صمت في البيت الأبيض حول اتصالات فلين بموسكو

مستشار الأمن القومي ضلّل المسؤولين حول محتواها

فلين برفقة كبير مستشاري البيت الأبيض ستيفن بانون في فلوريدا أول من أمس (واشنطن بوست)
فلين برفقة كبير مستشاري البيت الأبيض ستيفن بانون في فلوريدا أول من أمس (واشنطن بوست)
TT

صمت في البيت الأبيض حول اتصالات فلين بموسكو

فلين برفقة كبير مستشاري البيت الأبيض ستيفن بانون في فلوريدا أول من أمس (واشنطن بوست)
فلين برفقة كبير مستشاري البيت الأبيض ستيفن بانون في فلوريدا أول من أمس (واشنطن بوست)

يواجه مستشار الأمن القومي الأميركي، الجنرال مايكل فلين، المزيد من الضغوط السياسية، كما أنه يخاطر بفقدان ثقة بعض زملائه في الإدارة الأميركية الجديدة، إثر ظهور بعض التقارير التي تفيد بأنه تعمد تضليل كبار المسؤولين في الإدارة الجديدة بشأن مناقشات العقوبات الاقتصادية مع مبعوث الحكومة الروسية، بعد فترة وجيزة من تولي الرئيس دونالد ترمب مهام منصبه الجديد.
وفي الوقت الذي يسابق فيه مساعدو البيت الأبيض الوقت لتعديل تقاريرهم بشأن طبيعة هذه الاتصالات رفيعة المستوى، ويتوجه المعسكر الديمقراطي للمطالبة بتعليق العمل بالتصريح الأمني الممنوح لفلين، لم يتخذ ترمب ولا أي من مستشاريه أي خطوة علنية للدفاع عن موقف فلين أو التصريح بشكل لا لبس فيه أنه لا يزال يحوز على ثقة الرئيس.
وعلى نحو خاص، صرح بعض من مسؤولي الإدارة الأميركية بقولهم بأن موقف فلين بات ضعيفًا، وأن قوة الدعم الموكلة إليه تتآكل بشكل كبير بسبب الاعتقاد السائد في الوقت الراهن بأنه كان مخادعًا بشأن روسيا، وبالتالي قد لا ينال القدر ذاته من الثقة اللازمة للمضي قدمًا في ممارسة مهام منصبه.
وقال أحد مسؤولي الإدارة الأميركية الذي، على غرار الآخرين، قد أجريت المقابلات معهم بشأن هذا التقرير، متحدثا بشرط عدم الكشف عن هويته لوسائل الإعلام: «لقد جردت السيوف من أغمادها وأشهرت في وجه فلين».
من جهته، رفض كبير مساعدي البيت الأبيض الذي أوفد لتمثيل الإدارة الأميركية في برامج الأحد السياسية الدفاع عن فلين. وردًا على سؤال موجه من جورج ستيفانوبولوس، المذيع البارز لدى شبكة (إيه بي سي) الإخبارية إلى ستيفن ميلر حول تواصل فلين مع السفير الروسي إلى الولايات المتحدة سيرغي كيسلياك، قال ميلر: «ليست لدي أي أخبار أدلي بها اليوم حيال هذه النقطة». وكشفت صحيفة «واشنطن بوست» الأسبوع الماضي أن فلين وكيسلياك قد ناقشا سويًا العقوبات الأميركية المفروضة على روسيا قبل شهر من مراسم تنصيب ترمب لتولي منصبه الجديد.
والنتائج التي حصلت عليها صحيفة «واشنطن بوست»، والتي أكدها تسعة من المسؤولين الأميركيين الحاليين والسابقين، تناقضت مع التأكيدات التي صرح بها علنًا نائب الرئيس الأميركي وغيره من كبار مسؤولي الإدارة الأميركية، والتي تفيد بأن فلين لم يتناقش «قط» مع المسؤولين الروس حول ملف العقوبات الأميركية.
واستنادًا إلى التأكيدات الخاصة الصادرة عن فلين نفسه، صرح نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، وكبير موظفي البيت الأبيض راينس بريبوس، والسكرتير الصحافي للبيت الأبيض شون سبايسر، علانية بأن فلين لم يناقش ملف العقوبات «أبدًا» مع كيسلياك.
ولقد تحدث بنس مع فلين مرتين يوم الجمعة الماضي، إحداهما كانت وجهًا لوجه والأخرى عبر الهاتف، وفقًا لتصريح أحد المسؤولين بالإدارة الأميركية الذي رفض الحديث عن محتويات تلك المناقشات بين المسؤولين الكبيرين.
وقال مسؤول أميركي كبير آخر: «إن فلين يفقد أصدقائه سريعا الآن. وإجماع الآراء داخل البيت الأبيض في الوقت الحالي على أنه تعمد الكذب. ويشعر نائب الرئيس بأنه قد تعمد الكذب عليه أيضًا. وفي موقف مفعم بالكثير من الدراما ولم يعد يحتمل المزيد منها، سوف أكون مندهشًا للغاية إن استمر الرجل في منصبه لفترة أطول من ذلك».
بدوره، دعا كريس كريستي، الحاكم الجمهوري لولاية نيوجيرسي، والمستشار غير الرسمي للسيد ترمب، فلين لإيضاح الأمر حول ما حدث أمام الرئيس ونائبه بنس، ولكنه أحجم عن اتهام فلين بتعمد ارتكاب المخالفات.
وقال كريستي لشبكة «سي إن إن» الإخبارية: «أعتقد أنه التزام واجب من الجنرال فلين، مستشار الرئيس للأمن القومي، أن يوضح هذا النوع من المحادثات الصريحة أمام الرئيس ونائبه. ومن ثم فسوف يتخذان القرار على النحو الذي يعتبرانه مناسبًا، بالنظر إلى كل الظروف المحيطة بالأمر».
وخلال عطلة نهاية الأسبوع في منتجع «مار - ا - لاغو» المملوك للرئيس ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، أعرب الرئيس، بشكل سري، عن إحباطه إزاء فلين والأعباء السياسية التي ألقاها على عاتق البيت الأبيض، وذلك وفقًا لاثنين من الشخصيات المطلعة على تعليقات ترمب.
ونفى سبايسر أن يكون الرئيس قد وجه الانتقادات إلى فلين في حضور أي شخصية كانت في ذلك النادي الخاص، ووصف التأكيدات بعكس ذلك أنها من قبيل «الأخبار العارية عن الصحة».
وقالت شخصيات مقربة من فلين إنه يشعر بالثقة في موقفه، على الرغم من الجدال الذي بات يحوم حوله مؤخرًا. ورافق فلين الرئيس إلى فلوريدا خلال عطلة نهاية الأسبوع الحالي إلى جانب مسؤولين آخرين من مجلس الأمن القومي للاجتماع مع نظرائهم من الحكومة اليابانية، خلال زيارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي إلى الولايات المتحدة.
علاوة على ذلك، تحذر بعض الشخصيات المقربة من الرئيس الأميركي بأنه من غير المرجح لدى ترمب أن يعزل فلين من منصبه لأنه بهذا التصرف سوف يرقى إلى مستوى الاعتراف بالذنب، وسوء التقدير في وجه وسائل الإعلام التي بدأت تنتقد الأمر، وسوف يعكس أيضًا حالة من الفوضى المبكرة في رئاسته للبلاد.
وأثيرت الشكوك حول شخصية مستشار الأمن القومي في الإدارة الجديدة، في الوقت الذي يواجه الرئيس الأميركي فيه أول الاستفزازات الخارجية الكبيرة من أحد خصوم الولايات المتحدة في الخارج، إذ أجرت كوريا الشمالية تجربة صاروخية جديدة خلال عطلة نهاية الأسبوع، وهي الخطوة التي وصفها بعض الخبراء بأنها ترقى لمستوى اختبار مكونات الصاروخ الباليستي الجديد العابر للقارات والقادر على الوصول إلى الولايات المتحدة الأميركية.
ولقد استجاب الرئيس ترمب للأمر مساء السبت في مؤتمر مشترك جمعه برئيس وزراء اليابان في منتجعه الخاص، حيث طمأن رئيس الوزراء الياباني بأن الولايات المتحدة تدعم اليابان بشكل كامل.
ولقد التقى فلين، الجنرال العسكري المتقاعد وضابط الاستخبارات المخضرم، مع ترمب في أواخر عام 2015 ليعرض عليه مشورته بشأن الحملة الانتخابية الرئاسية، ومن ثم انضم إلى فريقه الانتخابي منذ بدايات عام 2016. ولقد حاز على موافقة ترمب خلال الانتخابات العامة من واقع استعداده للسفر بشكل منتظم، وإلقائه للخطابات القوية التي تسحق الخصم الديمقراطي المنافس لترمب، هيلاري كلينتون.
من جهتهم، دعا زعماء الحزب الديمقراطي إلى إجراء تحقيقات حول اتصالات فلين مع المسؤولين الروس، كما دعوا ترمب لتعليق ثم إلغاء تصريح الأمن الخاص به. ولم يصدر حتى الآن تعليق من قبل الرئيس الأميركي إزاء فلين، ولا حتى عبر صفحته الخاصة على موقع «تويتر»، أو خلال ظهوره الموجز أمام الصحافيين خلال عطلة نهاية الأسبوع الحالي. وعلى متن الطائرة الرئاسية الأولى يوم الجمعة الماضي، سأل الصحافيون ترمب عن التقرير الإخباري الصادر عن صحيفة «واشنطن بوست» حول مناقشات فلين حول ملف العقوبات الاقتصادية الأميركية على روسيا، فقال الرئيس إن لا علم له بالأمر، على الرغم من أنها قد أصبحت من الأخبار الصحافية ذائعة الصيت عبر مختلف وسائل الإعلام.
وقال الرئيس الأميركي عن ذلك خلال رحلته إلى ولاية فلوريدا قادمًا من العاصمة واشنطن: «لا علم لي بذلك الأمر. لم أطلع عليه بعد. أي تقرير إخباري هذا؟ لم أطلع على هذا التقرير بعد. سوف أنظر في هذا الأمر لاحقًا».

* خدمة «واشنطن بوست» - خاص بـ«الشرق الأوسط»



مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
TT

مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)

قُتل غواص إثر تعرضه لهجوم من سمكة قرش قبالة سواحل غرب أستراليا السبت، وفق ما أعلنته الشرطة المحلية، في رابع حادث من نوعه يسفر عن قتلى في البلاد هذا العام.

وأفادت أجهزة الإسعاف وحكومة غرب أستراليا بأنّ الرجل الثلاثيني تعرّض لهجوم من سمكة قرش طولها 4 أمتار ونصف متر قبالة جزيرة مايكلماس جنوب شرقي مدينة بيرث.

وأوضحت الجهتان أنّ الهجوم وقع نحو الساعة 11:25 بالتوقيت المحلي (03:25 بتوقيت غرينيتش).

وقالت الشرطة إن الرجل كان يمارس صيد الأسماك بالرمح عندما هاجمه القرش. ونُقل إلى الشاطئ حيث «لم يتمكن المسعفون من إنقاذ حياته».

وحضت وزارة الصناعات الأولية والتنمية الإقليمية في الولاية، السكان، على توخي الحذر الشديد في المنطقة ومتابعة بلاغات رصد أسماك القرش.

ويأتي هذا الهجوم بعد أسبوعين فقط من مقتل رجل آخر بهجوم من سمكة قرش في شمال ولاية كوينزلاند.

ويرى علماء أستراليون أن ازدياد الأنشطة في المياه وارتفاع درجة حرارة المحيطات يُغيّران أنماط هجرة أسماك القرش، مما قد يُسهم في ارتفاع عدد الهجمات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

لا يبدو أن العالم منشغل اليوم بمسألة أكثر إلحاحاً من مسألة النظام العالمي الجديد. وهذا ما تعكسه عناوين المؤتمرات الدولية المتخصصة؛ ومنها المؤتمر السنوي للجغرافيا السياسية والشؤون الدولية الذي يُعقد في كيوتو اليابانية تحت عنوان «عصر القلق: التبعية والاستقلال الذاتي والغموض الاستراتيجي» من 18 سبتمبر (أيلول) المقبل إلى 20 منه.

وانطلق المؤتمر عام 2020، وحملت دورة العام الماضي عنوان «إعادة التفكير في النظام العالمي». ويبدو المؤتمر المقبل الذي يُعقد في حرم جامعة ريوكوكو استكمالاً لسابقه، وسيكون بين محاور البحث: الغموض الاستراتيجي، والتحالفات المتغيرة، والتعددية القطبية، إلى جانب الأعراف السياسية، والقانون الدولي، وديناميكيات الدبلوماسية.

* النظام العالمي

يندرج كل ما سبق تحت «قبة» ما يُصطلح على تسميته النظام العالمي الذي قد يختلف تعريفه بين جهة وأخرى، وفقاً للرؤى والمصالح. إلا أنه يحضر كلما تحدثنا عن طبيعة العلاقات بين الدول وغيرها من الفاعلين الدوليين (منظمات، وشركات، ومؤسسات...) في الساحة العالمية.

ويجب، هنا، أن نفرق بين النظام العالمي والنظام الدولي؛ فالثاني يعني العلاقات بين الدول والحكومات حصراً. لذا يمكن وصف المصطلح الأول بأنه مفهوم فضفاض، يتناول توزيع القوة بين الأمم في كل زمن ومحطة. ومن يدرك ديناميكيات هذا المفهوم يستطيع أن يفهم أسباب هيمنة بعض الدول على القرارات العالمية، وأسباب تشكل التحالفات وتفككها، ولماذا لا تتوقف خريطة العالم عن التبدل.

الذكاء الاصطناعي في صلب النظام العالمي الجديد (رويترز)

الواضح أن النظام العالمي يعرف تحوّلات كبيرة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، فما كان قائماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هو انقسام رأسمالي - اشتراكي، أو غربي - شرقي، سبّب حرباً باردة انتهت مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار الأنظمة الدائرة في فلكه. وأدّت الأمم المتحدة في ظل ذلك النظام العالمي دور الإطفائي، وإن بفاعلية محدودة. أما اليوم فنرى أن النظام العالمي يتبدّل بسرعة، ويمكن رصد ملامحه مما يقال في المنتديات الكبرى وعلى ألسنة بعض القادة والمسؤولين.

وفي خضم النقاش الواسع حول شكل النظام العالمي المقبل، تبرز مقاربتان متعارضتان إلى حد بعيد.

* الثورة الصناعية الرابعة

يرسم الألماني كلاوس شواب، مؤسس «منتدى دافوس» الاقتصادي، صورة طموحة ومثيرة للجدل للعالم، ولكن يجب التوقف عندها نظراً إلى مكانة الرجل وعلاقاته المتشعبة وتأثيره في دوائر صانعي القرار العالمي. ويمكن تلخيص هذه الرؤية على النحو الآتي:

تقوم رؤية كلاوس شواب للنظام العالمي الجديد على إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد والسياسة والمجتمع، والانتقال إلى ما يسميه «العصر الذكي». وهو يرى أن العالم يمر بمنعطف تاريخي يتطلب تجاوز الرأسمالية التقليدية القائمة على الربح المحض، وتبني «رأسمالية أصحاب المصلحة»، حيث تلتزم الشركات بخدمة المجتمع، والموظفين، وحماية البيئة...، بالتوازي مع تحقيق الأرباح.

وتعتمد هذه الرؤية بشكل جذري على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وإنترنت الأشياء. ولا ينظر شواب إلى هذه التكنولوجيات بوصفها أدوات تكميلية؛ بل «شركاء أساسيون» يعيدون تشكيل ملامح الحضارة الإنسانية. ومن خلال دعوته الشهيرة «لإعادة الضبط الكبرى»، يطالب بتعزيز التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، بوصف ذلك آلية وحيدة لمواجهة الأزمات العابرة للحدود كالتغير المناخي والأوبئة.

كلاوس شواب في منتدى دافوس... نظام الثورة الصناعية الرابعة (رويترز)

في المقابل، يواجه هذا المنظور انتقادات حادة وهواجس واسعة. ويرى معارضوه أن التركيز المفرط على دمج التكنولوجيا بحوكمة البيانات يمهد الطريق لنظام رقابة عالمي صارم تقوده النخب الاقتصادية. وتثير أفكاره حول الهويات الرقمية والتحكم في البيانات مخاوف حقيقية تتعلق بانتهاك الخصوصية وتقويض الحريات الفردية، مما جعل رؤيته محوراً لجدل عميق بين من يراها خطة لإنقاذ المستقبل، ومن يعتقد أنها محاولة لفرض وصاية عالمية.

*دونالد ترمب وعالمه

يقول باحثون في «معهد بروكينغز» (واشنطن) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يرى أن فكرة «النظام العالمي» بحد ذاتها ليست سوى «تجريد مثالي منفصل عن الواقع». ولا يتمثل مشروعه في السياسة الخارجية في إعادة تشكيل البنية العالمية؛ بل في تثبيت واقع أن الولايات المتحدة يجب ألا تكون مقيّدة في ممارستها لقوتها الاقتصادية والعسكرية، انطلاقاً من أن هذا هو ما تقتضيه النظرة «الواقعية والصريحة» إلى السياسة الدولية.

أما النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تعدّه إدارة ترمب وهماً نظرياً فارغاً، فقد وُلد عقب حربين عالميتين أودتا بعشرات الملايين. وكان الهدف من هذا النظام منع تكرار المآسي والدمار.

ولتحقيق ذلك، جرى الاتفاق على الحدّ من استخدام الأدوات الاقتصادية؛ مثل الرسوم الجمركية، التي تحقق مكاسب لدولة ما عبر الإضرار بدول أخرى. كما ثُبّت مبدأ عدم السماح للدول القوية عسكرياً بالاعتقاد بأنها تستطيع مهاجمة الدول الأضعف من دون خوف أو تردد. وتُرجمت هذه المبادئ عملياً من خلال ترتيبات التجارة الحرة، والعضوية الواسعة في الأمم المتحدة، والتحالفات الدفاعية العسكرية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1945 و2024، كانت الولايات المتحدة من أبرز المدافعين عن هذه المبادئ، وإن بدرجات متفاوتة وبصورة لم تخلُ من النواقص والتناقضات. أما اليوم، فإن ترمب يهاجم هذه الأسس عبر العقوبات التجارية، وتقليل أهمية تحالفات الولايات المتحدة، وتكرار التهديد باللجوء إلى العمل العسكري.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ذو رؤية لا تؤمن بنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية (إ.ب.أ)

وتنطلق رؤيته للنظام العالمي من مبدأ «أميركا أولاً»، وتعارض بشكل مباشر العولمة والمؤسسات متعددة الأطراف، مفضلة العلاقات الثنائية والسيادة الوطنية الكاملة.

*التعارض والبحث عن الطريق

يمثل التعارض بين دونالد ترمب وكلاوس شواب صراعاً فكرياً بين القومية الحمائية والعولمة المؤسسية. وتنطلق رؤية ترمب من السيادة الوطنية والحدود، وعقد الصفقات الثنائية المباشرة من دولة لدولة بدلاً من الانصياع للمنظمات الدولية. واقتصادياً، يتبنى الرئيس الجمهوري نهجاً يعتمد على الحمائية والتنافس الجيوسياسي الشرس، مؤمناً بأن التكنولوجيا أداة لفرض النفوذ والتفوق.

في المقابل، يمثل شواب الوجه الآخر لـ«العملة» بدعوته إلى «إعادة الضبط الكبرى». ويرى أن التحديات الراهنة تتطلب حوكمة عالمية عابرة للحدود، تذوب فيها السيادات الفردية لمصلحة تعاون وثيق بين الحكومات والشركات العملاقة والمجتمع المدني. ويسعى من خلال «رأسمالية أصحاب المصلحة»، إلى بناء اقتصاد عالمي مترابط ومفتوح، تقوده النخب الذكية عبر دمج تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في عمق المجتمعات البشرية.

وبتعبير آخر، يرى ترمب العالم ساحة صراع وتنافس تجاري بين دول مستقلة تبحث عن مصالحها الذاتية، فيما يراه شواب شبكة موحدة لا بدّ من إدارتها مركزياً بالاعتماد على أنظمة ذكية متكاملة.

ولا شك في أن هذا التناقض الجذري، الذي يتجاوز الرجلين إلى رؤيتين متعارضتين للعالم، يضع صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

النفط الفنزويلي كان هدفاً للسياسة الأميركية المستجدة (رويترز)

وليس عصياً على الاستنتاج أن الخيار الأول قد يؤدي إلى زيادة التوترات والصراعات، فيما يثير الخيار الثاني مخاوف تتعلق بخصوصية الإنسان وفرادة المجتمعات.

وغنيُّ عن القول أن هناك مقاربات أخرى لهذه المسألة؛ فالاتحاد الأوروبي متمسك بدور المنظمة الأممية بكل فروعها، ويلتقي في الدعوة إلى تعدد الأقطاب مع الصين التي ترى أن العدالة الاقتصادية غائبة، وأن دول الجنوب تحتاج إلى تنمية شاملة.

وفي النهاية ينبغي القول إن العالم يحتاج إلى نظام عالمي يوازن بين التعاون الدولي وسيادة الدول. وفي ظل الضغوط غير المسبوقة التي يواجهها النظام التقليدي القائم على القواعد والأعراف بقيادة الولايات المتحدة، فإن بناء مستقبل مستدام يتطلب نموذجاً تعددياً يرتكز على التعاون ومساندة القويّ للضعيف والغنيّ للفقير، في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً.


ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)

انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، كلاً من النمسا وقيرغيزستان والبرتغال وترينيداد وتوباغو وزيمبابوي لعضوية مجلس الأمن الدولي المكون من 15 عضواً لفترة مدتها سنتان تبدأ في أول يناير (كانون الثاني) 2027.

وجاءت ألمانيا، التي بذلت جهوداً حثيثة للحصول على مقعد، في المرتبة الثالثة في المنافسة على المقعدين المخصصين لمجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، إذ حصلت على 104 أصوات، مقابل 134 صوتاً للبرتغال و131 صوتاً للنمسا.

الوفد النمساوي يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (د.ب.أ)

وامتدت المنافسة بين الفلبين وقيرغيزستان على مقعد مجموعة آسيا والمحيط الهادئ إلى أربع جولات من التصويت، إذ ضمنت قيرغيزستان في النهاية الأغلبية المطلوبة البالغة الثلثين، لتفوز بأول مقعد لها على الإطلاق في مجلس الأمن بحصولها على 142 صوتاً مقابل 49، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة في الأمم المتحدة التي يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة قانوناً مثل فرض العقوبات والإذن باستخدام القوة. ويضم المجلس خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) وهم بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة.

وفد قيرغيزستان يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (رويترز)

أما الأعضاء العشرة الباقون فيتم انتخابهم، إذ ينضم خمسة أعضاء جدد كل عام. وهذا العام، يأتي عضو واحد من مجموعة أفريقيا، وعضو واحد من مجموعة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وعضو واحد من مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، وعضوان من مجموعة غرب أوروبا ودول أخرى.

وستحل زيمبابوي محل الصومال، وترينيداد وتوباغو محل بنما، بينما ستحل البرتغال والنمسا محل الدنمارك واليونان. وستحل قيرغيزستان محل باكستان.

وستستمر البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا في شغل مناصب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن حتى نهاية عام 2027.

وانتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء، وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن رئيساً للجمعية المكونة من 193 عضواً لدورتها الحادية والثمانين، التي تبدأ في سبتمبر (أيلول).