يترقب لبنان مفاعيل الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران، والذي أعلن أنه يتضمن وقفاً للأعمال العسكرية والتصعيد في المنطقة بما يشمل لبنان. وبينما رحبت الرئاسات والمؤسسات الرسمية بمضمون الاتفاق، لا تزال بيروت تنتظر الاطلاع على تفاصيله وآليات تنفيذه، وسط تركيز على أولوية تثبيت وقف إطلاق النار قبل الانتقال إلى المرحلة التالية التي تشمل الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار.
وبينما لم تتبلغ الدولة اللبنانية رسمياً تفاصيل بنود الإتفاق، برز إجماع رسمي على الترحيب به، مقابل تباينات داخل الساحة الشيعية بشأن كيفية مقاربة المرحلة المقبلة والعلاقة مع السلطة السياسية الحالية.
عون: فرصة لإنهاء دوامة العنف
رحّب رئيس الجمهورية جوزيف عون بمذكرة التفاهم، معتبراً أنها تشكل تطوراً مهماً إذا ما تُرجمت عملياً على الأرض، وأكد أن لبنان يثمّن ما ورد فيها من احترام للخصوصية اللبنانية، والإقرار بأن أمن لبنان واستقراره جزء أساسي من أي مسعى لترسيخ الاستقرار الإقليمي.
صدر عن فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون البيان الآتي:تابعت باهتمام الإعلان عن مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما تضمنه من تأكيد على وقف الأعمال العسكرية والتصعيد في المنطقة، بما يشمل لبنان.وفي...
— Lebanese Presidency (@LBpresidency) June 15, 2026
وشدد عون في بيان على أن اللبنانيين، لا سيما أبناء المناطق التي تعرضت للحرب والدمار، يتطلعون إلى أن تتحول التفاهمات إلى خطوات عملية تضع حداً نهائياً للعنف، وتفتح الباب أمام مرحلة من الأمن والتعافي وإعادة الإعمار. كما شكر الدول والجهات التي أسهمت في إنجاز الاتفاق، وفي تضمين لبنان ضمن الجهود الرامية إلى وقف التصعيد، معرباً عن أمله في أن يشكل الاتفاق بداية لمسار أوسع يحفظ سيادة الدول وحقوق شعوبها.
بري: بند ملزم لوقف العدوان
بدوره، أشاد رئيس مجلس النواب نبيه بري بمذكرة التفاهم، معتبراً أنها تؤسس لدعائم الأمن والاستقرار في المنطقة وضمنها لبنان.
وتوجه بري بالشكر إلى إيران والولايات المتحدة على إصرارهما على تضمين الاتفاق بنداً أساسياً وملزماً يقضي بوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان كله، بما يحفظ سيادته على كامل أراضيه واستقلال قراره الوطني، كما نوه في بيان له بالدور الذي قامت به باكستان وقطر والسعودية ومصر في تسهيل الوصول إلى هذا التفاهم.
صدر عن فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون البيان الآتي:تابعت باهتمام الإعلان عن مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما تضمنه من تأكيد على وقف الأعمال العسكرية والتصعيد في المنطقة، بما يشمل لبنان.وفي...
— Lebanese Presidency (@LBpresidency) June 15, 2026
سلام لمضاعفة جهود التفاوض
بدوره، أكد رئيس الحكومة نواف سلام على أنه منذ بدء الحرب التي فرضت على لبنان، عملت الحكومة اللبنانية من أجل وقفها ودفع المزيد من الأذى عن لبنان واللبنانيين.
وعبّر في مستهل جلسة الحكومة، يوم الاثنين، عن أمله في أن ينجح الإعلان عن وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن في وضع حد لهذه الحرب، ووقف القتل والتدمير والتهجير وسائر المآسي والآلام التي أُنزلت باللبنانيين. وتقدم بالشكر «إلى «كلّ من أسهم في الوصول إلى هذه النتيجة».
رئيس #مجلس_الوزراء الدكتور #نواف_سلام في مستهل الجلسة:منذ بدء الحرب التي فرضت على #لبنان، ما انفكت الحكومة اللبنانية تعمل من أجل وقفها ودفع المزيد من الأذى عن لبنان واللبنانيين.واليوم، نأمل أن ينجح الإعلان عن وقف إطلاق النار، الذي توصلت إليه الولايات المتحدة الأميركية...
— رئاسة مجلس الوزراء (@grandserail) June 15, 2026
ووعد سلام بمضاعفة الجهود من خلال المفاوضات الجارية في واشنطن لتأمين الانسحاب الإسرائيلي الكامل من أراضينا، والإفراج عن أسرانا، مضيفاً: «وكما عملت الحكومة على حشد كل الطاقات في الأشهر الماضية للاستجابة لأزمة النزوح، نتطلع إلى أن يتمكن أهلنا من العودة الآمنة والكريمة بأسرع وقت إلى مدنهم وقراهم، وسنكثف الجهود مع كل الأشقاء والأصدقاء لتأمين مستلزمات إعادة الإعمار».
الأولوية لتثبيت وقف النار
في موازاة الترحيب الرسمي، أكدت مصادر وزارية مقربة من الرئاسة أن النظرة إلى الاتفاق إيجابية، لكن الحكم النهائي عليه يبقى مرتبطاً بمدى التزام الأطراف به على الأرض.
وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الأولوية من الآن وحتى موعد المفاوضات المقررة في 22 يونيو (حزيران) هي تكريس تثبيت وقف إطلاق النار، والتأكد من التزام كل من إسرائيل و«حزب الله» به. وبعد تثبيت الهدنة، ستنتقل المفاوضات المباشرة التي تقودها الدولة اللبنانية برعاية أميركية إلى البحث في مرحلة ما بعد الحرب، والتي تشمل الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وانتشار الجيش اللبناني، وعودة النازحين، والإفراج عن الأسرى، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وصولاً إلى اتفاق ينهي حالة العداء بين لبنان وإسرائيل.
وتذكر المصادر أن الجولة المقبلة من المفاوضات ستبدأ في 22 يونيو (حزيران) الحالي على مدى 3 أيام، بمشاركة مشتركة للوفدين العسكري والدبلوماسي في اليوم الأول، ثم الوفد العسكري للبحث في الجوانب التقنية، على أن يُختتم المسار بلقاءات دبلوماسية سياسية.

«حزب الله»: ثمرة صمود إيران وقيادتها
من جهته، رحّب «حزب الله» بمذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية معتبراً أنها «ثمرة صمود إيران وقيادتها»، مشيداً بإصرار طهران على أن يكون لبنان جزءاً من أي تفاهم يؤدي إلى وقف الحرب، ويحفظ حقوقه. وشكر الحزب في بيان إيران والدول التي أسهمت في إنجاز الاتفاق، داعياً لبنان إلى الاستفادة من المظلة الإقليمية والدولية لتحقيق سيادته وتحرير أرضه، كما قام بتحية أهالي المناطق المتضررة والنازحين وعناصر المقاومة، مؤكداً أن ما تحقق يشكل مقدمة لاستكمال تحرير الأراضي اللبنانية وعودة الأسرى والنازحين وإعادة الإعمار. ودعا الأهالي إلى التريث في العودة إلى قراهم بانتظار التوجيهات الرسمية، محذراً من الخروقات الإسرائيلية المحتملة، ومشدداً على أنه «لا عودة إلى ما قبل الثاني من مارس (آذار)»، وأن «المقاومة ستبقى متمسكة بحق لبنان في الدفاع عن أرضه وشعبه حتى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل. وفي الشأن الداخلي، دعا «حزب الله» السلطة والقوى السياسية إلى توحيد الموقف الوطني ومراجعة السياسات السابقة والابتعاد عن «الرهانات الخاسرة»، مؤكداً أن الاعتماد على «الأصدقاء الحقيقيين» هما السبيل لحماية المصالح الوطنية.
تباينات شيعية - شيعية
في موازاة ذلك، سُجل تمايز واضح في مقاربة الاتفاق بين المؤسسات الشيعية؛
إذ رحب نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب بالتفاهم الأميركي - الإيراني، وشكر طهران على إصرارها على ربط الاتفاق بوقف إطلاق النار في لبنان، معتبراً أنها أوفت بالتزاماتها تجاهه، كما دعا الإدارة الأميركية إلى الوفاء بتعهداتها عبر إلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها، مطالباً السلطة اللبنانية بإعادة تصحيح العلاقات مع إيران، وفتح حوار داخلي لإنجاز استراتيجية دفاع وطني، على أن يقود تثبيت وقف النار إلى انسحاب إسرائيل وإطلاق ورشة الإعمار وعودة الأهالي.

في المقابل، ذهب المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان المحسوب على «حزب الله» إلى موقف أكثر حدة؛ إذ اعتبر أن الاتفاق والتطورات العسكرية الأخيرة يمثلان انتصاراً لإيران ومحور المقاومة وفشلاً للأهداف الأميركية والإسرائيلية. وانتقد أداء السلطة اللبنانية وخياراتها التفاوضية، داعياً رئيس الجمهورية إلى إعادة النظر في المسار القائم، والخروج من المفاوضات الحالية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
كما دعا قبلان إلى تغيير الحكومة، وتشكيل أخرى جديدة تعكس التوازنات السياسية القائمة، معتبراً أن نجاح العهد يتطلب تعزيز الشراكة مع الثنائي الشيعي، وإعادة تكوين السلطة على أسس أوسع.
دريان: لدعم مشروع الدولة
في موازاة هذه المواقف، شدد مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان في رسالته بمناسبة رأس السنة الهجرية على أولوية استعادة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية وسيادتها الكاملة. وأكد أن لبنان يحتاج إلى دولة واحدة وجيش واحد وسلطة واحدة، معتبراً أن التفاوض يبقى السبيل الوحيد للخروج من دوامة القتل والتدمير والتهجير التي شهدها البلد خلال المرحلة الماضية.
وبين الترحيب الرسمي والحذر العملي، يبقى الرهان اللبناني معلقاً على قدرة الاتفاق الأميركي - الإيراني على الصمود وترجمة بنوده ميدانياً، لا سيما في ما يتعلق بوقف النار في الجنوب، على أساس أن نجاح هذه الخطوة سيحدد مسار المرحلة المقبلة وما إذا كانت ستقود فعلاً إلى استقرار دائم، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين.








