«صراط»... ما بعد الصدمة الأولى

عمل بصري آسر للإسباني أوليفر لاشيه يواجه الإنسان بعجزه أمام المصير

الطريق يعرف أكثر منهم (متروبوليس)
الطريق يعرف أكثر منهم (متروبوليس)
TT

«صراط»... ما بعد الصدمة الأولى

الطريق يعرف أكثر منهم (متروبوليس)
الطريق يعرف أكثر منهم (متروبوليس)

يشقّ أوليفر لاشيه في «صراط» طريقاً تتساقط عليه يقينات الإنسان واحداً تلو الآخر. يبدأ الفيلم من أب يبحث عن ابنته بين جماعات الرايف في صحراء المغرب، ثم يفقد هذا البحث موقعه المركزي داخل الحكاية. هناك رجل يُلاحق أثراً، فإذا به في مواجهة حياة لا تكشف عن وُجهتها، ولا تمنح أحداً وقتاً كافياً لالتقاط أنفاسه.

أمام اتّساع لا يُجيب (البوستر الرسمي)

في «ماستركلاس» نظّمته سينما «متروبوليس» البيروتية التي تعرض فيلمه، بدا أوليفر لاشيه أقل انشغالاً بالأحداث من انشغاله بما تتركه في الإنسان. تحدَّث عن الصورة التي تملك قوة الإغواء البصري، وعن مطاردة لحظات تبدو فيها الحياة أكبر من قدرة السينمائي على ضبطها. لكنّ «صراط» ليس معنيّاً دائماً ببناء واقع آخر. قوته أنه يُصوّر العالم عارياً من وسائط الطمأنة. يضع شخصياته أمام ما نَزِل بها، ثم يتأمَّل ما يبقى منها عندما تتغلَّب الصدمة على الفَهْم.

لا يبدو الفيلم منفصلاً عن العالم الذي بناه في أفلامه السابقة. فالمخرج الإسباني انجذب طويلاً إلى الأطراف البعيدة والشخصيات التي تعبُر أمكنة موحِشة ومفتوحة. وفي «صراط»، لا يذهب إلى طرح إيماني مباشر وفق الانطباع الذي تركه حديثه في «الماستركلاس»، ولا يبدو من السينمائيين الذين يُحوّلون الألم الإنساني إلى مواجهة مُعلَنة مع السماء. ومع ذلك، يترك في عمق الصورة صمتاً هائلاً يرافق البشر حين يبلغون أقصى درجات العجز، ويظلّ قائماً حتى في لحظات يشتدّ فيها التطلُّع إلى معنى أو عزاء.

الأب لا يفقد أبناء فقط. يفقد تدريجياً قدرته على الاعتقاد بأنّ العالم يسير وفق منطق يمكن توقّعه أو فهمه أو استباق ضربته المقبلة. يطرح الفيلم هذه الفكرة بقوة جارحة ويُحمّلها ثقلاً عاطفياً كبيراً. الحياة تمضي ببرودها الخاص، غير معنيّة بما يريده الإنسان أو بما يخسره. تَضرب وتترك الناجين يُكملون الطريق بأجساد ناقصة ووجوه مذهولة. لذلك يصير الموت في الفيلم مفاجئاً وقاسياً، لأنه يهبط على الشخصيات من دون إشارات كافية أو وقت لاستيعابه. ومن هذا الاختيار تنبع الصدمات المتلاحقة. فهي تزيد ثقل الطريق، لأنّ العالم الذي يرسمه المخرج لا يعرف التدرُّج ولا يلتزم إيقاعاً يمكن الوثوق به.

لا أحد يعود كما كان (متروبوليس)

يصنع لاشيه فيلماً لا تمحو فيه النجاة ما خلّفته الخسارة، ولا تنجح الجماعة في تبديد الوحدة التي تُرافق أفرادها. فجماعات الرايف توحي بأنها آتية من هامش العالم. أناس اختاروا العيش خارج الإيقاع المألوف للمدن، تقودهم الموسيقى أكثر مما تقودهم الخرائط. لكنّ المخرج لا يختزل هذه الثقافة في التمرّد وحده. يلفته فيها أنها تقوم على تأجيل الغد والانشغال بما يليه مباشرةً. الوُجهة التالية أهم من الوُجهة الأخيرة، والطريق يكاد يلغي أهمية الوصول. لذلك تبدو تجمّعاتهم زائلة بطبيعتها، لأنّ الارتحال جزء من نظرتهم إلى الحياة. تنسجم الموسيقى الإلكترونية مع هذا الإيقاع الحياتي. فضرباتها المتواصلة ونبضاتها الثقيلة العائدة إلى نفسها باستمرار تؤجّل لحظة التوقُّف ما أمكن، قبل أن يضعها الفيلم وجهاً لوجه أمام ما لا يقبل التأجيل.

شيئاً فشيئاً، تتقلَّص المسافة بين الأب والعابرين من حوله. هو يصل إليهم مُثقلاً بفَقْده، وهم يصلون إليه بخبرة طويلة في الرحيل وترك ما لا يمكن الاحتفاظ به. يعرفون أنّ بعضَ ما يُغادر لا يعود، والحياة تمضي من دون التوقُّف عند كلّ خسارة. لذلك تتضاءل غرابة هذه الجماعة مع تقدُّم الفيلم. تختلف وجوه أفرادها وأعمارهم وخلفياتهم، لتتراجع هذه الفوارق أمام ما يجمعهم. ففي مواجهة المجهول، لا يعود ثمة ما يُميّز أباً من ابن، أو راقصاً من سائق، أو جسداً سليماً من آخر يحمل آثار جراحه.

لكنّ فكرة الفيلم تصل باكراً إلى المُشاهد. قد يرى البعض أنّ لاشيه يعود إليها أكثر من مرّة مُستنداً إلى الأثر الذي أحدثته الصدمة الأولى، في محطّات تبدو أحياناً أقرب إلى إعادة تثبيت المعنى منها إلى توسيع آفاقه. كأنّ الفيلم لشدّة ثقته بوَقْع الصدمة، يُراكمها حتى تبدأ شرح نفسها أكثر مما يجب.

بعض الطرق يُغيّر سالكيه (متروبوليس)

ينطبق ذلك على الشخصيات. فاختيارات لاشيه البصرية تجعلها تُقرَأ قبل أن تتكلّم. يكفي أن تظهر على الشاشة حتى توحي بأنها تحمل تاريخاً طويلاً من الخسارات والتجارب. يتحوّل ذلك إلى قيد حين تتكفَّل العلامات الظاهرة على الشخصيات مُسبقاً بقول ما يُفتَرض أن نكتشفه عنها. كان يمكن لبعض الشخصيات أن تترك أثراً أعمق لو احتفظت بشيء من الغموض بعيداً عن التطابُق الكلّي بين ما يظهر عليها وما يتخبَّط في داخلها.

أبعد ممّا ظنّوا جميعاً (متروبوليس)

الصورة عنصر سطوة في «صراط»، والصحراء تملأ المشهد. اتّساعها يزيد شعور الشخصيات بالضياع، وانفتاحها يُضاعف وطأة القلق الذي يُرافقها. فمدير التصوير ماورو هيرسي يمنح الفيلم جمالاً قاسياً يلامس العين قبل الفكرة، ويترك شعوراً بأنّ هذه الصورة سبقت الكتابة. لذا، يُرى الفيلم بقوة هائلة ويرمي أثره الأول على العين والأعصاب قبل التأويل.

لا يقلّل ذلك من أثره. فالأفلام التي تُستنفد لحظة انتهائها نادراً ما تدفع إلى العودة إليها. أما «صراط» فيبقى قابلاً لإعادة النظر فيه حتى بعد أيام من مشاهدته.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

سابقة سينمائية... فيلم إيراني مصنوع بالذكاء الاصطناعي يخترق «مهرجان تريبيكا العالمي»

يوميات الشرق مشهد من فيلم «أحلام البنفسج» المصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي (شركة الإنتاج Fountain0)

سابقة سينمائية... فيلم إيراني مصنوع بالذكاء الاصطناعي يخترق «مهرجان تريبيكا العالمي»

للمرة الأولى في التاريخ يدخل الذكاء الاصطناعي المهرجانات السينمائية العريقة. والانطلاقة من «تريبيكا» الذي استضاف العرض الأول للفيلم الإيراني «أحلام البنفسج».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق «يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

قبل نحو خمسين عاماً، وقف المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ خلف كاميرا فيلم Close Encounters of the Third Kind (لقاءات قريبة من النوع الثالث) متأملاً السماء، باحثاً…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق فيلم «صقر وكناريا» حظي باهتمام كبير بعد إطلاق البرومو الترويجي له (الشركة المنتجة)

انتعاشة قوية للأفلام الكوميدية خلال موسم الصيف السينمائي بمصر

يشهد موسم الصيف السينمائي بمصر، انتعاشة قوية للأفلام الكوميدية، وذلك بعد إعلان طرح أفلام جديدة يطغى على أحداثها اللون الكوميدي.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق يعد «المحطة» أول فيلم يمني يعرض في مهرجان «كان» (الشركة المنتجة)

سارة إسحاق: «المحطة» ينتصر لمثابرة المرأة في زمن الحرب

قالت المخرجة اليمنية سارة إسحاق إن فيلمها الروائي الطويل «المحطة» يعكس تعقيدات النفس البشرية وتناقضاتها.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق مشهد من فيلم الافتتاح «العميل السري» (سينما متروبوليس)

انطلاق مهرجان السينما البرازيلية في دورته الثامنة في بيروت

تشتهر السينما البرازيلية بسماتها البارزة المتعلقة بالواقعية الاجتماعية والسياسية. ومنذ ظهور حركة «سينما نوفو»، تطرح قصصاً تتناول التفاوت الطبقي والفساد السياسي

فيفيان حداد (بيروت)

وفاة الفنان المصري محمد مرزبان بعد تعرضه لحادث سير

الفنان الراحل محمد مرزبان في آخر مشاركاته الفنية بمسلسل «ورد على فل وياسمين» (إكس)
الفنان الراحل محمد مرزبان في آخر مشاركاته الفنية بمسلسل «ورد على فل وياسمين» (إكس)
TT

وفاة الفنان المصري محمد مرزبان بعد تعرضه لحادث سير

الفنان الراحل محمد مرزبان في آخر مشاركاته الفنية بمسلسل «ورد على فل وياسمين» (إكس)
الفنان الراحل محمد مرزبان في آخر مشاركاته الفنية بمسلسل «ورد على فل وياسمين» (إكس)

غيَّب الموت صباح اليوم (الأربعاء) الفنان المصري محمد مرزبان أثر إصابته في حادث سير، وفقاً لما أعلنه الفنان أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية المصرية.

وأفادت وسائل إعلام محلية، أن مرزبان قد تعرض لحادث سير ليلة السبت الماضي أثناء قيادته لدراجة نارية ونُقل إلى مستشفى أبو خليفة للطوارئ بمحافظة الإسماعيلية (شمال شرق مصر)، حيث كان يعاني من اشتباه بكسر بالعمود الفقري والفقرات العنقية، ونزيف من الفم والأنف، ووجود نزيف داخلي بالمخ والبطن والصدر، وكدمات وسحجات متفرقة بالجسم.

وصرح الأطباء أن حالة الفنان المصري كانت حرجة للغاية ورغم إجراء عملية في المخ في محاولة لوقف النزيف فإن حالته لم تتحسن وتعرضت الحالة في الساعات الأخيرة إلى تدهور كبير في وظائف الجسم مما أدى إلى الوفاة.

وكان صديق للفنان الراحل قد نشر مقطع مصور، يقول فيه إن سيارة صدمت الفنان محمد مرزبان على طريق مصر الإسماعيلية قبل بوابات محافظة الإسماعيلية أثناء العودة إلى محافظة القاهرة. وفرت هاربة مسرعة من موقع الحادث.

وطالب صديقه السلطات المصرية بالتحقيق في الواقعة وأن دراجته البخارية بها كاميرا تسجيل خلفية وأمامية تساعد في الوصول إلى الجاني.

وكان مرزبان قد تحدث في لقاء تليفزيوني سابق عن شغفه وحبه لرياضة قيادات الدراجات النارية، التي بدأ القيادة فيها منذ مطلع ثمانيات القرن الماضي.

الفنان الراحل عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)

بدأ محمد مرزبان مشواره الفني في منتصف التسعينيات من خلال السينما، حيث شارك في أعمال مبكرة مثل «كشف المستور» و«الناجون من النار» عام ١٩٩٤، ثم اتجه بعد ذلك إلى الدراما التليفزيونية، ليصبح واحداً من الوجوه التي اعتاد الجمهور رؤيتها في عشرات الأعمال على مدار سنوات طويلة.

الفنان محمد مرزبان (حسابه الشخصي - فيسبوك)

وشارك الراحل على مدار مشواره في عشرات الأعمال الفنية بين السينما والدراما، وترك بصمة واضحة في أعمال متنوعة، من بينها «أين قلبي»، «قاسم أمين»، «الرغبة»، «غاوي حب»، «اسم مؤقت»، «كفر دلهاب»، «الأسطورة»، «الحصان الأسود»، «الجماعة»، «النهاية»، «سرايا عابدين»، «البلياتشو»، «وعد إبليس»، «كوفيد 25»، فضلاً عن مشاركته في عدد من الأعمال اللافتة الأخرى، منها مسلسل «الغاوي»، وفيلم «قصر الباشا»، و«سوق الكانتو» و«مذكرات زوج»، وفقاً لما ذكرته وسائل إعلام مصرية.

وكانت آخر مشاركاته الفنية ظهوره في مسلسل «ورد على فل وياسمين»، كما شارك في موسم رمضان الماضي من خلال مسلسل «أب ولكن».


منصات تسوق إلكتروني وهمية تمنح مدمني التبضّع النشوة... دون ثمن

منصات تسوق إلكتروني وهمية تمنح مدمني التبضّع النشوة... دون ثمن
TT

منصات تسوق إلكتروني وهمية تمنح مدمني التبضّع النشوة... دون ثمن

منصات تسوق إلكتروني وهمية تمنح مدمني التبضّع النشوة... دون ثمن

يحتوي تطبيق «FoodNeverComes» على جميع خصائص تطبيقات توصيل الطعام، إذ يمكنك تصفح قائمة المطاعم، واختيار ما ترغب به، وإجراء التعديلات، ثم إدخال عنوانك وطريقة الدفع، وتتبع المندوب حتى وصول الطعام إلى باب منزلك، كما كتبت جود كريمر(*). لكن ما العيب الوحيد؟ كما يوحي اسم التطبيق، فإن الطعام لا يصل أبداً!

بدعة كورية للحصول على النشوة

لا يُجري «FoodNeverComes» أي معاملات أو عمليات توصيل حقيقية، بل هو جزء من اتجاه متزايد لمواقع التسوق الإلكتروني الوهمية المنتشرة من كوريا الجنوبية. على ما يُسمى «مواقع الدوبامين»، يمكن للمستخدمين محاكاة متعة التسوق، دون الحاجة للشراء الفعلي، والحصول على النشوة التي تأتي من شراء شيء دون أي تكلفة مالية حقيقية.

يُمكن تفسير الفكرة علمياً: يُفرَز الدوبامين في الدماغ عادةً عند توقع مكافأة، وليس عند الحصول عليها، وهذا يعني أن الضغط على زر «شراء» يجب أن يكون مُرضياً، حتى دون وجود منتَج حقيقي مرتبط به، لكن المتشككين على وسائل التواصل الاجتماعي ليسوا متأكدين من ذلك.

قصة نشأة التطبيق

أُنشئ التطبيق بواسطة مطوّر كوري جنوبي يُدعى مالهي، الذي شارك تصوراته على وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً إن الفكرة خطرت له في «إحدى تلك الليالي التي كنت أفتح فيها تطبيقات توصيل الطعام وأغلقها باستمرار». وكتب مالهي، باللغة الكورية، والتي تُرجمت إلى الإنجليزية: «بدأتُ الأمر كمزحة في البداية، لكن من المثير للدهشة أن مجرد إشباع تلك الرغبة في (طلب شيء) جعل الأمر مُرضياً، بشكل غريب، دون أن أطلب شيئاً، بالفعل».

آراء رواد مواقع التواصل الاجتماعي

على الرغم من ازدياد شعبية مواقع الدوبامين بين «جيل زد» من الشباب في كوريا الجنوبية، لكن مستخدمي الإنترنت عموماً ليسوا متحمسين للفكرة. فعندما انتشرت منشورات عن هذا الموقع، ومواقع أخرى مماثلة، خلال عطلة نهاية الأسبوع، استنكر مستخدمو تطبيقات مثل «إكس» الفكرة وعدُّوها انعكاساً مؤسفاً لحالة «الرأسمالية في آخِر أيامها».

فوائد لمدمني التسوق

ورغم أن تطبيقات مثل هذا التطبيق قد لا تحظى بشعبية واسعة، لكنها قد تفيد فئات معينة، كمن يعانون إدمان التسوق الإلكتروني. وفي منتدى فرعي على موقع «ريديت» مخصص لمدمني التسوق، ناقش المستخدمون جدوى التطبيق في إبعادهم عن المتاجر الإلكترونية الحقيقية.

وأيّد البعض الفكرة، مثل مستخدم شبَّه التطبيق بكيفية مساعدة تناول البيرة الخالية من الكحول للمدمنين المتعافين من إدمان الكحول. وكتب: «إنها تُشبع الرغبة، خاصة في البداية»، لكن آخرين قالوا إن التطبيق سيكون مُزعجاً أكثر من كونه مفيداً.

* مجلة «فاست كومباني»


سابقة سينمائية... فيلم إيراني مصنوع بالذكاء الاصطناعي يخترق «مهرجان تريبيكا العالمي»

مشهد من فيلم «أحلام البنفسج» المصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي (شركة الإنتاج Fountain0)
مشهد من فيلم «أحلام البنفسج» المصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي (شركة الإنتاج Fountain0)
TT

سابقة سينمائية... فيلم إيراني مصنوع بالذكاء الاصطناعي يخترق «مهرجان تريبيكا العالمي»

مشهد من فيلم «أحلام البنفسج» المصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي (شركة الإنتاج Fountain0)
مشهد من فيلم «أحلام البنفسج» المصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي (شركة الإنتاج Fountain0)

سابقة سينمائية هي الأولى من نوعها شَهِدَها قبل أيام «مهرجان تريبيكا للأفلام» في نيويورك. قرر المحفل السينمائي العريق أن يضيء شاشاته لفيلم صُنِع بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي. وبذلك، أصبح «أحلام البنفسج» (Dreams of Violets) أول فيلم مولّد بالـ«AI» يشارك في مهرجان سينمائي عالمي.

ويروي الفيلم الإيراني المستوحى من المظاهرات الدامية التي شهدتها طهران في يناير (كانون الثاني) 2026، وأسفرت عن مقتل الآلاف بسبب قمع الشرطة للمتظاهرين، حكاية 5 أشخاص يلتجئون إلى زقاقٍ ضيّق، هرباً من رجال الأمن. ومع حلول الفجر، تعثر القوات الحكومية الإيرانية عليهم، وتستعد لتنفيذ حُكم الإعدام فيهم. يدور ذلك أمام عينَي «أمير»، الطفل القابع على كرسيّه المتحرّك قرب نافذته المطلّة على الزقاق. ورغم إصابته بالشلل الدماغي، فإنه يقرر التدخّل.

بميزانية لم تتجاوز ألفَي دولار، وخلال مدة لم تتعدّ الشهرَين، أنجزَ رائد الأعمال الإيراني عشقان كوشانجاد المعروف باسم آش كوشا فيلمه. هو الآتي من قطاع التكنولوجيا. صنع تجربته السينمائية الأولى بمساعدة أخيه بويا. وعلى بُعد أميال وأميال من طهران، من داخل شقته في العاصمة البريطانية، لندن، التي اختارها منفى له عام 2009. لقّنَ آش أدوات الذكاء الاصطناعي نصاً من تأليفه، وبعض الصور والفيديوهات المأخوذة من مظاهرات إيران، لتتولّى التقنيات الحديثة الباقي وتولّد الفيلم.

لا ممثلين هنا ولا فريق عمل. كل ما يراه المُشاهد خلال الدقائق الـ75 من «أحلام البنفسج» مصنوع حصراً بتقنيات الذكاء الاصطناعي، بدءاً بالشخصيات ووجوهها وأصواتها، مروراً بالمَشاهد والصور، وصولاً إلى الديكورات والمواقع، وليس انتهاءً بالإضاءة والمؤثرات الخاصة.

الفيلم مستوحى من المظاهرات الدامية التي شهدتها إيران مطلع 2026 (شركة الإنتاج)

في خضمّ سجالٍ هوليوودي محتدم حول إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأفلام، وبين معترضٍ بشراسة وموافِقٍ بتَرَدُّد، جاء قرار إدارة «مهرجان تريبيكا» الأميركي صادماً باستقبال «أحلام البنفسج».

أحدثَ مؤسِّسا المهرجان، المنتجة جين روزنتال والممثل روبرت دي نيرو، ضجّة بتبنّيهما الفيلم. وقد أوضحت روزنتال في تصريحٍ لها خلفيات تلك الخطوة قائلة: «لطالما دافع (مهرجان تريبيكا) عن الفنانين الذين يتجاوزون حدود سرد القصص ويستكشفون آفاقاً إبداعية جديدة»، واصفة الفيلم بأنه «مثال قوي على كيفية استخدام التقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي، ليس فقط كأدوات للابتكار، بل كوسائل لسرد قصص إنسانية عميقة».

مؤسِسا «مهرجان تريبيكا السينمائي» المنتجة جين روزنتال والممثل روبرت دي نيرو (إنستغرام)

من وجهة نظر آش كوشا، لولا الذكاء الاصطناعي لكانَ من المستحيل صناعة هذا العمل الذي يمزج بين الدراما والتوثيق؛ أوّلاً للأسباب الأمنية، فكل مَن حاول تصوير مظاهرات إيران مطلع 2026 وجدَ نفسه إمّا ضحية للاعتقال أو الضرب أو حتى الإعدام، وثانياً للاعتبارات اللوجستية والمسافات الجغرافية التي تفصل بين كوشا ووطنه الأمّ. لذلك، فقد استعاض بالقليل الذي وصل إليه عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والأصدقاء المًوجودين في إيران، وطوّره مستخدماً الذكاء الاصطناعي.

ولولا الذكاء الاصطناعي كذلك، لَما أمكن معاينة ما جرى، نظراً للتضييق وانقطاع الإنترنت. أدركَ كوشا أنّ المدى الحقيقي للمعاناة قد لا يُعرَف بالكامل أبداً، لذلك قرر وشقيقه أن يكونا شاهدَين على التاريخ، وأن يُطلقا الصرخة عالياً نيابة عن أهل بلدهما من خلال «أحلام البنفسج».

لولا الذكاء الاصطناعي لكان من المستحيل صناعة فيلم مثل «أحلام البنفسج» (شركة الإنتاج)

مَن حضَروا العرض العالمي الأول في «مهرجان تريبيكا»، شاهدوا شوارع طهران مشتعلة بالنيران، ورجال أمن مدجّجين بالسلاح، ووجوهاً غطّتها الأقنعة، وأخرى سحقَها الخوف والحزن. لوهلة ظنّوا أنّ ما يرونه حقيقيّ، لتأتي التقنيات وتذكّرهم بأنّ القصة، ورغم واقعيّتها، تُعاني ضعفاً تصويرياً وإخراجياً في بعض الأماكن؛ فصناعة الأفلام بواسطة الذكاء الاصطناعي ما زالت في بداية الطريق، وتحتاج إلى وقت حتى تبلغ مراحل متقدّمة من التطوّر والإقناع.

إلا أنه وفي حالة «أحلام البنفسج»، يبقى المضمون أهمّ من الشكل، والقضيّة أكثر قيمة من الصورة. وقد اختارته إدارة المهرجان، ليس لأنه مصنوع بالذكاء الاصطناعي فحسب، بل لأنه يطرح هذا الموضوع الإنساني الذي لم يجرؤ كثيرون على طرحه.

على قاعدة أن المضمون أهم من الشكل شقّ الفيلم طريقه إلى العالمية (شركة الإنتاج)

عن كيفيّة صناعة الفيلم، يقول آش كوشا لصحيفة «غارديان» البريطانية إنه ابتكر الشخصيات من خلال وصف مظهرها الخارجي لبرامج الذكاء الاصطناعي، مستعيناً بملامح في ذاكرته لأشخاصٍ عرفهم في الماضي. وكلّما تَقدّمَ في تطوير السيناريو، كان الـ«AI» يواكبه في توليد الوجوه واللقطات والمَشاهد المطابقة للنص. وأوضح أنّه تجنّبَ بناء الشخصيات على مواطنين حقيقيين في طهران، حفاظاً على أمنهم: «لأنه لن يكون من الآمن أن تشبه أي من شخصيات الفيلم أي مواطن إيراني، ولو بشكل طفيف».

وعلى الرغم من أن جميع الصور والشخصيات في الفيلم مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، فإنه يستند إلى تقارير صحافية وصور فوتوغرافية وشهادات شهود عيان. أما البرامج المُستخدمة فهي «Kling AI» لتوليد الفيديو، و«Claude AI» للتحرير اللغوي، و«Gemini» و«Nano Banana» للأبحاث والتصوير، وفقاً لشركة الإنتاج «Fountain 0». أما أصوات الشخصيات، فسجّلها كوشا بنفسه ثم استخدم الذكاء الاصطناعي لتعديلها، فتحوّل صوتُه حيناً إلى صوت امرأة عشرينيّة، وحيناً آخر إلى صوت رجلٍ متقدّم في السن.

استعان صانع الفيلم ببرامج متعددة خاصة بالذكاء الاصطناعي لتوليد المشاهد والحوار والأصوات (شركة الإنتاج)

في تحية شاعريّة إلى الشعب الإيراني، تقول إحدى شخصيات الفيلم إنّ البنفسج هو الزهرة الوحيدة التي تنمو في العتمة، ومن هنا العنوان «أحلام البنفسج». المشروع الطالع من قلب الصناعة الرقميّة الافتراضيّة لم يتخلَّ تماماً عن إنسانيّته، ولعلّ في هذا التوازن بين الإحساس البشري والدماغ الاصطناعي مفتاح نجاح الأعمال المعاصرة، سينمائية كانت أو غيرها.