لم تفقد سويسرا الأمل في استضافة محادثات أميركية-إيرانية تُعيد إليها دور المضيف الحيادي الذي أتقنت أداءه لعقود، الذي بدا أنها خسرته لمصلحة باكستان خلال الأشهر الأخيرة. وأصدرت وزارة الخارجية السويسرية بياناً مقتضباً أعلنت فيه تأجيل المفاوضات التي كانت مقررة الجمعة، من دون أن تتحدث عن إلغاء المحادثات بشكل نهائي.
وأضافت أن الترتيبات الأمنية واللوجستية في منتجع بورغنستوك، المشيّد في منطقة جبلية معزولة مطلة على بحيرة لوسيرن، لا تزال قائمة، مما يوحي بأن برن ما زالت تأمل في وصول الوفود خلال الأيام المقبلة لإطلاق المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، بعد بدء سريان مهلة الستين يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم الموقعة ليل الأربعاء.
وفشلت الخطط التي عملت عليها سويسرا منذ مطلع الأسبوع لاستضافة توقيع معاهدة كان يمكن أن تدخل التاريخ بوقف الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإعادة فتح مضيق هرمز، بعدما وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الوثيقة في قصر فرساي التاريخي ليل الأربعاء، من دون أن يُبلَّغ، على ما يبدو، أي طرف مسبقاً.
ومع ذلك، بقي الأمل قائماً لدى سويسرا باستضافة محادثات تطلق مسار التفاوض على اتفاق نهائي بين الطرفين، وفق الأطر التي حددتها المعاهدة. لكن التحولات السياسية كانت أسرع من الاستعدادات السويسرية لاستقبال كبار القادة.

وظلت الشكوك قائمة حول ما سيحدث فعلاً يوم الجمعة في منتجع بورغنستوك، المشيّد على منطقة جبلية معزولة مطلة على بحيرة لوسيرن. وخلال ساعات، تبدلت الصورة مراراً: من مكان لتوقيع معاهدة تاريخية لوقف الحرب، إلى منصة لإطلاق المفاوضات، ثم أخيراً إلى لا شيء.
في البداية، وبعد توقيع ترمب على المعاهدة عن بُعد، بقيت سويسرا تترقب وصول نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي قال الخميس، إنه سيتوجه إلى سويسرا «ربما خلال نهاية الأسبوع».
ورغم أن سويسرا باتت تدرك أن يوم الجمعة لن يكون يوماً يدخلها التاريخ، فإنها ظلت تأمل في وصول وفود، وإن بمستوى أقل، إلى المنتجع. فالتجهيزات الأمنية كانت قائمة هناك منذ الاثنين، حين وصلت مجموعات من «الخارجية الأميركية» وأجهزة الاستخبارات لتأمين الفندق، وفق ما تداولته وسائل إعلام سويسرية.
كما أُلغيت كل حجوزات الضيوف، وأُلغي أيضاً حفل زفاف، وأُغلق الطريق الجبلي الضيق الوحيد المؤدي إلى المنتجع بحواجز أمنية، انتشر عندها رجال أمن لم يسمحوا بالعبور إلا لحاملي بطاقات خاصة. وانتشر قرابة ألفي عنصر من الجيش السويسري في محيط المنطقة للمساعدة في تأمينها.
وحتى الساعات الأولى من صباح الجمعة، ظل الأمل قائماً في انعقاد المحادثات، إلى أن صدر بيان البيت الأبيض معلناً أن فانس لن يتوجه إلى سويسرا «لأسباب تتعلق بالترتيبات اللوجستية».
وقال متحدث باسم البيت الأبيض إن «الخطط الخاصة بالمحادثات الفنية المرتقبة لم تُستكمل بعد، في حين أن الوفد الأميركي مستعد للمغادرة في أقرب فرصة متاحة». وأضاف أن «الجوانب اللوجستية لهذه المفاوضات لم تكن يوماً بسيطة أو قابلة للتنبؤ، وحتى هذه اللحظة لن يغادر نائب الرئيس الليلة».
وأوحى ذلك بأن قرار فانس بشأن الرحلة لم يكن قد حُسم بصورة نهائية حتى اللحظات الأخيرة. وفي الواقع، كان البيت الأبيض قد أبلغ المراسلين المعتمدين لديه، الذين وصل عدد منهم بالفعل إلى سويسرا، بالاستعداد للانتقال مع الفريق الأمني الأميركي إلى منتجع بورغنستوك عند السادسة صباحاً بالتوقيت المحلي.
لكن قبل نحو ساعتين من موعد التجمع، أُبلغ الصحافيون بأن الانتقال إلى المنتجع لم يعد ذا جدوى بعد إلغاء رحلة فانس التي لم تكن مؤكدة بصورة نهائية منذ البداية.
كما زاد وجود المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، في جنيف، وتصريحاته بشأن استعداد الوكالة للمشاركة في المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران، من حالة الترقب، وعزز التوقعات بإمكان إطلاق المحادثات الفنية بمشاركته. وتؤدي الوكالة دوراً محورياً في مراقبة مخزون إيران من اليورانيوم المخصب وغيرها من الملفات النووية التقنية التي تشكل جزءاً أساسياً من أي اتفاق محتمل.
وفي خضم هذه الفوضى، برز أول مؤشرات التعثر عندما أعلنت إسلام آباد، الوسيط الرئيسي في هذه المحادثات، إلغاء زيارة رئيس الوزراء شهباز شريف الذي كان يعتزم التوجه إلى منتجع بورغنستوك الجمعة. وأعلنت باكستان أنها سترسل بدلاً منه وفداً برئاسة مسؤول في وزارة الخارجية.
ولفت الانتباه، وسط هذه التطورات المتسارعة، الصمت الرسمي الإيراني حيال مسألة مشاركة الوفد الإيراني في سويسرا من عدمها، رغم أن طهران كانت قد أرسلت إشارات تفيد بأنها لن تشارك ما دامت الخروقات الإسرائيلية مستمرة في لبنان. كما زادت رسالة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي من الغموض المحيط بالمفاوضات، خصوصاً مع إشارته إلى وجود انتقادات داخلية من شرائح واسعة من الإيرانيين للاتفاق مع الولايات المتحدة.
وفي جميع الأحوال، لا تزال سويسرا على استعداد لاستقبال وفود رفيعة المستوى، وتأمل في انعقاد المحادثات. فهي لم تخفف الإجراءات الأمنية المفروضة حول المنتجع، كما أنها لم تعلن سوى تأجيل محادثات الجمعة، من دون التخلي عن استضافة الجولة التفاوضية في موعد لاحق.


