الموصل تحت وطأة «داعش»

التنظيم المتطرف استفاد من الاختلاف المدني ـ الحضري ـ القبلي

الموصل تحت وطأة «داعش»
TT

الموصل تحت وطأة «داعش»

الموصل تحت وطأة «داعش»

مدينة الموصل ثاني مدن العراق من حيث السكان بعد بغداد وعاصمة محافظة نينوى في شمال البلاد، هي اليوم أهم حاضرة سكانية يحتلها تنظيم داعش المتطرف في سوريا والعراق. ومنذ يونيو (حزيران) 2014 عندما سقطت المدينة العريقة التي يقدر تعداد سكانها بأكثر من مليوني نسمة، والتي كانت أرضها مهد حضارة آشور وتحمل محافظتها اسم عاصمتها، وهي تعيش في شبه عزلة عن العالم. غير أن ثمة مؤشّرات على أن الظروف الراهنة تبدو مواتية لتوقع إنهاء معاناتها المستمرة منذ احتلالها، ولا سيما إذا أفلحت الجهود الدولية في تأمين المناخ السياسي المساعد على تحريرها.
ومعلوم أن تجارب الماضي القريب في عدة محطات ما كانت تشجع على التفاؤل، وخصوصًا في ظل ضعف صدقية الحكومة العراقية في الشارع السني، وهيمنة القيادات الشيعية القريبة من إيران على ميليشيا «الحشد الشعبي» الذي تعتبره الحكومة منظمة شرعية.
مدينة الموصل، التي غدت في يونيو 2014 «العاصمة العراقية» لـ«داعش»، تعيش حاليًا وضعًا مأساويًا بعد أكثر من سنة ونصف السنة من سقوطها تحت سيطرة التنظيم المتشدد، بحسب ما ورد في تقارير عدد من الناشطين والمعارضين. ما هو مصير السكان هناك، وما هي الديناميكيات التي تسمح للمنظمة بالسيطرة على المدينة؟
نجحت الغارات الجوية التي نفذتها قوات التحالف أخيرًا على مقرات التنظيم المتطرف في الموصل ومحيطها بضرب قلب الكيان الإرهابي. إذ استهدف القصف مكاتب البلدية في منطقة الفيصلية والمحاكم الشرعية لـ«داعش» مسفرا في مدينة الكسك وحدها عن مقتل 33 عضوا من بينهم القائد العسكري لـ«داعش» فيها «أبو الختوني». وفي منطقة البعّاج قتل 38 عضوا في غارات جوية استهدفت الأنفاق وورشة لإعداد السيارات المفخخة ومستشفى متنقلاً تابعًا للتنظيم، وفق ما ذكره موقع «عين الموصل» Mosul Eye. كذلك قضى «أبو أيوب الشاريع»، أحد أهم القضاة الشرعيين لـ«داعش» في غارة على الموصل، هذا بالإضافة إلى ما يزيد على 50 عنصرا جرى استهدافهم في مناطق مختلفة في المدينة.
من جهة ثانية، حول الخسائر التي مُني بها التنظيم ورد في كتاب «الموصل بين احتلالين: 2003 – 2014: مذكرات مواطن عراقي» أنه بعد تزايد استهداف عناصر التنظيم، لاحظ سكان مدينة الموصل إخلاء عناصر «داعش» شوارع المدينة ليلاً وانتشارهم فيها نهارًا ما يؤكد حالة التخبط الأمني التي يعيشها التنظيم المتطرف نتيجة لتكرار استهدافه ولتعاون الكثير من أبناء المدينة مع القوات الأمنية في تحديد أماكن وجود عناصره.
هذا الأمر يفسر تزايد الضغوط في المدينة، وحقًا أورد الموقع الإخباري آرا (Ara News) أن «داعش» أقدم أخيرًا على إعدام ثلاثة أئمة في شمال غرب الموصل بحجة أنهم رفضوا حث الشباب على الانضمام إلى صفوف التنظيم. وكان الضحايا من الشخصيات البارزة الملتزمة التزاما حقيقيًا بالإسلام، والتي كانت قد عارضت في السابق فظائع «داعش» التي نُفذت باسم الله.
كذلك كان قد صدر في الآونة الأخيرة قرار ألزم جميع أئمة المساجد في مدينة الموصل «بالدعوة إلى الجهاد» وتجنيد الشباب للانضمام إلى صفوف التنظيم. وأضافت الوكالة الإخبارية «آرا» أن بين التجاوزات الدامية للتنظيم إقدام مسلحين من أفراده على قتل مدّرس عراقي اسمه أشواق آل نعيمي، رميا بالرصاص، وذلك لأنه رفض تدريس المناهج الجديدة التي فرضها «داعش» في مدارس الموصل.
يوافق غانم العابد، المعارض العراقي وابن الموصل، قائلاً إن التنظيم عمد إلى تضييق الخناق وملاحقة الشخصيات البارزة في المدينة «بحيث خطف قبل أسبوعين أكثر من 400 من أفراد الجيش النقشبندي ومن البعثيين القدامى، الذين لا يزال مصيرهم مجهول حتى الآن».
والجدير بالذكر، أنه منذ ظهور التنظيم في الموصل خلال النصف الأول من يونيو 2014، لم يتوانَ عن ممارسة أقصى سياسات البطش والعسف «ما سبب نزوحًا قسريًا لجميع سياسيي نينوى سواءً كانوا من المسؤولين الحكوميين أو من قادة الأحزاب وكوادرها نحو إقليم كردستان - العراق وبغداد. وحسب المصادر استقر الغالبية من ساسة الموصل ومسؤوليها في إقليم كردستان - العراق بفعل القرب الجغرافي والتسهيلات التي قدمتها حكومة الإقليم لهم ونتيجة للعلاقة المتأزمة مع بغداد بالنسبة للكثير منهم، بينما لم يستقر في بغداد سوى البعض القليل»، (حسب ما ورد في كتاب «الموصل بين احتلالين 2003 – 2014: مذكرات مواطن عراقي»).
ووفق المعلومات المتوافرة، وبينما تتزايد التقارير عن التحضير لعملية تحرير الموصل، عمد التنظيم المتطرف، بعدما ضمن إحكام قبضته على السكان، إلى تحصين مواقعه في المدينة. والرأي الغالب الآن هو أن هذه الإجراءات اتخذت على الأرجح تأهبًا لصد هجوم محتمل مشترك لقوات البيشمركة الكردية والقوات العراقية الحكومية بدعم من قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة، الذي تتوقع جهات حسنة الاطلاع حدوثه في غضون الأشهر القليلة المقبلة.
في الواقع، ثمة إجماع على أن وضع الموصل بات في الآونة الأخيرة صعبًا جدًا، ولا سيما مع تكثيف عمليات التحالف وقطع الطريق بين الموصل ومدينة الرقة السورية، القاعدة الرئيسية للتنظيم في سوريا، وخصوصًا، إثر سقوط بلدتي سنجار وتلعفر العراقيتين وهما مركزان قضائيان يتبعان محافظة نينوى (عاصمتها الموصل) في أيدي الميليشيا الكردية. وكان من أبرز معالم تدهور الوضع داخل المدينة ومحيطها تراجع مستوى الخدمات العامة التي كان التنظيم المتطرّف يفخر بتقديمها في المناطق التي يبسط سيطرته عليها. وحسب العابد فإنه بعد احتلال «داعش» للمدينة فرض التنظيم تعليماته في ميدان التربية، وبادر إلى إغلاق معاهد الفنون الجميلة ومدرسة القانون التابعة للتربية. كذلك جرى فصل النساء عن الرجال من الكوادر التعليمية، وإلغاء أو تعديل عدد من المناهج مثل الجغرافية والتاريخ، وقام التنظيم بإعداد مناهج جديدة تتضمن أفكاره ليقوم بتدريسها للطلاب.
أيضًا، حسب كتاب «الموصل بين احتلالين» أسس «داعش» ما يُسمى «ديوان الركاز» ليكون مسؤولاً عن كل ما يركز أو يستقر داخل الأرض من نفط أو آثار أو أي شيء آخر، وترتبط بهذا الديوان شركة المنتجات النفطية التابعة لوزارة النفط العراقية.
ووفق المصدر نفسه، كان «داعش» قد تمكن في العام الماضي من تأمين بعض الخدمات في أعقاب سيطرة التنظيم على مديرية بلدية الموصل التي تملك أكبر عدد من الآليات في المدينة فضلا عن وارد إيجارات أملاك مديرية بلدية الموصل الذي يصل إلى ما يقارب 02 مليار دينار سنويًا، فضلا عن عدد كبير من معامل الإسفلت والطابوق الخاص بأرصفة الشوارع وغيرها من المعامل التابعة للبلدية.. «وقام تنظيم داعش باستغلال مديرية بلدية الموصل، حيث أصدر ديوان الخدمات عددًا من التعليمات تتعلق بالنظافة، وفرض غرامات على من يرمي الأوساخ وقام التنظيم بإطلاق حملات تنظيف عدد من المناطق بواسطة آليات وكوادر مديرية بلدية الموصل التي لم يصرف لها التنظيم أي مبالغ مادية إنما تعمل كوادرها بتمويل من الحكومة العراقية التي ترسل رواتب الموظفين لهم، وعمد (داعش) إلى تنظيم أسواق بيع الخضراوات والمواد الغذائية ونفذ عمليات مثل تبليط مدخل مدينة الموصل».
ويذكر «الموصل بين احتلالين» أيضًا أن التنظيم المتطرف «سيطر على مديرية للماء وللمجاري في المحافظة وعلى كل ما يتبع لهاتين المديريتين من محطات ضخ وآليات نزح وآليات حوضية وغيرها من المعدات وألحقها بما يسمى ديوان الخدمات في المدينة، ومن الجدير بالذكر أن مرجعية هاتين الدائرتين لا تزال المديرية العامة في بغداد والتي يتسلم منها مهندسو المديريتين رواتبهم ومستحقاتهم». وتعليقا على ذلك أكد العابد أنه «لا تزال بعض الخدمات متاحة في المدينة، مثلاً، لا يزال عمال التنظيف يقومون بتنظيف الطرقات أو بالإصلاحات، وإنما انقطاع الكهرباء تزايد، وباتت الأدوية غير متوافرة، كما تعاني المدينة أزمة مياه بعد أن استهدفت غارات التحالف محطات المياه».
أما أثيل النجيفي، محافظ نينوى السابق، فقال في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «بعض المستشفيات تعمل، لكن ليس لها ملتزمات كافية، كما أن الخطوط التجارية متعثرة». وهذا يضاف إلى الوضع الاقتصادي الكارثي، إذ بعدما أوقفت الحكومة دفع رواتب الموظفين العامين تزايدت البطالة ما ساهم في زيادة إفقار السكان الذين مُنعوا من مغادرة المدينة. ولم يثنِ هذا الأمر تنظيم داعش عن فرض ضرائب عدة على السكان وأصحاب الأعمال، ومن رفض منهم أو امتنع عن الدفع، كان مصيره القتل من دون سابق إنذار، ومن ثم أخذ الأموال مجددًا من عائلته مع التهديد بتصفية فرد آخر من أقربائه. والجدير ذكره، أن التنظيم يحصل على مبلغ مليونين إلى 5 مليون دولار شهريًا من الإتاوات التي يفرضها على المواطنين، حسب ما ورد في كتاب «الموصل بين احتلالين» نقلا عن زهير الجلبي رئيس «لجنة إسناد أم الربيعين» في الموصل.
في المقابل، على الرغم من تدهور الأوضاع، تمكّن «داعش» من الإبقاء إلى حد بعيد على نفوذه في المدينة مستغلاً إلى أقصى الحدود واقع الموصل والاختلافات والعداوات القبلية والاجتماعية فيها. فالنسيج الاجتماعي في الموصل قائم في الغالب على تجمّعات قبلية تمكنت من اكتساب قوة هائلة منذ بداية عملية تحرير العراق عام 2003. ووفقًا لموقع «عين الموصل»، كان النفوذ القبلي في المدينة موجودًا منذ حقبة النظام البعثي قبل الحرب نتيجة استراتيجية الرئيس العراقي صدام حسين القائمة على «ترييف» المناطق الحضرية في الموصل و«عسكرة» المجتمعات القبلية. وبعده حاولت سلطة الاحتلال الأميركية ما اعتبرته «إعادة التوازن في المجتمع» من خلال اختيار اللواء غانم باسو رئيسًا مؤقتًا لمجلس المدينة، وهو عضو سابق في حزب البعث وشقيق سالم باسو الطيار الذي أعدمه صدام بتهمة الخيانة والتحضير لانقلاب، وللعلم، فإن عائلة باسو تمثل المجتمع المدني في المناطق الحضرية في الموصل ولا علاقة لها على الإطلاق بالقبائل والأرياف. غير أن باسو لم يتمكن من اتخاذ تدابير جذرية، وبالتالي فشل في إحراز أي تغيير. وفي ما بعد، مارس «داعش» ونجح في سياسة استقطاب القبائل الذين يزيد عددهم على العائلات الحضرية في الموصل ومحيطها وعلى استقطاب مشايخهم نظرا لقدرتهم على التأثير على أتباعهم. وبالتالي، وفق موقع «عين الموصل» بقيت الاضطرابات قائمة في الموصل وظهر الكثير من الجماعات المسلحة. وباتت الجماعات القبلية حاضنة للحركات المتطرفة والإرهابية. ولم يكن زعماء القبائل ومشايخها الهدف الوحيد الذي سعى «داعش» لاستغلاله، بل استغل أيضًا طغيان سكان القرى والمهاجرين من الريف على عديد الجماعات المسلحة، حيث تمكنوا من تبوؤ مراكز مرموقة ضمن التنظيم. ومن جديد، تمكن القسم الريفي من الموصل من السيطرة على القسم الحضري. وحسب «عين الموصل» مَن يعرف الموصل جيدًا، يعلم معنى كلمة «مهاجري تلعفر» وكذلك معنى عبارة «عفري». فتلعفر هي منطقة ريفية في محافظة نينوى تبعد نحو 100 كلم غرب الموصل.. «سكانها هم بغالبيتهم من التركمان السنّة والشيعة، ولقد زادت الخلافات والصراعات بينهم في ظل حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إثر التوترات المتزايدة بسبب سياسات الحكومة المناهضة للسنة»، وفق العابد. ويتابع العابد شارحًا أنه في الفترة التي تلت عام 2003، التحق الكثير من سكان تلعفر السنّة بتنظيم القاعدة، وكثيرون منهم انضم اليوم إلى «داعش» محتلين مواقع مهمة في المجموعة الإرهابية.
أضف إلى ما تقدّم أن أهل تلعفر الذين نزحوا إلى مدينة الموصل قاموا بشراء العقارات والشركات بطريقة واضحة جدًا، «فتعاونهم مع (داعش) سمح لهم بجمع مبالغ كبيرة من المال واقتناء عدد كبير من الممتلكات»، وفق العابد، الذي يستطرد قائلا: «حتى أنا ابن الموصل لم أتمكن بعد من شراء مسكن خاص بي». ويشرح موقع «عين الموصل»، أنه بعد سقوط الموصل في أيدي «داعش» بات ظهور أهل تلعفر جليا «فهم متغطرسون واستفزازيون، لا يبدون أي رحمة بعدما باتوا في موقع قوة، وهم ينفذّون انتقامهم عبر نهب المنازل ويصفّون من لهم عليه حسابات شخصية». وبالتالي، الواضح في مدينة الموصل حتى الآن أن التلاعب الحذق بالديناميكيات المحلية ما زال يسمح لـ«داعش» بالسيطرة على السكان. وهنا يضيف النجيفي أن «الخوف من الميليشيات الشيعية يعطي (داعش) حقنة حياة».
غير أن التوترات المتزايدة والتدابير القسرية التي يتخذها التنظيم المتطرف تشير إلى أنه يمر بمرحلة عصيبة، كما أن ازدياد أعداد الخطف والقتل تشير إلى أن التنظيم يحاول وضع حد لأي معارضة قد تنشأ عقب هجوم محتمل على المدينة، الذي وفقا لبعض المصادر بات وشيكًا. إذ من المؤكد أنه يتبع هذا الهجوم جهد ثقافي واجتماعي لمسح آثار ما يفعله «داعش».. ويذهب مؤلف كتاب «الموصل بين احتلالين» إلى حد القول «إن تحرير مدينة الموصل من (داعش) ليس هو الحل النهائي والسحري للمشكلات، إنما هو الخطوة الأولى لمواجهة المشكلات الحقيقية، فبعد تحرير المدينة من (داعش) لا بد من خلق نظام اجتماعي وأخلاقي جديد وبث مفاهيم جديدة»، واحتواء الأجيال التي تأثرت بسياسة «داعش» القائمة على البطش والتعذيب وتدمير كل المفاهيم الإنسانية الحديثة.

مدينة المثقفين والمبدعين والفنانين

* اشتهرت الموصل قبل احتلال «داعش» بالمثقفين والمبدعين والفنانين. فالموصل هي مسقط رأس المهندسة المعمارية العالمية الشهيرة زها حديد (ابنة السياسي والاقتصادي اللامع الراحل محمد حديد) والمطرب الموسيقار كاظم الساهر، وفي العصور الأقدم الموسيقيان الشهيران إبراهيم وإسحاق الموصلي. كما نبضت المدينة في الماضي بالثقافة والعلم منذ أن أسس فيها الملك الآشوري آشوربانيبال أول مكتبة معروفة في العالم تحتوي على آلاف الرقم والصحف. وهي مدينة الشاعر السري الرّفاء والمؤرخ ابن الأثير (المولود في جزيرة ابن عمر على الحدود التركية العراقية حاليًا) وأبو يعلى الموصلي والشيخ فتحي العلي وقضيب البان والإمام يحيى أبو القاسم والشيخ الرضواني والموسيقي عثمان الموصلي وغيرهم من العلماء والمفكرين والمبدعين.
الموصل.. سكانها وبيئتها

* الموصل هي مركز محافظة نينوى وثاني أكبر مدينة في العراق من حيث عدد السكان، إذ يقطنها نحو مليونين. وتتميز المدينة بتنوع تركيبتها المجتمعية، حيث يمثل العرب الغالبية العظمى من سكان المدينة، بالإضافة إلى الأكراد والشبك والتركمان والإيزيديين في مناطق سنجار والشيخان. كما تتميز بالتركيبة الفسيفسائية للديانات الموجودة فيها، وأكبرها الإسلام وتليه المسيحية والإيزيدية، إضافة إلى وجود عوائل قليلة من طائفة الصابئة المندائيين.
تتميز الموصل بموقع جغرافي متميز، إذ يمر نهر دجلة داخل المدينة ويقسمها إلى ضفتين متساويتين تقريبا (الساحل الأيمن) الغربي (والساحل الأيسر) الشرقي.
كذلك تقع الموصل في موقع استراتيجي مهم، حيث تربط العراق بسوريا عن طريق معبر ربيعة الحدودي، وترتبط بحدود مع محافظات دهوك وأربيل وكركوك من الجهة الشمالية والجنوبية الشرقية، وترتبط بالجنوب بمحافظة صلاح الدين ومنها إلى مدينة بغداد.
مدينة الموصل هي مركز محافظة نينوى، التي تضم تسعة أقضية هي: الموصل، وتلعفر، والحمدانية، وتلكيف، والحضَر، وسنجار، والبعّاج، ومخمور، والشيخان. وتتميز الموصل بوجود منطقة سهلية هي من أهم المناطق الزراعية في العراق، بل تعد سلة خبز العراق، بحسب العابد، وذلك بسبب اعتدال طبيعة الجو – ما أكسبها لقبها «أم الربيعين» - ووجود نهر دجلة وروافده، إضافة لوجود المشاريع الإروائية الكبيرة فيها.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.