسه الرئيس التنفيذي لمجموعة «بي إم دبليو» (BMW)
TT

«بي إم دبليو»: السعودية بوابةٌ للشراكات واستثمارات المستقبل

أوليفر تسيبسه الرئيس التنفيذي لمجموعة «بي إم دبليو» (BMW)
أوليفر تسيبسه الرئيس التنفيذي لمجموعة «بي إم دبليو» (BMW)

عندما كشفت «بي إم دبليو»، هذا الأسبوع، في ميونيخ، عن طرازها المنتظر «iX3 نويه كلاسه»، لم يكن الحدث مجرّد إطلاق عالمي لسيارة جديدة، بل محطة تكشف عن بُعدين متكاملين؛ الأول اعتراف بدور السعودية المتنامي بصفتها مركزاً محورياً للسيارات الفاخرة والكهربائية، والثاني تأكيد مكانة المملكة لاعباً رئيسياً في صياغة مستقبل النقل المستدام. فبالنسبة لـ«بي إم دبليو»، لم تعد المملكة مجرّد سوق واعدة في الشرق الأوسط، بل أصبحت ركيزة أساسية ضمن استراتيجيتها الإقليمية، ومركزاً محورياً في خططها المستقبلية بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية 2030» القائمة على الابتكار الرقمي والاستدامة وتنويع الاقتصاد.

في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، يقول أوليفر تسيبسه، الرئيس التنفيذي لمجموعة «بي إم دبليو»، إن أرقام مبيعات الشركة بالشرق الأوسط تؤكد أنها تحقق نمواً مزدوج الرقم. ويضيف أن «أهمية المنطقة تزداد أكثر فأكثر، خصوصاً مع الانفتاح التقني في مجالات السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن والهيدروجينية، إلى جانب محركات الاحتراق».

وتسيبسه «من أشد المعجبين بالمنطقة، وخلال زيارتي الأخيرة اطلعتُ على ما تتمتع به من قوة ابتكارية وتوجّه مستقبلي واضح وتركيز على الاستثمارات».

تعتزم «بي إم دبليو» طرح نحو 40 طرازاً جديداً أو محدَّثاً ضمن «نويه كلاسه» بحلول 2027 (BMW)

السعودية منصة إطلاق استراتيجية

تجسّدَ التزام «بي إم دبليو» بالسعودية في قرارٍ لافت يقضي بجعل المملكة من أوائل الأسواق العالمية التي ستستقبل سيارة «iX3 نويه كلاسه» في الربع الثاني من 2026. ويؤكد كريم-كريستيان حريريان، المدير الإداري لمجموعة «بي إم دبليو الشرق الأوسط»، لـ«الشرق الأوسط»، أن السعودية واحدة من أكبر أسواق شركته وأكثرها نمواً في المنطقة.

وذكر أن طراز «نويه كلاسه» يمثل بداية حقبة جديدة لـ«بي إم دبليو»، ومع «iX3 » بصفتها أول نموذج من هذا الجيل المبتكر، فإن إطلاقه في المملكة يعكس أهميتها لنجاح شركتنا والتزامها بصياغة مستقبل خالٍ من الانبعاثات. ويضيف حريريان أن «السعودية حجر الزاوية في استراتيجية (بي إم دبليو الشرق الأوسط)»، لافتاً إلى العمل على بناء منظومة متكاملة؛ من شراكات الشحن إلى تجربة العملاء «لنبقى في موقع الريادة مع تسارع السوق».

ويتابع: «لقد كانت (بي إم دبليو) من أبرز اللاعبين في سوق السيارات الكهربائية الفاخرة في السعودية خلال 2023. والآن مع (نويه كلاسه) و(iX3) نحدد معايير جديدة في التصميم والاستدامة والتجربة الرقمية، تماماً كما يتوقع عملاؤنا هناك».

كريم-كريستيان حريريان المدير الإداري لمجموعة «بي إم دبليو الشرق الأوسط» (BMW)

مواجهة المنافسة الصينية

مع دخول علامات صينية متزايدة السوق السعودية، يوضح الرئيس التنفيذي لـ«بي إم دبليو» أن «صناعة السيارات ليست مجرد تجميع مزايا؛ القيمة تكمن في تكاملها ضمن منظومة متماسكة». ويصف تجربة الاستخدام، التي تُقدمها شركته بأنها «ليست قائمة خصائص، بل هي تصميم متكامل يصعب على الشركات الناشئة مُجاراته». ويضيف: «هذه الكفاءة ليست سهلة المنال، وخصوصاً على الشركات الناشئة، وهي ميزة تفوُّقنا». ورغم عدم إعلانه خططاً للإنتاج في المملكة، لم يغلق الباب أمام هذه الإمكانية، مؤكداً، لـ«الشرق الأوسط»، انفتاح «بي إم دبليو» على الشراكات والاستثمار طويل المدى، «حيث تتوافر البنية والطلب».

«iX3» إعادة تعريف الـ«SUV» الكهربائية

حفلُ الكشف في ميونيخ عن سيارة «iX3 نويه كلاسه»، الذي حضرته «الشرق الأوسط»، كان رسالة واضحة بأن التحول في «بي إم دبليو» جذري لا تدريجي. ويقول يوخن غوللر، عضو مجلس الإدارة والمسؤول عن العملاء والعلامة التجارية والمبيعات، إن «(نويه كلاسه) ليست مجرد طراز جديد، بل تجربة متكاملة لعملائنا. متعة القيادة تبقى جوهر (بي إم دبليو)، لكننا ندمجها، الآن، مع التكنولوجيا الرقمية والاستدامة والتخصيص».

وبحلول 2027، تعتزم الشركة طرح نحو 40 طرازاً جديداً أو محدَّثاً ضمن «نويه كلاسه»، على أن تكون «iX3» البداية. ويصل مدى السيارة إلى 805 كيلومترات في الشحنة الواحدة بفضل بطارية جهد 800 فولت من الجيل الجديد توفر كثافة طاقة أعلى بنسبة 20 في المائة، مع شحن فائق بقدرة 400 كيلوواط يضيف 370 كيلومتراً في عشر دقائق فقط. وتتوافر بخيارَي الدفع الخلفي أو الكلي ثنائي المحرك؛ لتحقيق توازن بين الكفاءة والأداء، مع تسارع أسرع من طرازات «X3» السابقة واستهلاك طاقة أقل.

تعتمد السيارة معمارية رقمية جديدة أطلقت عليها «بي إم دبليو» اسم «قلب الفرح»، تدير أربعةُ حواسيب مركزية ديناميكياتِ القيادة والترفيه والسلامة، مدعومة بنسخة مطوّرة من نظام «آي درايف» (iDrive) مع مساعدين ذكيين وأوامر صوتية طبيعية وتكامل سلس مع الهواتف الذكية. كما يراعي التصميم مبادئ الاقتصاد الدائري، بخفض الانبعاثات عبر سلسلة الإمداد بنسبة تصل إلى 35 في المائة، واستخدام مواد خفيفة ومُعاد تدويرها دون المساس بفخامة العلامة.

يوخن غوللر عضو مجلس الإدارة والمسؤول عن العملاء والعلامة التجارية والمبيعات (BMW)

ربط الماضي بالمستقبل

وراء المظهر الجريء لـ«iX3» تقف فلسفة تصميمية متجذرة في إرث «بي إم دبليو»، لكنها منفتحة على المستقبل.

يوضح أوليفر هايلمر، رئيس تصميم سيارات «بي إم دبليو» المدمجة و«نويه كلاسه»، خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»، أن «الانطباع الأول يوحي بالبساطة والحداثة، لكن التحدي هو الجمع بين هذين العالمين والحفاظ على وضوح اللغة التصميمية، مع تقديم شيء جديد كلياً».

ويضيف: «لم نستعِن بمرجع واحد من الماضي، بل استلهمنا من أجيال متعددة من الفئة الثالثة ومن طرازات (X) وصُغنا منها روحاً جديدة. ومن أبرز ابتكارات المقصورة شاشة (الرؤية البانورامية) التي تعرض المعلومات على كامل عرض الزجاج الأمامي، ما يمزج بسلاسة بين القيادة والتجربة الرقمية». ويشدد هايلمر على أن «الفكرة ليست إغراق السائق بالتقنية، بل توفير بيئة بديهية وبسيطة. القليل هو الأكثر. العرض موجَّه نحو السائق، والمواد والخامات تعطي شعوراً بالراحة المنزلية لكن بدقة (بي إم دبليو)».

أوليفر هايلمر رئيس تصميم سيارات «بي إم دبليو» المدمجة و«نويه كلاسه» (BMW)

استدامة في الجوهر

يوضح هايلمر أن الاستدامة لا تعني بالضرورة إبراز المواد المُعاد تدويرها للعين المجردة. ويقول إنه «عندما قدّمنا طراز (i3)، عام 2013، عرضنا مواد مُعاداً تدويرها في الأبواب والمقاعد، لكن العملاء فضّلوا قبل كل شيء الجودة. ما يريده الزبون هو الإحساس بالراحة والأصالة، ثم يُسَرُّ لاحقاً عندما يكتشف أن تلك المواد مستدامة».

ويبيّن أن تطوير «نويه كلاسه» جرى بطريقة مختلفة تماماً، حيث «كان التصميم في السابق يمر بتسلسل واضح، بدءاً من الرسم ثم النموذج ثم اختيار المواد. أما الآن فكل العناصر تجتمع على الطاولة منذ البداية. هذا يتطلب ثقافة جديدة من التعاون والانفتاح والشفافية، وهو الطريق الوحيد للمستقبل».

كما يؤكد أهمية التخصيص وفق المُناخات المحلية، موضحاً أنه «في الأجواء الحارة تكون الألوان الفاتحة أكثر عملية. في السعودية مثلاً تنتشر السيارات البيضاء بسبب الحرارة، لذلك نُولي عناية خاصة بخيارات الألوان الفردية». ويلفت إلى أهمية تطور الابتكار تدريجياً كي لا يُربك العملاء الحاليين، وأن على السيارة البقاء مألوفة وسهلة الاستخدام، مع الاستمرار في التطور دون انقطاع عن جذور الماضي.

آفاق الهيدروجين

رغم تصدُّر السيارات الكهربائية المشهد، تُواصل «بي إم دبليو» الاستثمار في الهيدروجين بصفته خياراً مكمّلاً، وهو ما ينسجم مع طموح السعودية لأن تكون أكبر مصدّر للهيدروجين عالمياً. ويقول حريريان: «الهيدروجين ركيزة أساسية في استراتيجيتنا طويلة الأمد، خصوصاً للمسافات الطويلة، ونرى إمكانات قوية له في المملكة». ويُعد عرض النموذج الأولي من سيارة «iX5 Hydrogen» في الرياض إشارة إلى أن التعاون بين «بي إم دبليو» والمملكة يتجاوز السيارات الكهربائية إلى آفاقٍ أوسع.

يعكس نهج «بي إم دبليو» في السعودية كيفية إعادة شركات السيارات العالمية التفكير في دورها بالأسواق الناشئة. تؤكد الشركة أن المملكة بالنسبة لها ليست مجرد سوق مبيعات، بل حقل تجارب للتقنيات الجديدة وتجارب العملاء، وحتى النماذج التجارية. ويبدو أن سيارة «iX3 نويه كلاسه» ليست مجرد سيارة للمستقبل، بل نافذة على مستقبل مشترك يتحرك بثبات.


مقالات ذات صلة

«لوسيد» تعيِّن رئيساً جديداً... و«السيادي السعودي» و«أوبر» يلتزمان بضخ 750 مليون دولار

الاقتصاد سيارة «لوسيد» بشعار «صنع في السعودية» (واس)

«لوسيد» تعيِّن رئيساً جديداً... و«السيادي السعودي» و«أوبر» يلتزمان بضخ 750 مليون دولار

أعلنت شركة «لوسيد غروب» عن تطورات شملت تعيين رئيس تنفيذي جديد، وضخ استثمارات بقيمة 750 مليون دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وشركة «لوسيد».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

«شات جي بي تي» يصل إلى «CarPlay» كتجربة صوتية فقط، مع قدرات محدودة، في خطوة نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيادة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: المستهلكون والمستوردون الأميركيون الأكبر تضرراً من «الرسوم»

يتحمل المستهلكون والمستوردون الأميركيون الجزء الأكبر من الخسائر المالية الناتجة عن الرسوم الجمركية، فيما يتأثر حجم التجارة سلباً أيضاً.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت (ألمانيا) )
تكنولوجيا قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

تكشف دراسة أن السيارات ذاتية القيادة قد تسهّل التنقل الفردي وتقلل الحاجة للمواقف، لكنها قد تزيد الازدحام وتغيّر سلوك التنقل وتخطيط المدن مستقبلاً.

نسيم رمضان (لندن)
عالم الاعمال مبيعات «فورد» ترتفع 10 % في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2025

مبيعات «فورد» ترتفع 10 % في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2025

سجّلت شركة «فورد» الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أعلى أداء لمبيعاتها خلال عقد من الزمن، بعدما حققت نمواً سنوياً بنسبة 10 % في عام 2025 مقارنة بالعام السابق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية انفراجة واسعة واستعادة قوية للزخم عقب قرار إيران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، تزامناً مع هدنة لبنان. وأدى هذا التحول الإيجابي إلى تبدد سريع للمخاوف الجيوسياسية؛ ما دفع أسعار النفط للتراجع بنسبة تجاوزت 10 في المائة، حيث استقر «برنت» عند 88.27 دولار؛ ما خفف الضغوط التضخمية عالمياً.

وانعكس هذا الاستقرار فوراً على أسواق الأسهم التي انتعشت لتسجل مستويات قياسية، مدفوعة بارتفاع شهية المخاطرة لدى المستثمرين.

وفي سوق العملات، تراجع الدولار ليتيح المجال لصعود اليورو والين، بينما واصلت المعادن النفيسة مكاسبها النوعية.

أما أسواق السندات فقد شهدت هدوءاً مع تقليص الرهانات على رفع الفائدة؛ ما يعكس تفاؤلاً كبيراً بعودة استقرار سلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة العالمية بسلاسة.


الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
TT

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)

أطلق وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، موقفاً حازماً أكد فيه أن قدرة العالم على مواجهة الأزمات مرهونة بتبني «رؤية استراتيجية موحدة وإصلاحات سريعة»، مُحذراً من أن التفاؤل المفرط في الأسواق قد يحجب حقيقة التحديات الجيوسياسية الراهنة، لا سيما في ظل الصراعات التي تهدد أمن الإمدادات.

كلام الجدعان جاء في مؤتمر صحافي مشترك مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي، وذلك خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.

وقد توّج الاجتماع بتبني «مبادئ الدرعية» إطاراً تاريخياً لحوكمة صندوق النقد الدولي؛ ما يرسخ مرحلة جديدة من التعاون متعدد الأطراف في مواجهة حالة عدم اليقين العالمي.

الجدعان متحدثاً في المؤتمر الصحافي (أ.ف.ب)

السلام ركيزةً للنمو المستدام

استهل الجدعان المؤتمر بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي قد تعرَّض لاختبارات متلاحقة جراء صدمات متكررة على مدى السنوات القليلة الماضية، ناتجة من الحروب والصراعات، بما في ذلك الصراع الجديد في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أنه بالإضافة إلى الآثار الإنسانية العميقة، فإن الأثر الاقتصادي لهذه الصدمات هو أثر عالمي، وسوف يضرب مرة أخرى الفئات الأفقر والأكثر ضعفاً بشدة، محذراً من أن هذا يأتي في وقت تآكلت فيه مساحة السياسات وضعف فيه التعاون الدولي.

وأشار الجدعان إلى أن الاستجابة المناسبة من حيث السياسات تعتمد على كيفية انتشار الصدمة عبر الاقتصاد المحلي؛ ما يستدعي سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف مدعومة بأطر عمل موثوقة وتعاون دولي.

وشدد على أن إنهاء الحروب والصراعات وتأمين سلام دائم في جميع أنحاء العالم يظل أمراً أساسياً لا غنى عنه لتحقيق النمو المستدام والاستقرار طويل الأجل.

المؤتمر الصحافي المشترك للجدعان وغورغييفا (أ.ف.ب)

مخاطر الصراعات وتداعياتها على أمن الطاقة

وأكد بيان صادر عن اللجنة أن الاقتصاد العالمي ظل صامداً على مدى السنوات القليلة الماضية رغم الصدمات المتكررة، بما في ذلك الحروب والصراعات. ووصف البيان الصراع في الشرق الأوسط بأنه صدمة عالمية رئيسية جديدة، سيعتمد أثرها الاقتصادي على مدتها وكثافتها وتوسعها الجغرافي.

ولفت إلى أنه بات من الواضح بالفعل، من خلال الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية واضطرابات النقل حتى الآن، أنها تشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد العالمي، رغم الجهود الملحوظة لاستدامة تدفق الطاقة، بما في ذلك من خلال إعادة توجيه مسارات النقل لتعزيز أمن الإمدادات.

ونوّه الأعضاء إلى أن تأثير الصدمة غير متماثل للغاية عبر البلدان، وإذا طال أمدها، فقد تبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة ممتدة، وتعطل إمدادات المدخلات الرئيسية، وتضخم المخاطر التي تهدد أمن الطاقة والغذاء، والنمو العالمي، والتضخم، وحسابات القطاع الخارجي.

وأشار البيان إلى أن الأوضاع المالية المشددة والتداعيات المحتملة على الاستقرار المالي قد تزيد من الضغط على الآفاق المستقبلية، في وقت يمر فيه العالم بتحولات هيكلية عميقة في التكنولوجيا، والديموغرافيا، والمخاطر المرتبطة بالمناخ، وهي تغييرات ستعيد تشكيل الاقتصادات وتختبر قدرتها على التكيف.

الجدعان يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

أولويات السياسة الاقتصادية والمالية

أكدت اللجنة أنه في هذه البيئة التي تكتنفها حالة من عدم اليقين الشديد، تتمثل الأولوية القصوى في تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي، مع تمكين نمو قوي واسع القاعدة، من خلال سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف وموثوقة.

وشددت البنوك المركزية على التزامها القوي بالحفاظ على استقرار الأسعار، عادَّةً أن استقلاليتها والتواصل الواضح ضروريان لمصداقية السياسة وإبقاء توقعات التضخم راسية.

كما أفادت بأن السياسة المالية يجب أن تُعايَر بشكل مناسب وتُرسخ في أطر متوسطة الأجل موثوقة لضمان استدامة الدين، مع إمكانية استخدام تدابير مؤقتة ومستهدفة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً حيثما توفرت المساحة المالية.

وأكد الأعضاء استمرارهم في الالتزام بالمعايير الدولية ومراقبة المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي، بما في ذلك تعزيز الرقابة على المخاطر النظامية الناشئة عن الذكاء الاصطناعي، والمؤسسات المالية غير المصرفية، والأصول الرقمية، مع تسخير فوائد الابتكار التكنولوجي.

الإصلاحات الهيكلية والتعاون الدولي

وأشارت اللجنة إلى المضي قدماً في الإصلاحات الهيكلية لتمكين استثمار القطاع الخاص، وزيادة الإنتاجية، وحماية أمن الطاقة.

وأكد الأعضاء مواصلة التعاون لمعالجة الاختلالات العالمية المفرطة والتوترات التجارية وبناء سلاسل إمداد أكثر صموداً، ودعم اقتصاد عالمي عادل ومنفتح، مع التأكيد مجدداً على التزامات أسعار الصرف الصادرة في أبريل (نيسان) 2021.

وعبّر البيان عن ترحيب اللجنة بجدول أعمال السياسة العالمية للمدير العام، مؤكداً على الدور الحاسم لصندوق النقد الدولي في مساعدة الدول عبر مشورة السياسات وتنمية القدرات والدعم المالي بالتعاون مع المؤسسات الأخرى.

دعم الدول الضعيفة ومعالجة الديون

وتعهد البيان بمواصلة دعم البلدان في جهودها لتعزيز الاستقرار والنمو، مع إيلاء اهتمام خاص للبلدان منخفضة الدخل والدول الهشة المتأثرة بالصراعات، لا سيما حيث تتزايد ضغوط الديون. وأكد الأعضاء التزامهم بتحسين عمليات إعادة هيكلة الديون، بما في ذلك في «إطار العمل المشترك»، والمضي قدماً في المائدة المستديرة العالمية للديون السيادية.

ورحَّب البيان بـ«دليل إعادة الهيكلة» المحدث، ودعا إلى تعزيز شفافية الديون من جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الدائنون من القطاع الخاص.

كما حث البيان على زيادة الدعم للبلدان ذات الديون المستدامة التي تواجه تحديات تمويل قصيرة الأجل عبر تسريع تنفيذ نهج الركائز الثلاث لصندوق النقد والبنك الدولي، والانتهاء من مراجعة إطار استدامة الديون.

تعزيز الرقابة وأدوات الإقراض

أعلن البيان دعم اللجنة لزيادة تركيز الرقابة بناءً على الصرامة التحليلية والإنصاف، والتطلع إلى الانتهاء من المراجعة الشاملة للرقابة ومراجعة برنامج تقييم القطاع المالي (FSAP).

كما أيَّد الأعضاء الجهود المستمرة لتحصين إطار الإقراض الخاص بالصندوق، بما في ذلك مراجعة تصميم البرامج والشروط (ROC) والعمل على أطر السياسة النقدية للبلدان التي تمر بأزمات.

مبادئ الدرعية وحوكمة الصندوق

وفي ختام البيان، أعلن الأعضاء تأييدهم لـ«مبادئ الدرعية التوجيهية» لإصلاحات الحصص والحوكمة، عادِّين إياها إنجازاً جماعياً كبيراً ومعلماً مهماً في أجندة إصلاح حوكمة الصندوق.

وتقدمت اللجنة بالشكر لنواب اللجنة الدولية والمجلس التنفيذي والإدارة على جهودهم، مؤكدة أن هذه المبادئ ستعمل كدليل للمناقشات المستقبلية، بما في ذلك المراجعة العامة السابعة عشرة للحصص.

واختتم البيان بالتأكيد مجدداً على الالتزام بصندوق نقد دولي قوي، وقائم على الحصص، ومزود بموارد كافية ليكون في مركز شبكة الأمان المالي العالمية، مع التطلع إلى الانتهاء من الموافقات المحلية لموافقة الأعضاء على زيادة الحصص بموجب المراجعة العامة السادسة عشرة دون أي تأخير إضافي.


الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية تحركات حادة يوم الجمعة، في أعقاب قرار إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات الجيوسياسية بسرعة.

فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني، يوم الجمعة، أن مضيق هرمز بات مفتوحاً بالكامل أمام جميع السفن التجارية طوال فترة وقف إطلاق النار، في خطوة جاءت بالتزامن مع الهدنة في لبنان. وقال عباس عراقجي في منشور على منصة «إكس» إن عبور السفن عبر المضيق سيجري وفق المسار المنسق الذي أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية.

وجاء هذا الإعلان ليخفف جزئياً من المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية، ما انعكس سريعاً على الأسواق مع تراجع حاد في أسعار النفط عقب التصريحات.

تراجع حاد في أسعار النفط

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 10 في المائة يوم الجمعة، مواصلة خسائرها السابقة، وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 11.12 دولار أو 11.2 في المائة لتسجل 88.27 دولاراً للبرميل عند الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش، فيما هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 11.40 دولار أو 12 في المائة إلى 83.29 دولار للبرميل.

وقال جيوفاني ستونوفو، المحلل في بنك «يو بي إس»، إن تصريحات وزير الخارجية الإيراني «تشير إلى خفض التصعيد في حال استمر وقف إطلاق النار، لكن يبقى السؤال ما إذا كان تدفق ناقلات النفط عبر المضيق سيشهد زيادة ملموسة».

ويعكس هذا التراجع انحساراً مؤقتاً في علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت أسعار النفط خلال الفترة الماضية، وسط ترقب المستثمرين لاحتمال تحول وقف إطلاق النار إلى تهدئة أوسع نطاقاً في المنطقة.

الدولار يتراجع أيضاً

تراجع مؤشر الدولار الأميركي بعد إعلان إيران، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 0.46 في المائة إلى مستوى 97.765. وتراجع الدولار بنسبة 0.6 في المائة إلى 158 يناً، فيما ارتفع اليورو بنسبة 0.6 في المائة إلى 1.1848 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له في شهرين.

في المقابل، ارتفع الدولار الكندي أمام نظيره الأميركي يوم الجمعة، فيما تراجعت عوائد السندات الحكومية الكندية. وجرى تداول الدولار الكندي (اللوني) مرتفعاً بنسبة 0.3 في المائة عند 1.366 دولار كندي للدولار الأميركي، بما يعادل 73.21 سنت أميركي، بعد تحركات بين 1.3661 و1.3707 خلال الجلسة.

الأسهم العالمية تواصل مكاسبها

شهدت الأسهم العالمية، التي كانت تتداول بالفعل عند مستويات قياسية، مزيداً من المكاسب عقب الإعلان. وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.4 في المائة، فيما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.9 في المائة.

وقال مايكل براون، كبير استراتيجيي الأبحاث في شركة «بيبرستون»، إن تحسن آفاق الملاحة عبر مضيق هرمز يقلص بشكل واضح علاوة المخاطر الجيوسياسية، ما يدعم شهية المخاطرة في الأسواق. وأضاف أن هذا التحول يفسر رد الفعل الإيجابي في الأسواق.

السندات العالمية تتحرك بحذر

في أسواق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.27 في المائة، بينما سجلت عوائد السندات لأجل عامين 3.74 في المائة، في إشارة إلى توازن حذر في توقعات السياسة النقدية. كما انخفض عائد السندات الحكومية الكندية لأجل 10 سنوات بمقدار 8.3 نقطة أساس إلى 3.421 في المائة.

وفي أوروبا، تراجعت عوائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين إلى أدنى مستوياتها في شهر، بعدما هبطت عوائد «شاتز» لأجل عامين، وهي الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة والتضخم، بما يصل إلى 11.2 نقطة أساس لتسجل 2.412 في المائة قبل أن تقلص خسائرها إلى 2.43 في المائة، مسجلة تراجعاً يومياً بنحو 9.6 نقطة أساس. وكانت العوائد قد بلغت أعلى مستوياتها منذ يوليو الماضي في أواخر مارس (آذار) عند نحو 2.77 في المائة.

وأشارت الأسواق إلى تقليص رهاناتها على رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة؛ إذ قدرت احتمالات الرفع في الاجتماع المقبل بنحو 8 في المائة، مقارنة بـ15 في المائة في وقت سابق من الجلسة، مع توقعات بوصول سعر فائدة الإيداع إلى 2.44 في المائة بنهاية العام مقابل 2.55 في المائة سابقاً.

المعادن النفيسة ترتفع

أما في أسواق المعادن النفيسة، فقد ارتفع الذهب الفوري بنحو 2 في المائة إلى 4881 دولاراً للأونصة، كما صعدت الفضة بأكثر من 5 في المائة إلى 82.30 دولار، والبلاتين بنسبة 3 في المائة إلى 2149.15 دولار، وارتفع البلاديوم بنسبة 3 في المائة إلى 1600.88 دولاراً، مدعومة بتزايد الطلب على الملاذات الآمنة رغم تراجع النفط.