الاقتصاد الهندي والمالية العامة يواجهان فاتورة متصاعدة جراء حرب إيران

أزمة الطاقة تضع صناع القرار أمام خيارات صعبة وتبدد طموحات عام 2026

جانب من منظر عام للمنطقة المالية المركزية في مومباي (رويترز)
جانب من منظر عام للمنطقة المالية المركزية في مومباي (رويترز)
TT

الاقتصاد الهندي والمالية العامة يواجهان فاتورة متصاعدة جراء حرب إيران

جانب من منظر عام للمنطقة المالية المركزية في مومباي (رويترز)
جانب من منظر عام للمنطقة المالية المركزية في مومباي (رويترز)

قبل بضعة أشهر فقط، كان الاقتصاد الهندي يمضي بخطى واثقة، مستنداً إلى «مزيج متوازن من استقرار الأسعار واعتدال التضخم»، إلى جانب «نمو اقتصادي قوي ومتماسك»، مكّناه من تسجيل أفضل أداء بين الاقتصادات الكبرى على مستوى العالم.

أما اليوم، فتجد الهند نفسها أمام فاتورة اقتصادية متصاعدة ناجمة عن حرب إيران، في ظل تقديرات تشير إلى أن هذه التكلفة مرشحة للاستمرار في الارتفاع ما دام الجمود قائماً بين الولايات المتحدة وإيران، وما دامت اضطرابات إمدادات النفط العالمية مستمرة.

وبوصفها ثالث أكبر مستورد ومستهلك للنفط في العالم، تستورد الهند نحو 90 في المائة من احتياجاتها النفطية؛ مما يجعل اقتصادها من أوسع الاقتصادات تعرضاً لتداعيات الحرب والاضطرابات الممتدة المرتبطة بها، بما في ذلك الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية.

ورغم إعلان الهند حزمة من الإجراءات الهادفة إلى حماية الروبية واحتياطات النقد الأجنبي، كان أحدثها التدابير التي أعلنها «البنك المركزي الهندي» يوم الجمعة الماضي، فإن المحللين يرون أن التأثيرات السلبية الأوسع على النمو الاقتصادي والتضخم والمالية العامة مرشحة للتفاقم ما دامت أسعار النفط باقية عند مستويات مرتفعة.

عامل يملأ خزان سيارة بالديزل بينما يحمل أوراقاً نقدية من فئة 500 روبية هندية بمحطة وقود في ولاية كولكاتا (رويترز)

سلسلة من صدمات العرض

وقال مايكل لانغهام، خبير اقتصادات الأسواق الناشئة لدى شركة «أبردين» للاستثمارات: «الهند مقبلة على سلسلة من صدمات العرض».

وأضاف أن «البلاد لا تواجه فقط ضغوطاً ناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، بل أيضاً اضطرابات في إمدادات الأسمدة بسبب الحرب مع إيران، مما قد يؤثر على محاصيل استراتيجية مثل القمح، في وقت يستعد فيه المزارعون بالفعل لمواجهة ظاهرة (إل نينيو) المناخية التي غالباً ما ترتبط بموجات الجفاف».

وقال لانغهام: «كل هذه العوامل ستلقي بثقلها على آفاق النمو في الهند، كما أن قدرة (البنك المركزي الهندي) على تجاوز صدمة أسعار الطاقة المرتبطة بمضيق هرمز ستصبح أصعب في ظل تزامن هذه الصدمات في جانب العرض».

وفي نهاية العام الماضي، تحدث محافظ «البنك المركزي الهندي»، سانجاي مالهوترا، عن مرحلة اقتصادية «مثالية ونادرة» مع دخول البلاد عام 2026، حيث كانت معدلات التضخم تتراجع، فيما ظل النمو الاقتصادي قوياً نسبياً. غير أن حرب إيران بددت تلك التوقعات؛ فقد قفزت فاتورة واردات الهند من النفط والغاز بنسبة 53 في المائة خلال أبريل (نيسان) الماضي مقارنة بشهر مارس (آذار) الذي سبقه؛ مما دفع بالتوقعات بشأن عجز ميزان المدفوعات - أي صافي الأموال الداخلة إلى الاقتصاد بعد خصم الأموال الخارجة منه - إلى الارتفاع بشكل ملحوظ.

ويرى بنك «إتش إس بي سي» أن الإجراءات التي أُعلنت يوم الجمعة قد تحد بدرجة كبيرة من الضغوط على العملة. فحتى ذلك الوقت، كان «البنك» يتوقع اتساع عجز ميزان المدفوعات إلى نحو 65 مليار دولار خلال السنة المالية 2026 - 2027، لكنه يتوقع الآن أن تسهم الإجراءات الجديدة في تحسين الميزان بنحو 30 مليار دولار.

وخلال السنة المالية 2025 - 2026، بلغ عجز ميزان المدفوعات الهندي 25.2 مليار دولار، أي ما يعادل 0.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

كما تعمل الحكومة على تقليص واردات الذهب، وتشجيع المواطنين على الحد من السفر إلى الخارج، وزيادة الاعتماد على وسائل النقل العامة بهدف خفض الطلب على النفط.

موقف بالغ الصعوبة

لكن الصورة الاقتصادية الكلية تبدو أشد تعقيداً. فقد قفزت أسعار النفط العالمية بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) 2026، لتقترب من 120 دولاراً للبرميل. ورغم تراجعها لاحقاً، فإنها لا تزال أعلى بنحو 30 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، في حين ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي المسال بنسبة 75 في المائة خلال الفترة نفسها.

ونتيجة ذلك؛ يتوقع «البنك المركزي الهندي» أن يبلغ متوسط التضخم 5.1 في المائة خلال السنة المالية المنتهية في مارس 2027، مقارنة مع 3.48 في المائة خلال أبريل، بينما يُتوقع تباطؤ النمو الاقتصادي إلى 6.6 مقابل 7.7 في المائة خلال العام السابق.

ورغم إبقاء «البنك المركزي» أسعار الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي، فإن أسواق مقايضات أسعار الفائدة تحدد حالياً احتمال رفع الفائدة بما لا يقل عن 25 نقطة أساس خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، وأكثر من 75 نقطة أساس خلال العام المقبل.

وقال سات دوهرا، مدير المحافظ الاستثمارية في فريق «الأسهم الآسيوية باستثناء اليابان» لدى شركة «جانوس هندرسون» للاستثمارات: «لا تزال الهند تواجه تحديات هيكلية عميقة أثرت سلباً على الاستثمار الأجنبي المباشر والتوظيف والتوسع الصناعي والاستهلاك ونمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي».

وأضاف أن صدمة الطاقة ستقوض النمو الاقتصادي وتزيد الضغوط على المالية العامة. وقال: «أي خطوة لتقليص الإنفاق الرأسمالي الحكومي بهدف تحقيق الاستقرار الاقتصادي قد تؤدي إلى مزيد من التباطؤ في النمو؛ مما يضع صناع السياسات أمام خيارات صعبة للغاية».

متداول عملات يعدّ أوراق روبية هندية بمتجر في مومباي (رويترز)

طلب قوي على النفط

أرجأت الهند رفع أسعار الوقود للمستهلكين رغم الارتفاع الكبير في تكاليف الاستيراد. ومنذ ذلك الحين، ارتفعت أسعار البنزين والديزل بأقل من 10 في المائة، مقارنة بزيادات تجاوزت 50 في المائة ببعض الدول الآسيوية الأخرى المستوردة للنفط.

ورغم أن أسعار البنزين والديزل محررة رسمياً، فإن الحكومة لا تزال تتمتع بنفوذ كبير بوصفها المساهم الأكبر في شركات توزيع الوقود الرئيسية.

وفي دول أخرى، أدى ارتفاع الأسعار إلى تراجع الطلب والمساعدة في إعادة التوازن إلى الأسواق التي تعاني من نقص الإمدادات.

وأكدت الحكومة أنها لن تعوض شركات توزيع الوقود عن الخسائر التي تتكبدها، وهي سياسة يرى محللون أنها ستنعكس سلباً على المالية العامة للدولة من خلال تراجع توزيعات الأرباح الحكومية وتقليص القدرة المالية على مواجهة تداعيات الأزمة.

وقال مسؤول حكومي إن من المتوقع أن ترتفع مخصصات دعم الأسمدة بنسبة 20 في المائة خلال السنة المالية 2026 - 2027.

وتُعدّ الأسمدة عنصراً حيوياً للاقتصاد الزراعي الهندي الذي يوفر سبل العيش لنحو نصف سكان البلاد، وقد تزداد أهميتها هذا العام في ظل مخاطر الجفاف المرتبطة بظاهرة «إل نينيو».

كما خفضت الحكومة الضرائب على البنزين والديزل، متخلية بذلك عن إيرادات شهرية تقدر بنحو 140 مليار روبية.

وتستهدف الحكومة تسجيل عجز مالي يعادل 4.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية الحالية، إلا إن استطلاعاً أجرته «رويترز» توقع ارتفاعه إلى 4.7 في المائة، فيما يرى بعض الاقتصاديين أنه قد يصل إلى 5 في المائة.

وتتوقع وكالة «كريسيل» الهندية للتصنيف الائتماني حدوث زيادات إضافية محدودة في أسعار الوقود للمستهلكين؛ مما ستكون له تداعيات أوسع على الاقتصاد.

وقالت الوكالة في تقرير: «سيمتد تأثير هذه الزيادات إلى مختلف قطاعات الاقتصاد عبر ارتفاع تكاليف النقل؛ مما سيدفع إلى زيادة كل من تضخم أسعار الغذاء والتضخم الأساسي».

ويشير ذلك إلى أن تداعيات حرب إيران لم تعد تقتصر على فاتورة الطاقة فقط، بل باتت تهدد بتقويض مسار النمو الاقتصادي الهندي، وزيادة الضغوط التضخمية، وإضعاف قدرة الحكومة على الحفاظ على انضباطها المالي في الفترة المقبلة.


مقالات ذات صلة

نمو اقتصاد كوريا الجنوبية 1.8% خلال الربع الأول

الاقتصاد سفينة حاويات تغادر محطة ميناء بوسان الجديد (رويترز)

نمو اقتصاد كوريا الجنوبية 1.8% خلال الربع الأول

أظهرت بيانات البنك المركزي الكوري الجنوبي، الثلاثاء، نمو اقتصاد كوريا الجنوبية، خلال الربع الأول من العام الحالي، بأسرع وتيرة له منذ أكثر من 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

«نيكي» يغلق مرتفعاً مع قفزة أسهم أشباه الموصلات

أنهى مؤشر «نيكي» الياباني تداولات يوم الثلاثاء على ارتفاع، مع تعافي أسهم الشركات الكبرى في قطاع أشباه الموصلات

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)

انتعاش الأسهم الصينية مع إقبال المستثمرين على الرقائق

انتعشت الأسهم الصينية يوم الثلاثاء؛ حيث انقض المستثمرون على أسهم شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية المتضررة بشدة بعد تراجعها يوم الاثنين.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد سيارات مخصصة للتصدير في ميناء بريمرهافن (رويترز)

الإنتاج الصناعي الألماني دون التوقعات رغم مفاجأة إيجابية في الصادرات

سجل الإنتاج الصناعي في ألمانيا ارتفاعاً أقل من المتوقع خلال أبريل، في إشارة إلى أن آفاق أكبر اقتصاد في أوروبا لا تزال ضعيفة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد أحد المتعاملين يتحدث بالقرب من شاشات تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف العملات الأجنبية بين الدولار والوون الكوري الجنوبي في سيول (أ.ب)

الأسهم الآسيوية ترتد صعوداً عقب إعلان التهدئة بين إيران وإسرائيل

سجلت أسواق الأسهم الآسيوية ارتداداً صعودياً خلال تداولات، الثلاثاء، في حين تراجعت أسعار النفط عن مستوياتها المرتفعة.

«الشرق الأوسط» (سيدني)

بسبب مخاوف التضخم والتوترات الجيوسياسية… تراجع تفاؤل الأعمال الصغيرة في أميركا

متسوقون يتجولون في سوق «إيسترن ماركت» في واشنطن (رويترز)
متسوقون يتجولون في سوق «إيسترن ماركت» في واشنطن (رويترز)
TT

بسبب مخاوف التضخم والتوترات الجيوسياسية… تراجع تفاؤل الأعمال الصغيرة في أميركا

متسوقون يتجولون في سوق «إيسترن ماركت» في واشنطن (رويترز)
متسوقون يتجولون في سوق «إيسترن ماركت» في واشنطن (رويترز)

تراجعت معنويات أصحاب الأعمال الصغيرة في الولايات المتحدة في مايو (أيار)، وارتفعت نسبة أصحاب الأعمال الذين يخططون لرفع الأسعار خلال الأشهر الثلاثة المقبلة إلى أعلى مستوى لها منذ ما يقرب من أربع سنوات، مما يشير إلى أن التضخم قد يبقى مرتفعاً لفترة من الوقت.

وقال الاتحاد الوطني للأعمال المستقلة، يوم الثلاثاء، إن مؤشر تفاؤل أصحاب الأعمال الصغيرة التابع له انخفض بمقدار 0.6 نقطة إلى 95.3 نقطة الشهر الماضي، متراجعاً بذلك إلى ما دون متوسطه على مدى 52 عاماً البالغ 98 نقطة. وارتفع مؤشر عدم اليقين في الاستطلاع ثلاث نقاط ليصل إلى 91، وهو أعلى بكثير من متوسطه التاريخي البالغ 68.

وقال الاتحاد الوطني للأعمال المستقلة (NFIB) في بيان: «عدم اليقين عدو النمو والاستثمار، وهو مرتفع للغاية. يرتبط جزء كبير من ذلك بالحرب الإيرانية وتأثيرها على إمدادات النفط العالمية والسلع الأخرى، وكلما أُسرع في حلها، عادت الأمور إلى طبيعتها بشكل أسرع».

وأدت الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، التي دخلت شهرها الرابع، إلى ارتفاع أسعار الطاقة وغيرها من المنتجات التي تُشحن عبر مضيق هرمز، مما زاد من حدة التضخم.

ومن المتوقع أن تُعلن الحكومة يوم الأربعاء أن مؤشر أسعار المستهلك ارتفع بنسبة 4.2 في المائة على أساس سنوي في مايو، وفقاً لتوقعات استطلاع أجرته «رويترز» وشمل اقتصاديين، وهو ما سيكون أكبر ارتفاع منذ أبريل (نيسان) 2023. وكان مؤشر أسعار المستهلك قد ارتفع بنسبة 3.8 في المائة في أبريل.

وأظهر استطلاع الاتحاد الوطني للأعمال المستقلة أن نسبة الشركات الصغيرة التي تخطط لرفع الأسعار خلال الأشهر الثلاثة المقبلة ارتفعت سبع نقاط لتصل إلى 34 في المائة، وهي أعلى نسبة منذ يوليو (تموز) 2022. وأفاد نحو 36 في المائة من أصحاب الشركات برفع الأسعار، وهي أعلى نسبة منذ مارس (آذار) 2023، بزيادة ست نقاط عن أبريل.

وقال الاتحاد الوطني للأعمال المستقلة إن الزيادات الفعلية في الأسعار كانت «أعلى بكثير من المتوسط ​​التاريخي البالغ 13 في المائة». وجاء التضخم في المرتبة الثانية كأهم مشكلة تواجه الشركات الصغيرة بعد الضرائب.

نظرة غير متفائلة لسوق العمل

على الرغم من أن تقرير التوظيف الذي أصدرته وزارة العمل الأميركية يوم الجمعة الماضي، والذي يحظى بمتابعة دقيقة، أظهر أن الاقتصاد حقق نمواً قوياً في الوظائف لثلاثة أشهر متتالية، وأن معدل البطالة استقر عند 4.3 في المائة للشهر الثالث على التوالي في مايو، فإن أصحاب الشركات الصغيرة كانوا أقل تفاؤلاً بشأن سوق العمل.

وانخفض مؤشر التوظيف في الاستطلاع إلى 100.3 الشهر الماضي من 100.4 في أبريل، مسجلاً انخفاضاً للشهر الثالث على التوالي. وانخفضت نسبة أصحاب الأعمال الذين يخططون لإنشاء وظائف جديدة خلال الأشهر الثلاثة المقبلة أربع نقاط لتصل إلى 9 في المائة، وهو أدنى مستوى لها منذ مايو 2020. وأشار الاتحاد الوطني للأعمال المستقلة (NFIB) إلى أن «خطط التوظيف الآن أقل من المتوسط ​​التاريخي البالغ 11 في المائة».

وبينما انخفضت نسبة أصحاب الأعمال الذين أبلغوا عن وجود وظائف شاغرة لم يتمكنوا من شغلها خمس نقاط لتصل إلى 29 في المائة، وهو أدنى مستوى لها منذ مايو 2020، لا يزال نقص العمالة يمثل مشكلة في بعض القطاعات، بما في ذلك تجارة الجملة والزراعة.

وأفاد بعض تجار الجملة في أوهايو بأن «بعض المتقدمين لا يحضرون المقابلات، بينما يتقدم آخرون ويجرون المقابلات ويقبلون، ثم لا يحضرون إلى العمل».

وقال بعض العاملين في القطاع الزراعي في ميشيغان إن «العمالة شحيحة على جميع المستويات». وقد يكون تشديد إجراءات الهجرة وراء نقص العمالة الزراعية.


السعودية وتركيا توقِّعان مذكرتَي تفاهم لتعزيز التعاون في قطاع السكك الحديدية

مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتي التفاهم (إكس)
مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتي التفاهم (إكس)
TT

السعودية وتركيا توقِّعان مذكرتَي تفاهم لتعزيز التعاون في قطاع السكك الحديدية

مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتي التفاهم (إكس)
مصافحة بين الجاسر وأورال أوغلو عقب توقيع مذكرتي التفاهم (إكس)

وقّعت السعودية وتركيا مذكرتَي تفاهم كبيرتين للتعاون المشترك في قطاعي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، في خطوة تاريخية وُصفت بأنها بداية التحول الجذري في مسار حركة التجارة الإقليمية والدولية. وتأتي هذه الاتفاقيات لتترجم الرؤية الاستراتيجية الرامية إلى بناء ممر نقل بري وسلس يربط منطقة الخليج العربي بالقارة الأوروبية مباشرة.

وجاء التوقيع بين وزير النقل والخدمات اللوجستية في السعودية، المهندس صالح الجاسر، ووزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، الذي أكد أن الاتفاقات تمثل بداية تحول جذري لبناء شبكة نقل برية عابرة للحدود.

ويستند هذا التحرك اللوجستي البارز إلى مسارات عملية بدأت تتبلور ملامحها قبل أشهر؛ إثر إقرار اتفاق ثلاثي حاسم جمع بين وزارات النقل في كل من تركيا وسوريا والأردن، والذي وضع خريطة طريق فنية وزمنية تمتد ما بين 4 و5 سنوات لإعادة تأهيل البنية التحتية المشتركة. وقد أثمر هذا التنسيق الإقليمي عن بدء الجانب التركي في إعادة تشغيل خطوط السكك الحديدية المحاذية للحدود السورية والتي ظلت متوقفة عن الخدمة لنحو 15 عاماً، في خطوة تمهد للربط الجغرافي الكامل وإعادة الدمج الاقتصادي لشبكات النقل التي تحتاج عمليات تحديثها الشاملة إلى استثمارات تُقدر بنحو 5.5 مليار دولار.

ووفقاً للمخططات الفنية للمرحلة الأولى، ينطلق هذا الشريان البري العابر للحدود من الشبكات التركية المرتبطة مباشرةً بجنوب القارة الأوروبية، ليعبر الأراضي السورية ممتداً بطول 350 كيلومتراً عبر المحاور الرئيسية في حلَب ودمشق، وصولاً إلى العاصمة الأردنية عمان ومنها إلى ميناء العقبة على البحر الأحمر. ويهدف هذا المسار، الذي يُعرف استراتيجياً باسم «طريق الشرق الأوسط»، إلى توفير بديل مستدام وعالي الكفاءة لنقل الأفراد والبضائع، مما يسهم في خفض تكاليف الشحن وزمن النقل مقارنةً بالشاحنات البرية التقليدية، فضلاً عن ربط موانئ البحر الأحمر بقلب أوروبا.


«سبايس إكس» تقتحم «وول ستريت» بمراكز بيانات مدارية... والمضاربون يتوجسون من ماسك

شعار شركة «سبايس إكس» وكلمة «اكتتاب عام أوَّلي» ورسم بياني لارتفاع سعر السهم (رويترز)
شعار شركة «سبايس إكس» وكلمة «اكتتاب عام أوَّلي» ورسم بياني لارتفاع سعر السهم (رويترز)
TT

«سبايس إكس» تقتحم «وول ستريت» بمراكز بيانات مدارية... والمضاربون يتوجسون من ماسك

شعار شركة «سبايس إكس» وكلمة «اكتتاب عام أوَّلي» ورسم بياني لارتفاع سعر السهم (رويترز)
شعار شركة «سبايس إكس» وكلمة «اكتتاب عام أوَّلي» ورسم بياني لارتفاع سعر السهم (رويترز)

في وقت تتأهب فيه الأسواق المالية لاستقبال أضخم طرح عام أوَّلي في التاريخ، كشفت شركة «سبايس إكس» (SpaceX) عن سلاحها الاستراتيجي الجديد لترسيخ سردية نموها الطويل الأجل في الأسواق العامة؛ حيث أعلن الملياردير إيلون ماسك أن بناء مراكز بيانات مدارية تعمل بالذكاء الاصطناعي لا يشكل تحدياً هندسياً معقداً، مؤكداً أن معالم هذه التكنولوجيا الفريدة موجودة بالفعل ومطبقة في شبكة أقمار «ستارلينك» الحالية.

وتأتي تصريحات ماسك في توقيت دقيق يسعى فيه المستثمرون إلى فحص خطط الشركة الطموحة لتحويل الفضاء الخارجي إلى بنية تحتية للحوسبة السحابية الفائقة، وهي الخطوة التي يتوقع أن تقفز بتقييم «سبايس إكس» السوقي إلى نحو 1.75 تريليون دولار عند بدء تداول أسهمها. ويهدف هذا التوجه إلى معالجة أزمة قيود الطاقة والكهرباء المتصاعدة التي تواجهها مراكز البيانات التقليدية على كوكب الأرض، عبر نقل البنية التحتية للحوسبة إلى المدار، لتتغذى مباشرةً على الطاقة الشمسية المتاحة وتعتمد على التبريد بالإشعاع الحراري في الفضاء.

خوادم طائرة تنافس عملاق الرقائق «إنفيديا»

ووفقاً للعرض التقني الذي شارك فيه مهندس الشركة إيان دال، فإن الجيل الأول المقترح من الأقمار الاصطناعية المخصصة للذكاء الاصطناعي سيعمل كعقد حوسبة طائرة، بقدرة إنتاجية تصل إلى 150 كيلووات من الطاقة القصوى، و120 كيلووات من طاقة الحوسبة المستدامة. وأوضح ماسك أن هذه الكفاءة تتطابق تقريباً مع ما يستهلكه رف خادم واحد من خوادم الذكاء الاصطناعي فائقة القدرة التابعة لشركة «إنفيديا» من طراز «جي بي 300»، والذي يستهلك عادةً نحو 140 كيلووات في ذروة تشغيله، مما يثبت جدوى هذه المحطات المدارية بديلاً كفؤاً للبنية التحتية الأرضية.

وأشارت الشركة إلى أن هذه المركبات الفضائية الجديدة ستكون في الواقع أقل تعقيداً من أقمار الاتصالات التقليدية؛ نظراً إلى عدم حاجتها إلى الهوائيات الضخمة المصفوفة والمستخدمة في بث النطاق العريض لإنترنت «ستارلينك». وتراهن «سبايس إكس» على الصواريخ العملاقة «ستارشيب» القابلة لإعادة الاستخدام بالكامل، لنقل الحجوم الهائلة من الألواح الشمسية والمبردات ورقائق الكمبيوتر اللازمة لبناء هذه المحطات المدارية على نطاق تجاري واسع، متوقعةً أن يبدأ مصنعها المخصص لهذه السلالة الجديدة في باستوب بولاية تكساس في تحقيق أحجام إنتاج ملموسة بحلول نهاية العام المقبل.

مركبات بالقرب من صاروخ «فالكون 9» التابع لـ«سبايس إكس» خارج منشأتها (أ.ف.ب)

«إم إس سي آي» يفتح الشريان التريليوني

وفي تطور بارز عزز من الزخم المالي للطرح، أكد مزود المؤشرات العالمي «إم إس سي آي (MSCI)» أنه سيطبِّق قواعد الإدراج السريع للشركات الكبرى الضخمة على «سبايس إكس»، مما يمهد الطريق لضمها إلى مؤشراته القياسية العالمية بعد 10 أيام تداول فقط من إدراجها. وتكمن أهمية هذه الخطوة في إجبار الصناديق الاستثمارية الخاملة (Passive Funds) التي تتبع هذا المؤشر وتدير أصولاً تقارب 5.79 تريليون دولار على شراء السهم آلياً لضبط أوزانها النسبية، بالتوازي مع طلب ضخم متوقع من الصناديق التي تتبع مؤشري «ناسداك 100» و«فوتسي راسل» اللذين حدَّثا قواعد الدخول السريع لخدمة عمالقة التكنولوجيا الجدد.

وعلى النقيض من ذلك، اتخذت «إس آند بي غلوبال» موقفاً متصلباً؛ حيث أغلقت الأسبوع الماضي الباب أمام الإدراج السريع لـ«سبايس إكس» في مؤشر «إس آند بي 500» الشهير، رافضةً تعديل شروطها الصارمة التي تشترط ضرورة ربحية الشركة؛ إذ أظهرت البيانات المالية المرافقة للاكتتاب أن صانعة الصواريخ سجلت صافي خسارة بلغ 4.94 مليار دولار في عام 2025، على الرغم من قفزة إيراداتها بنسبة 33 في المائة لتصل إلى 18.67 مليار دولار.

تحذيرات حاسمة للمضاربين

وعلى الجانب الآخر من المشهد في «وول ستريت»، أطلق خبراء الأسواق تحذيرات صارمة للمضاربين على انخفاض الأسهم أو من يعرفون بـ«البائعين على المكشوف»، مؤكدين أن سهم «سبايس إكس» قد يكون ساخناً جداً لدرجة يصعب التعامل معها. ورغم أن التقييم المالي الأولي للشركة يبدو هدفاً طبيعياً للمشككين، نظراً إلى تداوله بمضاعف إيرادات يقدَّر بـ56 مرة، فإن الصعود الطاغي للسوق والاهتمام الجارف من مستثمري التجزئة والمؤسسات الكبرى جعل الرهان ضد الطرح الفضائي مجازفة مالية غير مأمونة العواقب.

ويعزز موقف الشركة في البورصة بنية هذا الاكتتاب التاريخي، حيث من المستهدف أن يبلغ الحجم الإجمالي للطرح العام الأولي نحو 75 مليار دولار، في حين ستكون نسبة الأسهم الحرة المطروحة للتداول الفعلي شحيحة للغاية وبما يقل عن 5 في المائة من إجمالي الأسهم القائمة للشركة. هذه النسبة المحدودة ستجعل تكلفة اقتراض السهم لغرض المضاربة باهظة ومعقدة للغاية في الفترة الأولى من الإدراج، مما يدفع المضاربين إلى التراجع خطوة إلى الوراء.

واستدعى المحللون التجربة التاريخية المريرة لخصوم ماسك في شركة «تسلا» للسيارات الكهربائية، حيث تكبد المضاربون ضدها خسائر ورقية بلغت 27 مليار دولار منذ يونيو (حزيران) 2021، جراء الارتفاع الصاروخي لأسهمها بنسبة تجاوزت 2500 في المائة على مدى العقد الماضي، ناهيك بالمعارك العلنية الشرسة التي خاضها ماسك شخصياً وسخريته المتكررة من خصومه.

وأكد مارك شبيغل، الشريك الإداري في «ستانفيل كابيتال» وأحد الدببة التقليديين لشركات ماسك، أنه يفضل تبني استراتيجية «الانتظار والترقب» بدلاً من الهجوم الفوري، مشيراً إلى أن الصناديق الكبرى والمؤشرات القياسية مثل «ناسداك 100» ستندفع على الأرجح لشراء السهم بشكل آلي فور تدشينه لتضمينه في محافظها، مما يدفع بالسعر إلى مستويات قياسية جديدة، لتدخل «سبايس إكس» الأسواق العامة ليس فقط كشركة نقل فضائي واتصالات، بل كأحد عمالقة البنية التحتية الجيوسياسية والتكنولوجية للذكاء الاصطناعي في العالم.

Your Premium trial has ended