خبراء: تضخم تركيا مشكلة هيكلية لا تكفي السياسة النقدية وحدها لحلها

رغم تراجعه بأعلى من التوقعات في أبريل إلى 37.86 %

أتراك يتجولون داخل سوق في إسطنبول (أ.ف.ب)
أتراك يتجولون داخل سوق في إسطنبول (أ.ف.ب)
TT

خبراء: تضخم تركيا مشكلة هيكلية لا تكفي السياسة النقدية وحدها لحلها

أتراك يتجولون داخل سوق في إسطنبول (أ.ف.ب)
أتراك يتجولون داخل سوق في إسطنبول (أ.ف.ب)

سجل معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلك في تركيا تراجعاً إلى 37.86 في المائة خلال أبريل (نيسان) الماضي بأكثر من التوقعات السابقة التي بلغ متوسطها 38 في المائة.

ووفق بيانات التضخم لشهر أبريل الماضي، التي أعلنها «معهد الإحصاء التركي»، الاثنين، فقد بلغ معدل التضخم على أساس شهري 3 في المائة، وهو أيضاً أقل بقليل من التوقعات التي بلغ متوسطها 3.1 في المائة.

وبلغ معدل التضخم 2.46 في المائة على أساس شهري، و38.1 في المائة على أساس سنوي، في مارس (آذار) الماضي.

وأشارت البيانات إلى أن مؤشر أسعار المنتجين المحليين ارتفع بنسبة 2.76 في المائة على أساس شهري في أبريل الماضي، وسجل ارتفاعاً سنوياً بنسبة 22.5 في المائة، وهو أدنى معدل منذ عام 2021.

في المقابل، أعلنت «مجموعة أبحاث التضخم (إي إن جي إيه)»، التي تضم خبراء اقتصاديين أتراكاً مستقلين، ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك في أبريل الماضي 4.46 في المائة على أساس شهري، و73.88 في المائة على أساس سنوي.

طبيعة هيكلية

وقبل إعلان «معهد الإحصاء التركي» بيانات التضخم في أبريل، نشر «البنك المركزي» استطلاع المشاركين في السوق لشهر أبريل، الذي يعكس توقعات السوق للتضخم في نهاية العام.

وتوقع 71 مشاركاً في الاستطلاع من ممثلي القطاعين المالي والحقيقي، ارتفاع التضخم في نهاية العام الحالي مقارنة بنهاية العام الماضي، من 28.04 إلى 29.98 في المائة.

وارتفعت توقعات مؤشر أسعار المستهلك لمدة 12 شهراً من 24.55 إلى 25.55 في المائة، كما ارتفعت التوقعات لمدة 24 شهراً من 17.06 إلى 17.69 في المائة.

وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك (حسابه على إكس)

وكان وزير الخزانة والمالية التركي، محمد شيمشك، لفت في رسالة عبر الفيديو إلى «القمة الاقتصادية الدولية»، في 18 أبريل الماضي، إلى أن التضخم انخفض لمدة 10 أشهر متتالية، وأن هذا الانخفاض سيستمر بقوة، مضيفاً: «لدينا إرادة سياسية قوية للغاية وبرنامج قوي للغاية بشأن هذه القضية».

لكن خبراء يرون أن التضخم في تركيا اكتسب، الآن، طبيعة هيكلية ومرنة، ولفت الانتباه إلى حقيقة أن السياسة النقدية وحدها لن تكون كافية.

ووفق أستاذ الاقتصاد بجامعة «قادر هاس»، أرنتش يلدان، فإن مكافحة التضخم تتطلب دخولاً عالية التكلفة لكنها موجهة نحو تحقيق أهداف محددة، وسياسات اجتماعية تتضمن توافقاً اجتماعياً، لافتاً إلى أن العودة إلى «السياسات العقلانية» كانت وعداً عندما تولى شيمشك منصبه في يونيو (حزيران) 2023، «لكن مسار الاقتصاد أوضح أن هذه الوعود لا يمكن تحقيقها».

وأوضح يلدان أن «تأخر (البنك المركزي) في اتخاذ خطواته، وفقدان الثقة، جعلا التضخم مستداماً، وفي المرحلة التي وصلنا إليها اليوم، لم يعد الاكتفاء بالسياسة النقدية كافياً، وهناك ضرورة لوضع استراتيجية شاملة للدخل والسياسة الاجتماعية».

فشل برنامج الحكومة

وتابع أنه «مر نحو عامين منذ يونيو 2023، ولم يشهد التاريخ من قبل برنامج استقرار استمر عامين، فبرامج الاستقرار تُحدث أثرها في وقت قصير، وتحقق نتائجها في بضعة أشهر. لم تعد عملية العامين استقراراً، بل استراتيجية تنمية».

ورأى أنه خلال هذه الفترة، «احتاجت تركيا إلى تنفيذ برنامج يجري التخطيط جيداً لإيراداته، مثل ضريبة الثروة، مع دعمه بآليات مساعدة اجتماعية شاملة، لكن هذه الفرصة ضاعت».

وأكد يلدان أن «مكافحة التضخم لها بُعد قائم على العدالة الاجتماعية»، ووفق الحسابات المبنية على بيانات «معهد الإحصاء التركي»، فإن «التضخم الذي يعاني منه المواطنون ذوو الدخل المنخفض أعلى بكثير من المعدل الرسمي».

سوق في إسطنبول (رويترز)

ولفت إلى أنه «عندما ننظر إلى أنماط استهلاك الفئات ذات الدخل المنخفض، مثل الطعام والإيجار والمواصلات، فإننا نجد أن معدل التضخم الذي تواجهه هذه الفئات يتراوح بين 50 و60 في المائة، وينعكس المعدل في مطبخ هذه الفئة بضعف الأرقام المعلنة، وفي ظل هذه الظروف، لا يمكن القول للناس: (لقد نجحنا في مكافحة التضخم)، ولا يمكن استعادة الثقة بزيادة الحد الأدنى للأجور مرة واحدة سنوياً، لكن المطلوب هو سياسة اجتماعية مستدامة».

وعدّ أنه في «بيئة يعاني فيها (البنك المركزي) من فقدان الثقة، فإن تصريحات شيمشك، التي تشبه (الكرة البلورية) والتي تخبرنا بأن التضخم سينخفض، غير مقنعة».

تأثير اعتقال إمام أوغلو

بدوره، رأى الأستاذ المشارك بقسم الاقتصاد في جامعتَي كوتش التركية ودورهام البريطانية، جيم تشاكماكلي، أن انعدام الثقة بالأسواق، خصوصاً مع التطورات السياسية بعد اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، في 19 مارس (آذار) الماضي، «لا يمكن القضاء عليه بأدوات السياسة النقدية فقط».

وأوضح أن «الانهيار السريع للاحتياطات، وزيادة علاوة المخاطر في تركيا، يعززان هذا الشعور بعدم الأمان»، وأن «هناك قطيعة حدثت بعد 19 مارس لن تكون مؤقتة، ففي البداية كان هناك تآكل في الاحتياطات بمقدار بين 40 و50 مليار دولار، وانخفض صافي احتياطات (البنك المركزي) الآن إلى 7 مليارات دولار، وأصبحت تركيا في وضع قد لا تُجدي فيه الثقة بالسياسة النقدية نفعاً أيضاً».

الاحتجاجات التي أعقبت اعتقال إمام أوغلو عمّقت انعدام الثقة بالسياسات الاقتصادية في تركيا (أ.ب)

ولفت إلى أن تصريحات شيمشك «بعيدة كل البعد عن الواقع، فعندما تدمر الثقة الاقتصادية، لا يمكن إنجاز هذه المهمة بإدارة التوقعات فقط، ولن تكفي حلول (البنك المركزي) المقتصرة على أسعار الفائدة لمواجهة الصدمات الداخلية، مثل أزمة 19 مارس، أو الهزات الجيوسياسية الخارجية».

ووفق تشاكماكلي، فإن «البرنامج الاقتصادي الحالي ربما يقترب الآن من نهايته؛ لأن الانقطاعات الهيكلية، وخسائر الاحتياطات، والطلب المتصاعد على النقد الأجنبي، تعرض استدامته للخطر. وإذا استمر الطلب على النقد الأجنبي، فإما ستُرفع أسعار الفائدة، وإما تُستخدم الاحتياطات السالبة، وإذا لم تتحسن البيانات الاقتصادية، فيمكن الإعلان عن برنامج جديد يركز على النمو، حيث سيُحمَّل التضخم عند مستوى أعلى».


مقالات ذات صلة

الصين تخفض سقف أسعار المحروقات للمرة الأولي منذ بدء الحرب الإيرانية

الاقتصاد ناقلة نفطية عملاقة قبالة ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ب)

الصين تخفض سقف أسعار المحروقات للمرة الأولي منذ بدء الحرب الإيرانية

ستخفض الصين سقف أسعار البنزين والديزل في السوق المحلية بدءاً من مساء الثلاثاء، مسجلةً بذلك أول خفض لها هذا العام.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد يظهر علم سويسرا أمام البنك الوطني السويسري في برن (رويترز)

«قبلة الموت» الأميركية تنهي أسطورة بنك «إم بائير» السويسري

«قبلة الموت» الأميركية تُسدل الستار على بنك «إم بائير» السويسري، إثر اتهامات بتحوله إلى قناة لغسل أموال بمليارات الدولارات لصالح إيران وروسيا وفنزويلا.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ - لندن)
الاقتصاد شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف العملات الأجنبية في سيول (أ.ب)

الأسهم الآسيوية تنتعش بآمال «مفاوضات السلام»

سجلت الأسهم الآسيوية ارتدادة قوية في تداولات يوم الثلاثاء، مدفوعة بأنباء متفائلة حول محادثات سلام بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)

مع تشديد الحظر... الصين تُقلّص صادرات الوقود دون حظرها

تُقلّص الصين صادرات الوقود المكرر بدلاً من حظرها، وفقًا لبيانات الشحن والتجار.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

إدارة ترمب تعيد 127 ملياراً من الرسوم الجمركية غير المشروعة

فتحت إدارة ترمب بوابة إلكترونية جديدة لتمكين الشركات من المطالبة باسترداد الرسوم الجمركية التي دفعتها بسبب سياسات أبطلتها المحكمة العليا الأميركية

علي بردى (واشنطن)

أرباح «الدريس» السعودية ترتفع 9 % نتيجة زيادة عدد المحطات

إحدى محطات «الدريس» لتعبئة الوقود (المركز الإعلامي للشركة)
إحدى محطات «الدريس» لتعبئة الوقود (المركز الإعلامي للشركة)
TT

أرباح «الدريس» السعودية ترتفع 9 % نتيجة زيادة عدد المحطات

إحدى محطات «الدريس» لتعبئة الوقود (المركز الإعلامي للشركة)
إحدى محطات «الدريس» لتعبئة الوقود (المركز الإعلامي للشركة)

ارتفعت أرباح شركة «الدريس للخدمات البترولية والنقليات السعودية» بنسبة 9 في المائة خلال الربع الأول من 2026 إلى 110.1 مليون ريال (29.3 مليون دولار)، على أساس سنوي.

وعزت الشركة هذا النمو، في بيان على منصة «تداول»، إلى ارتفاع المبيعات خلال الربع الحالي نتيجة التوسع في عدد المحطات وزيادة عدد الشاحنات، بالإضافة إلى نمو مبيعات قطاعي «ناقل» و«بترول».

وأفادت الشركة بأن نتائجها المالية استفادت كذلك من ارتفاع إيرادات الودائع البنكية والإيرادات الأخرى، إلى جانب تحسن نتائج الاستثمار في المشروع المشترك والاستثمار في الصكوك، وذلك رغم ارتفاع المصروفات البيعية والمصاريف العمومية والإدارية وأعباء التمويل ومصاريف الزكاة.

في المقابل، أوضحت «الدريس» أن أرباحها سجَّلت انخفاضاً على أساس ربعي مقارنة بالربع السابق، متأثرة بتراجع المبيعات خلال الربع الحالي نتيجة موسمية الطلب المرتبطة بشهر رمضان وعيد الفطر، رغم استمرار التوسع في شبكة المحطات وزيادة عدد الشاحنات.

كما أشارت إلى أن التراجع الربعي جاء أيضاً نتيجة انخفاض إيرادات الودائع البنكية والإيرادات الأخرى، وارتفاع المصروفات البيعية وأعباء التمويل، وذلك على الرغم من ارتفاع أرباح حصة الاستثمار في المشروع المشترك وأرباح الصكوك، وانخفاض المصاريف العمومية والإدارية ومصاريف الزكاة.


هل يطيح السيناتور المتمرد توم تيليس بمرشح ترمب في «يوم الحساب» النقدي؟

تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
TT

هل يطيح السيناتور المتمرد توم تيليس بمرشح ترمب في «يوم الحساب» النقدي؟

تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

في مكاتب الكابيتول هيل المزدحمة لم يعد الحديث يدور فقط عن هوية الرئيس المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بل عن السيناتور الذي قرر فجأة أن يقلب الطاولة على الجميع. توم تيليس، السيناتور الجمهوري عن ولاية كارولاينا الشمالية، تحوّل إلى «العدو اللدود» لخطط البيت الأبيض، مهدداً بمنع كيفن وارش من الوصول إلى سدة الحكم في أهم بنك مركزي في العالم، وذلك قبل ساعات فقط من مثول الأخير أمام لجنة الشؤون المصرفية في جلسة استماع وصفت بأنها «الأخطر» على مستقبل الاقتصاد الأميركي.

بينما يتجهز كيفن وارش للإدلاء بشهادته يوم الثلاثاء، يجد نفسه أمام كمين سياسي نصبه تيليس بعناية. فالسيناتور الذي اتخذ قراراً سياسياً استراتيجياً بـعدم الترشح لولاية ثالثة في مجلس الشيوخ، وهو ما منحه «قوة سياسية» غير متوقعة، يرهن صوت الحسم الذي يمتلكه داخل اللجنة بشرط وحيد وقطعي: وقف «الملاحقة الجنائية» التي تشنها إدارة ترمب ضد الرئيس الحالي جيروم باول.

ويصف زملاء تيليس موقفه بأنه «الانتحار السياسي الشريف»؛ فبما أنه لن يترشح مجدداً، لم يعد يهمه غضب ترمب أو تدويناته الهجومية على منصة «تروث سوشال». فتيليس، الذي كان يوماً حليفاً لميتش مكونيل، قرر أن يقضي شهوره الأخيرة في مجلس الشيوخ كـ«حارس للحقيقة»، رافضاً الانصياع لسياسات «الرجل الواحد». وهو يرى أن التحقيقات المتعلقة بتجاوز تكاليف تجديد مقر البنك المركزي (2.5 مليار دولار) ليست سوى «ذريعة» لكسر استقلالية المؤسسة النقدية، مؤكداً أنه لن يسمح بتمرير مرشح ترمب طالما ظل باول تحت وطأة «التهديد القضائي».

وتكتسب معارضة تيليس أهمية قصوى بسبب الحسابات الرقمية المعقدة داخل الكابيتول هيل؛ فلكي يخرج ترشيح وارش من أروقة لجنة الشؤون المصرفية بمجلس الشيوخ يحتاج إلى تأييد أغلبية أعضائها الـ23. وفي ظل الانقسام الحزبي الراهن، يسيطر الجمهوريون على اللجنة بـ12 مقعداً مقابل 11 مقعداً للديمقراطيين. وبما أن الديمقراطيين الـ11 يصطفون بجبهة موحدة ضد وارش، فإن انشقاق صوت جمهوري واحد -وهو صوت تيليس- سيؤدي إلى تعادل الأصوات مع امتناع أو معارضة تيليس، وهو ما يعني قانونياً «فشل المرشح» في نيل تزكية اللجنة.

هذا الرقم البسيط هو ما يمنح السيناتور المتمرد سلطة «الفيتو» الفعلي، ويجعل من صوته الجسر الوحيد الذي يجب أن يعبره وارش للوصول إلى التصويت العام في مجلس الشيوخ.

إرث «رجل المقطورات» في مواجهة «ثروة الـ 100 مليون»

تكتسب جلسة اليوم صبغة درامية؛ حيث يتواجه «رجل المقطورات» تيليس -الذي نشأ في فقر مدقع وحصل على شهادته في سن الـ 36- مع وارش، الذي كشفت إفصاحاته المالية اليوم عن ثروة هائلة تتجاوز 100 مليون دولار.

وتضغط اللجنة اليوم على وارش لكشف تفاصيل خطته للتخارج من أصوله المرتبطة بالملياردير ستانلي دروكنميلر، وسط مخاوف ديمقراطية من أن يكون تولي وارش للمنصب بوابة لـ«تضارب مصالح» غير مسبوق، حيث يتساءل المشرّعون: «من سيشتري أصول وارش؟ وهل سيكون دروكنميلر هو من يكتب شيك الخروج؟».

«لست ميتاً بعد»

يأتي مثول وارش اليوم في أعقاب حرب كلامية استعرت خلال الساعات الماضية؛ فبعد محاولة ترمب تهميش تيليس بوصفه «سيناتوراً منتهياً»، رد تيليس ببروده المعتاد: «لست ميتاً بعد... ونشأتي الصعبة علمتني ألا أستفز بسهولة».

هذا الإصرار يجعل من جلسة اليوم «موقعة تكسير عظام»؛ فإما أن يرضخ البيت الأبيض ويوقف تحقيقات باول لإنقاذ مرشحه، أو يواجه انتحاراً سياسياً لخطته في السيطرة على الاحتياطي الفيدرالي.


بين إرث كوك وطموح تيرنوس... 7 ملفات شائكة تحدّد مستقبل «أبل»

شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)
شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)
TT

بين إرث كوك وطموح تيرنوس... 7 ملفات شائكة تحدّد مستقبل «أبل»

شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)
شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)

في لحظة فارقة قد تغير خريطة قطاع التكنولوجيا العالمي، أعلنت شركة «أبل»، الثلاثاء رسمياً تنحي تيم كوك عن منصبه مديراً تنفيذياً في وقت لاحق من هذا العام؛ لينتقل إلى منصب رئيس مجلس الإدارة التنفيذي. وسيشغل جون تيرنوس، المهندس الذي يقف وراء ثورة أجهزة «أبل» في السنوات الأخيرة، المنصب القيادي الأول بدءاً من مطلع سبتمبر (أيلول) المقبل، ليرث تركة اقتصادية تقدر بتريليونات الدولارات، ولكنها محفوفة بتحديات وجودية لم تشهدها الشركة منذ عقود.

كوك يحضر حفل غداء توزيع جوائز معهد الفيلم الأميركي بلوس أنجليس في يناير (رويترز)

إرث تيم كوك وتوقيت «الخروج المسرحي»

يرى المحللون في «وول ستريت» أن رحيل كوك في هذا التوقيت هو «تحول مدروس»؛ فبعد قيادته للشركة لأكثر من عقد وتحويلها إلى أضخم كيان مالي في العالم، يترك كوك المنصب والشركة تمر بمخاض عسير في استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي. ويؤكد الخبراء أن الضغوط المتزايدة لتقديم رؤية واضحة في هذا المجال كانت المحرك الأساسي لضخ دماء جديدة في «الجناح التنفيذي».

جون تيرنوس يتحدث خلال مؤتمر «أبل» العالمي السنوي للمطورين (أرشيفية - رويترز)

خريطة الطريق لتيرنوس لإنقاذ العرش

لكي يتمكن تيرنوس من إسكات المشككين وبناء مصداقية سريعة في الأسواق؛ عليه حسم سبعة ملفات شائكة وصعبة:

1. معضلة الذكاء الاصطناعي: التحول من «اللحاق» إلى «السيادة»

المهمة الأولى والأكثر إلحاحاً هي جعل «ذكاء أبل» (Apple Intelligence) عنصراً حاسماً في قرار الشراء. رغم الشراكة الاستراتيجية مع «غوغل» لدمج نموذج «جيميناي» في أنظمة «أبل» مقابل مليار دولار سنوياً، فإن تيرنوس مُطالَب بتطوير قدرات سيادية للشركة تجعل «سيري» أكثر من مجرد مساعد صوتي، بل محركاً حياتياً يعتمد عليه مئات الملايين.

2. ابتكار «المستقبل»... هل انتهى زمن «الأيفون»؟

يواجه تيرنوس ضغطاً لتقديم «الشيء الكبير القادم». ومع دخول شركة «أوبن إيه آي» مجال الأجهزة من خلال استحواذها على شركة المصمم السابق لـ«أبل» جوني آيف، بات التهديد حقيقياً. تيرنوس، بخبرته الطويلة في هندسة الأجهزة، مُطالَب بابتكار جهاز ثوري يتجاوز فكرة الهاتف الذكي التقليدي؛ وهو ما قد يتخطى مجرد «أيفون قابل للطي» المنتظر.

3. جراحة مؤلمة في القوى العاملة

على غرار ما فعله عمالقة التقنية (أمازون، ميتا، وأوراكل)، قد يضطر تيرنوس إلى إعادة هيكلة ضخمة في حجم العمالة. «أبل» التي توظف أكثر من 160 ألف شخص عالمياً، قد تلجأ تحت قيادته لتقليص الأعداد في الأقسام التقليدية لإعادة تخصيص الموارد نحو استثمارات النمو المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهي خطوة يترقبها المستثمرون لرفع كفاءة الأرباح.

4. مراجعة مليارات «Apple TV+»

أنفقت «أبل» ما يقارب 30 مليار دولار على المحتوى الأصلي منذ عام 2019، ورغم نيلها بعض الجوائز، فإن عدد «الضربات الكبرى» (Hits) لا يزال ضئيلاً مقارنة بالإنفاق. التحدي أمام المدير الجديد هو الحسم: هل تندفع «أبل» بقوة لمنافسة «نتفليكس» و«أمازون» عبر صفقات استحواذ ضخمة، أم تنسحب تدريجياً لتقليص الخسائر في قطاع المحتوى؟

5. إعادة تشكيل «المطبخ القيادي»

من المتوقع أن يقوم تيرنوس بتعيين فريقه الخاص في المناصب العليا. تغيير المدير التنفيذي عادة ما يتبعه تغيير في رؤساء القطاعات الرئيسية. سيبحث المستثمرون عن أسماء شابة ومبتكرة في فريق تيرنوس تعكس التوجه الجديد نحو البرمجيات والذكاء الاصطناعي بدلاً من التركيز التاريخي على التصميم الخارجي فقط.

6. دبلوماسية «البيت الأبيض»

أتقن تيم كوك فن التعامل مع التقلبات السياسية في واشنطن، وبنى علاقة قوية مع الرئيس دونالد ترمب لحماية «أبل» من الرسوم الجمركية. تيرنوس لا يمتلك هذا التاريخ الدبلوماسي، وعليه البدء فوراً في استثمار الوقت لبناء علاقة شخصية مع الإدارة الأميركية، لضمان استمرارية سلاسل التوريد العالمية للشركة دون عوائق سياسية.

ترمب يصافح تيم كوك بالبيت الأبيض في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

7. كسب ثقة «حكماء أومها»

تُعدّ شركة «بيركشاير هثاواي» أكبر مساهم منفرد في «أبل» بحصة تبلغ 62 مليار دولار. ومع انتقال القيادة فيها إلى «غريغ أبل» (خلفاً لوارن بافيت)، يحتاج تيرنوس إلى تأسيس كيمياء خاصة مع «أبل» (المستثمر)؛ لضمان استمرار هذا الدعم المالي والمعنوي الذي يمنح السهم استقراره التاريخي في الأوقات الصعبة.

في الخلاصة، تيرنوس ليس مجرد «مهندس أجهزة» يترقى، بل هو الآن يقود سفينة تعبر عاصفة تكنولوجية لم يسبق لها مثيل. نجاحه يعتمد على قدرته في دمج عبقرية «أبل» في التصميم مع الثورة القادمة في البرمجة، والأسواق لن تمنحه الكثير من الوقت قبل أن تطلب منه نتائج ملموسة.