النجيفي لـ «الشرق الأوسط»: العراق في مفترق طرق.. ولا توجد دولة.. والمالكي سبب الفشل

نائب الرئيس العراقي قال إن مبادرة خادم الحرمين الشريفين بمساعدة المهجرين تعبر عن صدق نية تجاه جميع العراقيين

أسامة النجيفي ({الشرق الأوسط})
أسامة النجيفي ({الشرق الأوسط})
TT

النجيفي لـ «الشرق الأوسط»: العراق في مفترق طرق.. ولا توجد دولة.. والمالكي سبب الفشل

أسامة النجيفي ({الشرق الأوسط})
أسامة النجيفي ({الشرق الأوسط})

لا تزال واقعة اجتياح المتظاهرين مبنى مجلس النواب الشهر الماضي تتفاعل وتزيد من تعقيد الأزمة السياسية في العراق، حيث البرلمان منقسم على نفسه، والكتلة الكردية منسحبة، والحكومة تضم وزراء لم يؤدوا اليمين الدستورية في ظل تصاعد انحسار في الوضع الأمني وسوء في الأوضاع الاقتصادية.
السياسي العراقي أسامة النجيفي، الرئيس السابق لمجلس النواب نائب رئيس الجمهورية (مع وقف التنفيذ)، رئيس كتلة تحالف القوى التي ينتمي إليها رئيس البرلمان الحالي سليم الجبوري، خرج عن صمته الإعلامي وتحدث عن كل تلك المظاهر في حوار مع «الشرق الأوسط». النجيفي حمّل رئاسة البرلمان والحكومة مسؤولية اقتحام البرلمان والاعتداء على بعض النواب، مؤكدا أن «موضوع مناقشة تغيير رئيس الحكومة ورئيس البرلمان ليست من المحرمات، رغم أن واشنطن وطهران تضغطان للإبقاء على الأمور مثلما هي حفاظا على مصالحها». وحول الانفلاتات الأمنية، قال النجيفي إن العراق يمر بأخطر مرحلة في تاريخه، بين يكون أو لا يكون، مشيرا إلى أنه لا توجد مظاهر للدولة حاليا بل سلطة متفككة. كما أشار إلى وجود 45 فصيلا مسلحا لا تخضع لسيطرة السلطة، وأن قسما كبيرا منها «منفلت»، مؤكدا وجود نحو 2500 مواطن بريء مختطفون من قبل «حزب الله» العراقي، ورئيس الوزراء لا يستطيع مناقشة الأمر. وشكر النجيفي خادم الحرمين الشريفين لمبادرته بتقديم المساعدة إلى المهجرين العراقيين، وقال: «هذه مبادرة إنسانية طيبة يشكر عليها وتعبر عن صدق نياته الحسنة تجاه كل العراقيين». وإلى تفاصيل الحوار ..
* نبدأ من حادثة اقتحام مبنى البرلمان من قبل المتظاهرين الشهر الماضي.. مَن المسؤول عن هذه الأحداث؟
- هذه الحادثة غريبة.. وأعتقد حصول نوع من التواطؤ.. الغاية هي تعطيل هذه المؤسسة، ولتعم الفوضى.. فقد تم فتح الأبواب وإزالة الحواجز الكونكريتية، والسماح لبعض الناس باقتحام البرلمان والاعتداء على النواب من دون أي ردة فعل أو محاولة لمنعهم. والمنع لا يعني مواجهتهم من قبل القوات المسلحة، فهناك وسائل كثيرة لمواجهة المتظاهرين، منها رش المياه عليهم، أو استخدام قوات مكافحة الشغب، هناك وسائل معروفة في العالم دون إيذاء المتظاهرين لمنع هذه الكارثة التي حصلت، بينما القوات الأمنية بقيت تتفرج أو تساعد المتظاهرين بشكل أو بآخر، وترحب بهم، وتركوا النواب يضربون ويعتدى عليهم أمام أعينهم. لهذا أنا أعتقد أن القضية مدبرة لتعطيل المؤسسة التشريعية والرقابية، لترك الأمور تسير من دون محاسبة أو رقابة.
* قلتم إن المسألة فيها تواطؤ.. تواطؤ مِن مَن ومع مَن؟
- أنا أقول إن السلطة التنفيذية كان لها دور بالسماح بحادثة اقتحام البرلمان.
* تعني الحكومة.
- بالطبع.. الحكومة كانت قادرة على منع المتظاهرين ومقر رئاسة الحكومة على بعد أمتار قليلة من مبنى مجلس النواب، وقوات الجيش والأمن كانت موجودة بأعداد كبيرة وقادرة على منع الناس من الوصول إلى مبنى البرلمان. المظاهرات مشروعة ومسموح بها، لكن لا يمكن السماح بالاعتداء على مؤسسة تشريعية. أعتقد أن هذا الموضوع كان مرتبا، ولم يأت نتيجة أخطاء أمنية أو إدارية.
* لو كان المتظاهرون قد اتجهوا لاقتحام مبنى رئاسة الوزراء.. هل تعتقدون أن النتيجة كانت مشابهة لما حدث مع مبنى البرلمان؟
- لا.. لا طبعا، الحكومة وضعت حماية كبيرة لحماية مكتب رئيس الوزراء، في حين أن بناية البرلمان مجاورة لرئاسة الحكومة ولا توجد حماية.
* اعتبر كل من رئيس الوزراء حيدر العبادي ورئيس النواب سليم الجبوري حادثة اقتحام البرلمان بمثابة الاعتداء على هيبة الدولة.. أين هي الدولة؟
- الدولة في العراق مفقودة بمعاييرها الصحيحة أو حسب تعريفها عالميا، نحن لدينا سلطة ولم تستكمل بناء مؤسسات الدولة بعد 2003. عندما يكون هناك سلاح في الشارع خارج سيطرة السلطة أو الحكومة، وعندما تكون هناك محافظات ساقطة بيد تنظيم داعش الإرهابي، وعندما يكون هناك تعطيل للقوانين، وهناك أعداد كبيرة من الأبرياء في السجون ويُخطف الناس من الطرقات، فهذا يعني أنه ليست هناك دولة في العراق، وإنما هناك محاولات لبناء دولة. في العراق سلطة تنتهك كثيرا من القوانين النافذة والدستور.. الدستور في الحقيقة معطل بشكل وبآخر.
* تتحدث عن محاولات لبناء دولة، في حين أن البرلمان شبه معطل، هناك نواب يعدون رئاسته غير شرعية، والحكومة فيها وزراء لم يؤدوا اليمين الدستورية، ووزراء اعتبروا إقالتهم غير دستورية، وأنتم تقولون إن الدستور معطل، فعن أي محاولات بناء دولة تتحدثون؟
- قلت إن عندنا سلطة تحاول بناء دولة، رغم كل تلك المصاعب، لكن حقيقة فإنه وبوجود انحرافات كثيرة وخطيرة، يصعب معها إتمام هذه المهمة.. وهناك عوائق كثيرة. لا نستطيع بناء دولة تحظى باحترام الشعب العراقي أولا ومن ثم العالم، من دون إزالة تلك الانحرافات.
* 13 سنة ألم تكن كافية أمامكم لبناء دولة؟
- الوقت كاف جدا لو كان الأسلوب صحيحا، أنا لم آت منذ البداية، بل التحقت بالعمل السياسي في 2005، ولم نكن ضمن المعارضة العراقية السابقة في الخارج، وليست لدينا ترتيبات أو مشاركة مسبقة فيما حصل عند بداية التغيير، جئنا على وضع طائفي ومحاصصة، وحاولنا معالجة الأمور، وأن يكون لنا دور في تصحيح المسار، وأن نمثل أهلنا بطريقة مشرفة، لكن القوى التي تحكم والتي تتمثل في شخص رئيس الوزراء كانت دائما تعمل على تركيز السلطة بيد مجموعة معينة وبيد حزب واحد، وتحاول أن ترسخ وجودها بطريقة تمكنها من الاستحواذ على كل شيء، مما أدى إلى فشل المسيرة والفشل الأمني والسياسي والاقتصادي وعدم قناعة وثقة الشعب بهذه المسيرة. المسؤولية جماعية لكن القسم الأعظم يقع على من كان يتصدى لمسؤولية الحكومة والقوات المسلحة، وهو رئيس الوزراء الذي يتمتع بصلاحيات واسعة جدا وبصلاحيات القائد العام للقوات المسلحة.
* مَن تعني تحديدا؟
- كل من تصدى لإدارة العراق، سواء نوري المالكي سابقا أو العبادي الآن ومن قبلهم. والمالكي أكثر من يتحمل المسؤولية، والفشل في إدارة الأمور ما زال موجودا بوضعنا الحالي.
* كيف تنظرون إلى إدارة العبادي للحكومة اليوم؟
- لا أعتقده موفقا في قيادة البلد، هناك كثير من الإخفاقات والتنصل عن الاتفاقات ومخالفة الدستور وعدم القدرة على معالجة الأخطاء السابقة. لا ننكر بأنه تسلم تركة ثقيلة من الإخفاقات، لكن أيضا لم يتحرك ضمن ما خول له من صلاحيات، وما وقعه من اتفاقات وانقلابه على الشركاء، وصار يعمل وحده بعد أن أخذ الشرعية من القوى السياسية. وهذا هو الانحراف الذي حصل. كان عليه أن يلتزم ببنود الاتفاق السياسي الذي منحه الشرعية في رئاسة الوزراء، وأن يحافظ على مبدأ الشراكة الوطنية. لو التزم بذلك كان من الممكن أن يحقق النجاح، لكن للأسف تفرده بالسلطة قاده إلى هذه الهوة.
* ترأستم الدورة السابقة لمجلس النواب بنجاح حسب المراقبين السياسيين.. كيف تجدون اليوم رئاسة البرلمان العراقي انطلاقا من تجربتكم؟
- علينا أن نضع في الحسبان أن الظروف تغيرت، نحن عملنا من أجل الشعب العراقي وحل المشكلات التي يمر بها البلد، وتقاطعنا مع رئيس الوزراء السابق (المالكي) الذي حاول أن يهيمن على مجلس النواب ويجعله تابعا للسلطة التنفيذية، وتحرك بشكل واسع لتطويق صلاحيات البرلمان التشريعية والرقابية، وضغط كثيرا بصورة مباشرة في هذا الاتجاه. وقد دافعنا عن المجلس بكل قوة ولم نجامل الرجل، ولم نحاول أن نعقد أي صفقة على حساب ديمقراطية العراق، نعتقد أننا قمنا بواجبنا، وإن لم نستطع النجاح بمعالجة كل الأمور، لكننا قمنا بما نستطيعه. أما الوضع الحالي فهو مختلف. السلطة التشريعية لم تستطع أن تتصرف باستقلالية بموجب ما منحها لها الدستور، باعتبارها السلطة الأساسية، وأنها منبع السلطات وتراقب وتحاسب، بل في اعتقادي أصبحت السلطة التشريعية اليوم تابعة للسلطة التنفيذية، وهذا نتيجة سوء إدارة البرلمان وعدم التعامل مع المستجدات والاعتراض في الوقت المناسب. الأزمة الأخيرة هي نتيجة فشل رئاسة البرلمان في إدارة الأمور.
* هذا يعني أنكم تحملون رئاسة البرلمان مسؤولية الانقسامات واعتصامات عدد كبير من النواب والهرج والمرج الذي حصل في الجلسة الأخيرة داخل مجلس النواب؟
- أنا قلت إن قسما من هذه المشكلات سببه يعود إلى رئيس البرلمان، وقسما إلى طبيعة التحالفات داخل مجلس النواب، وعلاقة النواب مع الرئاسة ومع بعضهم.
* ألم تكن هذه التحالفات هي ذاتها في الدورة السابقة؟
- لا.. اختلفت، في الدورة الماضية رشحتني الكتلة العراقية، وكانت أقلية بالنسبة لكتل كبيرة أخرى، لكننا استطعنا تشكيل نوع من التحالفات السياسية مع الكتلة الكردستانية والتيار الصدري والمجلس الأعلى، وبقي حزب الدعوة الذي يدعم رئيس الوزراء السابق بوصفه المعارضة في البرلمان، بينما هو يقود السلطة التنفيذية. هذا كان نتيجة جهود من رئاسة البرلمان ومن قيادات الكتل السياسية والبرلمانية وعدم رضا الزعماء السياسيين عن رئيس السلطة التنفيذية وقتذاك حتى إننا طالبنا بإقالة رئيس الوزراء وكان لدينا رقم مهم. اليوم الوضع مختلف تماما، هناك صراعات داخل الكتلة الشيعية وكذلك السنية والكتلة الكردية، وهذا أدى إلى انقسامات وتشوه المشهد السياسي وعدم قدرة رئاسة البرلمان على ضبط الإيقاع والتنسيق بين المواقف والكتل، مما أدى إلى تشويه الصورة بالكامل، وتجاوز بعض النواب على رئاسة المجلس وعدم الاحترام والالتزام الذي ساد في العلاقة، مما أدى إلى ما حصل في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب من فوضى. أنا لا أحمل كل المسؤولية لرئاسة المجلس، لكن عليها كثير من هذه المسؤولية، وكذلك تتحمل القوى السياسية بقية المسؤولية.
* رغم ذلك فإن كتلتكم السنية، «تحالف القوى»، ملتزمة ببقاء سليم الجبوري رئيسا لمجلس النواب ولم تؤيدوا إقالته من قبل النواب المعارضين له، هل هذا كونه قياديا في تحالفكم ومرشحا من قبل كتلتكم؟
- لا.. نحن نتحرك بوصفنا رجال دولة وندافع عن الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب والأصول القانونية، وما حصل كان محاولة الإطاحة به من قبل معارضيه النواب المعتصمين بطريقة غير قانونية وفوضوية، وتصدينا لها. لم يكن هناك طلب رسمي حسب النظام الداخلي، وتم بغياب الرئيس مع أنه كان موجودا في اجتماع داخل بناية المجلس، ولم يحصل نصاب قانوني، كل ما جرى هو أن تعقد مجموعة من النواب جلسة وتنتخب من بينها رئيسا مؤقتا، وتقرر إقالة الرئيس الأصلي من دون البحث في الأطر القانونية. لو كنا نسمح بهكذا طريقة لن يكون لأي رئيس مجلس قادم أي دور، وقد يسافر الرئيس ويعود ليجد عضوا آخر في مكانه، لهذا وقفنا ضد هذا الإجراء نحن وبعض القيادات السياسية، لكن هذا لا يعني أننا راضون عن إدارة مجلس النواب، وهذا الأمر لا بد أن يبحث بالتفصيل.
* هل تفكرون بترشيح عضو آخر لرئاسة البرلمان سواء من ضمن كتلتكم أو من كتلة أخرى؟
- هذا الأمر يبحث داخل «تحالف القوى»، وهو ليس من المحرمات، بل هو قيد الدراسة الآن، وهناك بعض القضايا يجب أن تبحث قبل أن يصدر موقف من هذا النوع، لا بد من حسم شرعية الجلسات والقضايا التي رفعت للمحكمة الاتحادية من قبل النواب المعتصمين ومن قبل رئاسة المجلس، وأيضا العلاقة بين رئيس المجلس والقوى السياسية، هذه الأمور ستكون مهمة في قرارنا الذي نبحثه، لكن حتى الآن الأمور باقية مثلما هي لحين اتخاذ قرار من قبل تحالفنا.
* نسأل افتراضيا.. لو كنتم رئيسا لمجلس النواب كيف كنتم ستتصرفون مع حادثة الهجوم على البرلمان؟
- أنا بالتأكيد لم أكن أسمح باختراق بناية المجلس أو بالاعتداء على أي نائب، لا أقول إنني كنت سأستخدم القوة المسلحة، فهذا الأمر ليس من شيمي، لكن بالتأكيد أرتب مع رئيس الوزراء بطريقة تلزمه بحماية المجلس وعدم السماح باختراق المؤسسة، وأنقل الاجتماع إلى مكان آخر دون تردد، ولا أقبل أن يصوت المجلس في ظل وجود تهديد قائم، سواء من قبل جهة سياسية أو متظاهرين أو أي تهديد آخر. وحدث أن المجلس، عندما كنت رئيسا له، تعرض للتهديد ثلاث مرات، ولم يحصل أي شيء، لكن رئيس الوزراء السابق (المالكي) كان قد اختلف مع المجلس فأمر برفع الحواجز الكونكريتية بوصفها دعوة للمتظاهرين بالهجوم على المجلس، فقررت تعطيل المجلس، وأبلغت رئيس الوزراء بأننا لن نعود إلى الاجتماع إلا بعودة الحواجز وبالفعل تحقق ما أردناه.
* لو نعود إلى سبب الأزمة التي بدأت عندما قام رئيس الوزراء العبادي بتسليم رئاسة البرلمان مظروفا مغلقا يحتوي على أسماء الكابينة الجديدة، وخرج بعد أن ألقى الكرة في ملعب مجلس النواب وتخلص هو منها، هل تعتقدون أن هذا الإجراء كان دستوريا؟
- لا.. لكن رئيس الوزراء أدار الموضوع بذكاء وبحرفية وبإطار خارج الدستور، وأعطى رئيس البرلمان مظروفا مغلقا، ليس فيه طلب رسمي منه بوصفه رئيسا للوزراء بتغيير الحكومة، وكان على رئيس البرلمان أن يفتح المظروف بحضور رئيس الوزراء وأمام النواب، ويطلب من العبادي أن يقرأ أسماء المرشحين للوزارة، ليناقشها مباشرة مع النواب، لكن أن يتسلم المظروف ويخرج رئيس الوزراء، وبعد أن يتم فتح المظروف يجد فيه سيرا ذاتية لمرشحين للوزارات دون طلب رسمي، ويتم توزيع الأسماء على اللجان المختصة في البرلمان لمناقشتها؛ هذا الإجراء غير قانوني، والعبادي نقل المشكلة من الحكومة إلى البرلمان، مما أدى إلى هذه الفوضى والتصدع داخل المجلس، مع أن القضية تهم السلطة التنفيذية.
* هل تعتقدون أنه كان هناك تفاهم بين الجبوري والعبادي حول هذا الإجراء؟
- لا أعتقد أنه كان هناك تفاهم في هذه المسألة، لكن يجوز أنه حصل تفاهم لاحقا عندما تم تقديم أسماء جديدة ليست من الأسماء المقترحة سابقا، وحصل خلل من داخل الكتل التي قدمت أسماء غير متفق عليها.
* إذا حصل تغيير أو تعديل وزاري فهل ستشاركون بوصفكم كتلة برلمانية في الترشيح للحكومة أم سيكون هذا من حق رئيس الوزراء باختيار كابينته؟
- الموضوع أكبر من التعديل أو التغيير الوزاري، نعتقد أنه يجب أن تتم مراجعة وضع الحكومة ككل من قبل القوى السياسية في الفترة المقبلة، والنظر في مدى أهليتها وقابليتها على إدارة البلد، وهذه ليست من المحرمات. وبموجب الدستور فإن القوى السياسية هي من تشكل الحكومة بالأغلبية المريحة، كونها جاءت عن طريق الانتخابات، ويجب عدم عزلها عن اختيار الوزراء.
* اجتمعتم مؤخرا مع وفد من الإدارة الأميركية.. ماذا بحثتم؟
- هم يقولون إن البلد لا يتحمل الآن استبدال رئيس البرلمان أو الحكومة أو الجمهورية، باعتبار أن هناك معركة، وقلنا لهم ربما في هذه الأيام لا نفتح هذا الملف، لكن موضوع التغيير ليس من المحرمات. موضوع الحكومة ومجلس النواب يجب بحثه خلال الأسابيع المقبلة، لأن مصلحة ومستقبل العراق هي الأهم.
* هل تعتقدون أن القيادة الكردية أسهمت في تعقيد المشهد السياسي من خلال تلويحها بالانفصال وسحب وزرائهم ونوابهم من بغداد؟
- العلاقة بين بغداد وأربيل اتسمت بالتشنج وعدم الثقة، ليس فقط بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية، بل بين مختلف القوى السياسية، وعدم الالتزام بالاتفاقات التي وقعت والتي تقع مسؤولية قسم منها على بغداد وقسم على أربيل بشكل أو بآخر، والقسم الأكبر من هذه المسؤولية يقع على عاتق الحكومة الاتحادية، مما أدى إلى عدم التعويل كثيرا على مستقبل مشترك، وهذا أمر خطير، والمسؤولية تقع على بغداد في دفع الكرد إلى اتخاذ قرارات بعيدة عن الوسط العراقي، وهذا يعتمد على تقديم تنازلات والوفاء بالتزامات مالية، وقسم منها عسكرية، وتحقيق نوع من الشراكة الحقيقية، لكننا نشعر بالإحباط، لأن الحكومة في بغداد لا تعمل من أجل مصلحة الجميع، بل ما زالت تعمل بروح الحزب الواحد والطائفة الواحدة، وهذا أدى إلى كثير من التصدع في علاقتها بأربيل، وكان آخرها قطع رواتب موظفي إقليم كردستان من قبل الحكومة السابقة حتى اليوم. وهذا نتيجة تراكمات أدت إلى أن يختار الأكراد حق الاستقلال كدولة، وهذا معلن من قبلهم، بينما الدستور يحدد طبيعة العلاقات، ويضع حلولا للقضايا الخلافية حول الأراضي والحقوق المالية والعسكرية، لكن عدم الالتزام بالدستور وغياب الثقة أديا إلى ما نحن عليه اليوم.
* تحدثتم عن الخلافات والانقسامات الشيعية والكردية، ماذا عنكم، أليست هناك خلافات في الكتلة السنية التي تمثلونها «تحالف القوى»؟
- لا أنكر أن هناك وجهات نظر مختلفة، لكن في الأزمة الأخيرة ظهرنا في موقف متماسك، ويمكن نحن أفضل من الآخرين، هناك محاولات لترتيب الصفوف وحل المشكلات، ولكن مثلما قلت هناك خلافات حول رئاسة مجلس النواب وطبيعة العلاقات مع القوى السياسية الأخرى، لكن بصورة عامة وضعنا أفضل من الأشهر أو السنوات الماضية.
* بعيدا عن الأمنيات، كيف ترون وضع البلد اليوم؟
- بالتأكيد الوضع صعب للغاية وقابل للتدهور، لكن ما زالت هناك فسحة من الأمل. ما زال هناك تواصل بين الكتل السياسية، والعالم حريص على دعم العراق ضد الإرهاب، وأهمية استقرار العراق تكتسب أهمية كبرى، لأنها تعني استقرار دول الجوار، وهذا الأمر يعطينا أملا بوجود حلول. لم نصل إلى مرحلة اليأس بعد، وأعتقد على أصحاب القرار في العراق أن يتحركوا بشجاعة لإنقاذ البلد. نعم هناك خرق للدستور وانتشار للسلاح خارج سيطرة الحكومة، ومشكلة مجلس النواب والعلاقات مع دول الجوار. تحقيق الحلول ليست مستحيلة، لكن يجب أن يكون هناك قرار شجاع، والضغط الشعبي مهم ومفيد، ليدفع أصحاب القرار إلى أن يراجعوا أنفسهم ويغيروا من أسلوبهم، ولكن ما زلنا في مرحلة الخطر والعراق في مفترق الطريق الآن.
* تطرقتم إلى أكثر من مرة للسلاح خارج سيطرة الدولة، ماذا تعني بذلك؟
- هناك قوى مسلحة كانت «مودوردة» منذ المعارضة العراقية، هناك أذرع عسكرية لأحزاب سياسية، وقسم من هذه الأذرع تم دمجه في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، والدستور لا يسمح بوجود السلاح خارج سيطرة الدولة، قسم من الأحزاب جمع أذرعه المسلحة وقسم آخر أبقى عليها، وبعد دخول «داعش» إلى الأراضي العراقية عادت هذه المجاميع المسلحة، واستحدثت أخرى، وتضخمت بشكل كبير، قسم من هذه القوى مسيطر عليها ضمن مؤسسة رسمية هي «الحشد الشعبي»، ومسيطر عليها ضمن قوانين، وهذه تقاتل دفاعا عن العراق، وقسم آخر هي مجاميع مسلحة منفلتة مرتبطة ببعض الدول، إذ يوجد أكثر من 45 فصيلا مسلحا في العراق، وقسم من هذه المجاميع تقتل وتختطف الناس. أمس تقدمنا نحن في «اتحاد القوى» بطلب إلى رئيس الوزراء لإطلاق سراح 2500 شخص تم اختطافهم في منطقة الرزازة، وهؤلاء الأبرياء بينهم نساء وأطفال، وكلهم من المكون السني تم اختطافهم من الطريق العام، وغالبيتهم ينحدرون من محافظتي الأنبار ونينوى، وكل من يمر من هذا الطريق يتم اختطافه من قبل «حزب الله» العراقي، وهي جهة معروفة اختطفت جنودا، وسيطرت على أسلحة بما فيها دبابات تابعة للجيش العراقي، والحكومة لا تستطيع أن تتدخل أو تطلق سراح هؤلاء الأبرياء، وهناك مناطق تم تحريرها من سيطرة «داعش» بمشاركة «الحشد الشعبي»، ومنع أهلها من العودة إليها، مثل جرف الصخر وسليمان بك ويثرب ومناطق في ديالى، هذا نوع من التمرد على السلطة القائمة والدولة وانتهاك لحقوق العراقيين. ونحن منذ فترات طويلة نطالب رئيس الوزراء بالتدخل لإطلاق سراح المختطفين، وفي بعض المرات يعلن صراحة بأنه لا يستطيع التدخل، وأنه مشغول بالمعركة ضد الإرهاب، وأن الأمر إذا فتح الآن فسيؤدي إلى خلخلة الوضع الحربي وما شابه ذلك، لكن هذا لا يبرئ رئيس الوزراء كونه مسؤولا عن حياة العراقيين المعتقلين والمختطفين والنازحين. من أخطر ما يواجه العراق هو وجود هذه المجاميع المسلحة المنفلتة، لأنه سوف يتسبب مستقبلا في مواجهات مسلحة بين هذه الفصائل والجيش، وهي حرب داخلية مؤجلة بسبب أجندات غربية.
* هل هذا يعني أن السنة العرب في العراق مستهدفون؟
- نعم هناك جهود من قبل بعض القوى السياسية لإضعاف السنة وتهميشهم وعزل جمهورهم عن قياداتهم، وإظهار هذه القيادات بمظهر الضعيف من خلال اضطهاد هذا الجمهور، وعدم إشراكهم في القرار الاستراتيجي وإبعادهم عن المناصب السيادية، واستهدافهم أمنيا وسياسيا.
* هل هناك دول تدعم السنة في العراق؟
- لا.. ليس هناك دعم بهذا المعنى سوى الدعم المعنوي أو السياسي، وأي دعم يتم عن طريق السلطة أو الحكومة.
* كيف استقبلتم مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بتقديم المساعدة إلى المهجرين داخل العراق؟
- هذا أمر يشكر عليه خادم الحرمين، وهي مبادرة إنسانية طيبة من دولة جارة وشعب شقيق، ولها إبعاد إنسانية مهمة تجاه الناس المظلومين في العراق، وهم بأشد الحاجة إلى هذه المساعدة، ونشكره عليها، وهذا موقف يعبر عن حسن نية المملكة العربية السعودية تجاه كل العراقيين والعراق.
* تكررون دائما أن معركة تحرير الموصل وشيكة.. هل هي وشيكة بالفعل؟
- بل هذه المعركة بدأت، والتحالف الدولي يقصف مواقع لـ«داعش»، و«الحشد الوطني» يشارك الجيش العراقي وأبناء العشائر في معارك برية، ونأمل أن تحسم قبل نهاية هذا العام.



«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
TT

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)

أشعل مشروع «ذا سباين» جدلاً حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر، مجدداً التساؤلات بشأن النمو اللافت لاستثمارات قطاع العقارات لا سيما في ظل شكاوى مصريين من ظروف اقتصادية صعبة ومحاولات حكومية لتخفيف وطأتها.

وأعلن هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لـ«مجموعة طلعت مصطفى» المصرية، خلال مؤتمر صحافي بحضور رئيس الوزراء، مساء السبت، عزم المجموعة بناء مدينة جديدة متعددة الاستخدامات شرق القاهرة بتكلفة 1.4 تريليون جنيه مصري (27 مليار دولار) على مساحة نحو 2.4 مليون متر مربع، تجمع بين الوحدات السكنية والمرافق التجارية والفندقية والتجزئة والترفيه والمساحات الخضراء.

وتحمل المدينة اسم «ذا سباين»، ويجري تطويرها بالشراكة مع البنك الأهلي المصري، برأس مال مدفوع قدره 69 مليار جنيه (1.3 مليار دولار).

مدبولي خلال كلمته عن المشروع (مجلس الوزراء)

وأثار المشروع جدلاً على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن تمويله. وبينما انتقد عدد من الرواد هذا الكم من الاستثمارات في بناء «مدينة فارهة» تضاف إلى مثيلاتها اللاتي «لا يستطيع غالبية المصريين السكن فيها»، وإلى نحو 12 مليون وحدة سكنية مغلقة بحسب بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء»، دافع آخرون عن المشروع، وعدُّوه وسيلة لتحقيق التنمية والرواج الاقتصادي، وأرجعوا الجدل بشأنه إلى أن تمويله مصري على عكس مشروعات أخرى لمدن فارهة تنفَّذ باستثمارات عربية.

وأشار عدد من رواد مواقع التواصل في تعليقاتهم إلى أن «المبلغ المعلن هو إجمالي ما سينفَق على المشروع خلال مدة تنفيذه التي قد تتجاوز 10 سنوات»، لافتين إلى أن «جزءاً من تمويل المشروعات العقارية عادة ما يعتمد على ما يدفعه الراغبون في شراء وحدات فيه من مقدمات حجز وأقساط».

وكتب أحد المعلقين أن «المشروعات الضخمة مثل (ذا سباين) لا تؤثر في قطاع واحد فقط، بل تُنشّط الاقتصاد بشكل متكامل، وتسهم في تنويع مصادر الدخل».

وعدَّ المدون المصري لؤي الخطيب، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إطلاق المشروع «ناسفاً ادعاءات انهيار الاقتصاد» المصري.

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد أكد في كلمته خلال إطلاق «ذا سباين» أن «المشروع يحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة»، مشيراً إلى توقيع عقود مشروعات كبرى مماثلة في القاعة نفسها من قبل، بينها مشروعات في الساحل الشمالي في إشارة إلى (مشروع رأس الحكمة باستثمارات إماراتية)، لافتاً إلى «أن الشيء المهم جداً هو أننا نطلق هذا المشروع العالمي بكل المقاييس، في خضم حروب وصراعات جيوسياسية بهذا الحجم الكبير، تفرض حالة من عدم اليقين بالمستقبل، أو عدم استشراف شكل المنطقة أو العالم».

وقال مدبولي إن «المشروع سيوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه، كما يضع مصر في مصاف الدول التي استثمرت بصورة كبيرة للغاية في إنشاء مثل هذه النوعية من المراكز التي تسمى مراكز مالية وإدارية وتجارية».

وعدّ الإعلان عن المشروع «دليلاً على أمن مصر، لا سيما أنه ينطلق في خضم أوضاع عالمية وإقليمية تخلق حالة من عدم اليقين».

وتشهد حركة البناء والتشييد نمواً ملحوظاً في مصر، لا سيما أن كثيراً من المصريين يعدون العقارات مخزن قيمة تتزايد أهميته في ظل ظروف عدم اليقين الحالية.

ويرى الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن «السوق العقارية أحد القطاعات النامية بقوة في مصر»، موضحاً أن «حجم الاستثمارات المعلن في (ذا سباين) هو قيمة المبلغ الذي سينفَق على إنشاء المشروعات في مدى زمني يصل إلى 15 عاماً، كما أن جزءاً من التمويل سيكون من مقدمات الحجز، كما هو الحال في معظم المشروعات المماثلة».

وأضاف بدرة لـ«الشرق الأوسط»: «العقار هو الملاذ الآمن للمصريين، وهناك طلب على هذا النوع من المشروعات، سواء في الداخل أو من الخارج (أجانب ومستثمرين)»، لافتاً إلى أن شركات العقارات الكبرى «لن تقدم على مشروع بهذا الحجم دون دراسة تؤكد أن السوق تسمح، وتحتاج للمزيد»، وأكد أن «الحديث عن فقاعة عقارية في مصر ليس له أساس».

يتفق أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر» للتسويق العقاري، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر دولة نامية، ومن طبيعة الدول النامية أن تشهد نمواً في السوق العقارية تزامناً مع نموها السكاني».

وأضاف: «هناك تباين في حجم الطلب خلال الربع الأول من العام الحالي بين شركات حققت نمواً ومبيعات كبيرة، وأخرى شهدت ركوداً، معظمها من الشركات حديثة العهد بصناعة العقار»، مرجعاً التباين إلى «حالة عدم اليقين التي رافقت الأحداث الجيوسياسية»، لكنه أكد أن «حجم الطلب والمبيعات يشهد نمواً لدى الشركات ذات الخبرة الطويلة التي تنفذ مشروعات كبرى على غرار (ذا سباين)»، وتابع: «مشروعات المدن الكبرى تخاطب عادة الشرائح العليا من المجتمع والمستثمرين والأجانب».


الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
TT

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

وصف الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، زيارته إلى فرنسا بأنها «خطوة مهمة» في مسار تعزيز «العلاقات القائمة على الثقة» بين البلدين، وذلك في ختام زيارة استمرت 4 أيام.

وقال ولد الغزواني في تدوينة على منصة «إكس»: «في ختام زيارة الدولة التي قمت بها إلى فرنسا، أود أن أعرب عن خالص امتناني لصديقي فخامة الرئيس إيمانويل ماكرون على حفاوة الاستقبال، وثراء المباحثات التي جمعتنا».

وأضاف: «‏لقد شكلت هذه الزيارة محطة مهمة في تعزيز شراكة دولتينا، القائمة على الثقة والطموح ورؤية مشتركة لمواجهة التحديات الكبرى في عصرنا».

الرئيس الفرنسي وقرينته لدى استقبال رئيس موريتانيا وقرينته (الرئاسة الموريتانية)

وكانت الرئاسة الموريتانية قد احتفت بالزيارة، وقالت إنها المرة الأولى التي يقوم فيها رئيس موريتاني بزيارة دولة إلى فرنسا منذ 64 عاماً. وبدا واضحاً أن الهدف منها هو تأسيس «شراكة استراتيجية» بين البلدين، وسط تراجع النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا والساحل.

وعقب استقباله في قصر الإليزيه، أشاد ماكرون خلال مؤتمر صحافي بمستوى العلاقات بين البلدين، ووصف موريتانيا بـ«الشريك الأساسي» لفرنسا.

«آخر الحلفاء»

حظيت زيارة الرئيس الموريتاني إلى باريس باهتمام الإعلام الفرنسي، حيث كتبت صحيفة «ليبراسيون» أن ماكرون يسعى لتعزيز العلاقات «مع آخر حلفائه في منطقة الساحل»؛ في إشارة إلى القطيعة بين فرنسا وأغلب مستعمراتها السابقة في الساحل، خصوصاً مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وظهور تيارات سياسية معادية لفرنسا في منطقة غرب أفريقيا، لصالح الصعود الروسي والصيني.

وقالت الصحيفة إن باريس ونواكشوط تربطهما «علاقات تعاون عسكري طويلة الأمد»، مشيرة إلى أن هذا التعاون استمر على الرغم من أن موريتانيا لم يسبق لها أن احتضنت أي قاعدة عسكرية فرنسية.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

أما صحيفة «لو موند» فقد نشرت موضوعاً تحت عنوان: «آخر حليف موثوق به لفرنسا في منطقة الساحل... الرئيس الموريتاني يرغب في تعزيز تعاونه العسكري مع باريس»، وأشارت إلى أنه بعد طرد القوات الفرنسية من دول الساحل «باتت موريتانيا تقدم نفسها كآخر حليف متبقٍّ لفرنسا في المنطقة».

في السياق نفسه، نشر المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية موضوعاً تحدث فيه عن العلاقات بين فرنسا وموريتانيا، ورأى أنها «نموذج للعلاقات الهادئة بين باريس ومستعمرة سابقة»، مضيفاً أن ولد الغزواني «حليف موثوق به في منطقة عانت فيها فرنسا انتكاسات كبيرة في السنوات الأخيرة».

الحضور الاقتصادي

رغم التركيز الكبير والواضح على الملف الأمني والتعاون العسكري بين باريس ونواكشوط، كان الجانب الاقتصادي حاضراً هو الآخر بقوة، حيث شهدت الزيارة سلسلة من اللقاءات الاقتصادية رفيعة المستوى، ركزت على تعزيز الشراكة الثنائية، وتوسيع مجالات التعاون بين البلدين.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في قصر الإليزيه بباريس (الرئاسة الموريتانية)

وافتتح الرئيس الموريتاني من باريس المنتدى الاقتصادي الموريتاني - الفرنسي، حيث دعا إلى توسيع الاستثمارات الفرنسية في بلاده، خصوصاً في القطاعات الحيوية كالتعدين والطاقة والبنى التحتية، مؤكداً أن موريتانيا توفر فرصاً واعدة ومناخاً استثمارياً جاذباً.

وزار ولد الغزواني مدينة بريست الفرنسية، حيث اطَّلع على تجارب فرنسية في مجال الصناعات والبحوث البحرية، بما في ذلك زيارة شركة «PIRIOU» والمعهد الفرنسي لعلوم البحار.

مكانة دولية

الوزير الأول الموريتاني، المختار ولد أجاي، وصف الزيارة بأنها «محطة ناجحة وموفقة»، وقال إنها «عكست مستوى متقدماً من علاقات التعاون بين البلدين».

ونشر ولد أجاي تدوينة على «فيسبوك» قال فيها إن الزيارة «دليل جديد على المكانة التي باتت تحتلها موريتانيا على الساحة الدولية»، مشيراً إلى أن ماكرون قدم موريتانيا على أنها «نموذج في تبنِّي نهج قائم على الاستقلال الاستراتيجي والمسؤولية».

وخلص الوزير الأول إلى أن نتائج الزيارة من شأنها تعزيز الشراكة بين البلدين، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مختلف المجالات؛ بينما لم يصدر أي بيان مشترك حول نتائج الزيارة.

علاقة مضطربة

ترتبط موريتانيا وفرنسا بعلاقات شديدة التعقيد، بدأت منذ بداية القرن العشرين حين دخلت فرنسا الأراضي الموريتانية كقوة استعمارية، ولكنها منحتها الاستقلال عام 1960.

غير أن قوى معارضة آنذاك ظلت تعد ذلك الاستقلال «شكلياً»؛ لأن الإدارة وقيادة الجيش والأمن كانت بيد الفرنسيين، كما أن الثروات المعدنية هي الأخرى كانت تهيمن عليها شركات فرنسية، جرى تأميمها فيما بعد، في عام 1974.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي بباريس (الرئاسة الموريتانية)

ومنذ الاستقلال، مرت العلاقات بفترات من التقلب، وصولاً إلى ذروة التوتر عام 1999 حين طردت موريتانيا المسؤولين العسكريين الفرنسيين وقوات كانت تتولى مهام تدريب وتأطير العسكريين الموريتانيين. وجاء القرار على خلفية اعتقال ضابط موريتاني في باريس في إطار اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان.

وعادت العلاقات بين البلدين إلى التهدئة ثم القرب الوثيق، خصوصاً مع تصاعد خطر الإرهاب والتطرف في منطقة الساحل، وموجة الانقلابات في دول الساحل، وطرد القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد، ثم خروجها فيما بعد من كوت ديفوار والسنغال، وفقدان باريس كثيراً من مراكز قوتها التقليدية.


مصر تشدد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تشدد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

جددت مصر التأكيد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت أو أي دولة عربية. وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الأحد، خلال استقباله وزير خارجية الكويت الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، أن «أمن الكويت وسائر الدول العربية هو امتداد طبيعي لأمن مصر القومي»، حسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية.

وشدد السيسي على «دعم مصر الكامل لأمن واستقرار الكويت ولما تتخذه من إجراءات لحماية مقدرات شعبها».

ونقل بيان الرئاسة المصرية تثمين وزير الخارجية الكويتي «المواقف التاريخية لمصر في دعم أمن وسيادة واستقرار الكويت، ووقوفها الدائم إلى جانب أمن دول الخليج العربي»، معرباً عن «تطلع بلاده إلى تكثيف التشاور والتنسيق مع مصر، بما يسهم في الحفاظ على السلم والاستقرار الإقليمي وصون أمن الدول العربية».

وعقد السيسي جلسة مباحثات مع وزير الخارجية الكويتي تناولت تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات، لا سيما الاستثمارية والتجارية، حسب الإفادة. كما عقد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الكويتي جراح الصباح جلسة مشاورات سياسية تناولت الجهود الرامية إلى وقف التصعيد وإنهاء الحرب، ومستجدات المفاوضات الأميركية - الإيرانية، حسب المتحدث باسم الخارجية المصرية.

محادثات مصرية - كويتية موسعة الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وجدد عبد العاطي التأكيد على «موقف مصر الثابت والداعم لدولة الكويت»، معرباً عن «إدانة القاهرة الكاملة للاعتداءات التي استهدفت أمن واستقرار دولة الكويت، والرفض التام لأي محاولات للمساس بسيادتها».

كما أطلع وزير الخارجية المصري نظيره الكويتي على نتائج زيارته الأخيرة إلى واشنطن والاجتماع الرباعي الذي عُقد السبت في أنطاليا لوزراء خارجية مصر والسعودية وباكستان وتركيا، مشيراً إلى «تأكيد مصر على أهمية مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية». وشدد عبد العاطي على أن «أمن الكويت يُعد جزءاً لا يتجزأ من أمن مصر»، مؤكداً أهمية تعزيز التنسيق والعمل المشترك بين الدول العربية لمواجهة التحديات الراهنة.

وعلى صعيد العلاقات الثنائية أعرب الوزيران عن التطلع لعقد الدورة الرابعة عشرة للجنة المشتركة بين البلدين قبل نهاية العام الحالي، بما يسهم في دفع مسارات التعاون المشترك إلى آفاق أرحب، حسب السفير تميم خلاف.

وأكد عبد العاطي «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية»، منوهاً إلى «الفرص الواعدة التي يجب اغتنامها في قطاعات البنية التحتية والتطوير العقاري والصناعة والطاقة»، ومشيراً إلى «ضرورة تعزيز التعاون الثلاثي في القارة الأفريقية بالتنسيق مع الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية والصندوق الكويتي للتنمية».

وزيرا خارجية مصر والكويت يترأسان مشاورات سياسية في القاهرة ويؤكدان عمق العلاقات الأخوية بين البلدين (الخارجية المصرية)

بدوره، أكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن أهمية زيارة وزير الخارجية الكويتي للقاهرة، كونها تأتي بعد الاجتماعات التي عقدت في أنطاليا بشأن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «عبد العاطي أطلع نظيره الكويتي على تفاصيل ما دار في اللقاءات بشأن إنهاء الحرب، لا سيما مع تعرض الكويت لاعتداءات خلال الحرب».

وأشار إلى أن «المشاورات بين الجانبين تأتي في إطار التنسيق المشترك، وتأكيد التضامن المصري مع الكويت ومع دول الخليج بشكل عام في مواجهة أي اعتداءات».

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير محمد حجازي، أن زيارة وزير خارجية الكويت للقاهرة «تأتي في لحظة إقليمية دقيقة، تتقدم فيها الأزمة مع إيران إلى صدارة مشهد التهديدات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الزيارة لا تندرج ضمن الروتين الدبلوماسي، بل تعكس إدراكاً مشتركاً لضرورة بناء مقاربة عربية متماسكة لإدارة التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة».

وأشار حجازي إلى أن «العلاقة المصرية - الكويتية مرشحة للانتقال من مستوى التشاور إلى مستوى التنسيق التنفيذي، ويتجلى ذلك في ثلاثة مسارات رئيسية؛ أولاً، توحيد التقديرات الاستراتيجية بشأن التهديدات الإيرانية، وثانياً دعم الجهود الدولية الرامية إلى تأمين الملاحة في الخليج دون عسكرة مفرطة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، ثالثاً تعزيز التنسيق الاقتصادي، خصوصاً في مجالات الطاقة والاستثمار، لتخفيف آثار أي اضطرابات محتملة في الإمدادات».

وقال إن «زيارة الوزير الكويتي إلى القاهرة تمثل خطوة متقدمة نحو بلورة مقاربة عربية عقلانية، تسعى إلى احتواء التصعيد مع إيران دون التفريط في محددات الأمن القومي العربي».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended