شنايدر لـ«الشرق الأوسط»: مأرب تقدم نموذجاً مثالياً للتعاون الدولي في اليمن

السفير الألماني أكد أن القبائل ثروة وطنية وستؤدي دوراً محورياً في مسار السلام

السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)
السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)
TT

شنايدر لـ«الشرق الأوسط»: مأرب تقدم نموذجاً مثالياً للتعاون الدولي في اليمن

السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)
السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)

​قبل أن يغادر مأرب بساعات، كان السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر يستعيد مشاهد أيام قليلة أمضاها في المحافظة التي يزورها للمرة الأولى، بين مخيمات النازحين، ومواقع المشاريع الإنسانية، ولقاءات المسؤولين ومشايخ القبائل، وبدا أن شيئاً واحداً ظل يرافقه في كل محطة: الابتسامة.

السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)

في محافظة استقبلت ملايين النازحين، ووقفت سنوات على خط المواجهة الأول مع الحرب، وجد الدبلوماسي الألماني صورة مختلفة عما قد توحي به عناوين الصراع والأزمات الإنسانية؛ صورة تختلط فيها التحديات القاسية بروح من التفاؤل والإصرار على الحياة.

داخل فندق «بلقيس» ذي الطراز السبئي، الذي شُيِّد في ثمانينيات القرن الماضي وسط مدينة مأرب، وقبيل مغادرته المحافظة، تحدث شنايدر لـ«الشرق الأوسط» عن زيارة حملت في ظاهرها طابعاً إنسانياً وتنموياً، ولكنها كشفت له أيضاً جانباً سياسياً واجتماعياً يراه مهماً في مستقبل اليمن.

يقول السفير الألماني إن زيارته جاءت للتعبير عن التضامن مع أبناء مأرب ومع اليمنيين عموماً، في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، موضحاً أن الوفد الألماني حرص على زيارة عدد من المشاريع الإنسانية ومخيمات النازحين واللاجئين، للاطلاع مباشرة على احتياجات السكان وتقييم أثر البرامج المدعومة من ألمانيا وشركائها الدوليين.

لكن ما لفت انتباهه أكثر من أي شيء آخر -حسب قوله- كان طبيعة العلاقة التي نشأت في مأرب بين السلطات المحلية والمنظمات الدولية والوكالات الأممية.

ويضيف: «رأينا نموذجاً إيجابياً للتعاون بين الحكومة اليمنية والدول المانحة، والأهم من ذلك التعاون الوثيق بين السلطات المحلية في المحافظة والوكالات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة».

ومن وجهة نظره، لا تكمن أهمية هذه التجربة في حجم المشاريع المنفذة فحسب؛ بل في قدرتها على خلق شراكة حقيقية بين مختلف الأطراف العاملة على الأرض، وهو ما جعل مأرب -حسب وصفه- نموذجاً يمكن الاستفادة منه في مناطق أخرى.

ويتابع: «هذه الشراكة تمثل نقطة بالغة الأهمية، وقد لمسنا أن تجربة مأرب تشكل نموذجاً ناجحاً يمكن الاقتداء به من قبل جميع الأطراف المنخرطة في العمل الإنساني والتنموي».

شنايدر خلال زيارته لمعبد برَّان الأثري بمحافظة مأرب (السفارة الألمانية)

وعلى امتداد سنوات الحرب، تحولت مأرب إلى أكبر مركز لاستقبال النازحين في اليمن؛ حيث استوعبت موجات متتالية من الأسر الفارة من مناطق القتال. ويرى شنايدر أن الطريقة التي تعامل بها أبناء المحافظة مع هذا الواقع تمثل إحدى أبرز قصص النجاح اليمنية خلال سنوات الصراع.

ويقول: «استقبلت مأرب أعداداً كبيرة من النازحين من مختلف أنحاء اليمن، كما استقبلت لاجئين من دول أخرى، وهذا يعكس كرم أهلها وروحهم الإنسانية. شاهدنا نماذج إيجابية للغاية في كيفية التعامل مع هذه التحديات».

وخلال الزيارة، التقى الوفد الألماني عدداً من النازحين واستمع إلى رواياتهم واحتياجاتهم، كما عقد لقاءات مع ممثلي الأمم المتحدة والسلطات المحلية، وهو ما عزز قناعة السفير بأن التنسيق والتواصل المستمر بين مختلف الأطراف يظل العامل الأكثر أهمية في مواجهة التحديات الإنسانية المعقدة.

غير أن أكثر محطات الزيارة خصوصية ربما كانت اللقاء مع مشايخ القبائل في مأرب، ففي بلد غالباً ما تُقرأ القبيلة من زاوية أمنية أو تقليدية، خرج شنايدر بانطباع مختلف؛ إذ رأى في القبائل اليمنية شبكة اجتماعية واسعة تلعب دوراً يتجاوز الأعراف المحلية إلى الإسهام في الحفاظ على تماسك المجتمع والاستقرار، ومستقبل البلاد كلها.

ويقول: «كان الجلوس مع مشايخ القبائل تجربة مهمة للغاية، لمست أنهم لا يؤدون دوراً اجتماعياً فقط؛ بل يمتلكون أيضاً وعياً سياسياً واضحاً بالتحديات التي تواجه اليمن».

ويضيف أن النقاشات التي دارت خلال اللقاء كشفت عن رؤى وأفكار مهمة بشأن مستقبل البلاد، مؤكداً أن القبائل ستكون طرفاً أساسياً في أي عملية سياسية جادة تسعى إلى تحقيق السلام.

ويتابع: «أعتقد أن القبائل ستؤدي دوراً محورياً في أي مسار يقود إلى السلام في اليمن. خرجت من هذه الزيارة بقناعة راسخة بأنها تمثل ثروة وطنية حقيقية، وعنصراً مهماً يمكن البناء عليه لتعزيز الاستقرار».

وبين الرسائل السياسية والإنسانية، ظل الانطباع الشخصي الأكثر حضوراً لدى السفير الألماني مرتبطاً بأهالي مأرب أنفسهم، فعلى الرغم من سنوات الحرب والضغوط الاقتصادية وأعباء النزوح، يقول إنه وجد في كل مكان روحاً متفائلة ونظرة إيجابية إلى المستقبل.

ويضيف: «رأيت في كل مكان بمأرب ابتسامة رغم الظروف الصعبة التي يعيشها السكان. هذه الروح المتفائلة وحفاوة الاستقبال جعلتا من الزيارة تجربة مهمة جداً بالنسبة لي».

ويؤكد أنه سيحمل هذه الصورة معه إلى أولاده وعائلته، وإلى وزارته في برلين، وشركائه في الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية؛ لأن ما شاهده في مأرب -حسب تعبيره- يقدم درساً مهماً في القدرة على الصمود وتجاوز الأزمات.

في نهاية المقابلة، طلبت من السفير تلخيص مأرب في ثلاث كلمات فقط. لم يتردد كثيراً قبل أن يبتسم ويجيب: «الابتسامة... والقهوة... والترحيب».

ثلاث كلمات بدت كأنها تختصر مدينة تقف على تخوم الحرب، ولكنها لا تزال تصر على استقبال ضيوفها بابتسامة، وتقديم القهوة، والإيمان بأن مستقبل اليمن يمكن أن يكون أفضل.


مقالات ذات صلة

خريجو الجامعات اليمنية بمناطق الحوثيين في قبضة البطالة

العالم العربي المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

خريجو الجامعات اليمنية بمناطق الحوثيين في قبضة البطالة

تتسع أزمة البطالة بين خريجي الجامعات والمعاهد بمناطق سيطرة الحوثيين مع تراجع فرص العمل وتدهور الاقتصاد ما يدفع كثيرين إلى الهجرة أو العمل بمهن لا تناسب مؤهلاتهم

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)

اتهامات للحوثيين بتوزيع أغذية فاسدة

تصاعدت الاتهامات للحوثيين بتوزيع مساعدات غذائية تالفة على أسر فقيرة ونازحين بمناطق سيطرتهم، وسط تحذيرات من مخاطر صحية وتفاقم الأزمة الإنسانية...

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)

هيئة بحرية بريطانية: بلاغ عن هجوم على ناقلة جنوب شرقي عدن اليمنية

قالت هيئة ​عمليات التجارة البحرية البريطانية اليوم الاثنين إن ‌زورقا ‌صغيرا ​اقترب ‌من ⁠ناقلة ​نفط وأطلق النار ⁠عليها على بعد 111 ميلا ⁠بحريا ‌جنوب شرقي ‌عدن.​

«الشرق الأوسط» ( عدن )
بروفايل سلطان العرادة... حارس الجمهورية الأخير (سبأ)

بروفايل سلطان العرادة... حارس الجمهورية الأخير

يرتبط اسم سلطان العرادة لدى مؤيديه بلقب «حارس الجمهورية الأخير»، فيما يعلّق هو على ذلك بالقول: «حراس الجمهورية الحقيقيون هم أبناء الوطن جميعاً من الشرفاء».

عبد الهادي حبتور (مأرب)
خاص أكد اللواء سلطان العرادة أن السعودية جنّبت اليمن حرباً أهلية جديدة (الشرق الأوسط) p-circle 01:33

خاص العرادة لـ«الشرق الأوسط»: السعودية جنّبت اليمن حرباً أهلية جديدة

قال اللواء سلطان العرادة، عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ مأرب، إن السعودية جنّبت اليمن وحمته من الانزلاق إلى حرب أهلية جديدة.

عبد الهادي حبتور (مأرب)

«حزب الله»: إيران تعهدت بالسعي لانسحاب إسرائيل من لبنان في المفاوضات مع أميركا

دبابة إسرائيلية تظهر في مزرعة بالقرب من الحدود الإسرائيلية اللبنانية (رويترز)
دبابة إسرائيلية تظهر في مزرعة بالقرب من الحدود الإسرائيلية اللبنانية (رويترز)
TT

«حزب الله»: إيران تعهدت بالسعي لانسحاب إسرائيل من لبنان في المفاوضات مع أميركا

دبابة إسرائيلية تظهر في مزرعة بالقرب من الحدود الإسرائيلية اللبنانية (رويترز)
دبابة إسرائيلية تظهر في مزرعة بالقرب من الحدود الإسرائيلية اللبنانية (رويترز)

كشفت العلاقات الإعلامية في ​«حزب الله» لوكالة «رويترز»، اليوم الثلاثاء، أن الجماعة تلقت تأكيدات من حليفتها إيران بأنها ‌ستطالب بانسحاب ‌القوات ​الإسرائيلية ‌من ⁠لبنان ​في المرحلة المقبلة ⁠من المفاوضات مع الولايات المتحدة.

وأشارت الجماعة إلى أن الانسحاب ⁠سيكون نتيجة ‌لاستمرار المفاوضات ‌بين طهران ​وواشنطن، ‌وليس شرطاً ‌مسبقاً، وذلك عقب توقيع مذكرة تفاهم بين البلدين يوم ‌الجمعة.

وقالت لـ«رويترز» إنه لن يكون ⁠هناك ⁠اتفاق نووي بين إيران والولايات المتحدة ما لم تنسحب القوات الإسرائيلية من لبنان.

ووجّه الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم اليوم رسالة شكر إلى رئيس مجلس الشورى الإيراني محمّد باقر قاليباف، منوهاً بدعم إيران في «كفّ يد العدوان الإسرائيلي الأميركي» عن لبنان، غداة توصّل طهران وواشنطن إلى اتفاق لإنهاء الحرب بينهما يشمل لبنان.

وقال قاسم في الرسالة الموجهة إلى كبير المفاوضين الإيرانيين: «تعجز الكلمات عن تعبيرنا بالشكر الكبير للمواقف القوية والداعمة للبنان وشعبه ومقاومته لإلزام الكيان الإسرائيلي بالوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما فيها لبنان، ربطاً بوقف الحرب على إيران... كبند أول وأساس للاتفاق بين إيران وأميركا».


العودة المؤجلة... لماذا عاد اللبنانيون نهاراً إلى الجنوب وغادروه ليلاً؟

طوابير من السيارات على أوتوستراد الرميلة جنوب بيروت مع بدء عودة نازحين لبنانيين إلى قراهم في جنوب لبنان (إ.ب.أ)
طوابير من السيارات على أوتوستراد الرميلة جنوب بيروت مع بدء عودة نازحين لبنانيين إلى قراهم في جنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

العودة المؤجلة... لماذا عاد اللبنانيون نهاراً إلى الجنوب وغادروه ليلاً؟

طوابير من السيارات على أوتوستراد الرميلة جنوب بيروت مع بدء عودة نازحين لبنانيين إلى قراهم في جنوب لبنان (إ.ب.أ)
طوابير من السيارات على أوتوستراد الرميلة جنوب بيروت مع بدء عودة نازحين لبنانيين إلى قراهم في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

«عاد اللبنانيون نهاراً» إلى جنوب لبنان في اليوم الأول لدخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، و«غادروا ليلاً». هكذا اختصر كثير من أبناء الجنوب مشهد اليوم الأول بعد الإعلان عن وقف العمليات العسكرية. فبدلاً من العودة النهائية التي انتظروها لأشهر، تحولت الرحلة إلى زيارة مؤقتة لتفقد المنازل وجمع بعض الأغراض والاطمئنان إلى ما تبقى من الممتلكات. وبين دمار واسع، وخدمات شبه معدومة، وخوف لم يتبدد بالكامل، وجد كثيرون أنفسهم مضطرين إلى مغادرة قراهم مجدداً مع حلول المساء.

وكشفت شهادات من مدينة النبطية وقرى كفررمان ورومين والبازورية في جنوب لبنان أن العائق أمام العودة لم يعد أمنياً فقط، بل أصبح أيضاً معيشياً ونفسياً.

النبطية... الناس يأتون ثم يغادرون

يقول داهج إسماعيل لـ«الشرق الأوسط» إن «الحركة التي شهدتها النبطية بقيت محدودة رغم رغبة كثير من الأهالي في العودة». ويضيف: «كان الناس يفكرون بالعودة لكنهم صدموا بالواقع، حيث إن حركة الناس يوم الاثنين كانت أفضل من الثلاثاء، بسبب استمرار الغارات والمسيّرات والقصف طوال الليل، ما جعل كثيرين يتراجعون عن قرار العودة».

ويؤكد أن العامل الأمني كان السبب الأول لتراجع موجة العودة، مشيراً إلى أن «القصف الذي استمر على النبطية الفوقا وكفررمان وكفرتبنيت ومحيط زوطر وميفدون دفع كثيرين إلى تأجيل قرار البقاء والاكتفاء بزيارة قصيرة للمنازل قبل المغادرة مجدداً».

ويرى إسماعيل أن المشكلة لا تتوقف عند الجانب الأمني، قائلاً: «النبطية اليوم فيها دمار كبير. لا كهرباء ولا مياه ولا حياة. المحال التجارية متضررة، والناس لا يعرفون إذا كان من المنطقي أن تدفع أموالاً لإعادة الترميم ثم تضطر إلى المغادرة مجدداً إذا تدهور الوضع».

وخلال جولة أجراها في المدينة، يصف المشهد بأنه «محزن جداً»، مضيفاً: «في السوق والأحياء السكنية آثار الدمار في كل مكان. من يستطيع البقاء هم الذين يملكون بدائل خاصة، أما الغالبية فتأتي لتتفقد منازلها ثم تغادر. لا توجد مقومات فعلية للحياة».

رجل يتفقد موقع غارة إسرائيلية في بلدة كفرصير جنوب لبنان (رويترز)

كفررمان... صدمة العودة إلى مكان لا يشبه الذاكرة

أما رنا غنوي، وهي من سكان بلدة كفررمان، فتقول إن الصدمة بدأت منذ الطريق المؤدية إلى البلدة. وتروي لـ«الشرق الأوسط»: «منذ اللحظة التي دخلنا فيها من جهة الزهراني كان الدمار هائلاً. لم أتوقع في حياتي أن أرى المنطقة بهذا الشكل. صرنا نحاول أن نتذكر أين كانت الصيدلية وأين كان المركز التجاري. كثير من المعالم اختفى بالكامل».

وتضيف: «شعرت بأننا نسير في مكان لا نعرفه. هناك أحياء كاملة تبدلت، وأعمدة كهرباء مرمية على الأرض، وكل شيء ما زال يحمل آثار الحرب».

لكن الزيارة لم تستمر طويلاً. وتقول: «ما إن وصلت حتى بدأ القصف المدفعي مجدداً. خفت كثيراً وقلت لزوجي إنني أريد المغادرة فوراً». وتتابع: «وضعت بسرعة بعض الملابس الصيفية لي وللأولاد، وحملت بعض حاجياتهم الضرورية وغادرنا. فخرجنا على وقع القذائف».

وترى غنوي أن المشكلة لا تتعلق بالقصف فقط، موضحة: «حتى لو توقف القصف بالكامل، فلا توجد كهرباء ولا مياه ولا خدمات. ماذا يفيد أن يكون البيت قائماً إذا كانت الحياة نفسها غير موجودة؟». وتضيف: «إحدى جاراتي أمضت الليل في كفررمان، واتصلت بي صباحاً لتخبرني أن أولادها لم يناموا من شدة الخوف بسبب الأصوات».

رومين... الحرب أصابت الذاكرة

في بلدة رومين بإقليم التفاح، يروي عبد مكي جانباً مختلفاً من تجربة العودة، يتمثل في الصدمة النفسية الناتجة عن تبدل المكان الذي عاش فيه سنوات طويلة.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «المشكلة ليست أمنية فقط. المكان بالنسبة للإنسان ليس حجارة، بل هو ذاكرة وأمان وراحة نفسية. عندما تعود إليه وتراه محطماً تشعر بأن شيئاً في داخلك تحطم أيضاً».

زار مكي منزله في رومين صباحاً لتفقده ثم غادر بعد ساعات قليلة. ويقول إن «قراره بمغادرة رومين بعد ساعات من الوصول لم يكن مرتبطاً بالدمار فقط، بل أيضاً باستمرار حالة عدم اليقين الأمني». كما يقول: «قد يكون الوضع أفضل من السابق، لكن لا أحد يستطيع أن يقول إن الأمور استقرت نهائياً. ما زال هناك قصف في مناطق قريبة، من حبل الرفيع إلى جبل صافي ومحيط الريحان، وهذا يجعل الناس يترددون في اتخاذ قرار العودة الدائمة».

ويرى مكي أن كثيراً من الأهالي يتعاملون اليوم بالعقلية نفسها، موضحاً: «الناس لا ينظرون فقط إلى الوضع الحالي، بل إلى ما قد يحدث بعد يوم أو أسبوع. لذلك تجد كثيرين يزورون منازلهم ويتفقدونها ثم يغادرون مجدداً بانتظار أن يقتنعوا بأن الاستقرار أصبح فعلياً وليس مؤقتاً».

نازحة تحمل صورة الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بينما تجلس فوق شاحنة صغيرة مع أقاربها خلال عودتهم إلى منازلهم في جنوب لبنان (رويترز)

أستطيع البقاء لأن لدي طاقة شمسية وبئر مياه

في البازورية بقضاء صور، تبدو صورة العودة مختلفة بعض الشيء. قرر إياد سرور البقاء في منزله رغم الأضرار التي لحقت به، لكنه يؤكد أن ذلك لم يكن ممكناً لولا اعتماده على موارده الخاصة.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «أتمكن من البقاء حالياً لأن لدي طاقة شمسية وبئر مياه، لكن غالبية الأهالي لا يملكون هذه البدائل، ولذلك لا يستطيعون العودة أو الاستقرار في منازلهم». ويضيف: «يمكن القول إن الناس عادوا ولم يعودوا في الوقت نفسه. كثيرون قصدوا منازلهم لتفقدها ثم غادروها مجدداً، إما بسبب استمرار حالة الترقب الأمني، وإما بسبب غياب مقومات الحياة الأساسية».

ويوضح أن الخدمات لا تزال بعيدة عن مستواها الطبيعي، قائلاً: «حتى الآن لم تعد الخدمات إلى طبيعتها. لا تزال هناك مشكلات في الكهرباء والمياه، كما أن الوضع يختلف من حي إلى آخر».

ويلفت إلى أن منزله تضرر جزئياً جراء الحرب، فيما تعرض منزل العائلة لأضرار أكبر، مضيفاً: «رغم ذلك قررت العودة والإقامة في منزلي. لم أكتفِ بزيارة قصيرة ثم المغادرة، بل أحاول التأقلم مع الظروف الحالية ومواصلة حياتي قدر الإمكان».

وعن الواقع الأمني، يقول سرور إن الأهالي لا يزالون يعيشون حالة من الترقب، موضحاً: «لا يمكن القول إن الصورة أصبحت واضحة بالكامل. الناس ما زالوا ينتظرون مزيداً من الوقت حتى يطمئنوا إلى استقرار الأوضاع بصورة نهائية».

ويرى أن إعادة الحياة الطبيعية إلى القرى الجنوبية تتطلب جهداً جماعياً، قائلاً: «الأمر يحتاج إلى تعاون بين الدولة والوزارات المعنية والبلديات والأهالي. وأعتقد أن إعادة الخدمات إلى مستواها الطبيعي لن تكون مسألة أيام أو أسابيع، بل قد تحتاج إلى أشهر».


توتر في سامراء يختبر خطة «حصر السلاح»

أعضاء من «سرايا السلام» التابعة لمقتدى الصدر خلال استعراض عسكري في سامراء (أ.ف.ب)
أعضاء من «سرايا السلام» التابعة لمقتدى الصدر خلال استعراض عسكري في سامراء (أ.ف.ب)
TT

توتر في سامراء يختبر خطة «حصر السلاح»

أعضاء من «سرايا السلام» التابعة لمقتدى الصدر خلال استعراض عسكري في سامراء (أ.ف.ب)
أعضاء من «سرايا السلام» التابعة لمقتدى الصدر خلال استعراض عسكري في سامراء (أ.ف.ب)

أعلن فصيل «سرايا السلام» التابع لمقتدى الصدر في العراق، الثلاثاء، رفضه التام العمل تحت قيادة «الحشد الشعبي»، في توتر قد يشكل اختباراً مبكراً لخطة «حصر السلاح» التي باشرت حكومة علي الزيدي تنفيذها مطلع يونيو (حزيران) 2026.

وجاء رفض «سرايا السلام» بعد أنباء عن تعيين قائد أمني جديد يشاع أنه مقرب من حركة «عصائب أهل الحق» في مدينة سامراء، التي يتمركز فيها جناح الصدر.

ولا تتمتع «عصائب أهل الحق» التي يقودها قيس الخزعلي، أحد قادة «الإطار التنسيقي» بعلاقات ودية مع «التيار الصدري» وزعيمه مقتدي الصدر؛ لأسباب يصفها مراقبون بـ«السياسية والعقائدية».

وحذّر مسؤول في «التيار الصدري»، خلال حديث مع «الشرق الأوسط»، من «حالة توتر شديدة» في سامراء؛ جراء «حالات الاحتكاك المتعمدة» التي يقوم بها بعض القيادات والجهات في «هيئة الحشد الشعبي» مع المقاتلين في «السرايا»؛ وفق تعبيره.

وأكد المسؤول أن الخلاف بين «السرايا» و«الحشد الشعبي» جاء على خلفية إعفاء رئيس «الهيئة»، فالح الفياض، قائدَ عمليات «الحشد» في سامراء، علي العقيلي، وهو أحد عناصر «التيار الصدري»، واستبدال آخر مقرب أو تابع لـ«عصائب أهل الحق» به؛ مما أثار حفيظة المقاتلين في «السرايا».

عراقي بأحد شوارع بغداد يمر أمام صورة لمقتدى الصدر مرتدياً الزي الخاص بـ«سرايا السلام» (أ.ف.ب)

ودعا المسؤولُ في «التيار» رئيسَ الوزراء القائدَ العام للقوات المسلحة إلى «التدخل الفوري لحسم هذه المسألة، باعتبار أن (السرايا) باتت تحت قيادته الآن».

وأصدر رئيس الوزراء، علي الزيدي، مطلع الشهر الحالي «أمراً ديوانياً» بتشكيل لجنة عليا للإشراف على دمج «سرايا السلام» في القوات الأمنية الحكومية وربطها مباشرة بالقائد العام، بعد ذلك أعلنت «قيادة العمليات المشتركة» عن «تسلم القوائم والبيانات الكاملة الخاصة بتشكيلات (سرايا السلام)، التي تضمنت بيانات الأفراد والأسلحة والمعدات؛ لاستكمال توجيهات الانضمام واندماج تشكيلات (سرايا السلام) كافة ضمن القوات الأمنية المرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة».

و«سرايا السلام» منضوية في هيئة «الحشد الشعبي» عبر الألوية «313» و«314» و«315»، وتتولى مهام أمنية في مناطق عدة، أبرزها سامراء، التي تتمركز فيها منذ يونيو (حزيران) 2007، في أعقاب تفجير مرقد الإمام العسكري بالمدينة.

وكان الصدر قد أعلن في 27 مايو (أيار) الماضي دمج جناحه العسكري «سرايا السلام» في الدولة، داعياً فصائل «الحشد الشعبي» إلى تسليم سلاحها.

ورغم انتماء «سرايا السلام» إلى «الحشد الشعبي»، فإنها كانت على الدوام شبه منفصلة ولا تتلقى أوامرها من قيادات «الهيئة» ولا ترتبط بعلاقات جيدة بكثير من الفصائل.

اختبار «حصر السلاح»

لم تعلق «هيئة الحشد الشعبي» على التوتر مع «سرايا السلام»، إلا إن الأخيرة أطلقت نداءً إلى الصدر ورئيس الوزراء، علي الزيدي، شددت فيه على رفضها البقاء تحت قيادة «الحشد الشعبي».

وذكرت «السرايا» في بيان، الثلاثاء، بالإجراءات التي ترتبت بناء على الأمر الديواني واندماجها الطوعي في المؤسسات الأمنية الأخرى، ورأت في هذه الخطوة «نموذجاً عملياً لقضية حصر السلاح بيد الدولة».

وقالت «السرايا» إن الإجراءات الأخيرة المتعلقة بإعفاء بعض القيادات من قبل «هيئة الحشد»؛ «تتعارض مع روح عملية الاندماج وحصر السلاح من خلال تبديل القيادات وتغيير القواطع والمسؤوليات».

أعضاء من «سرايا السلام» يهتفون خلال مراسم بدء اندماجهم بالدولة العراقية في سامراء شمال بغداد يوم 4 يونيو 2026 (أ.ب)

وذكر بيان الفصيل المسلح أن قرار تعيين القائد الأمني الجديد «يتقاطع مع بنود وإجراءات لجنة الأمر الديواني المتعلقة بالدمج»، عادّاً أنه «استهداف غير مبرر لمنسوبي (السرايا)»، مشدداً على رفض «السرايا» القاطع «العمل تحت قيادة (الحشد الشعبي)».

وكان شيوخ عشائر ورجال دين في سامراء حذروا، السبت الماضي، من الاستبدال بـ«سرايا السلام» فصائل أخرى، وطالبوا بحضور رئيس الوزراء، علي فالح الزيدي، شخصياً إلى المدينة والوقوف على واقعها، كما طالبوا بتسليم الملف الأمني لوزارة الداخلية؛ إذا كانت هناك نية للاستبدال بـ«السرايا» فصائل أخرى.​

ويميل مراقبون إلى الاعتقاد بأن التوتر بين «سرايا السلام» و«الحشد الشعبي» يمثل تحدياً لخطة «الحصر السلاح»، وما إذا كانت بالفعل «جادة وغير شكلية»، كما أنه اختبار لرئيس الحكومة لاستخدام صلاحياته لحسم خلاف بين مسلحين سبق أن أعلنوا اندماجهم في المؤسسات الحكومية.