رباعية اليمن تسعى لهدنة جديدة خلال أسبوعين

كيري: يجب إنهاء الحرب بطريقة تحمي أمن السعودية * الجبير: لا تعطيل لصفقات السلاح مع أميركا

وزيرا الخارجية السعودي والأميركي في مؤتمر صحافي عقد في الرياض أمس (تصوير: أحمد يسري)
وزيرا الخارجية السعودي والأميركي في مؤتمر صحافي عقد في الرياض أمس (تصوير: أحمد يسري)
TT

رباعية اليمن تسعى لهدنة جديدة خلال أسبوعين

وزيرا الخارجية السعودي والأميركي في مؤتمر صحافي عقد في الرياض أمس (تصوير: أحمد يسري)
وزيرا الخارجية السعودي والأميركي في مؤتمر صحافي عقد في الرياض أمس (تصوير: أحمد يسري)

أوضح وزيرا الخارجية السعودي والأميركي أن اللجنة الرباعية بمشاركة سلطنة عمان والمبعوث الأممي لليمن وضعوا إيضاحات لخريطة الطريق الأممية الخاصة بالحل السياسي في اليمن، مؤكدين أن مرجعياتها هي المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن 2216.
وقال عادل الجبير وزير الخارجية السعودي إن اجتماع اللجنة الرباعية (السعودية، بريطانيا، أميركا، الإمارات) بحضور وزير الخارجية العماني، والمبعوث الأممي لليمن بحثوا كيفية دفع عملية السلام في اليمن إلى الأمام، وأضاف: «خرجنا ببيان مشترك يركز على مرجعية هذه الجهود وهي المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن 2216، كما أكدنا على أهمية الاتفاق وشموليته فيما يتعلق بانتقال السلطة والجانب الأمني، والفترة الزمنية لتطبيق هذه الأمور».
إلى ذلك كشف دبلوماسي خليجي لـ«الشرق الأوسط» عن «تشديد الاجتماع على وجوب تقديم الحوثيين ما يثبت جديتهم بالانسحاب من المدن التي احتلوها وتسليم السلاح، ومطالبة الحكومة اليمنية الشرعية بالانخراط في الحل السياسي وعودة الطرفين للمشاورات».
وأكد المصدر على دعوة الاجتماع «لوقف إطلاق النار في اليمن خلال أسبوعين، شريطة أن يتم الإعداد الجيد لذلك، وأن يحضر ممثلون عن الحوثيين وصالح للجنة التهدئة والتنسيق في ظهران الجنوب».
من جانبه، أكد جون كيري وزير الخارجية الأميركي أن «النقاش كان بناءً وصريحًا جدًا لا سيما فيما يتعلق باليمن وكان بالضبط كما أردناه أن يكون».
وأضاف خلال مؤتمر صحافي عقده أمس بالرياض مع نظيره السعودي «هدف اجتماعاتنا كان الحديث عن تحدي إيقاف الحرب في اليمن وكيفية المضي للأمام في وقف القتال والتفاوض بشأن تسوية سياسية، والوضع الإنساني الصعب الذي يتردى بصورة سريعة نحاول أن ننهي هذه الحرب، ولكن يجب أن ننهيها بطريقة تحمي أمن السعودية وتتخلص من الصواريخ من أن تكون تهديدًا للحدود، وتقلص من قدرة الإرهابيين من الدخول إلى البلاد، ومهاجمة الناس وقتلهم في قراهم».
ولفت وزير الخارجية الأميركي إلى أن الوقت في تحقيق وقف نهائي للأعمال القتالية هام جدًا، وقال: «ناقشنا اليوم الطرق التي توصلنا إلى ذلك بصورة مدروسة ومهيكلة بصورة صحيحة، وأن تعود الأطراف لمائدة المفاوضات، نؤمن أن الخطة التي اقترحتها الأمم المتحدة عن طريق التفاوض على مدى الوقت هي الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب».
وأردف «أصدرنا بيانا يؤكد ما قلته، وأضفنا بعض الإيضاحات بشأن خريطة الطريق وما تنص عليه وما لا تنص عليه، أؤكد أن خريطة الطريق والخطة الأممية لم ولن يكن الهدف من ورائها أن تكون اتفاقية نهائية، هذه مجرد مخطط لتأطير القضايا التي سيتم مناقشتها في المفاوضات، يجب على الأطراف أن تقرر ذلك، ما يقوم به المقترح الأممي هو إطار لمخطط ينقل هذه المفاوضات إلى واقع وهي الطريقة الوحيدة لإنهاء الصراع».
وبحسب كيري فقد أعيد التأكيد على مقترحات المبعوث الأممي بشأن وقف الأعمال القتالية، واستطرد بقوله «سنعمل عليه خلال الأيام القادمة، ونأمل أن يتم تحقيقه خلال أسبوعين، وأولويتنا وضع حد لسفك الدماء... لهذا السبب نرى أن وقف الأعمال القتالية هام جدًا، ونعرف أن القرارات اللازمة لإنهاء أي حرب وخلق السلام صعبة، ولكن تكاليف الحرب تجعل أي تأخير أمرًا غير معذور، ونريد من الأطراف القيام بكل ما بوسعها لتحقيق التقدم، وندعو الأطراف ومن يدعمهم أن يستفيدوا من هذه الفرصة ويأتوا لمائدة المفاوضات وإنهاء الحرب».
وأدان كيري الهجمات الإرهابية في عدن معبرًا عن تعازيه الحارة لعائلات القتلى، وقال: «الرئيس أوباما كان واضحًا في أن يقوم بكل ما في وسعه من أجل دحر (داعش) والتهديد الذي يشكله على أمننا وأمن المنطقة برمتها، وفخورون بأن السعودية من الدول التي تترأس التحالف الذي يهدف إلى القضاء على داعش واستعادة الأراضي، ومن الواضح لكل من يراقب داعش أنه في طريقه إلى أن يدحر».
وفي سؤال عن الأنباء التي تتحدث عن تعطيل صفقة سلاح للسعودية، أجاب كيري بقوله «لسوء الحظ في بعض الأحيان عملية بيع السلاح قد تكون أطول مما أحب أو تحب الدول التي تشتري، وأتمنى لو كان هناك طريقة لتعجيلها، عليها أن تمر من خلال عملية تقييم طويلة، أعرف أن هذه العملية استغرقت وقتًا طويلا وأعتذر على ذلك، وكما يعلم الوزير عملت على تعجيلها وأؤمن بها وأساندها، كانت هناك طائرات (إف 15) تم تأمينها ولكن هناك المزيد للقيام به وبصورة أسرع، توصيتي للإدارة القادمة إيجاد طريقة في قوانيننا لتعجيل هذا الأمر لأن العملية بطيئة نسبة لبعض التحديات التي نواجهها اليوم، لكنها في المسار الصحيح وتسير في الاتجاه الذي نريده».
بينما قال وزير الخارجية السعودي إن «المملكة لم تتلق من الولايات المتحدة الأميركية أي شيء رسمي حيال تعطيل المبيعات من الأسلحة، أو تحويل القنابل العادية إلى قنابل ذكية»، مشيرًا إلى أن ذلك «لا يعدو كونه اجتهادات وأخبارًا إعلامية غير صحيحة وغير دقيقة، بل تتناقض مع الواقع».
وفي تعليقه على الدور السلبي لإيران في المنطقة، أكد جون كيري أن هذا التأثير السلبي موجود ونعرف ذلك، و«نحتج عليه كما تعلمون ونحاول إيقافه»، وأضاف: «قمنا باعتراض بعض الشحنات في المحيط التي جاءت من إيران، وفي الأحاديث مع إيران من خلال القنوات الدبلوماسية قالت: إنها تريد أن تنتهي الحرب، وتؤمن أن الحل الرئيسي أن يلعب الحوثيون دورًا في الحكومة وأنهم يدعمون النتيجة، ويدعمون وقف إطلاق النار، وإذا كان ذلك صحيحًا نأمل أن يكون كذلك علينا الاستفادة من هذه الفرصة للمضي إلى الأمام».
ولفت وزير الخارجية الأميركي إلى أن الولايات المتحدة ليست لديها أي «أوهام حول بعض القضايا التي نختلف فيها مع إيران»، وتابع: «لهذا السبب عندما توصلنا للاتفاق النووي أبقينا على العقوبات المتعلقة بتهريب السلاح ورعاية الإرهاب وحقوق الإنسان وهذه العقوبات قائمة، وآخر مرة تم إطلاق فيها صواريخ وضعنا المزيد من العقوبات لذا نحن واضحون جدًا أننا لا نريد أي دولة أن تتدخل وتزعزع الاستقرار، لإيران أن تساعد في صنع السلام ليس في اليمن وحسب، وإنما في سوريا حيث نرى (حزب الله) وتدفق الأسلحة من إيران إلى لبنان ضد إسرائيل لذا هذه العمليات يجب أن توقف».
وجدد كيري موقف إدارة الرئيس أوباما من قانون «جاستا» وأنها تؤمن أن جاستا بالطريقة التي كتب بها قانون سيئ، وقال: «كنا معارضين له ولا نزال قلقين بشأنه، لأننا نعتقد أن هنالك طرقا لتلبية احتياجات الضحايا دون أن يكون لها أثر سيئ على قانون السيادة والحصانة السيادية، وحاولنا تغييره وسنستمر في ذلك».
من جانبه، أوضح عادل الجبير وزير الخارجية السعودي أنه قضى وقتًا في الولايات المتحدة خلال الفترة الماضية كان على اتصال خلاله مع الناس ومحاولة معرفة مواقف الإدارة الجديدة، وأضاف: «كنت أتعامل مع الكونغرس وأقنعه بوجوب تعديل قانون جاستا، ونؤمن بأن هذا القانون الذي يضع القيود على الحصانة السيادية يشكل خطرًا على النظام العالمي».
وبيّن الجبير أن تقويض الحصانة السيادية للدول يفتح المجال لدول أخرى أن تقوم بخطوات مثيلة، وأردف «قبل أن نستفيق فإن قانون الغاب سيسود، الكثير من الناس سيقومون بالمقاضاة في العراق، باكستان، أوروبا، جنوب أميركا، ضد السياسات التي اتخذتها حكومات وضد المسؤولين الذين اتخذوا هذه القرارات بحسب تقديرهم الخاص ولن يكون هناك نظام دولي».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.