قضاة جزائريون في باريس لتسريع إجراءات «الأموال المنهوبة»

حراك دبلوماسي مكثف بين البلدين لتسليم متهمين بـ«الفساد»

صورة لوفدي وزارتي العدل الجزائري والفرنسي (الوزارة الجزائرية)
صورة لوفدي وزارتي العدل الجزائري والفرنسي (الوزارة الجزائرية)
TT

قضاة جزائريون في باريس لتسريع إجراءات «الأموال المنهوبة»

صورة لوفدي وزارتي العدل الجزائري والفرنسي (الوزارة الجزائرية)
صورة لوفدي وزارتي العدل الجزائري والفرنسي (الوزارة الجزائرية)

بحث وفد قضائي جزائري وصف بـ«المهم»، الاثنين في فرنسا، تسريع إجراءات استرداد «الأموال المنهوبة»، وتسليم مطلوبين لدى الجزائر متهمين بـ«الفساد»، وفق ما أفادت به مصادر صحافية جزائرية.

وأكد الموقع الإلكتروني «قصبة تريبيون» أن زيارة الوفد «تناولت تعزيز التعاون القضائي بين الجزائر وفرنسا»، مبرزاً أن الفريق ضم مسؤولين بارزين، من بينهم النائب العام لدى مجلس قضاء الجزائر (محكمة الاستئناف)، بالإضافة إلى عدد من الكوادر بوزارة العدل».

وزير الداخلية الجزائري مع نظيره الفرنسي بباريس يونيو الحالي (وزارة الداخلية الجزائرية)

وأوضح الموقع نفسه أن الزيارة جاءت في سياق زيارة وزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانان، إلى الجزائر في 18 مايو (أيار) الماضي، مؤكدا أنها شكلت مناسبة «أبدى فيها الطرفان رغبتهما في طي صفحة الانسداد في مجال التبادلات القضائية بين البلدين».

وكانت أشكال التعاون والتنسيق بين البلدين قد توقفت في صيف 2024 بسبب استياء الجزائر من انحياز باريس إلى المغرب بخصوص نزاع الصحراء.

ملفات ثقيلة

يقع ملف «الأموال المنهوبة والممتلكات غير المشروعة» في قلب المحادثات الجارية حالياً بين الجزائر وفرنسا بباريس، وهو موضوع يتسم بحساسية بالغة بالنسبة للجزائر، إذ تسعى السلطات الجزائرية منذ عدة سنوات إلى استرجاع الأصول والعقارات المحجوزة في فرنسا، التي يملكها مسؤولون ورجال أعمال سابقون أدينوا في قضايا فساد. ووفقاً للسلطات الفرنسية، فقد تم تسجيل ما يقارب مائة طلب جزائري للإنابة القضائية الدولية في هذا الإطار.

ويشمل الملف نفسه إجراءات تسليم الأشخاص المطلوبين لدى القضاء الجزائري بتهم «فساد»، أهمهم وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب، الذي رفضت محكمة فرنسية العام الماضي تسليمه للجزائر، بدعوى عدم توفر محاكمة عادلة. وإضافة إلى هذا الملف، يجري الجانبان تنسيقاً حول مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، لا سيما شبكات التهريب، والاتجار التي تنشط بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

وكانت هذه القضايا قد أُثيرت بالفعل خلال زيارة جيرالد دارمانان إلى الجزائر، التي رافقه فيها قضاة فرنسيون رفيعو المستوى، متخصصون في القضايا المالية والجريمة المنظمة. وتم خلال هذه الزيارة رفع طلب رسمي للسلطات الجزائرية، يخص تسليم أعضاء من «شبكة مافيا دي زاد»، يعتقد الأمن الفرنسي أنهم يختبئون في الجزائر، وهم محل ملاحقة قضائية في فرنسا لتورطهم في جرائم اغتيال، والاتجار بالمخدرات في الجنوب الفرنسي.

ملصق لوثائقي تلفزيوني فرنسي حول شبكة مافيا دي زاد بمرسيليا

وحسب المصادر الإعلامية نفسها، فقد تضمن جدول أعمال الوفد القضائي الجزائري في فرنسا، «ملفاً حساساً يتعلق بالرعايا الجزائريين الموجودين في وضعية غير نظامية بفرنسا وإجراءات ترحيلهم»، ويعرف هذا الملف بـ«أزمة تجميد التراخيص من طرف القنصليات الجزائرية في فرنسا»، وهذا الأمر شرط لترحيل المهاجر غير النظامي للجزائر.

دفعة جديدة لتطبيع العلاقات

وترغب باريس في إضفاء مرونة أكبر على آليات التعاون الإداري والقضائي، المرتبطة بتحديد هوية الأشخاص المعنيين بقرارات الإبعاد وترحيلهم، وهو موضوع يشكل بانتظام محور النقاشات الثنائية.

تنسيق براغماتي

وقد هيمنت ملفات ملاحقة مسؤولي الحقبة السابقة، واسترجاع الأموال المنهوبة والمهربة إلى الخارج، لا سيما نحو فرنسا، على جدول أعمال المباحثات التي أجراها في باريس مطلع الشهر الحالي، وزير الداخلية الجزائري، سعيد سعيود، مع نظيره الفرنسي، لوران نونيز.

وضمن هذا التوجه، سلمت الجزائر عبر القنوات القضائية والدبلوماسية نظيرتها الفرنسية قائمةً باسم وزراء ومسؤولين نافذين سابقين يقيمون على أراضيها؛ وذلك تمهيداً لتسليمهم، والحجز على ودائعهم ومصادرة أملاكهم في مرحلة أولى تسبق استردادها نهائياً.

قائد سلاح الدرك سابقاً الجنرال غالي بلقصير (حسابات ناشطين سياسيين)

ويأتي على رأس هذه القائمة وزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب، الذي كانت محكمة باريس قد رفضت العام الماضي تسليمه تحت مبرر «غياب شروط المحاكمة العادلة»، إلى جانب القائد الأسبق لجهاز الدرك الوطني، الجنرال غالي بلقصير، الذي تشير تقارير صحافية دولية إلى إقامته منذ أربع سنوات في جزيرة فانواتو بالمحيط الهادئ، بينما تتركز حساباته المصرفية في فرنسا.

وتعكس زيارة الوفد القضائي إلى باريس، حسب مراقبين، دفعة جديدة لمسار تطبيع العلاقات بين الجزائر وفرنسا، حيث تبدو العاصمتان عازمتين، بعد فترة التشنج الدبلوماسي، على تجاوز الخلافات وتبني قواسم مشتركة تقوم على الشراكة الأمنية والقضائية ومحاربة الفساد المالي.

ويعد ملف الهجرة أحد المحركات الرئيسية لاستئناف الحوار بين البلدين، لا سيما من الجانب الفرنسي؛ إذ تسعى باريس منذ عدة سنوات إلى تعزيز آليات إعادة استقبال الرعايا الموجودين في وضعية غير نظامية، في المقابل، ترفض الجزائر بانتظام تناول هذا الملف من زاوية أمنية بحتة، وتشدد على ضرورة تبني مقاربة أكثر شمولية تدمج التنقل القانوني، والتأشيرات، وحركية الطلبة. ومع ذلك، فإن هذا التباين في الرؤى لم يختفِ.

وزير الصناعة سابقاً عبد السلام بوشوارب (الشرق الأوسط)

ورغم هذه الخلافات، يبقى التعاون الميداني بين مصالح البلدين أمراً لا غنى عنه، حسب المراقبين أنفسهم، نظراً لمواجهتهما تحديات ورهانات مشتركة؛ تتمثل أساساً في تفكيك شبكات التهريب، ومحاربة الجريمة العابرة للحدود، والتصدي لتزوير الوثائق، فضلاً عن مجابهة التحديات المرتبطة بتدفقات الهجرة في حوض البحر الأبيض المتوسط.


مقالات ذات صلة

حملة الانتخابات البرلمانية في الجزائر تنطلق غداً

شمال افريقيا رئيس سلطة الانتخابات الجزائرية مع كادرها الإداري (سلطة الانتخابات)

حملة الانتخابات البرلمانية في الجزائر تنطلق غداً

تنطلق، الثلاثاء، بالجزائر حملة انتخابات البرلمان المقررة في الثاني من يوليو (تموز) المقبل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الرياضة المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)

«ثورة التشبيب» المغاربية تفرض أحكامها على لغة الأرقام في المونديال

«ثورة التشبيب» المغاربية تفرض أحكامها... 3 منتخبات عربية ضمن قائمة العشرة الأقوى حيوية والأصغر سناً في مونديال 2026

كوثر وكيل (لندن)
رياضة عربية المدرب السويسري فلاديمير بيتكوفيتش باقٍ في تدريب الجزائر (د.ب.أ)

تمديد عقد بيتكوفيتش على رأس منتخب الجزائر حتى 2028

مُدّد عقد المدرب السويسري فلاديمير بيتكوفيتش، الذي يتولى قيادة المنتخب الجزائري لكرة القدم منذ عام 2024، ليواصل مهامه حتى يوليو (تموز) 2028...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية عبد المجيد تبون (أ.ف.ب)

رئيس الجزائر يستقبل منتخب بلاده قبل سفره للمشاركة في كأس العالم

استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الأحد، منتخب بلاده قبل سفره إلى الولايات المتحدة الأميركية استعداداً للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (الجزائر )
شمال افريقيا مقر البرلمان الجزائري (متداولة)

أحزاب الجزائر لم تتجرع مرارة استبعاد نخبها من الاقتراع التشريعي

نشبت في اليومين الأخيرين ملاسنات حادة بين قادة أحزاب ورئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» بالنيابة على خلفية إقصاء 3 آلاف مترشح، من أصل 10 آلاف.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مقتل 3 ليبيين وإحراق مقار عسكرية في اشتباكات بالزاوية

دورية أمنية لعناصر الشرطة في الزاوية غرب ليبيا (أرشيفية - مديرية أمن الزاوية)
دورية أمنية لعناصر الشرطة في الزاوية غرب ليبيا (أرشيفية - مديرية أمن الزاوية)
TT

مقتل 3 ليبيين وإحراق مقار عسكرية في اشتباكات بالزاوية

دورية أمنية لعناصر الشرطة في الزاوية غرب ليبيا (أرشيفية - مديرية أمن الزاوية)
دورية أمنية لعناصر الشرطة في الزاوية غرب ليبيا (أرشيفية - مديرية أمن الزاوية)

تجدَّدت الاشتباكات المسلحة، صباح الثلاثاء، في منطقة ترفاس جنوب الزاوية الواقعة غرب ليبيا، بين قوات تابعة لما تُعرف بـ«كتيبة السلعة» وقوات أخرى مرتبطة بمحمد الشلبي وربيع الفانوطة؛ ما أسفر عن مقتل 3 أشخاص على الأقل.

وفي غياب أي رد فعل رسمي من حكومة «الوحدة» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة وأجهزتها الأمنية، التي تسيطر نظرياً على مدينة الزاوية وتقع ضمن صلاحياتها، أفادت المصادر بأنَّ قوات «كتيبة السلعة»، التي يقودها سالم اللطيف وتخضع لإمرة عثمان اللهب، تمكَّنت من السيطرة على آليات عسكرية تابعة للطرف الآخر، وأقدمت على حرق مقرات وتمركزات عدة في منطقة بئر ترفاس.

واستمرَّت الاشتباكات، التي أوقعت 3 أشخاص على الأقل، بشكل متقطع حتى عصر الثلاثاء، وسط مخاوف من توسُّع دائرة التوتر في المنطقة، التي شهدت في السابق مواجهات متكرِّرة بين مجموعات مسلحة متنافسة.

في غضون ذلك، اشتكى وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة»، عبد السلام الزوبي، من تأخير صرف رواتب ومستحقات العسكريين المحالين إلى التقاعد.

وقال الزوبي في رسالة موجَّهة إلى المدعي العام العسكري، تداولتها وسائل إعلام محلية مساء الاثنين تحت بند «إجراء تحقيق عاجل»: «هناك تعطيل غير مبرَّر» في استكمال الإجراءات المالية والقرارات المترتبة على تقاعد العسكريين من قبل إدارة العمليات المصرفية بمصرف ليبيا المركزي.

وحذَّرت رسالته الرسمية من أنَّ هذا التأخير ترتَّب عليه «حرمان عدد من العسكريين من حقوقهم المالية المستحقة قانوناً، وأدى إلى تعطيل تنفيذ قرارات إدارية نافذة صادرة عن الجهات المختصة، فضلاً عن تجميد أموال عامة مُخصَّصة لهذا الغرض دون سند قانوني ظاهر».

وطالب الزوبي النيابة العسكرية بفتح تحقيق عاجل لتحديد المسؤولين عن عرقلة تنفيذ القرارات والملاحقة القانونية.

وكان وفد تركي رفيع المستوى برئاسة المدير العام لشؤون شمال وشرق أفريقيا بوزارة الخارجية التركية، علي أونانير، قد زار طرابلس الاثنين، وأجرى محادثات عسكرية منفصلة في طرابلس.

وبحث أونانير، بحضور السفير التركي كوفن بيقتش، ورئيس بعثة التدريب التركية الجنرال مصطفى كوشان، مع الزوبي ورئيس أركان القوات الموالية لحكومة «الوحدة» صلاح النمروش، سبل تعزيز التعاون العسكري والتدريبي بين ليبيا وتركيا، وتطوير برامج التأهيل لرفع كفاءة منتسبي الجيش الليبي، إلى جانب بحث ملفَي دعم الاستقرار، وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية.

وأكد المسؤولون الأتراك خلال اللقاءات، بحسب رئاسة الأركان بغرب ليبيا، «حرص أنقرة على مواصلة دعم برامج التعاون والتدريب مع الجيش الليبي، وتطوير قدراته العسكرية».


محكمة تونسية تثبت عقوبة السجن 38 عاماً بحق 5 إرهابيين

الرئيس التونسي وعد بقطع دابر الإرهاب من البلاد (موقع الرئاسة)
الرئيس التونسي وعد بقطع دابر الإرهاب من البلاد (موقع الرئاسة)
TT

محكمة تونسية تثبت عقوبة السجن 38 عاماً بحق 5 إرهابيين

الرئيس التونسي وعد بقطع دابر الإرهاب من البلاد (موقع الرئاسة)
الرئيس التونسي وعد بقطع دابر الإرهاب من البلاد (موقع الرئاسة)

ثبتت محكمة متخصصة في قضايا الإرهاب في تونس العاصمة، اليوم (الثلاثاء)، حكماً ابتدائياً بالسجن لمدة 38 عاماً بحق خمسة عناصر إرهابية، لفرارهم من السجن في عام 2023 قبل أن تنجح قوات الأمن بعد أيام في إعادة اعتقالهم.

وتعد الحادثة، التي تعود إلى 31 أكتوبر «تشرين الأول» عام 2023، من بين عمليات الفرار النادرة من سجن المرناقية، القريب من العاصمة والمحاط بحراسة مشدَّدة، وجاءت في وقت كان فيه الرئيس التونسي قيس سعيد قد شدد على محاربة الإرهاب وقطع دابر الإرهابيين من البلاد.

وحسبما أورد تقرير لوكالة الصحافة الألمانية، فقد بيّنت التحقيقات استخدام السجناء طرق فرار تقليدية، من بينها قطع قضبان الزنزانة، وعمليات تسلُّق للجدران بحبال، وعمليات تواطؤ داخل السجن.

وتصنف السلطات العناصر الإرهابية الخمسة، التي نفَّذت عملية الفرار بـ«الخطيرة جداً»، من بينهم أحمد المالكي الملقب بـ«الصومالي»، وهم متورطون في قضايا اغتيال وعمليات إرهابية.

وشملت العقوبات أيضاً، وفق ما نقل «راديو موزاييك» الخاص، اليوم (الثلاثاء)، 11 شخصاً، من بينهم موظفون في إدارة السجون وأعوان حراسة، وقضت المحكمة بسجنهم لمدة سبعة أعوام، بينما قررت سجن ثمانية آخرين مدة عامين مع تأجيل تنفيذ العقوبة بحقهم.

ورفعت المحكمة التهم عن أربعة أشخاص من بينهم عناصر أمنية في إدارة السجون.


مخرجات «الحوار المهيكل» الليبي... تمهيد للانتخابات أم تدوير للأزمة؟

خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)
خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)
TT

مخرجات «الحوار المهيكل» الليبي... تمهيد للانتخابات أم تدوير للأزمة؟

خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)
خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)

وسط «انتقادات وتحفظات واسعة»، استقبلت النخبة السياسية الليبية توصيات «الحوار المهيكل»، التي أُعلن عنها بدايات الأسبوع الحالي، برعاية أممية.

وتضمَّنت التوصيات تشكيل حكومة جديدة لمدة مُحدَّدة لا تزيد على عامين، تتولى إدارة الاستحقاق الانتخابي. لكنها قوبلت بفتور شعبي، وأثارت موجةً من التساؤلات بشأن مدى أهمية هذه المخرجات وجدواها في تحريك العملية السياسية لإجراء الانتخابات المؤجَّلة.

ورأى منتقدو التوصيات أنَّ تأجيل ملف الدستور، واعتماد «قاعدة دستورية مرحلية»، يُمثِّلان «تمديداً لمرحلة انتقالية» مستمرة منذ 15 عاماً، و«غموضاً يكتنف التوصية بتشكيل الحكومة والمجلس الرئاسي المقبلَين عبر لجنة حوار سياسي جديدة لم توضِّح البعثة آلية اختيار أعضائها».

كما طرح المنتقدون سؤالاً بشأن ما إذا كانت البعثة الأممية ستتبنى هذه التوصيات، وتحيلها إلى مجلس الأمن الدولي لتتحوَّل إلى خريطة طريق ملزمة؟ أم أنَّها ستبقى مجرد مخرجات استشارية تنضم إلى مبادرات سابقة أضاعت الوقت، وأعادت تدوير الأزمة؟

آراء متباينة

بداية يرى عضو المجلس الأعلى للدولة محمد معزب أن «وصف البعثة لمخرجات الحوار بأنَّها غير ملزمة لا يعدو كونه محاولة لتفادي المعارضة لها»، متوقعاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تطرح المبعوثة الأممية هانا تيتيه هذه التوصيات على مجلس الأمن خلال إحاطتها المرتقبة في 18 من الشهر الحالي.

وكانت تيتيه قد أطلقت في أغسطس (آب) الماضي «خريطة طريق» لمعالجة الانقسام السياسي عبر مسارات عدة؛ أولها إعداد إطار تشريعي توافقي للانتخابات أُوكل إلى مجلسَي النواب و«الدولة»، وثانيها «الحوار المهيكل» بمشاركة 120 شخصية لمعالجة جذور الصراع وإزالة العوائق أمام الانتخابات.

ومع تعثر المجلسين في إنجاز المهام الموكلة إليهما، أطلقت البعثة لجنة «4 + 4» المشتركة بوصفها آليةً تفاوضيةً مصغرةً، تضم ممثلين عن حكومة «الوحدة الوطنية»، ومجلسَي النواب، و«الأعلى للدولة»، والقيادة العامة لـ«الجيش الوطني».

وفي معرض رده على التساؤلات بشأن مصير لجنة «4+4»، بعد تناول «الحوار المهيكل» للملفات التي تعمل عليها، خصوصاً القوانين الانتخابية، أجاب معزب بأن اللجنة «لم يعد لديها ما تقوم به»، مشيراً إلى ما تردد عن «انسحاب ممثلي مجلسَي النواب و(الأعلى للدولة) من هذا الاجتماع».

ويرى معزب أن «البعثة تتحرَّك وفق مسارات متدرجة؛ تبدأ بمنح المجلسين مهلةً للتوافق على القوانين الانتخابية، وتشكيل سلطة تنفيذية جديدة، وفي حال الفشل تنتقل إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة لاختيار الحكومة والمجلس الرئاسي لولاية تتراوح بين 18 و24 شهراً، مع اللجوء إلى (استفتاء تحكيمي) لتمكين الليبيين من حسم النقاط الدستورية الخلافية».

وقرأ معزب في هذا التوجه «محاولة لتمرير مبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، عبر لجنة الحوار السياسي الجديدة، التي يُرجّح أن تختار البعثة أغلب أعضائها مع تمثيل محدود لمجلسَي النواب والأعلى للدولة».

وتتمحور المبادرة المنسوبة لبولس حول دمج السلطتين القائمتين في طرابلس وبنغازي، مع تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، رئاسة المجلس الرئاسي، واستمرار الدبيبة رئيساً للحكومة.

وأشار معزب إلى «أن لجنة الحوار الجديدة ستفتح باب الترشُّح عبر قوائم لاختيار رئيس المجلس الرئاسي الجديد، وكذلك رئيس للحكومة الجديدة، بما قد يفضي إلى جمع صدام حفتر والدبيبة في قائمة واحدة».

ورغم إقراره بسعي البعثة إلى توفير دعم دولي لهذا المسار، فإنَّه توقَّع تعثره «بسبب إدراك قطاع واسع من الليبيين أنَّ الهدف منه هو إقرار تسوية سياسية جديدة، لا إجراء الانتخابات».

أما المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ، فرأى أنَّ توصيات «الحوار المهيكل» أعادت في معظمها «إنتاج أفكار طُرحت في حوارات سابقة رعتها البعثة خلال العقد الماضي»، متسائلاً في تصريحات له عن أسباب «التركيز على توسيع صلاحيات رئيس المجلس الرئاسي القادم، خصوصاً اشتراط موافقته على تعيين وزيرَي الدفاع والخارجية، وما إذا كان ذلك يتسق مع مبادرة مسعد بولس».

في المقابل، دافع عضو مسار الحوكمة بـ«الحوار المهيكل» أسعد زهيو عن المخرجات، ووصفها في إدراج له بأنها «خطوة استراتيجية فارقة»، مستنداً إلى توصيتها «بتشكيل سلطة تنفيذية موحدة مقيدة بسقف زمني صارم غير قابل للتمديد، مع حظر إبرام اتفاقات سيادية طويلة الأمد لضمان تفرغها لمهمتها الأساسية، المتمثلة في تهيئة البيئة المناسبة للاستحقاق الانتخابي».

وتوسَّط المحلل السياسي إسلام الحاج بين الآراء السابقة، معترفاً بـ«إيجابية عدد من المخرجات»، من بينها الإقرار بحالة الانقسام، والدعوة إلى توحيد السلطة التنفيذية والمؤسستين العسكرية والأمنية، باعتبار أن هذا الانقسام كان من أبرز أسباب تعثر الانتخابات، التي كان من المقرر عقدها نهاية 2021.

وأشاد الحاج في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بالتوصية المتعلقة بـ«توسيع صلاحيات البلديات»، ما عدّه «إسهاماً في تقليص حدة الصراع على السلطة المركزية». وتساءل عن «مصادر القوة التي ستمتلكها السلطة الجديدة لتهيئة بيئة انتخابية آمنة، وهو ما أخفقت فيه السلطات السابقة»، مشككاً في «إمكانية توحيد المؤسسة العسكرية من دون ضمانات واضحة، وفي جدوى منع أعضاء تلك السلطة من الترشح للانتخابات».

وانضم الحاج إلى الآراء التي ترى أن «التوصيات تتقارب مع مبادرة بولس، خصوصاً فيما يتعلق بتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية»، منبهاً إلى أن «إجراء الانتخابات سيظل رهناً بتوافق القوى المتدخلة في المشهد الليبي».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً منذ سنوات بين حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة في طرابلس، وأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وأجزاء من الجنوب.