مصر... وجدل المواقع المحجوبة

خسرت زوارها على الإنترنت... وبعضها يواجه تهماً بالإرهاب

نقابة الصحافيين المصرية تحقق في شكاوى حجب مواقع على الإنترنت (رويترز)
نقابة الصحافيين المصرية تحقق في شكاوى حجب مواقع على الإنترنت (رويترز)
TT

مصر... وجدل المواقع المحجوبة

نقابة الصحافيين المصرية تحقق في شكاوى حجب مواقع على الإنترنت (رويترز)
نقابة الصحافيين المصرية تحقق في شكاوى حجب مواقع على الإنترنت (رويترز)

تعرّض أكثر من مائة موقع إخباري في مصر للحجب، خلال الشهور الثلاثة الأخيرة. ولم يعد في مقدور متصفّحي الإنترنت الوصول إليها، بعدما حققت شهرة ونسبة زوّار وإعلانات من غوغل لا يستهان بها. وبينما تقدم عدد من أصحاب هذه المواقع بشكاوى إلى نقابة الصحافيين، فإن التحقيق في الأمر قد يستغرق أسابيع عدة، وفقا لما قاله لـ«الشرق الأوسط» مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام. وللعلم، منذ أحداث 2011 التي ضربت المنطقة العربية، شهدت التداعيات اللاحقة استخداماً واسعاً للإنترنت في نشر أخبار وقصص مثيرة، لها علاقة بالسياسة والحكم والفوضى. وقال اللواء هاني عبد اللطيف، المتحدث السابق باسم وزارة الداخلية المصرية، لـ«الشرق الأوسط»: إن «كل دول العالم القوية ذات السيادة، تتخذ إجراءاتها التي تتماشى مع مصالح أمنها القومي»، مشددا على ضرورة التفريق بين الإعلام ونشر الشائعات «الذي تقف وراءه أجهزة مخابرات تحاول إفشال الدولة المصرية».
وتواجه بعض المواقع المحجوبة تهماً بالترويج للإرهاب، وغموضا في تمويلها المالي، ومن بينها عشرات من المواقع المصرية، وعدد آخر من المواقع العربية. ودافع عدد من أصحاب هذه المواقع عن أنفسهم، وقالوا إن حجب مواقعهم كبّدهم خسائر مالية ضخمة، ونفوا صلتهم بالإرهاب. وقال خالد البلشي، رئيس تحرير موقع «البداية» الإخباري (تم حجبه في مصر)، وهو ذو توجه يساري، لـ«الشرق الأوسط»: أعتقد أن الأمر يتعلق برفض الرأي الآخر.
ووفقا لمسؤول أمني مصري، بدأ الحجب بالفعل على عدد محدود من المواقع، بداية من شهر مايو (أيار) الماضي، لكن العدد ارتفع بعد قرار مصر مقاطعة قطر، مشيراً إلى أن الحجب شمل مواقع ممولة من الدوحة، وأخرى تقف وراءها تنظيمات مشبوهة، و«تمويل مالي غير شفاف».
ومن بين نحو مائة موقع مصري محجوب، لم يتقرر النظر إلا في شكاوى تخص سبعة فقط، من بينها موقع «المصريون» الذي يصدر نسخة ورقية أيضاً. وقال جمال سلطان، رئيس تحرير «المصريون» لـ«الشرق الأوسط» موضحاً «أي تحقيق نزيه سيكشف أن موقعي بريء من أي تهمة». ومن جانبه، أكد عبد المحسن سلامة، نقيب الصحافيين المصريين، لـ«الشرق الأوسط» أن مجلس النقابة ناقش المشكلة، وسيتعامل معها بكل شفافية وحياد.
وليس من السهل على الحكومات حجب مواقع على الإنترنت، حسب خالد عبد الراضي، المتخصص في الشبكات الإنترنتية بالقاهرة، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأن الأمر مكلف ويحتاج إلى أموال وتقنيات... «مثل هذه الإمكانية لم تكن متوافرة في مصر، لكن يبدو أنها أصبحت متاحة في الفترة الأخيرة».
انقرْ على زر الإدخال. لن يظهر الموقع الإخباري الذي تريده. جرِّب موقعاً آخر.. لا يعملُ. ثالث... المشكلة نفسها. ليست مواقع سياسية فقط، هناك مواقع تخص أشياء أخرى مثل لعبة كرة القدم.
ما السبب يا ترى؟ أجاب مكرم محمد أحمد، قائلا: «كثرة من مثل هذه المواقع تابعة لجماعة الإخوان، والكثير منها صدرت عليها قرارات حراسة».
ومنذ ضربت موجة الإرهاب الكثير من دول العالم، اتخذت السلطات في بلدان مختلفة إجراءات لحماية أمنها القومي، كان آخرها روسيا، قبل ثلاثة أيام، سبقها في هذا مجموعة الدول العربية الأربع؛ مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات المتحدة والبحرين. لقد اتهمت هذه الدول قطر بتمويل ودعم منظمات وجماعات إرهابية، عبر منطقة الشرق الأوسط، على رأسها جماعة الإخوان. وطالت العقوبات حجب مواقع محسوبة على قطر.
فكرة الحجب الإنترنتي اجتاحت أوروبا أيضا، بعد هجمات نفذها متطرّفون، وبخاصة تنظيم داعش في الأعوام الأخيرة. وقامت بها كذلك دول عربية في إجراء مبكر للجم انتشار دعاوى نشر الفوضى والقتل والتفجير. وعقب ترؤس عبد المحسن سلامة، نقيب الصحافيين، اجتماعاً في مبنى نقابة الصحافيين المصريين، الكائن في شارع عبد الخالق ثروت بوسط القاهرة، قال سلامة: «نحن في مصر في مشكلة، ويوجد إرهاب».
كان اجتماع مجلس النقابة مخصّصاً لبحث قضايا عدة، من بينها شكاوى من أصحاب مواقع إنترنت مصرية، محجوبة في البلاد، لمناقشة المشكلة. حدث هذا قبل يومين. ولقد تعرّضت مواقع عدة لخسائر مالية، بعد حجبها منذ أسابيع، في حين يقول بعض أصحابها إنه لا علاقة لهم بالإرهاب ولا بالتمويل المشبوه. كذلك اضطرت مواقع من هذا النوع إلى تسريح عاملين لديها، كما يقول جمال سلطان.
ويبدو أن مصر اتخذت إجراءات مشددة ضد مزيد من المواقع التي يعتقد أنها تحض على الكراهية، خلال الفترة الأخيرة. ولكن من بين نحو مائة صاحب موقع مصري محجوب، لم يتم التعامل إلا مع سبع شكاوى فقط، حتى الآن. وعن سبب حجب موقعه، قال خالد البلشي إن الموقع «ليس عليه قضايا، أو مشاكل قانونية، أو غيرها. أنا أبث من داخل مصر.. وفجأة جرى حجب موقعنا، ولم تخطرنا أي جهة بأي شيء. تقدمنا بشكوى لنقابة الصحافيين، لكن يبدو أنه لم يتم النظر فيها بعد».

القانون الجديد

ووضعت مصر قانوناً جديداً، في الفترة الأخيرة، لتنظيم عمل المواقع الإخبارية على الإنترنت، بعدما انفتحت سوق النشر في الفضاء الإلكتروني على مصراعيها في أعقاب ما يعرف بثورات «الربيع العربي». وقال البلشي «كنا نستعد لتوفيق أوضاعنا مع قانون الصحافة والإعلام الجديد... في كل الأحوال لم يكن هناك قانون يحكم المواقع الإلكترونية. كانت تنشأ هكذا، وفي الفترة الأخيرة بدأت تقوم بتأسيس كيانات قانونية لها، حتى تدخل ضمن الحالة الجديدة للقانون المستحدث».
وعن الخسائر التي تعرّض لها موقع «البداية» بسبب الحجب، أوضح البلشي «أولها أن موقعي لم يعد يقرأ في مصر... هذه خسارة معنوية بأنك لم تعد تقدم رسالة. وبطبيعة الحال تراجع القراءات يعني تراجع الإعلانات، ويعني تراجع الدخل المالي»، مشيرا إلى أن عدد الصحافيين في الموقع «ليس كبيراً؛ إذ إن عدد المنتظمين في العمل لا يزيد على عشرة، لكن كان لدى الموقع متعاونون من الخارج، ومتطوّعون يرسلون مواضيع مكتوبة، وكُتاب، وغيرهم... نحن كنا نعمل بأقل إمكانات».
جمال سلطان وآخرون من أصحاب المواقع الإخبارية، تقدموا بتظلم من الحجب على الإنترنت لكل من نقابة الصحافيين والمجلس الأعلى للإعلام. لكنه مثل كثيرين آخرين، لا يعوِّل على وجود حل في الأفق المنظور. إذ يقول: «كان عدد المواقع المحجوبة 22 فقط، لكن العدد زاد الآن وأصبح هناك 128 موقعاً مصرياً محجوباً، منها نحو 10 أو 12 موقعاً أجنبياً، مثل موقع (الجزيرة) ومواقع تابعة لـ(الإخوان) تبث من الخارج، منها موقع (مكملين)».
المواقع التي تقدَّم أصحابها بمذكرات لرفع الحجب عنها، لنقابة الصحافيين، ويطلبون التحقيق في مدى التزامهم بالقانون المصري، هي - بالإضافة إلى «المصريون» - موقع «مصر العربية»، و«مدى مصر»، و«البورصة» و«ديلي نيوز مصرية (باللغة الإنجليزية)»، و«محيط»، و«كورابيا»، وهذا الأخير معني بشؤون الكرة، ولقد ذكرت مصادر أمنية أن حجبه له علاقة بمشكلة شغب الملاعب.
من جهته، يقول البلشي إنه لا يعرف سبب عدم إحالة شكواه للتحقيق مع باقي المذكرات المقدمة من أصحاب المواقع المتضررة. وحول ما إذا كان لموقعه، وكثير المواقع المحجوبة الأخرى، أي علاقة بالإرهاب أو بالخروج على القانون، وبخاصة في «شفافية التمويل» قال: «هذا مبرر غير دقيق، لأن موقعا مثل (مدى مصر) تعرض للحجب وهو ليس موقعا له صلة بالإرهاب... كما إن موقع يناير (كانون الثاني) تعرّض للحجب، وهو ليس إرهابيا أيضا. أما في موضوع التمويل، فلم تُخضع السلطات المختصة أي أحد للحساب، ولم تحقق في هذا الأمر... أغلقت المواقع وخلاص». وتابع: «أعتقد أن ما حدث هو كراهية للرأي الآخر. موقعي معروف أنه ضد الإرهاب وضد داعمي الإرهاب».

النقابة تبحث الشكاوى

وفي النقابة، أكد سلامة، الذي يشغل أيضا موقع رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، أنه مستمر، بصفته نقيبا للصحافيين، في بحث الشكاوى التي تقدم بها أصحاب تلك المواقع السبعة، مع رئيس المجلس الأعلى للإعلام. وأضاف: «نعمل على حل المشكلة، ونأمل خيرا، إن شاء الله». وعما إذا كان هناك تواصل مع أصحاب المواقع المحجوبة، المشار إليها، قال سلامة «بالطبع، يوجد... استمع إلى مشاكلهم لحلها، بقدر المستطاع».
وحول ما إذا كان حجب أي من هذه الموقع يعود لأسباب مهنية أو سياسية، أو غيرها، قال سلامة «نحن في ظل أزمة تعاني منها البلاد... نحن في مشكلة، ويوجد إرهاب، وهناك أحداث عنف». وأردف بشأن الطلبات القليلة المقدمة لرفع الحجب «كل مشكلة هذه المواقع، على ما أعتقد، تتلخص في شكوك حول مصادر التمويل». وتابع نقيب الصحافيين «نحن نحاول أن نوضح الموقف بالنسبة لأصحاب القرار، ونوضح رؤية (أصحاب) هذه المواقع لهم، ونوضح الأسباب التي يمكن أن تكون مدعاة للحجب، ونحن في حوار مستمر بهذا الخصوص، ونأمل أن ينتهي على خير».
لكن سلطان يبدو محبطا من طول فترة الحجب المستمرة منذ نحو سبعين يوماً؛ إذ قال معلقاً «لا أعرف من هي الجهة التي أصدرت قرار الحجب حتى الآن حتى يمكن أن أقاضيها، أو أن أتعامل معها وفقا لمرجعية قانونية». واستطرد «هناك غرائب وعجائب في هذا الحجب. هناك موقع للكرة... لماذا يحجب؟ لا أحد يجيب. الأمور أصبح فيها غموض، وشبهات من أن البعض يمكن أن يتخذ أي ستار، لأي شيء، حتى لو كان بعيدا عن السياسة، من أجل مصالح شخصية».
وطبعاً، يؤدي الحجب في داخل الدولة إلى خفض عدد زوار الإنترنت للموقع، وبالتالي، تراجع حصيلة الإعلانات المُدرجة فيه تلقائيا من موقع (غوغل)، والتي يقدرها مالياً بحسب نسبة الزيارات. وشدّد جمال سلطان على أن موقع «المصريون» لا علاقة له بجماعة الإخوان «كما حاول البعض أن يصوره»، مضيفا: «بالعكس... نحن لدينا مشاكل طويلة مع الإخوان، وما زالت». وتابع موضحا فيما يتعلق بالخسائر التي تكبدها موقعه «لقد تضرّرنا بطبيعة الحال من الناحية المادية. لأن الذي قام بالحجب يعرف أين يقوم بالضرب؛ فالدخل الوحيد هو من الإعلانات التي يبثها (غوغل) على موقعنا».
في هذه الأثناء، يرى مسؤول في أمن الإنترنت بالقاهرة، أن مشكلة استخدام المتطرفين لمنصات الفضاء الإلكتروني ارتفع بشكل غير مسبوق، خلال السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن الكثير من دول العالم، وليست مصر أو الدول العربية فقط، بدأت في اتخاذ إجراءات تتبع ومراقبة وحجب. ثم ذكر أن بعض مواقع الكرة على الإنترنت ساهمت في إثارة الفوضى في مدرجات الملاعب، وهذا يندرج ضمن المنصات الخطرة على سلامة المجتمع؛ ولهذا تعرّضت للحجب.
وأشار المسؤول نفسه - الذي رفض الكشف عن اسمه - لأنه غير مخوّل له التحدث للإعلام - إلى أن المواقع الجادة... «أي التي ليس لها علاقة بالفكر المتشدّد، ولا تخفي مصادر تمويلها، يمكن أن تتقدم للسلطات لمراجعة موقفها، وتقنين عملها». وكشف عن أن بعض التطبيقات الإخبارية على الهواتف المحمولة، والتي تعرّضت للحجب بمصر في الأسابيع الماضية «عدّلت من وضعها، وتخلّصت من بث الأخبار من مواقع مشبوهة، وعليه أزيل الحجب عنها».
مع هذا، فإن معظم أصحاب المواقع المحجوبة لا يتوقعون البت في أمرهم في وقت قريب، مثل البلشي الذي تعرض موقعه للحجب داخل مصر منذ نحو ستين يوما. وحول هذا الجانب قال سلطان «لقد وعدونا مرات ومرات، لكن لا نتيجة حتى الآن... لدينا 80 صحافياً أعضاء في نقابة الصحافيين. لقد أدى الحجب إلى انخفاض العائد من الإعلانات. واضطررنا لهذا السبب إلى تسريح عدد من الصحافيين، والاعتذار لعدد من المتدرّبين. بدأنا في تقليص أمورنا من أجل الاستمرار».
إلا أن اللواء هاني عبد اللطيف، المتحدث السابق باسم وزارة الداخلية، يرى أنه لا بد من أن «نفرّق بين الإعلام، ونشر الشائعات المضللة والأخبار الكاذبة». وأوضح، أن مثل هذه المواقع المحجوبة «دأبت على نشر شائعات وأخبار كاذبة، وهذا أمر يمثل خطورة بالغة على الأمن القومي المصري، ولا يُعد إعلاما، بل هناك أجهزة دولية تستخدمه كأداة للهجوم والتهديد للأمن القومي المصري بشكل عام».
ثم أضاف: إن «دور الإعلام أن ينشر الحقائق، وأن يتواصل مع المواطنين، وأن ينشر بشفافية كاملة، والتأكد من الأخبار قبل نشرها، من خلال مصادرها... لكن للأسف الشديد، هذه المواقع لا نطلق عليها أساسا مسمى الإعلام، بل تقف وراءها أجهزة مخابرات دولية تعمل ضد مصر، ولا بد أن نكون حذرين منها جداً، وبخاصة خلال هذه المرحلة التي تشهد محاولات لإفشال الدولة المصرية منذ 30 يونيو (حزيران) 2013 (إطاحة المصريين بحكم الإخوان)، وبالتالي، لا بد أن يكون هناك موقف واضح حيال المواقع التي ليس لها علاقة بالإعلام».
كذلك، أشار عبد اللطيف إلى أن «المنطقة العربية، ومنطقة الشرق الأوسط، تشهد تحديات ضخمة خلال هذه المرحلة، ولا بد أن نكون حذرين تماما من تسلل مثل هذه الأجهزة المخابراتية التي تهدد الأمن القومي». ووفقا لمسؤولين أمنيين، فإن الأمر لا يقتصر على مصر، لكن كثيرا من دول العالم بدأت تتخذ إجراءات ضد فوضى الإنترنت، بعد أن أصبحت تنظيما إرهابية، وأخرى مشبوهة، تبث شائعات من شأنها أن تثير الفوضى في بلدانها. وفي آخر إجراء قامت به روسيا على سبيل المثال، قبل أيام، كان يتعلق بالتصدي لتحايل البعض للوصول لمواقع حجبتها السلطات.
وفي تعليق له، قال الخبير خالد عبد الراضي «نعم... البعض يتحايل ويصل إلى مواقع محجوبة على الإنترنت». وأضاف أنه «يمكن الدخول للمواقع المحجوبة بإخفاء هوية المتصل ومكانه، وتغييره»، لافتا إلى أن عملية حجب المواقع تتم «عن طريق خوادم شركات الإنترنت»، وأن «الشركة الكبيرة التي تمتلك خطوط الإنترنت أغلب أسهمها حكومية... الحجب تكاليفه عالية فنيا؛ يحتاج لتقنيات معينة لم تكن متوفرة بمصر، وتم توفيرها أخيرا على ما يبدو».
من جانبه، شدّد مكرم محمد أحمد - الذي هو من الصحافيين المخضرمين في مصر، لدى التطرق إلى المواقع التي تعرضت للحجب، وعلى أن معظم هذه المواقع تابعة جماعة الإخوان المسلمين بطريقة أو بأخرى، والكثير منها صدرت عليه قرارات حراسة لأسباب مختلفة. أما فيما يتعلق بالمواقع التي تقدمت بشكاوى، لرفع الحجب عنها، فـ «نحن تلقينا أربع شكاوى وجدنا فيها درجة من المعقولية، ثم ثلاث شكاوى أخرى (عن طريق النقابة)، ونحقق في هذه الشكاوى، على أعلى درجة من الحيادية، ونتقصى من أصحابها، ومَن هُم، ومِن أين لهم هذه الأموال. وإذا تمكنا من أن نعيد الحق لبعض هذه المواقع، أو لجميعها، فنحن سنكون أسعد الناس. هذا على الأقل يستغرق أسابيع».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.