يحتدم جدل حاد في موريتانيا بسبب وثيقة سياسية، قدمت على أنها «الدليل المرجعي» للحوار الوطني، وأثارت نقاشات واسعة داخل الطيف السياسي، وكانت محور اجتماعات مطولة أمس الخميس، بعضها استمر حتى فجر الجمعة، وذلك تمهيداً لتنظيم الحوار الذي دعا له الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني قبل عامين.
وكان منسق الحوار الوطني، موسى فال، قد سلم جميع الأطراف السياسية وثيقة تشكل الدليل المرجعي لتنظيم الحوار الوطني، وهي الوثيقة نفسها التي سبق أن رفضتها المعارضة بسبب وجود مقترح تقدمت به أحزاب الأغلبية، يتضمن نقاش مواد دستورية تمنع رئيس الجمهورية من الترشح لأكثر من ولايتين رئاسيتين.

وتسببت نقطة المأموريات الرئاسية في تعليق الجلسات التمهيدية للحوار في مارس (آذار) الماضي، حيث رفضت المعارضة أي نقاش حول المواد الدستورية المحصنة، وخاصة تلك التي تتعلق بعدد المأموريات الرئاسية. وقالت إن جهات في أحزاب الأغلبية الرئاسية تسعى لتعديل الدستور من أجل السماح لولد الغزواني بالترشح لولاية رئاسية عام 2029، وهو الذي يحكم موريتانيا منذ 2019، ويمنعه الدستور الحالي من الترشح للانتخابات المقبلة.
وارتفعت أصوات سياسية خلال الأسبوع الماضي تطالب بترشح ولد الغزواني لولاية رئاسية ثالثة، وتصف المواد الدستورية التي تمنع ذلك بأنها لا تمثل وجهة نظر غالبية الشعب الموريتاني، ويجب أن تخضع للمراجعة والتعديل.
غضب الموالاة
بعد أن تسلمت الوثيقة، اجتمعت منسقية أحزاب الأغلبية الرئاسية، مساء الخميس، لنقاش ما تضمنته من مقترحات وأفكار تتعلق بالمسار التحضيري للحوار، لكن الاجتماع الذي استمر لساعات لم يسفر عن اتخاذ أي موقف من الوثيقة.
وقال حزب الإنصاف الحاكم في بيان صحافي إنه «بعد دراسة الوثيقة ومناقشة مختلف مضامينها، قررت المنسقية رفع الجلسة ومواصلة دراسة الوثيقة، وأبقت اجتماعها مفتوحاً إلى حين استكمال مناقشتها، وصياغة موقفها النهائي بشأنها».
وأضاف المصدر نفسه أن المنسقية «جددت تمسكها بخيار الحوار الوطني»، انسجاماً مع الدعوة التي أطلقها رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، مؤكدةً «استعدادها الكامل لمواصلة الانخراط الإيجابي والمسؤول في هذا المسار، والدخول في حوار جاد وشامل، دون إقصاء لأي طرف أو استبعاد مسبق لأي موضوع».

لكن مصادر إعلامية محلية تحدثت عن «فشل» أطراف المنسقية في التوصل إلى «موقف موحد» من الوثيقة، وسط ما سمته «تبايناً واضحاً في المواقف بشأن الصيغة المقترحة للحوار ومستقبل المشاركة فيه».
وأضافت المصادر ذاتها أن عدداً من أحزاب الأغلبية الرئاسية دعا إلى «رفض الوثيقة»، وهدد بعدم المشاركة في الحوار «إذا تم إلغاء البند المتعلق بالمأموريات الرئاسية من جدول النقاش»، واحتدم النقاش حول الموقف من الوثيقة، وفي النهاية قررت الأحزاب تأجيل الحسم، حتى مساء الأربعاء المقبل.
ارتياح وسط المعارضة
على مستوى المعارضة، عقدت أحزابها أمس اجتماعات على مستوى القطبين الممثلين لها؛ قطب مؤسسة المعارضة الديمقراطية وقطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية، حيث أعرب الطرفان عن مؤشرات إيجابية تجاه الوثيقة، التي تستجيب لعدد من مطالب المعارضة.
وقال مصدر من داخل المعارضة إن أحزابها تتجه للمصادقة على الوثيقة، تمهيداً لبدء جلسات الحوار الوطني، رغم وجود أصوات داخل المعارضة ما تزال تشكك في نيات أحزاب الأغلبية الرئاسية، وتشير هذه الأصوات إلى أن موضوع المأمورية حذف من الوثيقة، لكنه سيناقش داخل الورشات، معتبرة أن ما يجري هو مجرد فخ.
وفي هذا السياق، قال سيدي ولد الكوري، الأمين العام لحزب «إيناد»، والقيادي في قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية: «ناقشنا الوثيقة، وكان الانطباع العام عنها إيجابياً، لكن الموقف الرسمي سيعبر عنه الدكتور محمد ولد مولود، رئيس الائتلاف، بعد التنسيق مع قطب المعارضة الآخر، قطب مؤسسة المعارضة الديمقراطية».
وأضاف ولد الكوري في تصريح صحافي عقب الاجتماع: «الوثيقة كانت مفصلة وعملية أكثر من الوثيقة السابقة، لقد تعرضت لمواضيع الحوار، وتحدثت عن أهداف الحوار وطبيعة المشاركين فيه، كما تجاوزت الإشكال المتعلق بنقاش المؤسسات الدستورية الآجال والمدد والمأموريات».
وكان الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني قد تعهد بتنظيم حوار وطني خلال حملته الانتخابية، التي سبقت رئاسيات 2024، وذلك استجابة لمطالب ظلت ترفعها المعارضة طوال مأموريته الرئاسية الأولى.





