تحت شعار «أنجزنا ومكملين»... «التحول الوطني» يرسخ ريادته أكبر محركات «رؤية 2030»

باكتمال 71 % من مبادراته التنفيذية... وجاذبية استقطبت 31.7 مليار دولار

مركز الملك عبد الله المالي (كافد) (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي (كافد) (الشرق الأوسط)
TT

تحت شعار «أنجزنا ومكملين»... «التحول الوطني» يرسخ ريادته أكبر محركات «رؤية 2030»

مركز الملك عبد الله المالي (كافد) (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي (كافد) (الشرق الأوسط)

عندما انطلقت شرارة «برنامج التحول الوطني» في عام 2016 بوصفه أول وأكبر البرامج التنفيذية المخصصة لهيكلة وتطبيق مستهدفات «رؤية 2030»، وضعت السعودية أمامها خريطة طريق واضحة لبناء الممكنات التأسيسية الكبرى. ويتأصل هذا البرنامج الاستراتيجي بريادته المطلقة؛ إذ يستأثر بمفرده بمسؤولية تحقيق 34 هدفاً استراتيجياً من أصل 96 هدفاً إجمالياً تشتمل عليها الرؤية، وهي هندسة بنيوية تمنح البرنامج وزناً نوعياً يعادل 35 في المائة من المستهدفات الاستراتيجية الكلية للبلاد، مما يجعله المحرك الأوسع نطاقاً، والأكثر شمولاً في مسيرة التنمية الوطنية الحديثة.

واليوم يترجم التقرير السنوي الصادر عن البرنامج لعام 2025 تحت شعار «أنجزنا ومكملين» النضج التنفيذي والمالي البالغ لهذه الانطلاقة؛ كاشفاً عن اكتمال 71 في المائة من إجمالي مبادراته التنفيذية، بالتوازي مع قفزة نوعية في جاذبية بيئة الأعمال السعودية نجحت في استقطاب 119.2 مليار ريال (31.79 مليار دولار) استثمارات أجنبية مباشرة أسهمت في توليد 35.2 ألف وظيفة نوعية، ليتصدر البرنامج مسيرة الانتقال الجذري من مرحلة التأسيس إلى مرحلة قطف ثمار الأثر التنموي المستدام الذي يعزز الاقتصاد، ويمس جودة حياة الإنسان على أرض المملكة.

وتقوم آلية العمل التنفيذي للبرنامج على قيادة محفظة مشاريع مرنة وضخمة تضم أكثر من 313 مبادرة نوعية تشرف على هندستها وتطبيقها سبع وزارات رئيسة، هي: وزارة الاقتصاد والتخطيط، ووزارة البيئة والمياه والزراعة، ووزارة العدل، ووزارة التجارة، ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، ووزارة الاستثمار، وبمشاركة فاعلة من أكثر من 50 جهة حكومية، ومنفذة. ولضمان كفاءة الأداء المالي، والتشغيلي، والقدرة العالية على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية العالمية، يتم قياس ورصد مدى التقدم المحرز في هذه المبادرات بشكل دوري وصارم عبر 78 مؤشراً استراتيجياً معتمداً لقياس الأداء.

أناس يسيرون في مدينة البوليفارد بالرياض (رويترز)

طفرة رقمية ووفورات بمليارات الريالات

وفي المحاور المرتبطة بالحوكمة، والتكنولوجيا، ثبّت البرنامج مفهوم ثقافة الأداء، والتميز في العمل الحكومي عبر تسريع مخرجات التحول الرقمي الشامل، وتكامل البيانات.

وأظهر التقرير أن وفورات المبادرات الحكومية الرقمية تجاوزت عتبة الـ9.2 مليار ريال، مما يعكس كفاءة الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي في المنظومة الذكية.

وتوّجت هذه الجهود بتحقيق المملكة تقدماً عالمياً بارزاً بحلولها ضمن أفضل ست دول على مستوى العالم في مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الإلكترونية، مدفوعةً بمبادرات وزارات العدل، والتجارة، والاتصالات التي أسهمت في إصدار السجلات الفورية، وتطوير الأنظمة العدلية الرقمية لتجفيف البيروقراطية، وتسهيل قطاع الأعمال.

تمكين القطاع الخاص والتحول الاقتصادي

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد ركز التقرير على تعزيز دور القطاع الخاص في دعم الاقتصاد الوطني، حيث ارتفع عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى 1.7 مليون منشأة، بالتوازي مع قفزة نوعية في إجمالي تكوين رأس المال للقطاع الخاص غير النفطي ليغطي حاجز الـ1089 مليار ريال. كما تصدرت المملكة دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في إجمالي قيمة الاستثمار الجريء، وهو مؤشر يعكس تنامي ثقة الصناديق العالمية في منظومة الابتكار السعودية.

وللعام الثاني على التوالي، وثق التقرير قصص نجاح منشآت وطنية ملهمة؛ حيث استعرض الأثر التنموي لـ«الشركة الوطنية للخدمات الزراعية» في رفع كفاءة المزارعين، وقصة نجاح شركة «نادك» باعتبار أنها شريك استراتيجي أسهم في تعزيز الاكتفاء الذاتي، وبناء منظومة الأمن الغذائي المستدام، لتقليل الاعتماد على الواردات.

منظر عام لحديقة الملك سلمان أحد المشاريع الضخمة في الرياض (رويترز)

تمكين المجتمع وجاذبية سوق العمل

وعلى صعيد التنمية المجتمعية وسوق العمل، حققت المبادرات التنموية أثراً ملموساً في تعزيز دخل الأسر الناشئة؛ إذ سجلت الأسر المنتجة المدعومة من بنك التنمية الاجتماعية مبيعات قياسية تجاوزت 22.5 مليار ريال. وقادت الجهود المشتركة مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية تمكين الكوادر الوطنية عبر منصات العمل المرن، والتطوع، ونظام حماية الأجور، مما أسهم في الارتقاء بالقطاع غير الربحي على أنه رافد اقتصادي واجتماعي مستدام.

الاستدامة البيئية

وتتوزع مستهدفات البرنامج ونسب إنجازها لتغطي أربعة محاور تنموية رئيسة؛ يتصدرها محور الاستدامة البيئية، والأمن المائي، والغذائي. إذ أظهر التقرير السنوي نجاحاً قياسياً للبرنامج في ملف استدامة الموارد الحيوية، وحماية البيئة؛ حيث تمكنت المملكة من إصلاح أكثر من مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي المتدهورة، وهي مساحة تعادل مساحة مدينة الرياض مكررة 6 مرات، فضلاً عن زراعة أكثر من 151 مليون شجرة على أراضي المملكة حتى نهاية عام 2025 ضمن مستهدفات مبادرة «السعودية الخضراء».

وعلى صعيد صون الطبيعة، ارتفع عدد المحميات السعودية المدرجة في القائمة الخضراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) إلى 5 محميات، تشمل: محمية الوعول، ومحمية عروق بني معارض، ومحمية الملك سلمان بن عبد العزيز الملكية، ومحمية عاذر، ومحمية الملك عبد العزيز الملكية. كما أن محمية جزر فرسان أول محمية سعودية تنضم إلى اتفاقية «رامسار» الدولية للأراضي الرطبة.

وشهد عام 2025 إطلاق «رحلة العقد البرية»، وهي المهمة البحثية الوطنية الأكبر من نوعها لاستكشاف الموائل الطبيعية، وبناء قاعدة بيانات وطنية للتنوع الأحيائي. ونتيجة لتوسيع نطاق الحماية، بلغت نسبة المناطق المحمية البرية المسجلة 18.1 في المائة، ونسبة المحميات البحرية 16.3 في المائة من إجمالي مساحة المملكة، مع إعلان محميتين بحريتين جديدتين هما: محمية رأس حاطبة، ومحمية قوب الزرقاء.

وفي ملف الأرصاد، أسهمت جهود المركز الوطني للأرصاد وبرنامج استمطار السحب في خفض الحالات والعواصف الغبارية والرملية بنسبة 53 في المائة خلال عام 2025، وبالتوازي مع رفع دقة التوقع والإنذار المبكر للأخطار الجوية قبل 3 أيام من حدوثها إلى 85.64 في المائة مقارنة بـ60 في المائة فقط عام 2017.

الأمن المائي والغذائي

وكرس التقرير ريادة المملكة في أنها أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم؛ إذ قفزت الطاقة الإنتاجية اليومية للمياه المحلاة إلى 16 مليون متر مكعب يومياً في عام 2025، مقارنة بنحو 4.6 مليون متر مكعب في عام 2016، واختارت الأمم المتحدة المملكة باعتبار أنها نموذج عالمي يحتذى في تسريع تحقيق الهدف السادس للتنمية المستدامة الخاصة بالمياه.

ونجحت المملكة في إضافة 9 أرقام قياسية جديدة في موسوعة «غينيس» لعام 2025 في قطاع المياه، شملت بناء أكبر منظومة تحلية بتقنية التناضح العكسي على أصغر مساحة أرض في مشروع «منظومة الخبر-المرحلة الثانية» بطاقة 670.8 ألف متر مكعب يومياً، وتسجيل أقل استهلاك طاقة في العالم بواقع 1.7 كيلو واط/ساعة للمتر المكعب بمشروع «منظومة إنتاج الشعيبة-المرحلة الخامسة»، فضلاً عن إطلاق أكبر واحة للابتكار المائي في العالم برابغ على مساحة تتجاوز 33 ألف متر مربع.

وعلى صعيد البنية التحتية، نفذت خطوط وشبكات مياه ممتدة بطول تجاوز 3.7 مليون متر طولي لخدمة أكثر من 27 مليون مستفيد، وارتفعت سعة محطات المعالجة إلى 21.6 ألف متر مكعب يومياً لخدمة 21.6 مليون مستفيد عبر شبكات صرف صحي بطول 1.4 مليون متر طولي. وتكللت هذه الجهود في موسم حج عام 1446هـ بضخ ونقل 1.2 مليون متر مكعب يومياً للمشاعر المقدسة بمطابقة جودة بلغت 100 في المائة.

وفي قطاع الزراعة، تم تفعيل منصة «لتدوم» الرقمية للحد من الهدر الغذائي، وارتفعت الطاقة التخزينية للصوامع بنسبة 40 في المائة لتصبح الأعلى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبلغت قيمة صادرات التمور السعودية 1.7 مليار ريال لتصل إلى 133 دولة، محتلة المرتبة الأولى عالمياً.

أرقام صامتة تحولت إلى إنجازات

وأكد الرئيس التنفيذي لبرنامج التحول الوطني، المهندس فواز بن علاء الرابح، في كلمته الافتتاحية للتقرير، أن مسيرة التحول تجاوزت مرحلة التأسيس وبناء الممكنات الهيكلية لتستقر في مرحلة النضج، وحصاد الأثر المستدام، مشيراً إلى أن البرنامج نجح في تحويل الأرقام الصامتة إلى قصص نجاح واقعية تلمس حياة المواطن، والمقيم، والزائر.

وجاء في نص كلمته الموجهة لقطاعات الأعمال والمنظومة الحكومية: «إن رحلة التحول الوطني هي رحلة طويلة، ومستمرة، وتتطلب وضوحاً راسخاً في الهدف، ودقة متناهية في التنفيذ، ومرونة عالية وعميقة للقيمة التنافسية، وقدرة مستمرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية العالمية المتسارعة».

وأضاف الرابح: «إذ نطوي اليوم بكل فخر فصلاً حافلاً بالإنجازات الاستثنائية، والنجاحات النوعية لعام 2025، فإننا ننظر إلى المستقبل بثقة أكبر، وعزيمة أصلب، مستندين إلى أساس بنيوي متين أثمرته الرؤية، ومستفيدين من الخبرات الوطنية المتراكمة، والأنظمة التشريعية المحدثة، والقدرات البشرية المؤهلة، لنواصل معاً تعظيم الأثر التنموي، وترسيخ المنجز الاقتصادي، وتحقيق المستهدفات الطموحة لرؤية السعودية 2030 في مرحلتها القادمة».


مقالات ذات صلة

مؤشر السوق السعودية يغلق بارتفاع 1.3 %

الاقتصاد مستثمر يتابع شاشة التداول في السوق السعودية (أ.ف.ب)

مؤشر السوق السعودية يغلق بارتفاع 1.3 %

أنهى مؤشر السوق السعودية الرئيسية (تاسي) جلسة الثلاثاء مرتفعاً بنسبة 1.3 في المائة، ليغلق عند مستوى 11115 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها 7.6 مليار ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتي التفاهم (إكس)

السعودية وتركيا توقِّعان مذكرتَي تفاهم لتعزيز التعاون في قطاع السكك الحديدية

وقّعت السعودية وتركيا مذكرتَي تفاهم كبيرتين للتعاون المشترك في قطاعي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، في خطوة تاريخية وُصفت بأنها بداية التحول الجذري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رصيف ميناء الملك عبد العزيز (موانئ)

«إكسترا» تدشن مركزاً لوجستياً بـ8 ملايين دولار في ميناء الدمام

افتتح وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للموانئ، المهندس صالح الجاسر، المركز اللوجستي الجديد لشركة «إكسترا» في ميناء الدمام.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
الاقتصاد نائب أمير منطقة تبوك يدشّن مشروع «واجهة الشمال» للمعارض والمؤتمرات (واس)

السعودية تعزّز قطاع المعارض والمؤتمرات بمشروع «واجهة الشمال» بـ14.7 مليون دولار

دشّن نائب أمير منطقة تبوك شمال غربي السعودية، الأمير خالد بن سعود بن عبد العزيز، مشروع «واجهة الشمال» للمعارض والمؤتمرات باستثمارات تجاوزت 55 مليون ريال.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
خاص مساعٍ في «طيران الرياض» لتعزيز الوجهات مع دخول الطائرات الجديدة حيز التشغيل (إكس) p-circle 02:55

خاص «طيران الرياض» تراهن على التوسع التدريجي مع تسارع تسلُّم طائراتها الجديدة

تراهن «طيران الرياض» على استراتيجية توسع تدريجية، مدعومة بالنمو المتواصل لأسطولها الجوي، مع تسارع وتيرة تسلُّم الطائرات الجديدة واقتراب موعد الإطلاق التجاري.

مساعد الزياني (الرياض)

مؤشر السوق السعودية يغلق بارتفاع 1.3 %

مستثمر يتابع شاشة التداول في السوق السعودية (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشة التداول في السوق السعودية (أ.ف.ب)
TT

مؤشر السوق السعودية يغلق بارتفاع 1.3 %

مستثمر يتابع شاشة التداول في السوق السعودية (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشة التداول في السوق السعودية (أ.ف.ب)

أنهى مؤشر السوق السعودية الرئيسية (تاسي) جلسة الثلاثاء مرتفعاً بنسبة 1.3 في المائة، ليغلق عند مستوى 11115 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها 7.6 مليار ريال.

وسجل المؤشر أعلى مستوى له خلال الجلسة عند 11115 نقطة، في حين بلغ أدنى مستوى عند 10982 نقطة.

وقاد قطاع المرافق العامة أداء السوق؛ إذ ارتفع بنسبة 5.35 في المائة، مدعوماً بصعود سهم «أكوا باور» بنسبة 7.73 في المائة.

وعلى مستوى الشركات، تصدر سهم «المتحدة للتأمين» قائمة الأسهم الأكثر ارتفاعاً بعد صعوده بنسبة 9.90 في المائة ليغلق عند 3.33 ريال، تلاه سهم «أكوا باور» مرتفعاً بنسبة 7.73 في المائة ليغلق عند 202.20 ريال، ثم سهم «الخليجية العامة» الذي صعد بنسبة 6.40 في المائة ليغلق عند 3.99 ريال.

في المقابل، تصدر سهم «بترو رابغ» قائمة الأسهم الأكثر انخفاضاً ليغلق عند 14.3 ريال، تلاه سهم «دي بي إس» ليغلق عند 12.98 ريال، ثم سهم «تالكو» ليغلق عند 35.16 ريال، بعدما تراجعت الأسهم الثلاثة بنسب تراوحت بين 5.2 و5.9 في المائة


قطار التجارة التركي - السوري ينطلق نحو مستهدف الـ10 مليارات دولار

وزير التجارة التركي عمر بولاط ووزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار في صورة جماعية مع المشاركين ضمن «قمة اقتصادات المدن» بولاية غازي عنتاب جنوب تركيا (حساب الوزير التركي على إكس)
وزير التجارة التركي عمر بولاط ووزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار في صورة جماعية مع المشاركين ضمن «قمة اقتصادات المدن» بولاية غازي عنتاب جنوب تركيا (حساب الوزير التركي على إكس)
TT

قطار التجارة التركي - السوري ينطلق نحو مستهدف الـ10 مليارات دولار

وزير التجارة التركي عمر بولاط ووزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار في صورة جماعية مع المشاركين ضمن «قمة اقتصادات المدن» بولاية غازي عنتاب جنوب تركيا (حساب الوزير التركي على إكس)
وزير التجارة التركي عمر بولاط ووزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار في صورة جماعية مع المشاركين ضمن «قمة اقتصادات المدن» بولاية غازي عنتاب جنوب تركيا (حساب الوزير التركي على إكس)

دخلت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين أنقرة ودمشق مرحلة جديدة من التنسيق، قوامها الانتقال من «الصفقات العابرة» إلى مربع «الشراكات السيادية المستدامة»، إذ أعلن وزير التجارة التركي، عمر بولاط، إتمام الاستعدادات الرسمية لافتتاح معبر «إصلاحية» للسكك الحديدية بين مدينة غازي عنتاب وسوريا، إلى جانب التوافق على بدء إجراءات التشريع اللازمة لفتح فروع لبنوك ومؤسسات أعمال تركية في الأراضي السورية. وأكد أن أولوية تركيا هي الحفاظ على الدولة السورية ووحدتها الوطنية وسيادة أراضيها، وأنها قدمت لها جميع الإسهامات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية.

وزير التجارة التركي عمر بولاط متحدثاً خلال جلسة ضمن «قمة اقتصادات المدن» في غازي عنتاب (حسابه على إكس)

وتأتي هذه التطورات المتسارعة، التي كُشف عنها النقاب خلال «قمة الأناضول لاقتصادات المدن» المنعقدة في مدينة غازي عنتاب الحدودية، بحضور وزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار، لتضع خريطةَ طريق طموحاً تستهدف القفز بحجم التجارة البينية من 3 مليارات دولار حالياً إلى 5 مليارات في المدى القريب، وصولاً إلى مستهدف 10 مليارات دولار بحلول عام 2030. وأضاف: «حددنا هدفاً لبلوغ 10 مليارات دولار في التجارة بين تركيا وسوريا بحلول عام 2030، واتفقنا على فتح فروع لبنوك تركية في سوريا، وتُجرى حالياً الدراسات المتعلقة بالتشريعات اللازمة لذلك».

وتعكس هذه الخطوات رغبة متبادلة في تحقيق التنمية المشتركة وإعادة الازدهار الاقتصادي للشريط الحدودي؛ حيث تراهن أنقرة على دمشق بوصفها ممراً لوجستياً استراتيجياً يمتد إلى أسواق الشرق الأوسط والخليج العربي، في حين تمثل تركيا بوابة سوريا الرئيسية نحو الأسواق العالمية وأوروبا.

شراكات مستدامة

بدوره، دعا وزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار، المستثمرين الأتراك إلى شراكات اقتصادية مستدامة في بلاده.

وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار متحدثاً خلال جلسة ضمن «قمة الأناضول لاقتصادات المدن» في غازي عنتاب (إعلام تركي)

وقال الشعار إن «سوريا الجديدة اليوم صديقة مسالمة، فيها فرص استثمارية ومنفتحة لكل من يرغب بالمساعدة وبالشراكة أولاً»، مشدداً على أن «استثماراتنا تأخذ طبيعة الشراكة أكثر مما تسعى للربح».

وأضاف؛ موجهاً حديثه إلى المستثمرين الأتراك: «عندما تريد أن تأتي إلى سوريا، فيجب أن تأتي وخلفيتك الفكرية أن تكون شريكاً، لا أن تأتي من أجل صفقة واحدة ثم تذهب، ولا أن تأتي لتحقيق أرباح سريعة».

وأوضح الشعار أن «هناك فرصاً في سوريا غير موجودة في كل دول العالم؛ لأنها بلد ناشئ مليء بالخبرات والشباب»، وقال: «نحن نسعى إلى الشراكة»، مشيراً إلى أن شركات تركية «بدأت العمل في سوريا بالفعل، وفي مدينة حلب بشكل خاص، فضلاً عن شركات تسعى إلى التسجيل والترخيص وبدء العمل».

وتابع: «لكننا نريد أكثر من ذلك... نريد أن يكون الموضوع على مستوى سيادي، ونحن اليوم في سوريا لدينا فرصة صناعية كبيرة جداً، وتركيا كانت خلال الـ20 عاماً الماضية مصدراً مهماً جداً لتصدير مختلف السلع والمنتجات، وما زالت كذلك، ونحن منفتحون على كل أنواع الاستثمارات، وأن نكون شركاء؛ ليس فقط بهدف الربح، وإنما بهدف البناء».

وذكر الشعار أنه «عندما يرتفع معدل النمو الاقتصادي في سوريا، وهي الشريك الطبيعي لتركيا، فإن ذلك سيؤثر على مستوى النمو الاقتصادي بالبلدين».

الربح المشترك

واستهدفت «قمة الأناضول لاقتصادات المدن»، التي شارك فيها ممثلون من قطاع الأعمال في كل من تركيا وسوريا، بحث إمكانية إنشاء مناطق إنتاج وتجارة منظمة بشكل خاص بين غازي عنتاب وحلب، بما يتيح إقامة استثمارات واسعة النطاق لبناء منظومة إنتاج وسيطة على طول الشريط الحدودي بين البلدين.

السفير التركي لدى سوريا نوح يلماظ متحدثاً خلال قمة غازي عنتاب الاقتصادية (إعلام تركي)

وقال السفير التركي في دمشق، نوح يلماظ، إن علاقات بلاده بسوريا في المرحلة الجديدة تقوم على مبدأ «رابح - رابح»، موضحاً أن طريق الاستقرار الدائم في سوريا تمر عبر إعادة الازدهار الاقتصادي.

وأشار يلماظ إلى أن تركيا هي بوابة سوريا إلى الأسواق العالمية وأوروبا، وأن سوريا ممر لوجستي استراتيجي لتركيا يمتد إلى الشرق الأوسط والخليج العربي.

بدوره، قال والي غازي عنتاب، كمال تشابار، إن ازدهار محافظة حلب السورية انعكس تاريخياً على الولاية التركية، لافتاً إلى أهمية تعزيز التعاون بين البلدين، وتحقيق التنمية المشتركة مع سوريا في إطار «قانون الأخوة».


ارتفاع يفوق التوقعات للصادرات الصينية مدفوعةً بطفرة الذكاء الاصطناعي

سفينة شحن محملة بمئات الحاويات في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
سفينة شحن محملة بمئات الحاويات في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

ارتفاع يفوق التوقعات للصادرات الصينية مدفوعةً بطفرة الذكاء الاصطناعي

سفينة شحن محملة بمئات الحاويات في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
سفينة شحن محملة بمئات الحاويات في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

تسارع نمو الصادرات الصينية في مايو (أيار)، مدعوماً بالطلب القوي على الرقائق الإلكترونية والسيارات وغيرها من السلع عالية التقنية التي تُغذي طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية، مما خفَّف بعض الضغط على صانعي السياسات في ظل تأثير صدمات أسعار الطاقة الناجمة عن الصراع الإيراني على الطلب الأوسع.

وساعد الارتفاع الكبير في الاستثمار العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، أكبر مصنّع في العالم، على تعويض الضربة التي توقعها كثيرون للصادرات جراء اضطرابات الشرق الأوسط. لكن تظهر مؤشرات على أن التخزين المرتبط بارتفاع تكاليف الطاقة آخذٌ في التلاشي، مع ارتفاع الأسعار وبدء المشترين الأجانب في تقليص مخزوناتهم في انتظار وقف إطلاق النار.

وأظهرت بيانات الجمارك الصادرة يوم الثلاثاء، نمو الصادرات بنسبة 19.4 في المائة مقارنةً بالعام الماضي من حيث القيمة بالدولار الأميركي، متجاوزةً بذلك نسبة النمو المسجَّلة في أبريل (نيسان) والبالغة 14.1 في المائة، والزيادة المتوقعة من الاقتصاديين والبالغة 15 في المائة.

وسجلت الواردات شهراً قوياً آخر، حيث ارتفعت بنسبة 27.4 في المائة مقابل 25.3 في المائة في الشهر السابق. وكان الاقتصاديون قد توقعوا نمواً بنسبة 25 في المائة.

وقال شينغ تشاوبنغ، كبير استراتيجيي الصين في بنك «إيه إن زد»: «يستمر ارتفاع أسعار الرقائق الإلكترونية في دعم الصادرات، حيث ارتفعت أسعار الذاكرة بنسبة 20 في المائة على أساس شهري، مما دفع نمو صادرات الدوائر المتكاملة إلى 111 في المائة خلال الشهر».

وأظهرت البيانات أيضاً ارتفاعاً ملحوظاً في صادرات الصين من معدات معالجة البيانات الآلية بنسبة 66.1 في المائة من حيث القيمة على أساس سنوي، وزيادة في منتجات التكنولوجيا المتقدمة بنسبة 50.9 في المائة، وقفزة في شحنات السيارات بنسبة 39 في المائة.

وأضاف شينغ: «بالنظر إلى المستقبل، فإن قصة الذكاء الاصطناعي لم تنتهِ بعد، فالرقائق الإلكترونية تُعيد رسم ملامح التجارة الصينية».

وقد أدى ازدهار الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الطلب على أشباه الموصلات التي تُشغّل مراكز البيانات والإلكترونيات المتقدمة، مما يُعزز نقاط قوة التصنيع الصينية.

ولكن بعيداً عن الذكاء الاصطناعي، ثمة مؤشرات على وجود ضغوط في قطاعات أخرى تُشير إلى أن الزخم قد بدأ بالتراجع. فعلى سبيل المثال، ارتفعت صادرات الأثاث بنسبة 1.9 في المائة فقط على أساس سنوي في مايو، بينما انخفضت شحنات الألعاب بنسبة 7 في المائة، وتراجعت صادرات الأحذية بنسبة 10.4 في المائة.

كما أظهرت بيانات منفصلة عن نشاط المصانع انخفاضاً حاداً في طلبات التصدير الجديدة الشهر الماضي مقارنةً بذروة أبريل التي سُجّلت خلال عامين، عندما أفاد مديرو المستودعات عن ازدهار الأعمال وسط تسابق المصانع الأجنبية لتأمين الإمدادات.

وقد أسهمت الصادرات القوية في دفع الاقتصاد الصيني البالغ 20 تريليون دولار إلى ما يفوق التوقعات في الربع الأول، إلا أن بعض مواطن الضعف في محرك التصدير قد عززت المخاوف من أن ضعف الطلب المحلي يجعله عرضةً لظروف عالمية أضعف، ويزيد من احتمالية تقديم مزيد من الدعم السياسي.

وقد أسهمت الصادرات القوية في دفع الاقتصاد الصيني البالغ 20 تريليون دولار إلى ما يفوق التوقعات في الربع الأول، إلا أن بعض مواطن الضعف في محرك التصدير قد عززت المخاوف من أن ضعف الطلب المحلي يجعله عرضةً لظروف عالمية أضعف، ويزيد من احتمالية تقديم مزيد من الدعم السياسي.

التوترات التجارية

وتتعرض بكين لضغوط دولية متزايدة لتعزيز الاستهلاك المحلي، إذ يحذر النقاد من أن اعتمادها الكبير على المدخلات المستوردة وإعادة التصدير يُشوّه التجارة ويُقصي الاقتصادات الناشئة الأخرى من الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة العالية.

وقال تشيوي تشانغ، كبير الاقتصاديين في شركة «بينبوينت» لإدارة الأصول: «يجب إيلاء اهتمام بالغ لخطر تصعيد التوتر بين الصين وشركائها التجاريين الرئيسيين مثل أوروبا».

وقد عززت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا القلق الأسبوع الماضي، مشيرةً في تقرير لها إلى أن نحو 60 في المائة من مكاسب الشركات الصينية في حصتها السوقية «يمكن تفسيرها بالإعانات التي تتلقاها».

وخلصت دراسة جديدة صادرة عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى أن الفائض التجاري للصين -مُقاساً إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي- قد تجاوز 1 في المائة، وهو أعلى بكثير من المستويات التي بلغتها اليابان وألمانيا في أواخر القرن العشرين، ولا يُظهر أي مؤشر على انخفاضه.

وبلغ الفائض التجاري الصيني، الذي تجاوز تريليون دولار العام الماضي، 105.43 مليار دولار في مايو، مرتفعاً من 84.8 مليار دولار في الشهر السابق، ومن توقعات بلغت 92.1 مليار دولار.

وتشير أحدث الأرقام التجارية إلى أن فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية الصينية يُرجّح أن يكون مسؤولاً عن جزء على الأقل من هذه الشحنات.

وارتفعت الصادرات إلى أوروبا بنسبة 7.6 في المائة على أساس سنوي في مايو، بينما زادت الصادرات إلى الولايات المتحدة بنسبة 35.4 في المائة، وإلى جنوب شرق آسيا بنسبة 24.3 في المائة.

وشهدت المشتريات من كوريا الجنوبية ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة 83.6 في المائة. وتُعد الصين أكبر سوق للرقائق الكورية. كما يُلقي النفوذ الاقتصادي الصيني بظلاله على أسواق النفط، حيث فاجأ أكبر مشترٍ للطاقة في العالم المتداولين بتقليص مشترياته. وانخفضت واردات النفط الخام في مايو بنسبة 29 في المائة إلى أدنى مستوى لها في ثماني سنوات، مما أسهم في تهدئة الأسعار العالمية وتخفيف حدة الصدمة الطاقية التي أحدثتها حرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران.

وأسهم اجتماعٌ حظي بمتابعة دقيقة الشهر الماضي بين ترمب والزعيم الصيني شي جينبينغ في تهدئة التوترات بين القوتين العظميين، لكنه لم يُسفر عن أي اختراقات ملموسة، سواء في النزاعات الجمركية أو التعاون لإنهاء الصراع الإيراني.

ومع ذلك، ارتفعت صادرات الصين من العناصر الأرضية النادرة إلى أعلى مستوى لها في أربعة أشهر، حيث شحنت أكبر دولة منتجة في العالم 5490 طناً مترياً من هذه المجموعة المكونة من 17 عنصراً، والتي تُعدّ أساسية للسيارات الكهربائية وتوربينات الرياح وتقنيات الدفاع -وهو ما يُمثل نقطة توتر أخرى في التوترات التجارية بين بكين والغرب.

المزايا النسبية

وقالت شيانا يو، كبيرة الاقتصاديين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»، إن القدرة الإنتاجية للصين تجعلها في وضع جيد لاستيعاب التوترات التجارية مع الغرب، بما في ذلك الزيادات الأميركية المقترحة في الرسوم الجمركية بسبب مخاوف العمل القسري.

وأضافت: «ما زلنا نتوقع أن تكون الصادرات هي المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي في الصين عام 2026، مدعومةً باستمرار إنتاج منتجات التكنولوجيا المتقدمة والنظيفة، على الرغم من التحديات التي تواجه الطلب العالمي نتيجة الحرب».