قال المخرج البريطاني لايل ليندجرين إن الشغف الكبير بموسيقى وثقافة «الهيب هوب» منذ طفولته كان المحرك الأساسي وراء خروج فيلمه الوثائقي الجديد «فم مليء بالذهب» إلى النور، بعد رحلة عمل شاقة امتدت لأكثر من عشر سنوات، موضحاً أن فكرة الفيلم بدأت تتبلور عندما التقى مع إيدي بلين، واكتشف حكايته بوصفه أحد أكثر أيقونات الموضة ابتكاراً والمنسيين في التاريخ، وهو أحد رواد الأعمال الذين لعبوا دوراً في هذه الموضة لسنوات.
وأضاف في مقابلة عبر تطبيق «زووم» مع «الشرق الأوسط» أن غياب هذه القصص وتحولها لمجرد حكايات شفهية في صالونات الحلاقة كان دافعاً لتوثيقها سينمائياً، خاصة بعدما اكتشف قائمة زبائن إيدي التي تضم ملوك الهيب هوب وتجار المخادع المليونيرات ورجال العصابات، مشيراً إلى أن إنتاج الفيلم واجه تحديات بالغة وضعت المشروع في جحيم التطوير لعدة سنوات نتيجة غياب الفهم الواضح للفكرة من قبل شبكات التلفزيون وشركات الإنتاج الكبرى، مما أدى إلى تعطل خطط التصوير لفترات طويلة.

وأشار المخرج الشاب إلى أن هذا التعثر دفعه لتحويل الأبحاث والمواد إلى كتاب مصور ضخم خلال فترة جائحة كورونا، معتبراً أن هذا الكتاب كان بمثابة طوق النجاة للمشروع، حيث نجح في جذب الشريك التجاري الأول للفيلم وهو شركة ملابس رياضية عالمية شهيرة قررت تقديم منحة مالية صغيرة، مكنت فريق العمل لاحقاً من البدء في تصوير المقابلات الرئيسية والأساسية مع الشخصيات ومواصلة العمل المستقل بميزانية ضئيلة جداً.
وتدور أحداث الفيلم الوثائقي، الذي عرض للمرة الأولى في مهرجان «ترايبكيا السينمائي» في نيويورك بدورته الماضية، بقلب الأحياء الشعبية ببروكلين في مدينة نيويورك ثم تتسع لتشمل مدناً أخرى، مستعرضاً السيرة المهنية والشخصية الكاملة لإيدي بلين وأخيه أورلاندو، ويرصد الفيلم كيف تطورت جماليات زينة الأسنان الذهبية والماسية بالتزامن مع تطور موسيقى الهيب هوب في البلاد.
وأكد المخرج الشاب أنه فَضّل الاضطلاع بعملية مونتاج الفيلم وصياغة هيكله البصري والدرامي بنفسه، لضمان الحفاظ الكامل على الهوية البصرية الصادقة والعمق الثقافي الحقيقي للقصة دون أي تغيير، مشيراً إلى أن «استغراقه لسنوات في البحث الميداني وإشرافه على صناعة الكتاب جعلاه الشخص الأكثر إلماماً وفهماً بالروابط الدقيقة التي تجمع بين حركة الشارع وتأثير جماعات الشوارع على تطور هذه الصناعة».
وأكد المخرج أن محدودية ميزانية الإنتاج فرضت أسلوباً صارماً في انتقاء المشاهد وتصويرها بدقة، حيث كان يتعين معرفة توظيف كل لقطة داخل السياق الدرامي للفيلم قبل تصويرها، مما قلل من وجود أي مواد فائضة وجعل كل ثانية تظهر على الشاشة ذات قيمة مدروسة.

ولفت إلى أن عملية اختيار الشخصيات اعتمدت كلياً على الارتباط الحقيقي والمباشر بمجال زينة الأسنان، حيث شارك في العمل أسماء بارزة عاصرت تلك الحقبة وثقتها الملفات الصحافية للفيلم، لافتاً إلى أن هوسه الشخصي بزينة الأسنان الذهبية بدأ منذ أن كان طفلاً في السابعة من عمره، عندما حصل على نسخة من ألبوم فرقة موسيقية شهيرة وظل يحدق طويلاً في غلافه مأخوذاً بالأسنان الذهبية لبطل العمل وهو شغف رافقه حتى مرحلة الشباب عندما بدأ يشتري هذه القطع بنفسه، إلى أن التقى بـ«إيدي» في قبو منزل والديه ببروكلين واكتشف أنه المخترع الحقيقي لهذا الفن المستقل.
وأوضح أن بطل الفيلم كان يمتلك وعياً كبيراً بنشاطه مما جعله يحتفظ بأرشيف فوتوغرافي نادر وتسجيلات قديمة، لافتاً إلى أن فريق العمل واجه نقصاً حاداً في توثيق بعض القصص التاريخية المعينة، وهو ما دفعهم إلى اتخاذ خيار فني متميز عبر تصوير مشاهد درامية تمثيلية منضبطة تعيد تجسيد تلك الأحداث القديمة وتمنح المشاهد معايشة بصرية كاملة.
وعن مشاركته في مهرجان «ترايبكيا»، أعرب لايل ليندجرين عن سعادته الكبيرة بقبول الفيلم في المهرجان، مؤكداً أنه اعتاد طوال سنوات العمل على تلقي الرفض أكثر من القبول، لذلك كانت رسالة القبول بمثابة لحظة استثنائية بالنسبة له، خصوصاً أن عرض الفيلم عالمياً حدث بالمدينة التي شهدت انطلاقة لبطل الفيلم، وهو ما اعتبره حلماً تحقق لفريق العمل بالكامل.

وشدد ليندجرين على أن فيلم «فم مليء بالذهب» يمتلك كل العناصر الدرامية والفنية اللازمة لجذب والتقاط انتباه الجمهور العريض حول العالم، لكونه لا يقتصر على الموسيقى بل يمتد ليشمل أبعاداً إنسانية أعمق، لافتاً إلى أن الحبكة الفنية للمشروع تفيض بقصص مثيرة للغاية مبنية على المخاطر الكبيرة التي خاضها الأخوان بلين، وتتقاطع فيها قيم ومفاهيم متنوعة مثل الثراء، والإفراط، والجريمة، والروابط العائلية، والسرقة، وأيقونات الموضة.
وكشف المخرج البريطاني عن مشروعه المقبل، موضحاً أنه سيبتعد مؤقتاً عن الأفلام الوثائقية ليتجه إلى فيلم روائي طويل تدور أحداثه خلال دورة الألعاب الأولمبية في أتلانتا عام 1996 وهو عمل ينتمي إلى أفلام الجريمة، لكنه سيحمل إشارات خفيفة إلى ثقافة الأسنان الذهبية التي تناولها في فيلمه الحالي، وبدأ بالفعل البحث عن التمويل اللازم لإطلاق المشروع.
وأوضح ليندجرين أنه رغم جنسيته البريطانية وولادته في جنوب لندن فإن شغفه بالثقافة الأميركية وبالهيب هوب رافقه منذ سنوات طويلة، لافتاً إلى أن أعماله الفنية تأثرت كثيراً بالسينما الأميركية إلى جانب تأثره بالسينما الفرنسية واليابانية، وهو ما انعكس على رؤيته الإخراجية.


