قصة تحول يقودها «السيادي» من الاعتماد على النفط إلى التنوع

أصول «صندوق الاستثمارات العامة» تتجاوز مستهدف 2024 وتلامس التريليون دولار

ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز خلال اجتماع الإعلان عن استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة في 2021 (الشرق الأوسط)
ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز خلال اجتماع الإعلان عن استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة في 2021 (الشرق الأوسط)
TT

قصة تحول يقودها «السيادي» من الاعتماد على النفط إلى التنوع

ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز خلال اجتماع الإعلان عن استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة في 2021 (الشرق الأوسط)
ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز خلال اجتماع الإعلان عن استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة في 2021 (الشرق الأوسط)

قبل عقود، كانت مسيرة التنمية في السعودية تسير في ضوء الخطط الخمسية، محققة منجزات في مختلف المجالات. ومع التغيرات المتسارعة التي مر بها العالم والتطورات في الاستراتيجيات الاقتصادية والتنموية، أصبحت هذه الخطط تسير في مسار محدود الأثر، حيث كان النفط يشكل أكثر من 90 في المائة من الإيرادات الحكومية، مما يعني أن الاقتصاد وعجلة التنمية كانا يتأثران بشكل رئيسي بتقلبات أسعار أسواق النفط، الأمر الذي يؤثر على تحقيق الأهداف الوطنية والاستراتيجية.

وجاءت «رؤية 2030» التي أطلقها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، في عام 2016، لتضع خططها نحو بناء اقتصاد أكثر تنوع واستدامة، وتعزيز متانته وفق أحدث المعايير التي وصل إليها العالم، ومنها تفعيل دور صندوق الاستثمارات العامة وتمكين القطاع الخاص، وهكذا بدأت القصة الفعلية للتحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة اليوم.

وبالخوض في تفاصيل هذا التحول، بدأت الحكومة في الإصلاحات لتفعل دور «صندوق الاستثمارات العامة» والقطاع الخاص، من خلال إعادة الهيكلة المستلهمة من الرؤية خلال التسع سنوات الماضية منذ انطلاقها، لتساهم في تحسين بيئة الأعمال وتسهيل الإجراءات وتعزيز الشفافية، إلى جانب تطوير الحوكمة وإعادة هيكلة «السيادي» السعودي، ليكون أكثر فاعلية في الاقتصاد بصفته محركاً رئيسياً.

نشأة صندوق الاستثمارات العامة

تأسس «صندوق الاستثمارات العامة» عام 1971، ومنذ ذلك الوقت كان مساهماً في تمويل المشروعات ذات الأهمية الاستراتيجية للمملكة، وعلى مدى العقود التالية دعم مسيرة التنمية. إلا أن دوره ظل محدوداً مقارنةً بإمكاناته، لتأتي «رؤية 2030» دافعة إلى تفعيل دوره الاقتصادي والتنموي، بإعادة هيكلته ليكون محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي. وبالتالي قام صندوق الاستثمارات العامة بالتركيز على استثمار قوته المالية في تطوير قطاعات استراتيجية وواعدة، مثل التعدين، والصناعة، والخدمات اللوجيستية، والتقنية، والثقافة، والسياحة، والترفيه، وغيرها. إذ قاد جهوداً لنمو الاقتصاد غير النفطي، بتأسيس الشركات وقيادة محفظة شاملة من المشروعات الكبرى، وهو ما أتاح للقطاع الخاص فرصاً ذات تنوع أكثر، بما يعزز من مشاركته الفاعلة في تحقيق النمو الاقتصادي، مستفيداً من الإصلاحات التي أزالت العقبات.

وعززت منجزات صندوق الاستثمارات العامة مكانته كأحد أكبر شركات إدارة الأصول وصناديق الثروة السيادية، إذ تصدرت العلامة التجارية قائمة الأعلى قيمة بين نظرائه، وفقاً لتقرير «براند فاينانس»، بقيمة 1.1 مليار دولار. كما حصل على جوائز عالمية ضمن مؤتمر الشرق الأوسط للسندات والقروض 2024.

ويأتي ذلك نتيجةً لأعمال واستثمارات الصندوق التي أثرت إيجاباً في إحداث حركة ونشاط اقتصادي واستثماري متنامي على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي، بالإضافة إلى دوره الذي يدفع نحو مزيد من التقدم واكتشاف الفرص وتطويرها في قطاعات استراتيجية وواعدة، وتعظيم أثرها في دعم نمو الاقتصاد غير النفطي، وذلك عبر جذب الاستثمارات، وتعزيز التعاون والشراكات الدولية، بما يساهم في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.

تنوع الاستثمارات

وعقد الصندوق شراكات وتعاونات مع القطاع الخاص في العديد من المجالات، بهدف تمكين نموه وتوسعه وتعزيز فرصه الاستثمارية، من خلال محفظة استثماراته وشركاته، لا سيما المشروعات الكبرى، مثل نيوم، والقدية، والبحر الأحمر، وروشن، والدرعية، إذ ساهمت في دعم وتنمية المحتوى المحلي بشكل ملحوظ، عبر إشراك الشركات في جميع مراحل التنفيذ.

جزيرة شيبارة ضمن مشروعات البحر الأحمر (الشرق الأوسط)

ويظهر الأثر في نمو المحتوى المحلي في مشروعات الصندوق بشكل متصاعد، إلى جانب الفرص التي يقدها عبر منصة القطاع الخاص، وبرامج التأهيل والتدريب للمقاولين والشركات الصغيرة والمتوسطة، في خطوة تسهم في تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» لرفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي إلى 65 في المائة، وتوسيع دوره في التنمية الاقتصادية، ودعم الابتكار، وتعزيز تنافسية القطاعات المختلفة في المملكة.

وبفضل هذا التطوير، أصبحت أصول الصندوق التي تحت إدارته تنمو بوتيرة متسارعة، وتدفع نحو توفير العديد من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، عبر تأسيس شركات في قطاعات استراتيجية متنوعة، ليتمكن من زيادة أصوله إلى 3.53 تريليون ريال (941 مليار دولار)، متجاوزاً مستهدف عام 2024 والبالغ 3.3 تريليون ريال (880 مليار دولار).

تحسين بيئة الأعمال

ولم يكن التحول الاقتصادي بطيئاً أو متردداً، بل كان سريعاً ومدروساً، إذ ارتفعت مستويات الحوكمة وتحسنت آليات اتخاذ القرار، وأصبحت الحكومة أكثر كفاءة واستجابة.

منطقة نيوم (الشرق الأوسط)

ومع هذا التحول المؤسسي، بدأت فرص النمو تظهر واحدة تلو الأخرى، ليس فقط في القطاعات التقليدية، بل في مجالات أخرى متعددة لم تكن ضمن خريطة الاقتصاد سابقاً. ونتيجةً لذلك، قفزت مساهمة الأنشطة غير النفطية منذ إطلاق الرؤية في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 51 في المائة، وهو ما يعد أعلى مستوى تاريخي لمساهمتها في الاقتصاد. وقد دفعت تلك الجهود إلى مشاركة أكبر للقطاع الخاص، واستثمارات عالمية ضخمة تتدفق إلى المملكة، مستفيدة من بيئة الأعمال التي تتميز عن غيرها بأن الفرص لا تتولد فقط، بل تتضاعف وتتشكل بسرعة مذهلة، مستندة على اقتصاد أثبت صلابته بتجاوزه التحديات التي أثرت على الاقتصاد العالمي وبطأت نموه.

منطقة الدرعية (الشرق الأوسط)

وتعدُّ الحكومة السعودية «رؤية 2030» رحلة ممتدة لصناعة الفرص واستثمارها، وبناء اقتصاد متنوع ومزدهر، يحقق الشمولية والاستدامة ويوفر الممكنات لنمو جميع القطاعات.


مقالات ذات صلة

رسمياً... شركة المملكة القابضة تستحوذ على 70% من شركة نادي الهلال

رياضة سعودية الأمير الوليد بن طلال ويزيد الحميّد خلال توقيع اتفاقية الاستحواذ (صندوق الاستثمارات العامة)

رسمياً... شركة المملكة القابضة تستحوذ على 70% من شركة نادي الهلال

وقّع صندوق الاستثمارات العامة وشركة المملكة القابضة اليوم الخميس اتفاقية بيع وشراء أسهم ملزمة، تستحوذ بموجبها شركة المملكة القابضة على 70% من إجمالي رأس المال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد 
الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)

«السيادي» السعودي يُقر استراتيجية تعزز الاقتصاد

أقرّ مجلس إدارة «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي برئاسة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة الصندوق، استراتيجية جديدة للأعوام.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي ياسر الرميان (الشرق الأوسط) p-circle 02:12

الرميان: العمل جارٍ لإعادة هيكلة مشاريع «نيوم» وتعزيز الجدوى المالية

قال محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي ياسر الرميان، إن العمل جارٍ لإعادة هيكلة المشاريع في شركة «نيوم» لتحقيق جدوى مالية مستدامة في المستقبل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي p-circle 00:45

برئاسة محمد بن سلمان... صندوق الاستثمارات العامة يقرّ استراتيجية 2026 - 2030

برئاسة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، أقرّ مجلس إدارة الصندوق استراتيجية 2026- 2030.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد سيارة «لوسيد» بشعار «صنع في السعودية» (واس)

«لوسيد» تعيِّن رئيساً جديداً... و«السيادي السعودي» و«أوبر» يلتزمان بضخ 750 مليون دولار

أعلنت شركة «لوسيد غروب» عن تطورات شملت تعيين رئيس تنفيذي جديد، وضخ استثمارات بقيمة 750 مليون دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وشركة «لوسيد».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

أرباح «الدريس» السعودية ترتفع 9 % نتيجة زيادة عدد المحطات

إحدى محطات «الدريس» لتعبئة الوقود (المركز الإعلامي للشركة)
إحدى محطات «الدريس» لتعبئة الوقود (المركز الإعلامي للشركة)
TT

أرباح «الدريس» السعودية ترتفع 9 % نتيجة زيادة عدد المحطات

إحدى محطات «الدريس» لتعبئة الوقود (المركز الإعلامي للشركة)
إحدى محطات «الدريس» لتعبئة الوقود (المركز الإعلامي للشركة)

ارتفعت أرباح شركة «الدريس للخدمات البترولية والنقليات السعودية» بنسبة 9 في المائة خلال الربع الأول من 2026 إلى 110.1 مليون ريال (29.3 مليون دولار)، على أساس سنوي.

وعزت الشركة هذا النمو، في بيان على منصة «تداول»، إلى ارتفاع المبيعات خلال الربع الحالي نتيجة التوسع في عدد المحطات وزيادة عدد الشاحنات، بالإضافة إلى نمو مبيعات قطاعي «ناقل» و«بترول».

وأفادت الشركة بأن نتائجها المالية استفادت كذلك من ارتفاع إيرادات الودائع البنكية والإيرادات الأخرى، إلى جانب تحسن نتائج الاستثمار في المشروع المشترك والاستثمار في الصكوك، وذلك رغم ارتفاع المصروفات البيعية والمصاريف العمومية والإدارية وأعباء التمويل ومصاريف الزكاة.

في المقابل، أوضحت «الدريس» أن أرباحها سجَّلت انخفاضاً على أساس ربعي مقارنة بالربع السابق، متأثرة بتراجع المبيعات خلال الربع الحالي نتيجة موسمية الطلب المرتبطة بشهر رمضان وعيد الفطر، رغم استمرار التوسع في شبكة المحطات وزيادة عدد الشاحنات.

كما أشارت إلى أن التراجع الربعي جاء أيضاً نتيجة انخفاض إيرادات الودائع البنكية والإيرادات الأخرى، وارتفاع المصروفات البيعية وأعباء التمويل، وذلك على الرغم من ارتفاع أرباح حصة الاستثمار في المشروع المشترك وأرباح الصكوك، وانخفاض المصاريف العمومية والإدارية ومصاريف الزكاة.


هل يطيح السيناتور المتمرد توم تيليس بمرشح ترمب في «يوم الحساب» النقدي؟

تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
TT

هل يطيح السيناتور المتمرد توم تيليس بمرشح ترمب في «يوم الحساب» النقدي؟

تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

في مكاتب الكابيتول هيل المزدحمة لم يعد الحديث يدور فقط عن هوية الرئيس المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بل عن السيناتور الذي قرر فجأة أن يقلب الطاولة على الجميع. توم تيليس، السيناتور الجمهوري عن ولاية كارولاينا الشمالية، تحوّل إلى «العدو اللدود» لخطط البيت الأبيض، مهدداً بمنع كيفن وارش من الوصول إلى سدة الحكم في أهم بنك مركزي في العالم، وذلك قبل ساعات فقط من مثول الأخير أمام لجنة الشؤون المصرفية في جلسة استماع وصفت بأنها «الأخطر» على مستقبل الاقتصاد الأميركي.

بينما يتجهز كيفن وارش للإدلاء بشهادته يوم الثلاثاء، يجد نفسه أمام كمين سياسي نصبه تيليس بعناية. فالسيناتور الذي اتخذ قراراً سياسياً استراتيجياً بـعدم الترشح لولاية ثالثة في مجلس الشيوخ، وهو ما منحه «قوة سياسية» غير متوقعة، يرهن صوت الحسم الذي يمتلكه داخل اللجنة بشرط وحيد وقطعي: وقف «الملاحقة الجنائية» التي تشنها إدارة ترمب ضد الرئيس الحالي جيروم باول.

ويصف زملاء تيليس موقفه بأنه «الانتحار السياسي الشريف»؛ فبما أنه لن يترشح مجدداً، لم يعد يهمه غضب ترمب أو تدويناته الهجومية على منصة «تروث سوشال». فتيليس، الذي كان يوماً حليفاً لميتش مكونيل، قرر أن يقضي شهوره الأخيرة في مجلس الشيوخ كـ«حارس للحقيقة»، رافضاً الانصياع لسياسات «الرجل الواحد». وهو يرى أن التحقيقات المتعلقة بتجاوز تكاليف تجديد مقر البنك المركزي (2.5 مليار دولار) ليست سوى «ذريعة» لكسر استقلالية المؤسسة النقدية، مؤكداً أنه لن يسمح بتمرير مرشح ترمب طالما ظل باول تحت وطأة «التهديد القضائي».

وتكتسب معارضة تيليس أهمية قصوى بسبب الحسابات الرقمية المعقدة داخل الكابيتول هيل؛ فلكي يخرج ترشيح وارش من أروقة لجنة الشؤون المصرفية بمجلس الشيوخ يحتاج إلى تأييد أغلبية أعضائها الـ23. وفي ظل الانقسام الحزبي الراهن، يسيطر الجمهوريون على اللجنة بـ12 مقعداً مقابل 11 مقعداً للديمقراطيين. وبما أن الديمقراطيين الـ11 يصطفون بجبهة موحدة ضد وارش، فإن انشقاق صوت جمهوري واحد -وهو صوت تيليس- سيؤدي إلى تعادل الأصوات مع امتناع أو معارضة تيليس، وهو ما يعني قانونياً «فشل المرشح» في نيل تزكية اللجنة.

هذا الرقم البسيط هو ما يمنح السيناتور المتمرد سلطة «الفيتو» الفعلي، ويجعل من صوته الجسر الوحيد الذي يجب أن يعبره وارش للوصول إلى التصويت العام في مجلس الشيوخ.

إرث «رجل المقطورات» في مواجهة «ثروة الـ 100 مليون»

تكتسب جلسة اليوم صبغة درامية؛ حيث يتواجه «رجل المقطورات» تيليس -الذي نشأ في فقر مدقع وحصل على شهادته في سن الـ 36- مع وارش، الذي كشفت إفصاحاته المالية اليوم عن ثروة هائلة تتجاوز 100 مليون دولار.

وتضغط اللجنة اليوم على وارش لكشف تفاصيل خطته للتخارج من أصوله المرتبطة بالملياردير ستانلي دروكنميلر، وسط مخاوف ديمقراطية من أن يكون تولي وارش للمنصب بوابة لـ«تضارب مصالح» غير مسبوق، حيث يتساءل المشرّعون: «من سيشتري أصول وارش؟ وهل سيكون دروكنميلر هو من يكتب شيك الخروج؟».

«لست ميتاً بعد»

يأتي مثول وارش اليوم في أعقاب حرب كلامية استعرت خلال الساعات الماضية؛ فبعد محاولة ترمب تهميش تيليس بوصفه «سيناتوراً منتهياً»، رد تيليس ببروده المعتاد: «لست ميتاً بعد... ونشأتي الصعبة علمتني ألا أستفز بسهولة».

هذا الإصرار يجعل من جلسة اليوم «موقعة تكسير عظام»؛ فإما أن يرضخ البيت الأبيض ويوقف تحقيقات باول لإنقاذ مرشحه، أو يواجه انتحاراً سياسياً لخطته في السيطرة على الاحتياطي الفيدرالي.


بين إرث كوك وطموح تيرنوس... 7 ملفات شائكة تحدّد مستقبل «أبل»

شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)
شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)
TT

بين إرث كوك وطموح تيرنوس... 7 ملفات شائكة تحدّد مستقبل «أبل»

شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)
شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)

في لحظة فارقة قد تغير خريطة قطاع التكنولوجيا العالمي، أعلنت شركة «أبل»، الثلاثاء رسمياً تنحي تيم كوك عن منصبه مديراً تنفيذياً في وقت لاحق من هذا العام؛ لينتقل إلى منصب رئيس مجلس الإدارة التنفيذي. وسيشغل جون تيرنوس، المهندس الذي يقف وراء ثورة أجهزة «أبل» في السنوات الأخيرة، المنصب القيادي الأول بدءاً من مطلع سبتمبر (أيلول) المقبل، ليرث تركة اقتصادية تقدر بتريليونات الدولارات، ولكنها محفوفة بتحديات وجودية لم تشهدها الشركة منذ عقود.

كوك يحضر حفل غداء توزيع جوائز معهد الفيلم الأميركي بلوس أنجليس في يناير (رويترز)

إرث تيم كوك وتوقيت «الخروج المسرحي»

يرى المحللون في «وول ستريت» أن رحيل كوك في هذا التوقيت هو «تحول مدروس»؛ فبعد قيادته للشركة لأكثر من عقد وتحويلها إلى أضخم كيان مالي في العالم، يترك كوك المنصب والشركة تمر بمخاض عسير في استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي. ويؤكد الخبراء أن الضغوط المتزايدة لتقديم رؤية واضحة في هذا المجال كانت المحرك الأساسي لضخ دماء جديدة في «الجناح التنفيذي».

جون تيرنوس يتحدث خلال مؤتمر «أبل» العالمي السنوي للمطورين (أرشيفية - رويترز)

خريطة الطريق لتيرنوس لإنقاذ العرش

لكي يتمكن تيرنوس من إسكات المشككين وبناء مصداقية سريعة في الأسواق؛ عليه حسم سبعة ملفات شائكة وصعبة:

1. معضلة الذكاء الاصطناعي: التحول من «اللحاق» إلى «السيادة»

المهمة الأولى والأكثر إلحاحاً هي جعل «ذكاء أبل» (Apple Intelligence) عنصراً حاسماً في قرار الشراء. رغم الشراكة الاستراتيجية مع «غوغل» لدمج نموذج «جيميناي» في أنظمة «أبل» مقابل مليار دولار سنوياً، فإن تيرنوس مُطالَب بتطوير قدرات سيادية للشركة تجعل «سيري» أكثر من مجرد مساعد صوتي، بل محركاً حياتياً يعتمد عليه مئات الملايين.

2. ابتكار «المستقبل»... هل انتهى زمن «الأيفون»؟

يواجه تيرنوس ضغطاً لتقديم «الشيء الكبير القادم». ومع دخول شركة «أوبن إيه آي» مجال الأجهزة من خلال استحواذها على شركة المصمم السابق لـ«أبل» جوني آيف، بات التهديد حقيقياً. تيرنوس، بخبرته الطويلة في هندسة الأجهزة، مُطالَب بابتكار جهاز ثوري يتجاوز فكرة الهاتف الذكي التقليدي؛ وهو ما قد يتخطى مجرد «أيفون قابل للطي» المنتظر.

3. جراحة مؤلمة في القوى العاملة

على غرار ما فعله عمالقة التقنية (أمازون، ميتا، وأوراكل)، قد يضطر تيرنوس إلى إعادة هيكلة ضخمة في حجم العمالة. «أبل» التي توظف أكثر من 160 ألف شخص عالمياً، قد تلجأ تحت قيادته لتقليص الأعداد في الأقسام التقليدية لإعادة تخصيص الموارد نحو استثمارات النمو المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهي خطوة يترقبها المستثمرون لرفع كفاءة الأرباح.

4. مراجعة مليارات «Apple TV+»

أنفقت «أبل» ما يقارب 30 مليار دولار على المحتوى الأصلي منذ عام 2019، ورغم نيلها بعض الجوائز، فإن عدد «الضربات الكبرى» (Hits) لا يزال ضئيلاً مقارنة بالإنفاق. التحدي أمام المدير الجديد هو الحسم: هل تندفع «أبل» بقوة لمنافسة «نتفليكس» و«أمازون» عبر صفقات استحواذ ضخمة، أم تنسحب تدريجياً لتقليص الخسائر في قطاع المحتوى؟

5. إعادة تشكيل «المطبخ القيادي»

من المتوقع أن يقوم تيرنوس بتعيين فريقه الخاص في المناصب العليا. تغيير المدير التنفيذي عادة ما يتبعه تغيير في رؤساء القطاعات الرئيسية. سيبحث المستثمرون عن أسماء شابة ومبتكرة في فريق تيرنوس تعكس التوجه الجديد نحو البرمجيات والذكاء الاصطناعي بدلاً من التركيز التاريخي على التصميم الخارجي فقط.

6. دبلوماسية «البيت الأبيض»

أتقن تيم كوك فن التعامل مع التقلبات السياسية في واشنطن، وبنى علاقة قوية مع الرئيس دونالد ترمب لحماية «أبل» من الرسوم الجمركية. تيرنوس لا يمتلك هذا التاريخ الدبلوماسي، وعليه البدء فوراً في استثمار الوقت لبناء علاقة شخصية مع الإدارة الأميركية، لضمان استمرارية سلاسل التوريد العالمية للشركة دون عوائق سياسية.

ترمب يصافح تيم كوك بالبيت الأبيض في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

7. كسب ثقة «حكماء أومها»

تُعدّ شركة «بيركشاير هثاواي» أكبر مساهم منفرد في «أبل» بحصة تبلغ 62 مليار دولار. ومع انتقال القيادة فيها إلى «غريغ أبل» (خلفاً لوارن بافيت)، يحتاج تيرنوس إلى تأسيس كيمياء خاصة مع «أبل» (المستثمر)؛ لضمان استمرار هذا الدعم المالي والمعنوي الذي يمنح السهم استقراره التاريخي في الأوقات الصعبة.

في الخلاصة، تيرنوس ليس مجرد «مهندس أجهزة» يترقى، بل هو الآن يقود سفينة تعبر عاصفة تكنولوجية لم يسبق لها مثيل. نجاحه يعتمد على قدرته في دمج عبقرية «أبل» في التصميم مع الثورة القادمة في البرمجة، والأسواق لن تمنحه الكثير من الوقت قبل أن تطلب منه نتائج ملموسة.