السعودية وتركيا تحصّنان سلاسل الإمداد بممر بري يطوّق حصار المضائق

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: الشريان الجديد يقلص زمن الشحن في مواجهة قفزة تكاليف التأمين البحري بـ300 %

وزير النقل السعودي ونظيره التركي في لقاء لتعزيز التعاون المشترك (إكس)
وزير النقل السعودي ونظيره التركي في لقاء لتعزيز التعاون المشترك (إكس)
TT

السعودية وتركيا تحصّنان سلاسل الإمداد بممر بري يطوّق حصار المضائق

وزير النقل السعودي ونظيره التركي في لقاء لتعزيز التعاون المشترك (إكس)
وزير النقل السعودي ونظيره التركي في لقاء لتعزيز التعاون المشترك (إكس)

في وقت يفرض فيه الانسداد شبه الكامل لمضيق هرمز، وتصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، واقعاً جيوسياسياً معقداً على سلاسل الإمداد العالمية منذ نهاية فبراير (شباط) الماضي، ينبثق من قلب هذا الحصار البحري ممر بري استراتيجي واعد يعيد رسم خريطة النقل والتجارة الدولية. فبين الرياض وأنقرة، يمتد اليوم حراك لوجستي مكثف يتجاوز حدود التفاهمات الثنائية التقليدية ليقود صياغة بديل بري آمن ومستدام لتدفقات الطاقة والسلع وغذاء المنطقة نحو الأسواق العالمية.

وجاء التوقيع الرسمي يوم الثلاثاء بين وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي، صالح الجاسر، ونظيره التركي، عبد القادر أورال أوغلو، على مذكرات التفاهم الشاملة للسكك الحديدية والعمليات والتكنولوجيا اللوجستية، ليضع حجر الأساس التنفيذي لهذا التحول؛ حيث يتجاوز الاتفاق مجرد تسهيل حركة البضائع الآنية، إلى بناء منظومة ربط عابرة للحدود تمثل خط دفاع تشغيلياً ضد الأزمات البحرية الجارية. وفق الوزير التركي، فإن مشروع الربط السككي يستند إلى بنية تحتية قائمة بالفعل في كل من السعودية وتركيا، مبيناً أن الجانب السعودي أنجز الجزء الخاص به حتى الحدود الأردنية، فيما تمتد شبكة السكك الحديدية التركية إلى الأراضي السورية. وأشار إلى احتمالية انضمام العراق إلى المشروع لاحقاً.

كيف تترابط الشبكة؟

من الناحية الفنية والتشغيلية، يتشكل هذا الممر اللوجستي العملاق عبر شبكة سككية متصلة ومدروسة جغرافياً؛ حيث ينطلق الخط من إسطنبول ليربط الشبكة التركية المتطورة بالعمق العربي، عابراً الحدود الجنوبية لتركيا نحو سوريا عبر النقطة الرئيسية في حلب، ثم ينساب جنوباً ليصل إلى دمشق بوصفها قطب ارتكاز أوسط للمشروع. ومن العاصمة السورية، يمتد المسار مباشرة ليعبر الحدود نحو الأردن مروراً بعمّان، وصولاً إلى الحدود السعودية عند منفذ «الحديثة»، وهو النقطة الاستراتيجية التي تلتقي فيها الشبكات السورية والتركية بالبنية التحتية المتطورة لـ«شبكة الخطوط الحديدية السعودية (سار)».

وداخل الأراضي السعودية، يكتسب المسار أبعاداً تنموية بالغة الجدوى؛ إذ يمر بخطوطه الرئيسية والفرعية بمشروعات كبرى، مثل ميناء نيوم بوصفه ممراً لوجستياً مستقبلياً لربط موانئ البحر الأحمر، ويتجه مباشرة ليربط الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، قبل أن يتكامل هيكلياً مع مشروع «شبكة القطار الخليجية الموحدة». هذا الامتداد الخليجي يفتح المجال أمام مستهدفات الخط بعيدة المدى للوصول إلى سلطنة عُمان وبحر العرب؛ مما يمنحه صفة «الممر البري الشامل» العابر للقارات الذي يطوق كل نقاط الاختناق المائي التقليدية.

تحويل المملكة محورَ عبور واختصار زمن الشحن

وفي تحليل لأبعاد هذا المشروع، يرى الخبير اللوجستي نشمي الحربي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن مذكرات التفاهم الموقعة «تترجم بشكل عملي رؤية إنشاء ممر بري يربط الخليج بأوروبا مباشرة عبر الأردن وسوريا وتركيا». وأوضح الحربي أن التكامل بين امتلاك المملكة منفذين بحريين على البحر الأحمر والخليج العربي، وأن تركيا البوابة البرية الطبيعية لأوروبا، «يحوّل السعودية من نقطة نهاية لوجستية إلى محور عبور استراتيجي حقيقي يربط 3 قارات».

وأضاف الحربي أن «القيمة المضافة لمرونة سلاسل الإمداد تكمن في الاستفادة من دروس اضطرابات البحر الأحمر، التي أثبتت أن التنوع في الممرات بات ضرورة ملحة لا ترفاً اقتصادياً، حيث ينشئ المشروع مسارات برية بديلة تعزز مرونة النقل بين آسيا وأوروبا، وتكون بمنأى تام عن التأثر بإغلاق المضائق المائية أو تقلبات تكاليف التأمين البحري»، مشيراً إلى أن حجم الاستثمارات المطلوبة لهذا الخط تُقدَّر بنحو 5.5 مليار دولار.

وأكد الخبير اللوجستي أن هذا التوجه «ينسجم تماماً مع الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، الرامية إلى ترسيخ مكانة المملكة بوصفها مركزاً عالمياً، ويغذي محورَي الربط الإقليمي وتوطين صناعة السكك الحديدية، مستنداً إلى أرضية صلبة، لا سيما أن المملكة حققت مسبقاً المركز الـ5 عالمياً في سرعة مناولة الحاويات». ولفت الحربي إلى أن «الأثر العملي للمشروع، الذي يتضمن تبادل أفضل الممارسات في الشحن وخدمات المِيل الأخير وتطوير المراكز اللوجستية المشتركة، سيثمر تخفيض زمن عبور الشحنات بين الخليج وأوروبا من أكثر من 30 يوماً عبر المسارات البحرية التقليدية، إلى أقل من أسبوعين براً فور اكتمال المشروع».

مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتَي التفاهم (إكس)

بدائل تشغيلية بمواجهة قفزة تكاليف الشحن

من جانبه، أكد الخبير اللوجستي حسن آل هليل، لـ«الشرق الأوسط»، أن مذكرات التفاهم بين المملكة وتركيا تمثل «خطوة استراتيجية تعزز دور المملكة بوصفها مركزاً رئيسياً لإعادة التصدير وتوزيع البضائع». ولفت آل هليل إلى أن هذا التحرك يأتي في توقيت دقيق تواجه فيه التجارة العالمية تحديات متصاعدة؛ «حيث تسببت الاضطرابات الجيوسياسية في الممرات البحرية الحيوية خلال الأشهر الماضية في قفزات قياسية لتكاليف الشحن والتأمين البحري، تجاوزت حاجز 300 في المائة، مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة؛ نتيجة اضطرار السفن إلى ارتياد مسارات التفافية أطول وأعلى مخاطرة».

وأوضح آل هليل أن الممر اللوجستي السعودي - التركي يمنح الموردين والمصدرين «خيارات نقل متعددة الوسائط، تجمع بين الشحن البحري عبر الموانئ السعودية، والنقل البري والسككي الممتد عبر تركيا نحو عمق الأسواق الأوروبية وآسيا الوسطى. هذا التنوع التشغيلي يسهم مباشرة في خفض التكاليف المرتبطة بالتخزين وإعادة المناولة، ويحد من الاعتماد على مسار بحري أحادي؛ مما يضمن استقرار تدفقات السلع والمنتجات بكفاءة تنافسية عالية تعظّم الاستفادة من الاستثمارات الضخمة التي ضختها المملكة في بنيتها التحتية المينائية»، وفق ما قاله.

فوارق جوهرية

وبشأن مقارنة هذا الشريان بمشروع «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط (آي إم إي سي - IMEC)»، حدد الحربي 3 فوارق جوهرية حسمت الأفضلية للمسار السعودي -التركي؛ «أولها المسار الجغرافي الذي يمر عبر سوريا والأردن وصولاً إلى تركيا، بدلاً من مرور (الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط) عبر إسرائيل. وثانيها طبيعة الوضع التنفيذي؛ حيث يرتكز المشروع الحالي على مذكرات موقعة بخريطة طريق فنية واضحة، مقابل مشروع (الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط) المعلق منذ عام 2023. أما الفارق الثالث، فيكمن في الأبعاد الجيوسياسية؛ إذ إن تركيا، التي انتقدت سابقاً تجاوز الممر أراضيها، تعود عبر هذا المسار الجديد بقوة إلى قلب خريطة الربط الأوروآسيوي الاستراتيجي».

وفي هذا السياق، يضيف حسن آل هليل فارقاً تشغيلياً حاسماً، موضحاً أن مشروع «آي إم إي سي (IMEC)» يُصنف «مشروعاً استراتيجياً طويل الأجل يتطلب استثمارات هيكلية ضخمة»، في حين يرتكز التعاون السعودي - التركي الحالي على «تعظيم الاستفادة من البنى التحتية القائمة بالفعل» والربط التشغيلي الفوري بين شبكتين لوجستيتين متطورتين؛ مما يجعله قادراً على تحقيق نتائج تشغيلية ملموسة على الأرض في المدى المنظور وبوتيرة أسرع بكثير لتلبية احتياجات السوق الراهنة».

من جهته، قال جوزيف سالم، الشريك ومسؤول ممارسات قطاع السفر والنقل والضيافة في آرثر دي ليتل" الشرق الأوسط: «يشكل إحياء سكة حديد الحجاز واحداً من أبرز مشاريع البنية التحتية في التاريخ الحديث للمنطقة. كما أن مذكرتي التفاهم الموقعتين في الرياض بين السعودية وتركيا - إحداهما للخدمات اللوجستية والأخرى لتكنولوجيا السكك الحديدية - تقربان المشروع خطوة إضافية نحو التنفيذ».

وأوضح أن وجود خط عامل من شأنه أن يوفر للخليج ممراً تجارياً برياً مباشراً إلى أوروبا، بما يحد من الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، في وقت أصبحت فيه مرونة سلاسل التوريد أولوية استراتيجية متزايدة.

وقال إن «التحدي الأهم يظل في التنفيذ، سواء على مستوى التمويل، أو استقرار مسارات العبور، أو تحويل دراسات الجدوى المنتظر استكمالها بحلول نهاية العام إلى استثمارات فعلية... وتنبع أهمية هاتين المذكرتين من كونهما تتناولان الركائز الأساسية لأي مشروع سكك حديدية عابر للحدود، بما يشمل توحيد المواصفات التقنية، ومعايير الإشارات، والمواءمة التنظيمية». أضاف: «إذا ما توافرت هذه المقومات، فقد تستعيد سكة حديد الحجاز مكانتها خلال العقد المقبل بوصفها أحد أهم الممرات البرية الاستراتيجية التي تربط بين أوروبا والخليج».

إحياء «إرث قرن»

هذا الشريان البري الصاعد ليس وليد اليوم، بل هو إعادةُ إحياءٍ طَموحٌ وبعقلية استثمارية حديثة لإرث تاريخي يعود لأكثر من قرن من الزمان؛ إذ يمثل امتداداً لـ«خط سكة حديد الحجاز» الذي بدأ تشغيله الفعلي عام 1908 ليربط إسطنبول بالمدينة المنورة ومكة المكرمة عبر سوريا والأردن. في تلك الحقبة، كانت دمشق تمثل نقطة ارتكاز رئيسية تتفرع منها الخطوط شمالاً وجنوباً، إلى جانب امتدادات فرعية حيوية كانت تصل إلى لبنان - لا سيما العاصمة بيروت، وميناء حيفا الفلسطيني تاريخياً - مما جعله شبكة إقليمية متكاملة تضمن ترابط المنطقة، قبل أن يتفكك الخط إبان الحرب العالمية الأولى.

قطار «سار» للشحن (واس)

من «نيوم» إلى الحدود

تأتي هذه الاتفاقيات بعد استكمال أطراف خط الربط خطوات تشغيلية متقدمة؛ حيث أعلنت أنقرة تفعيل مذكرة تفاهم ثلاثية مع سوريا والأردن لتحديث الشبكات وربط خط السكك الحديدية بين تركيا وحلب، ومن ثم دمج خط «حلب - دمشق - الأردن». وفي المقابل، أشار وزير النقل السعودي، صالح الجاسر، إلى أن الشبكة الحديدية السعودية تمتد حالياً بالفعل حتى الحدود الأردنية عبر منفذ «الحديثة»؛ مما يمنح المشروع مرونة فائقة للتنفيذ، لافتاً إلى أن الدراسات الفنية المشتركة ستُكتمل بحلول نهاية العام الحالي لتعزيز نظام نقل بري مستدام.

ووفقاً للمعلومات الفنية، فإن مسار الخط الجديد سيمر بميناء «نيوم» ليربط المشروعات العملاقة للمملكة بقلب أوروبا عبر تركيا.

تمويلات دولية وضغوط تشغيلية

وفي سياق متصل يعزز من جاهزية هذا الشريان، أعلن «البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (إيه دي بي - ADB)» موافقته الرسمية على تقديم قرض بقيمة 645.83 مليون يورو (ما يعادل نحو 750 مليون دولار) حزمةً أولى للإسهام في تمويل إنشاء خط سكة حديد أخضر جديد بطول 127 كيلومتراً في تركيا. ويهدف هذا المشروع الاستراتيجي، الذي يحمل اسم «مشروع عبور سكة حديد شمال إسطنبول»، إلى تجاوز المنطقة الحضرية المزدحمة في إسطنبول، وتوفير وصلة برية عالية السعة للشحن والركاب عبر مضيق إسطنبول؛ مما يسهم مباشرة في فك اختناقات سلاسل الإمداد الدولية، وربط أكبر مطارين في تركيا بشبكة القطارات.

وتُقدر التكلفة الإجمالية الاستراتيجية للمشروع التركي بنحو 8.27 مليار دولار، بمشاركة «البنك الدولي» ومؤسسات تمويل دولية أخرى لرفع حصة النقل السككي الأوروآسيوي.

في المحصلة، فإن هذا التحرك السككي المشترك يؤسس لثورة غير مسبوقة في مفاهيم الشحن الإقليمي، من خلال إزاحة المعوقات الزمنية والجغرافية التي فرضتها اضطرابات البحار؛ إذ إن اختصار زمن وصول البضائع لأقل من أسبوعين يعيد توجيه البوصلة الاستثمارية نحو هذا الشريان البري الصاعد على حساب المسارات التقليدية والبدائل المعلقة.


مقالات ذات صلة

السفير اللبناني في الرياض لـ«الشرق الأوسط»: قرار السعودية جاء بعد تحقيق لبنان المعايير المطلوبة

الخليج السفير اللبناني لدى السعودية علي قرانوح (الشرق الأوسط)

السفير اللبناني في الرياض لـ«الشرق الأوسط»: قرار السعودية جاء بعد تحقيق لبنان المعايير المطلوبة

أكّد مسؤول لبناني أن قرار السعودية استئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة جاء عقب استيفاء لبنان المعايير المطلوبة لضمان عدم تشكيل الصادرات اللبنانية أي خطر.

غازي الحارثي (الرياض)
خاص أشخاص يسبحون بينما ترسو سفن الشحن والتجارية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس (أ.ف.ب)

خاص صدمة «هرمز» تضرب اقتصادات الخليج... والسعودية تتصدر المشهد في 2026

تقف اقتصادات مجلس التعاون الخليجي في مواجهة مباشرة مع تداعيات اضطرابات أسواق الطاقة وسلاسل التوريد جراء الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وفق البنك الدولي.

هلا صغبيني (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)

مؤشر السوق السعودية يغلق على ارتفاع 0.27 % بدعم من قطاع الاتصالات

أنهى مؤشر السوق السعودية الرئيسية «تاسي» جلسة يوم الخميس على ارتفاع بنسبة 0.27 في المائة، ليغلق عند مستوى 11042 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها 4.9 مليار ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد العقارات في المدينة المنورة بالسعودية (واس)

89 مزاداً عقارياً تدفع مبيعات المدينة المنورة إلى 263 مليون دولار

سجلت المزادات العقارية في المدينة المنورة في السعودية مبيعات بلغت نحو 989 مليون ريال (263 مليون دولار) خلال عام 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد سفن وناقلات نفط في مضيق هرمز قبالة سواحل مسندم يوم 18 أبريل 2026 (رويترز)

حرب إيران« أخطر صدمة» لاقتصادات المنطقة منذ نصف قرن

أظهر تحليل لبيانات صندوق النقد الدولي منذ عام 1980 أن حرب إيران الحالية تمثل أخطر صدمة جيوسياسية لاقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ خمسة عقود على الأقل.

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركات استثمار أميركية تُبدي اهتماماً بقطاع النفط الفنزويلي

تنتج فنزويلا حالياً نحو 1.2 برميل يومياً مقارنة بنحو 3.5 مليون في سبعينات القرن الماضي (رويترز)
تنتج فنزويلا حالياً نحو 1.2 برميل يومياً مقارنة بنحو 3.5 مليون في سبعينات القرن الماضي (رويترز)
TT

شركات استثمار أميركية تُبدي اهتماماً بقطاع النفط الفنزويلي

تنتج فنزويلا حالياً نحو 1.2 برميل يومياً مقارنة بنحو 3.5 مليون في سبعينات القرن الماضي (رويترز)
تنتج فنزويلا حالياً نحو 1.2 برميل يومياً مقارنة بنحو 3.5 مليون في سبعينات القرن الماضي (رويترز)

تتسابق شركات استثمارية أميركية على قطاع النفط الفنزويلي، بعد إطاحة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالزعيم الشيوعي في فنزويلا نيكولاس مادورو في يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث تُنشئ صناديق استثمارية، وتستهدف حقول النفط غير المُستغلة في فنزويلا. حسبما نقلت صحيفة «فاينانشال تايمز» عن مصادر مطلعة.

وأشارت الصحيفة إلى صندوق استثمار «ليونهارت كابيتال»، ومقره ميامي وأسسه أوفير ستيرنبرغ، وهي من الشركات الأولى التي تسعى للاستفادة من قطاع النفط الفنزويلي. وقد وقَّعت «خطاب نوايا» يهدف إلى دمج شركتها التابعة المدرجة في البورصة «ليونهارت هولدينغز»، مع «كيو إنرجي»، وهي مجموعة تمتلك أصولاً نفطية في حوض «ماراكايبو» شمال غربي فنزويلا.

وقال مصدر مطلع على الصفقة المُقترحة، وفق تقرير الصحيفة، إن الاندماج سيُنشئ أول شركة مدرجة في بورصة «ناسداك» تتيح للمستثمرين الأميركيين والمؤسسين الوصول المباشر إلى أصول نفطية فنزويلية عالية الجودة.

وتعتزم شركة «ليونهارت» طرح شركة النفط للاكتتاب العام (بعد عملية الاندماج) بقيمة نحو مليار دولار، وذلك من خلال اندماجها مع شركة «ليونهارت هولدينغز»، وهي شركة استحواذ ذات غرض خاص (SPAC) جمعت 230 مليون دولار في طرح عام أولي عام 2024.

وذكر مصدر أن «ليونهارت» قد بدأت محادثات أولية مع شركة «كيو إنرجي»، إلا أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، وقد تفشل المحادثات. وتعتزم «ليونهارت هولدينغز» إجراء تصويت للمساهمين، الأسبوع المقبل؛ لإتاحة مزيد من الوقت أمامها لإيجاد شركة استحواذ مناسبة؛ وإلا فقد تضطر إلى تصفية أعمالها وإعادة الأموال إلى المستثمرين.

وتمتلك «كيو إنرجي»، التابعة لشركة «ماها كابيتال» السويدية، حصة 40 في المائة في شركة النفط الفنزويلية «بترو أوردانيتا»، التي تسيطر على حقول نفط برية كانت تنتج في خمسينات القرن الماضي مئات الآلاف من براميل النفط يومياً.

وقد أدى انخفاض الاستثمار لعقود إلى تراجع الإنتاج إلى أقل من ألفَي برميل نفط يومياً في هذه الحقول، التي تمتلك شركة النفط الحكومية الفنزويلية 60 في المائة منها.

وقد يرتفع إنتاج شركة «بترو أوردانيتا» إلى 54 ألف برميل من المكافئ النفطي يومياً بحلول عام 2029 مع الاستثمارات الجديدة، وفقاً لعرض تقديمي للمستثمرين اطلعت عليه صحيفة «فاينانشال تايمز».

ورفعت واشنطن العقوبات، مما مكّن الشركات الأميركية من الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي بعد العملية العسكرية الجريئة التي نفَّذتها في يناير لاعتقال مادورو. وكانت السلطات الفنزويلية قد أصدرت في يناير قانوناً جديداً للموارد الهيدروكربونية يُضعف بشكل كبير شركة النفط الحكومية «PDVSA»، ويسمح للشركات الخاصة بتشغيل الآبار مباشرة.

ومنذ ذلك الحين، أبرمت شركات كبرى، من بينها «ريبسول» و«إيني» و«شل»، اتفاقات، بينما يتنقل مسؤولون تنفيذيون محليون في قطاع النفط في أنحاء البلاد على متن طائرات خاصة، على أمل إبرام صفقات مع إعادة فتح القطاع.

100 مليار دولار

وبهذه التحركات تستجيب شركات الاستثمار الأميركية لدعوة ترمب في يناير للشركات لاستثمار 100 مليار دولار للمساعدة في إعادة بناء صناعة النفط الفنزويلية، التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن الماضي بإنتاج 3.5 مليون برميل يومياً. وبعد عقود من الفساد وسوء الإدارة في البلاد، انخفض إنتاج النفط إلى نحو 1.2 مليون برميل يومياً.

وصرَّح برايان شيفيلد، أحد كبار المسؤولين التنفيذيين والممولين في قطاع النفط الذين حضروا قمة البيت الأبيض في يناير؛ بهدف استقطاب الاستثمارات إلى فنزويلا، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز»، بأنه زار البلاد في أبريل (نيسان) الماضي، برفقة مستثمرين محتملين آخرين للقاء الرئيسة الفنزويلية المؤقتة، ديلسي رودريغيز.

وقال شيفيلد، الشريك المؤسس لمجموعة «فورمنتيرا بارتنرز» للاستثمار المباشر ومقرها أوستن: «تحدثنا عن قطاع النفط والغاز وما يمكن أن يعنيه لفنزويلا، وقد يُحدث نقلة نوعية».

وأضاف أن فورمنتيرا لم تتخذ قراراً نهائياً بالاستثمار، لكنها أرسلت فريقاً لتقييم الفرص.

حرب إيران تعزز فرص النفط الفنزويلي

وصرَّح علي مشيري، الرئيس السابق لعمليات شيفرون في أميركا اللاتينية، لصحيفة «فاينانشال تايمز»، بأنَّ صندوقه «آموس غلوبال إنرجي مانجمنت» يسعى لجمع مليارَي دولار، وقد حدَّد كثيراً من الأصول النفطية الفنزويلية للاستثمار.

وأدى ازدياد الاهتمام الأجنبي إلى تنشيط قطاع النفط المحلي في فنزويلا.

وقال مسؤول تنفيذي في قطاع النفط في ماراكايبو: «لم يتوقف هاتفي عن الرنين... البنوك ترغب في الإقراض، والناس يرغبون في إبرام الصفقات».

وقال مدير صندوق استثماري في كاراكاس إن الحرب في إيران قد عزَّزت الاهتمام بفنزويلا. وأضاف: «الأمر لا يُصدَّق: الشرق الأوسط يشتعل، وفنزويلا مستقرة». وتتطلع بعض صناديق الاستثمار إلى فرص استثمارية خارج قطاع الطاقة.

وفي الشهر الماضي، أنشأت مجموعة مالية، تربطها علاقات بعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تُدعى «يوركفيل أدفايزرز»، شركة استحواذ ذات غرض خاص؛ بهدف جمع 200 مليون دولار لشراء شركة في فنزويلا.

وفي أبريل الماضي، أعلنت مجموعة «سيسنيروس»، وهي تكتل إعلامي فنزويلي مقره ميامي، أنها حصلت على ثلثي صندوق بقيمة مليار دولار للاستثمار في فنزويلا. وقالت أدريانا سيسنيروس، الرئيسة التنفيذية للشركة، إن الصندوق الأميركي، المعروف باسم «إنتريبيدا»، سيركز على الاستثمارات خارج قطاعَي التعدين والنفط، بما في ذلك قطاعات الزراعة والاتصالات والعقارات.

وتُعدُّ عائلة سيسنيروس من أبرز العائلات التجارية في فنزويلا، ولها استثمارات إعلامية في البلاد منذ عقود. وتسعى العائلة الآن إلى ترسيخ مكانتها بوصفها أداةً لجذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى البلاد.

وقالت سيسنيروس، خلال مؤتمر صحافي عُقد في أبريل في بورصة كاراكاس: «لقد فوجئتُ بمدى سهولة جمع رأس المال».

وأضافت: «إنها مزيج مثير للاهتمام، يضم كثيراً من مكاتب إدارة الثروات العائلية الأميركية واللاتينية، وبعض المستثمرين المؤسسين، وصناديق الثروة السيادية».


اليابان تعتزم اقتراح مخزون مشترك من المعادن لمجموعة السبع

جانب من عمليات استخراج المعادن من أحد المناجم في باكستان (رويترز)
جانب من عمليات استخراج المعادن من أحد المناجم في باكستان (رويترز)
TT

اليابان تعتزم اقتراح مخزون مشترك من المعادن لمجموعة السبع

جانب من عمليات استخراج المعادن من أحد المناجم في باكستان (رويترز)
جانب من عمليات استخراج المعادن من أحد المناجم في باكستان (رويترز)

قالت رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي، إنها تعتزم اقتراح مخزون مشترك من المعادن الحيوية لمجموعة السبع، وتقديم وجهات نظر منطقة آسيا والمحيط الهادئ بشأن الشرق الأوسط وأوكرانيا وأمن الطاقة ومرونة سلسلة التوريد إلى قمة مجموعة السبع في فرنسا.

جاء ذلك خلال تصريحات أدلت بها تاكايتشي قبل مغادرتها إلى أوروبا، حيث من المقرر أن تجتمع مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، في المملكة المتحدة، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، في إيطاليا، قبل أن تحضر القمة في فرنسا، حسب وكالة «بلومبرغ»، السبت.

وقالت تاكايتشي إنها حصلت على طلبات لعقد اجتماعات ثنائية على هامش القمة، لكن لم يتم التوصل إلى أي شيء بعد.

يأتي اجتماع مجموعة السبع وسط تحديات جمَّة تواجه الاقتصاد العالمي؛ من أزمة المعادن النادرة التي تسيطر عليها الصين، مروراً بأزمة الطاقة في أوروبا نتيجة الحرب الأوكرانية، إلى أزمات الطاقة والتضخم المتوقع، نتيجة حرب إيران.


وزير الطاقة: المصافي الأميركية قادرة على استيعاب المزيد من نفط فنزويلا

منشآت في مصفاة «بويرتو لا كروز» لتكرير النفط التابعة لشركة النفط الحكومية الفنزويلية (رويترز)
منشآت في مصفاة «بويرتو لا كروز» لتكرير النفط التابعة لشركة النفط الحكومية الفنزويلية (رويترز)
TT

وزير الطاقة: المصافي الأميركية قادرة على استيعاب المزيد من نفط فنزويلا

منشآت في مصفاة «بويرتو لا كروز» لتكرير النفط التابعة لشركة النفط الحكومية الفنزويلية (رويترز)
منشآت في مصفاة «بويرتو لا كروز» لتكرير النفط التابعة لشركة النفط الحكومية الفنزويلية (رويترز)

قال وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، إن المصافي الأميركية لا تزال قادرة على استيعاب مزيد من الخام الفنزويلي، مع تعافي إنتاج الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية عقب إلقاء الولايات المتحدة القبض على الرئيس نيكولاس مادورو في يناير (كانون الثاني)، وإجراء تعديلات داخل منشآت على ساحل الخليج لمعالجة كميات أكبر من النفط الثقيل.

وتظهر بيانات تستند إلى تتبع الناقلات أن فنزويلا ترسل نحو نصف إجمالي صادراتها البالغ 1.25 مليون برميل يومياً إلى الولايات المتحدة، بينما تذهب الكميات المتبقية بشكل أساسي إلى الهند وأوروبا.

وتوقع رايت زيادة الصادرات في الأشهر المقبلة.

وتوقعت وزارة النفط في فنزويلا أن يبلغ إنتاج الخام 1.37 مليون برميل يومياً بحلول نهاية العام، وهو ما يعني زيادة 22 في المائة مقارنة مع 1.12 مليون برميل يومياً في أواخر 2025.

وقال رايت خلال فعالية في ميناء هيوستن بولاية تكساس: «الأمر يستغرق وقتاً لأنكم تشترون خلطات الخام شهرياً وفق قوائم محددة، وهي مزيج من مصادر متعددة. لذلك لا يمكن ببساطة الضغط على زر، لكنكم سترون طلباً متزايداً على الخام الفنزويلي من المصافي الأميركية».

وتوقع رايت أن يواصل إنتاج النفط الأميركي الارتفاع، مع نمو متواضع في إنتاج النفط والغاز الصخريين وزيادة أقوى في إنتاج الخام قبالة ساحل الخليج الأميركي وفي ألاسكا.

وزاد إنتاج الخام الأميركي 3 في المائة العام الماضي، مسجلاً رقماً قياسياً على أساس سنوي عند 13.6 مليون برميل يومياً.