كيرشوف: غوارديولا سيقود سيتي للفوز بالدوري الإنجليزي من دون عناء

لاعب سندرلاند الحالي وبايرن ميونيخ يرى أن المدرب الإسباني سيغير شكل الدوري الإنجليزي

كيرشوف لاعب سندرلاند (يمين) في سباق مع فيرناندينهو لاعب سيتي (إ.ب.أ)
كيرشوف لاعب سندرلاند (يمين) في سباق مع فيرناندينهو لاعب سيتي (إ.ب.أ)
TT

كيرشوف: غوارديولا سيقود سيتي للفوز بالدوري الإنجليزي من دون عناء

كيرشوف لاعب سندرلاند (يمين) في سباق مع فيرناندينهو لاعب سيتي (إ.ب.أ)
كيرشوف لاعب سندرلاند (يمين) في سباق مع فيرناندينهو لاعب سيتي (إ.ب.أ)

 تلفح حبات الرمل الذهبية الناعمة التي تحملها رياح أبريل (نيسان) القوية والمنعشة إلى حد ما، وجه جان كيرشوف لاعب سندرلاند الحالي ونجم وسط بايرن ميونيخ السابق، وتلدغ عينيه. كان سندرلاند يستعد على شاطئ روكر الرحب، وإن كان معزولا، بينما يحملق رواد الشاطئ الذين يقومون بالمشي برفقة كلاب لدى رؤيتهم لاعب وسط سندرلاند الذي يصل طوله لنحو 195 سم، وزملاءه وهم يراوغون أمواج المد القادمة.
ورغم الطقس المتقلب، فإن الألماني العملاق كيرشوف كان في حالة استرخاء قوية لدرجة أنه في لحظة من اللحظات، دعا زملاءه ومنهم جيرمين ديفو والأصدقاء الآخرين لمساعدته في بناء قلعة من الرمل. حتى يناير (كانون الثاني) لم يكن كيرشوف سمع بهذا المكان من قبل، بل ربما لم يكن يعرف الكثير عن مدربه سام ألارديس كذلك، لكن هذا المكان على بحر الشمال يعمل الآن كخلفية لعلاقة حب غير متوقعة تماما.
لو كانت الأمور سارت كما هو متوقع، لكان اللاعب صاحب الـ25 عاما يلعب في دوري الأبطال ضمن صفوف بايرن ميونيخ هذا الربيع، لكن أصبح لدى كيرشوف حياة جديدة بدلا من هذا. وعنها يقول: «أعتقد أن هذه أفضل خطوة فعلتها على الإطلاق. إننا في عملية بحث دائم عن السعادة، وأن سعيد فعلا هنا. كرة القدم أكبر من مجرد أن تكون ناجحا».
تدور التجربة الجديدة لكيرشوف، الذي عرف بكونه مدافعا بديلا في السابق، حول إعادة تعريف نفسه كلاعب وسط مدافع يتمتع بذكاء حاسم، بينما يحاول ما بوسعه لإبقاء فريق سندرلاند ومدربه ألارديس في الدوري الممتاز. ورغم كل شيء، سيتطلع كيرشوف لتجديد علاقته بمدربه السابق في بايرن ميونيخ، جوزيب غوارديولا، الموسم المقبل.
بينما كان يستريح كيرشوف من جولة الشاطئ والهزيمة في مباراة خماسية تدريبية أمام أشبال سندرلاند، تحت 8 سنوات، وجهنا إليه سؤالا حول تقييمه لغوارديولا.. فرد بسؤال: «ماذا تريد: الإجابة الدبلوماسية أم الإجابة الصادقة؟ تريد الإجابة الصادقة؟ سيفوز غوارديولا بالدوري ويغير هذه البطولة كما لم تروا من قبل».
وأضاف: «أثق بهذا تماما. سيبني واحدا من أعظم الفرق في تاريخ مانشستر سيتي وسيفوز بالدوري من دون عناء. سترون طريقة لعب مختلفة تماما. وهذا واحد من أفضل المواقف التي ستمر على الكرة الإنجليزية منذ وقت طويل جدا».
يشعر كيرشوف بالثقة بأن الإسباني يمكن أن يعزز من حظوظ إنجلترا ويقول: «هذا نفس الموقف الذي مررنا به في ألمانيا، ربما في السنوات الـ5 الماضية. كان لدينا الكثير من اللاعبين صغار السن، الموهوبين، والذين نضجوا من خلال اللعب المحلي ولعبوا في صفوف أفضل الفرق لدينا، وتملك هذه الفرق مدربين جيدين فعلا: يورغن كلوب في دورتموند، وغوارديولا في بايرن ميونيخ. كما حدثت طفرة تشبه الانفجار على صعيد المنتخب الوطني. ولا أعتقد أننا فزنا بكأس العالم بسبب مدربنا غير العادي (يواخيم لوف). أعتقد أننا فزنا بالبطولة بفضل غوارديولا وكلوب. ولأن هؤلاء اللاعبين الموهوبين كانوا جميعا ينقلون المعرفة التي اكتسبوها من المدربين في أنديتهم إلى المنتخب الوطني».
لكن ثمة شرط للنجاح. ويقول كيرشوف: «يعتمد الأمر على عدد اللاعبين الإنجليز لدى غوارديولا في سيتي. لكن كل من يلعب تحت قيادته سيقول لك إنه يجعلك أفضل بكثير. يجعلك تفهم كرة القدم بطريقة مختلفة كليا».
ويمضي: «إذا توفر لغوارديولا الكثير من اللاعبين الإنجليز، فسيتحسن أداؤهم وسيصبح فريق إنجلترا أفضل. ونفس الشيء ينطبق على مدرب آخر يعجبني فعلا: ماوريسيو بوكيتينو. يمكنك بالفعل أن ترى تأثير توتنهام بقيادة بوكيتينو على إنجلترا. يعرف كل لاعبيه ماذا يفعلون، ويقرأون المباراة بشكل جيد وهم لاعبون غير عاديين يتمتعون بالذكاء والفنيات العالية. وأعتقد أن بطولة الدوري بالكامل ستصير أفضل بوجود غوارديولا وبوكيتينو وكلوب في ليفربول».
وبالنظر إلى أنه لعب تحت قيادة كلوب خلال بدايته الاحترافية الواعدة بشدة في ماينز، فإن كيرشوف يعتبر في وضع فريد لعقد مقارنة بينه وبين غوارديولا. ويقول: «هما مختلفان تماما فيما يتعلق بالشخصية وطرق اللعب. لكنهما مفيدان جدا للكرة الإنجليزية».
إذن، هل يصل ألارديس لمستوى هذه المقارنة؟ يصمت كيرشوف لبرهة، ويقول: «غوارديولا هو أفضل مدرب في العالم بالتأكيد، لذا لا يمكنني القول إن سام هو الأفضل كذلك! لكن سام مدرب جيد، ومعاملته للاعبين، والطريقة التي يتحدث بها إلينا، والتحليل الذي يقدمه بالفيديو، والطريقة التي يعدنا من خلالها للمباريات، كلها جيدة جدا. لقد تعاملت مع مدربين سيئين فعليا، لكن ألارديس مدرب جيد حقيقة».
لم ينزعج ألارديس بأداء كيرشوف الكارثي في أول مشاركاته مع الفريق، عندما لعب بديلا في مركز قلب الدفاع، خلال المباراة التي انتهت بالهزيمة 4-1 أمام توتنهام في يناير (كانون الثاني). ويقول ابن مدينة فرانكفورت: «لم يكن يوما جيدا، وربما كانت أسوأ بداية. اتخذت القرار الخاطئ في 3 مواقف على الأقل، لكن هذه الأشياء تحدث. كنت أقول لنفسي: إنس هذا الأمر».
منذ ذلك الوقت جرى توظيفه في عمق وسط الملعب. ومن خلال لعبه في دور أشبه بالقشاش أمام المدافعين، يتولى كيرشوف مسؤولية تحطيم هجمات المنافسين وبدء هجمات سندرلاند بمزيج مبهر ومطمئن يجمع بين الدقة والرؤية.
يتذكر قائلا: «عندما تحولت إلى لاعب محترف انتقلت من وسط الملعب إلى الدفاع. كان الناس يقولون: «إنه طويل جدا، سيصبح قلب دفاع». لكن في الدفاع كنت أحاول الجري بالكرة، وأحاول بناء هجمات الفريق. كنت أحس في داخلي دائما بأنني لاعب وسط مدافع».
عانى كيرشوف أينما قذفت به مسيرته الكروية من الإصابات المتكررة والمتنوعة. تسببت هذه الإصابات في تعطيل مسيرته مع البايرن، حيث لعب مع الفريق الأول في 7 مباريات فقط، وهو ما كان وراء إعارته إلى شالكة. وسرعان ما بدت كنقلة غير موفقة.
ويقول لاعب منتخب ألمانيا السابق تحت 21 عاما، الذي لم يكلف التعاقد معه سندرلاند سوى 750 ألف جنيه إسترليني: «عانيت الكثير من المشكلات مع الإصابات. لذا أنا سعيد جدا كوني في أجواء جديدة بعيدة جدا. سعيد فعلا لمجرد راحة البال. ولطالما مرت فترات لم أكن سعيدا خلالها، وتحديدا في شالكة، لم أشعر بالارتياح».
ويضيف: «نريد جميعا أن نشعر بالارتياح، وهذه أول مرة منذ سنتين ونصف أشعر خلالها فعلا بأنني في حال جيدة. أعتقد أنكم ترون العروض التي أقدمها. لم أنجح منذ وقت طويل في تقديم عدد من العروض الجيدة المتتالية هكذا. يعرف الجميع أنني لاعب جيد لكنني لم أكن قادرا على التعبير عن قدراتي في الملعب. لقد عانيت الكثير من الإصابات في شالكة، كما كانت هنالك الكثير من المشكلات مع طريقة تفكيري. كان وجودي في شالكة هو الفترة السيئة بالنسبة لي، وعندما عدت إلى ميونيخ تعرضت إلى الإصابة وكنت أمر بعملية إعادة تأهيل ليس إلا».
كذلك يمر سندرلاند، الذي تلقى دفعة قوية بوصول لاعبين مؤثرين مثل كيرشوف، وكذلك وهبي الخزري والأمين كونيه في يناير، يمر بعملية تعاف. والشيء الوحيد الذي يبعث على القلق هو أن تحسن الفريق المستمر ربما لا يكون بالسرعة الكافية لإنقاذهم من الهبوط.
يرى كيرشوف فريق ليستر سيتي بقيادة كلاوديو رانييري مرآة لفريق المدرب ألارديس، وإن كان الأول أكثر نجاحا إلى حد بعيد، ويقول: «كنا في وضع يسمح لنا بالفوز بكثير من المباريات مؤخرا، لكننا فقدنا التركيز، وحصلنا على تعادلات. يمر ليستر بكثير من الظروف المشابهة لكنه يواصل الفوز بنتيجة 1-0. وهو شيء لا يمكنك تفسيره».
ويوضح: «يبدو كلا الفريقين وكأنه يلعب بنفس الطريقة. كلانا يحاول السيطرة على وسط الملعب. لا يدافع ليستر من أجل إفساد الهجمات، بل يدافع من أجل الفوز بالكرة وشن الهجوم المضاد. وهذا ما نحاول أن نفعله أيضا. لقد قاموا بنفس الأشياء التي نفعلها طوال الموسم، لكن بشكل أفضل قليلا. إذا نظرت إلى أشخاص مثل داني درينكووتر، هم لاعبون يقدمون أداء غير معقول، لكنك ما كنت لتنتبه إلى وجودهم العام الماضي».
لو يستطيع سندرلاند فقط أن يستعير بعضا من هذا الزخم. سبق وأن لعب كيرشوف بجانب كريستيان فوتشس لاعب ليستر، عندما كان الأخير لاعبا «لا يحظى بالتقدير والاحترام اللذين يستحقهما» في شالكه. ويقول: «عندما تكون في وسط أجواء إيجابية، تتجه الأمور إلى النجاح، ولا يتعين عليك بذل الكثير من الجهد من أجل النجاح. كل شيء يحدث بسلاسة بالغة. وهو شيء غير عادي. يمر ليستر بهذا الوضع حاليا، فهو على ظهر موجة ويقدم كل لاعبيه أداء فوق المتوقع، علينا أن نتعلم منهم كيف ننتزع الفوز من أجل البقاء».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.