وسط وعود أميركية بالتوصل إلى اتفاق بشأن «سد النهضة» الإثيوبي، تتحضّر مصر لـ«سيناريوهات أزمات» للتعامل مع أي تداعيات، وتجنب فيضانات كتلك التي تسببت في غرق بعض الأراضي الزراعية العام الماضي، في حين جددت إثيوبيا رفضها لما تصفها بـ«ادعاءات احتكارية»، في إشارة إلى تمسك القاهرة بحقوقها المائية في نهر النيل.
وأجرت وزارة الموارد المائية والري المصرية «محاكاة» لـ«سيناريوهات مختلفة» للتعامل مع الأزمات والطوارئ المتعلقة بالموارد المائية خلال الموسم الحالي.
وبحسب بيان الوزارة، الاثنين، يهدف الإجراء إلى «تعزيز الجاهزية المؤسسية ورفع كفاءة التعامل مع المواقف الطارئة، بالتنسيق مع الهيئة القومية لإدارة الأزمات والكوارث».
وأكد وزير الري هاني سويلم أن «الاستعداد المسبق والتخطيط العلمي لمواجهة الطوارئ يمثلان إحدى الركائز الأساسية لضمان استدامة وكفاءة إدارة المنظومة المائية»، مشدداً على أهمية «الجاهزية الدائمة لكافة أجهزة الوزارة وقدرتها على التعامل السريع والفعال مع مختلف السيناريوهات المحتملة».
وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة. فبعد أيام من تدشين السد رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة – خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية – ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.
«تأكيد على الجاهزية»
وقال عضو «لجنة الزراعة والري والأمن الغذائي» بمجلس النواب إبراهيم الديب، إن مصر نفذت محاكاة لجميع
السيناريوهات المحتملة لتأثيرات «سد النهضة» خلال الموسم الحالي «تجنباً لما حدث العام الماضي، حيث تسببت الإدارة الإثيوبية المنفردة للسد في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية على ضفاف النيل».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «مصر مستعدة تماماً للسيناريوهات والطوارئ، ولديها منظومة مائية قادرة على مواجهة أي تأثيرات لـ(سد النهضة) خلال الموسم الحالي». واستطرد: «الاستعدادات المصرية ليست مجرد رسالة استعراضية، بل تأكيد على جاهزية البلاد لمختلف السيناريوهات».
وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توتراً متصاعداً بسبب «سد النهضة» الذي شيدته أديس أبابا في عام 2011، وتطالب دولتا المصبّ، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

وجدد وزير الخارجية الإثيوبي، غيديون تيموثيوس، التأكيد على التزام بلاده بالتعايش السلمي، والانخراط البنّاء مع جميع جيرانها، بما في ذلك إريتريا. وأكد بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الإثيوبية، الأحد، رفض بلاده لما وصفها بـ«المقاربات التي تصور التنمية على أنها تهديد»، في إشارة إلى أزمة السد.
ودعا الوزير إلى إنهاء ما أطلق عليها «الادعاءات الاحتكارية والمتجاوزة للواقع التاريخي»، وعدَّ أن «سد النهضة» هو «تجسيد أساسي لحق إثيوبيا في التنمية والاعتماد على الذات».
وشهدت الآونة الأخيرة حراكاً أميركياً بشأن «سد النهضة». وخلال لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع نظيره الأميركي دونالد ترمب على هامش قمة «مجموعة السبع» في فرنسا، الأسبوع الماضي، أكد ترمب أنه سوف يولي ملف «سد النهضة» أولوية قصوى من أجل التوصل لتسوية عادلة. وجدد السيسي تأكيده على «الأهمية القصوى لقضية نهر النيل باعتبارها قضية أمن قومي لمصر».
الوساطة الأميركية
وعدّ مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، أيمن عبد الوهاب، حديث وزير الخارجية الإثيوبي «استمراراً للتعنت»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الخطاب الإثيوبي لم يتغير طوال سنوات؛ إذ يقوم على التعنت واستمرار الإجراءات الأحادية».
وفي رأي عبد الوهاب، فإن «الوساطة الأميركية غير كافية؛ إذ وصلت أزمة (السد) إلى طريق مسدود، ولا يلوح في الأفق أي أمل في محادثات أو مفاوضات خلال المرحلة المقبلة»، مضيفاً: «لا بد لمصر أن تكثف الضغوط السياسية على إثيوبيا».

وخلال استعراضه «سيناريوهات الأزمات»، وجّه وزير الري المصري بمواصلة «تحديث خطط الطوارئ، ورفع جاهزية العناصر البشرية والفنية، والتأكد من توافر قواعد البيانات والمعلومات اللازمة لدعم متخذي القرار أثناء الأزمات، مع الاستفادة من نتائج تدريبات المحاكاة في تطوير منظومة إدارة الأزمات بالوزارة، وتحسين إجراءات الاستجابة والتعامل مع الحالات الطارئة».
ولخّص أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي، خطة الطوارئ المصرية بأنها من أجل «الاستعداد لكل الاحتمالات»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «موسم الأمطار بالهضبة الإثيوبية بدأ في مايو (أيار) الماضي، وهي أمطار خفيفة سوف تبدأ في التزايد إلى أن تصل إلى ذروتها في أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، ثم ينخفض منحى قوتها في أكتوبر (تشرين الأول)».
وبحسب شراقي، فإنه «ترتكز الاستعدادات المصرية على محورين رئيسيين: الأول أن تزيد كمية الوارد من المياه فيتم تصريفها حتى لا يتكرر سيناريو العام الماضي، والثاني أن يقل الوارد من المياه بما يستوجب حساب الاستهلاك واللجوء إلى مزيد من الترشيد».



