«مع تكرار أعطال عداد الكهرباء مسبق الدفع، أعتقد أننا أصبحنا من أكثر الأسر المصرية تضرراً منه»... كلمات قالتها مروة أشرف، الموظفة الحكومية، التي تقطن محافظة المنوفية (دلتا النيل)، مبينة أنه على مدار 6 سنوات تعددت أوجه معاناتهم من أعطال العداد والكارت، والتي أرجعها مسؤولو الكهرباء في كل مرة إلى أسباب فنية وتشغيلية.
وتضيف مروة أشرف لـ«الشرق الأوسط»: «بين تعطل مفاجئ تطلّب تغيير العداد مرتين، ومثله الكارت نظراً لتلفه دون سبب، مروراً برسوم واستحقاقات وغرامات، وصولاً إلى حمل همّ الوقوف بطابور شحن الكارت بشركة الكهرباء، يمكن تلخيص رحلة أسرتنا مع العداد (أبو كارت)».
مع نهاية عام 2014، أعلنت وزارة الكهرباء المصرية عن خطة للتحول من العدادات التقليدية إلى العدادات الذكية التي تعمل بنظام الكارت المدفوع مقدماً، في إطار مواكبة التطور التكنولوجي وتحسين كفاءة إدارة الاستهلاك. وفي عام 2020، كان قد تم «تركيب أكثر من 9 ملايين عداد مسبق الدفع على الشبكة القومية للكهرباء، مع استهداف تركيب نحو مليوني عداد سنوياً»، وفق تصريحات لوزير الكهرباء والطاقة المتجددة السابق، محمد شاكر.
ومع التأكيدات السابقة لوزارة الكهرباء بأن هذا التوسع والتحول الرقمي قد سهّل على المواطنين الحصول على الخدمات وإنجاز معاملاتهم بسرعة وكفاءة، أعلنت الوزارة، قبل أيام، أنها تلقت منذ بداية العام الحالي أكثر من مليونين ونصف المليون طلب وشكوى عبر المنظومة الإلكترونية للشكاوى وخدمات المواطنين. وشملت هذه الطلبات والبلاغات خدمات شحن العدادات مسبقة الدفع، وتركيب العدادات، والفحص، وتسجيل البيانات والقراءات.

وتعكس المنصات التابعة لوزارة الكهرباء حجم الإزعاج الذي تسببه تجربة «عداد الكارت» لشريحة واسعة من المواطنين، في ظل تكرار الشكاوى المتعلقة بسرعة نفاد الرصيد، إلى جانب أعطال فنية مرتبطة بالتشغيل أو الشحن، ومشكلات تتعلق بمديونيات العدادات وخصم مبالغ مالية من الرصيد، فضلاً عن حالات فصل التيار الكهربائي رغم وجود رصيد بالكارت، وإشكاليات الانتقال بين شرائح الاستهلاك.
مصدر توتر
وتعود الموظفة الأربعينية للحديث، مُبينة أن عداد الكهرباء أصبح مصدراً للتوتر اليومي وتعكير المزاج، وأصبحت «صافرة الإنذار» الخاصة به بالنسبة لها ولزوجها بمنزلة «فوبيا»، دفعتهما لمراقبة العداد ورصيد الكارت بشكل دائم، خوفاً من تعطله مجدداً أو نفاد الرصيد.
وما يواجهه مستخدمون آخرون من ثنائية العداد والكارت تعكسه صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي تحمل أبعاداً اقتصادية؛ حيث يتساءل المستخدمون فيما بينهم عن قيمة الشحن؛ حيث ذكر أحدهم أنه يستهلك 100 جنيه كل 3 أيام (الدولار يساوي نحو 50 جنيهاً مصرياً)، ما دفع البعض للإشارة إلى أن «الإنفاق على العداد فاق الإنفاق على احتياجات الأسرة الأساسية».
ويوضح الخبير الاقتصادي، عادل عامر، أن اعتماد تقنية العداد الذكي منذ عام 2014 لم يكن مجرد خيار تكنولوجي، بل ضرورة لتقنين التداعيات التي خلّفها التوسع في توصيل التيار الكهربائي بطرق غير قانونية خلال فترة الانفلات الأمني بعد عام 2011، ويلفت إلى أن الدولة سعت من خلال هذه العدادات إلى استرداد جزء من التكاليف المهدرة في تلك الفترة.

ويشير عامر إلى أن متوسط إنفاق الأسرة المصرية على خدمات الطاقة الأساسية (الكهرباء، الغاز، والمياه) يتراوح ما بين 7 و10 في المائة من إجمالي دخلها الشهري، عادّاً أن هذه النسبة تعكس التحدي الذي تواجهه الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل في التوفيق بين ترشيد استهلاك الموارد ومتطلبات المعيشة الأساسية.
وتحمل الشكاوى كذلك أبعاداً اجتماعية ونفسية، إذ تحول العداد من أداة تقنية إلى مصدر للتوتر؛ حيث أصيب المستخدمون بهاجس مراقبة العداد بشكل دائم خوفاً من انقطاع الخدمة، في حين امتد الأمر إلى إشارة البعض إلى أن نفاد الرصيد يتسبب في نشوب مشاحنات وخلافات أسرية، ما يحول لحظة الشحن إلى «رحلة كفاح يومية»، حسب وصفهم.
الخبيرة النفسية والاجتماعية، داليا الحزاوي، قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنه منذ استبدال عداد الكهرباء الذكي بالعداد التقليدي أصبح بعض المواطنين يواجهون عدداً من المشكلات التي تسبب لهم حالة مستمرة من التوتر؛ حيث بات عداد الكارت مصدر ضغط نفسي، وعلى الرغم من أن الخطط الحكومية تنظر إلى التحديث بوصفه ضرورة تقنية، تظل هناك تبعات اجتماعية واقتصادية لهذا التحول الذي يمس العصب اليومي لكل أسرة مصرية.
تعقيدات تقنية
وترى داليا الحزاوي أنه «في الوقت الذي تُروج فيه الحكومة لهذا التحول بوصفه خطوة نحو رقمنة الخدمات، فإن المواطن يجد نفسه في مواجهة تعقيدات تقنية وخصومات مالية تُثير قلقه، فبدلاً من أن يكون العداد الحديث وسيلة لتسهيل إدارة استهلاك الكهرباء، تحوّل إلى مصدر تخوف من أن ينفد الرصيد بشكل مفاجئ، ما جعل شحن العداد من الأمور التي تشغل تفكيره باستمرار، كما يُمثل عبئاً في أحيان أخرى لكون أعطاله تُجبر الفرد على أن يستقطع من وقته للذهاب إلى الشركة المسؤولة لحل تلك الأعطال».

وتمتد الشكاوى كذلك لتبيّن «الارتباك الرقمي» لدى كثيرين، الذين يلجأون إلى منصات التواصل بحثاً عن تفسيرات لصفارات الإنذار والإشارات الضوئية بالعداد، أو كيفية التعامل مع أرقام شاشات العدادات، وتطبيقات الدفع.
ومع تباين الشكاوى، تحولت المنصات الاجتماعية إلى فضاء تفاعلي واسع بين المستخدمين لتبادل الخبرات والتعبير عن معاناتهم اليومية مع «العداد والكارت». وتبرز منصة «تيك توك» في هذا السياق، إذ باتت تضم محتوى تعليمياً يشرح كيفية قراءة شاشات العداد، وضبط التاريخ والوقت، وفهم نظام الشرائح، إلى جانب محتوى آخر يلجأ إليه البعض للتخفيف من حدة التجربة عبر السخرية من «عداد الكهرباء». وهو الارتباك الذي يرجعه عامر إلى «التحديات التقنية التي تواجه منظومة العدادات مسبقة الدفع، والتي تعود بالأساس إلى فجوة تكنولوجية، ومحدودية كفاءة البنية التحتية»، وفق تعبيره.









