ترسم الأعمال المشاركة في معرض «وحدها تحت الضوء» المقام حالياً في الرياض عبر العديد من البورتريهات ما يمكن عدّه صحيفة للأحوال النفسية للفنانة سعاد حسني؛ حيث ترصد ملامح روحها في حال تألقها ونجوميتها واكتئابها وعزلتها.
المعرض بدأ يوم 2 يونيو (حزيران) بقاعة «لفت غاليري» بالتعاون مع السفارة المصرية ويستمر 30 يوماً، يصور بعيون الفنان المصري محمد أبو النجا والفنانين السعوديين نور السيف وأيمن يسري السندريلا في إطلالات تستبطن روحها في انعطافاتها المختلفة، وصورت البورتريهات الفنانة الراحلة في مراحلها الفنية، وأظهرت مشاعرها، وهي محاطة بنجوم السماء، وهي ذاهلة وساهمة بعيونها في البعيد المجهول، ثم وهي مغطاة بالأحمر بملامح غائمة، ومرهقة. وهناك أعمال رصدت علاقة سعاد حسني بالشاعر صلاح جاهين، بوجوه مرسومة وعليها خطوط وحروف كلمات الرباعيات الشهيرة لصلاح جاهين، بدت كأنها مطبوعة بمسحة وجودية مشغولة بالحياة والموت.

الفنانة نور السيف التي ركزت أعمالها المشاركة في المعرض على نجومية سعاد حسني، والمسارات المختلفة المتداخلة مع اختياراتها الفنية؛ قالت: «كان همي رسم سعاد في مرحلة النجومية الصارخة، ومرحلة الوعي وعلاقتها بالشاعر صلاح جاهين، ثم مرحلة الاكتئاب والعزلة»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا هو المدخل الرئيسي الذي نظرنا من خلاله للسندريلا. ونحن نعمل في المعرض لم نكن نسعى لحل لغز وفاتها، ولا لأي أمور شخصية تخصها، مثل زواجها من المطرب عبد الحليم حافظ أو غيرها من أشياء شغلت الرأي العام».
وتابعت: «سعينا لأن نراها بعيوننا وكيف كانت هي ترى نفسها، وكيف كانت تهتم بصورتها التي تسعى لتصديرها للآخرين. لم نكن بحاجة لمجهود خارق لكي نتعرف على سعاد حسني وروحها لأننا من محبيها في الأساس، نحفظها تماماً، ونعرف أعمالها وأرشيفها الفني جيداً، وشخصيتها، وكان التحدي الكبير تقديمها بعيداً عن الكلاشيهات والعناوين الجاهزة المحفوظة، وهذا ما جعلني أتناول صراعها الداخلي وحالة الإنكار التي عاشتها، في مواجهة عوامل الزمن».

بدأت فكرة المعرض حسبما قالت القيّمة الفنية غيداء المقرن من رغبة في التأمل في الأثر الذي تتركه الشخصيات الأيقونية بعد غيابها، وكيف تستمر صورها في التشكل داخل الذاكرة الجماعية. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «بعد مرور 25 عاماً على رحيل سعاد حسني، بدا حضورها الثقافي والفني أكثر تعقيداً وثراءً من أن يُختزل في سيرة ذاتية أو تاريخ سينمائي. لذلك انطلق المعرض من سؤال أساسي: ماذا يبقى من النجم بعد انطفاء الأضواء؟».
وُلدت سعاد حسني عام 1943، ودخلت عالم السينما في أواخر الخمسينات، وسرعان ما أصبحت واحدة من أبرز وجوه السينما العربية في الستينات والسبعينات. تنقلت بين الدراما والكوميديا والاستعراض بخفة وصدق، وقدمت أعمالاً سينمائية مثل «القاهرة 30» و«الزوجة الثانية»، و«بئر الحرمان»، و«الكرنك»، و«خلّي بالك من زوزو»، وقدمت من خلالها صورة للمرأة والحرية والحداثة وتفاصيل الحياة اليومية.
ويتعامل المعرض مع سعاد حسني التي رحلت عام 2001 بوصفها جزءاً من الذاكرة الثقافية والفنية التي تتجدد باستمرار عبر السينما والإعلام. ومن خلال أعمال متعددة الوسائط، يحاول المعرض، وفق غيداء المقرن، استكشاف المسافة الهشة بين الصورة العامة والتجربة الإنسانية، وبين الأسطورة والواقع، وبين الحضور والغياب.
وتتنوع الأعمال بين الفيديو آرت والرسم والطباعة والأعمال الورقية والأعمال المركبة والصوت، لكنها تجتمع حول ثيمة واحدة تتمثل في مساءلة معنى الظهور والذاكرة والهوية.

ومن خلال لوحاته المشاركة في المعرض حاول الفنان محمد أبو النجا إعادة بناء صورة سعاد حسني بعدّها رمزاً للذاكرة الجماعية والهوية الثقافية. هذه النظرة جعلته يوظف الرسم والطباعة الحريرية والتصوير الفوتوغرافي والوسائط المتعددة، إلى جانب خامات شفافة مثل التول والورق الياباني اليدوي، لبناء طبقات بصرية مركبة تجعل الصورة تظهر وتختفي باستمرار. وهذه معالجة لا تقدم صورة ثابتة لسعاد حسني، بل تجعلها وفق رأي المقرن، معلقة بين الحضور والغياب، وبين الواقع والذاكرة. وتوضح: «من خلال الشفافية والتكرار وتداخل الطبقات، تتحول صورتها إلى تأمل شعري في الزمن والحنين والتحولات الاجتماعية، كما تستحضر الأعمال هشاشة الذاكرة وتعدد القراءات الممكنة للشخصية الواحدة».
ويقدم الفنان أيمن يسري ديدبان عملاً بأسلوب «الفيديو آرت» يتخذ من الهبوط البطيء من مصعد برج إيفل استعارة بصرية ونفسية للعزلة وثقل الشهرة. يترافق هذا النزول المتواصل مع صوت داليدا وهي تغني فيتحول الزمن إلى حالة معلقة بين الصعود السابق والانطفاء التدريجي.
لا يقدم العمل صورة مباشرة لسعاد حسني، بل يستحضر بصورة غير مباشرة الأسئلة المرتبطة بالوحدة والهشاشة النفسية والضغوط التي يعيشها الفنانون تحت وطأة الظهور الدائم. ويمنح المشاهد مساحة للتأمل في المسافة بين الصورة العامة والحالة النفسية للشخصية الفنية.








