ما أسباب تسارع وتيرة «سقوط» بلدات جنوب لبنان بيد الإسرائيليين؟

اتباع استراتيجية تقدم بطيئة وإنهاك منظومة دفاع «حزب الله»

لبناني يصوِّر قلعة الشقيف التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي الأحد الماضي (أ.ب)
لبناني يصوِّر قلعة الشقيف التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي الأحد الماضي (أ.ب)
TT

ما أسباب تسارع وتيرة «سقوط» بلدات جنوب لبنان بيد الإسرائيليين؟

لبناني يصوِّر قلعة الشقيف التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي الأحد الماضي (أ.ب)
لبناني يصوِّر قلعة الشقيف التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي الأحد الماضي (أ.ب)

كان لافتاً في الأسبوع الماضي تسارع وتيرة تمدد إسرائيل داخل القرى والبلدات اللبنانية الجنوبية، بعدما كانت الوتيرة منذ انطلاق العمليات البرية الأخيرة مطلع مارس (آذار) الماضي بطيئة نسبياً، ما يطرح علامات استفهام حول ما إذا كانت الأسباب مرتبطة بخطط واستراتيجيات إسرائيلية جديدة أم بتراجع قدرات «حزب الله» الدفاعية.

تحضيرات لأسابيع

وقالت مصادر ميدانية في الجنوب اللبناني إنه «خلال أسبوع واحد فقط سقطت 5 بلدات بقبضة الإسرائيليين، وهي: زوطر الشرقية والغربية، وأرنون، ويحمر، ودبين» معتبرة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الوتيرة كانت الأسرع في الحرب الراهنة، وإن كان هذا التمدد أتى بعد تحضيرات لأسابيع وقصف متواصل وهجمات سابقة فاشلة، وإخلاء مناطق في شعاع 10 كيلومترات».

وأضافت: «كذلك تعمد الجيش الإسرائيلي إلحاق دمار كبير بالمناطق المحيطة، معتمداً سياسة الأرض المحروقة التي تسهل تقدمه».

‏وأعلن الجيش الإسرائيلي الأحد الماضي سيطرة قواته على قلعة الشقيف الأثرية والاستراتيجية في جنوب لبنان. واعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن ما حصل هو «تحول حاسم» في الهجوم على لبنان، وقال إنه أصدر تعليماته للجيش الإسرائيلي بـ«توسيع نطاق المناورة».

لا انهيارات سريعة

ويعتبر العميد المتقاعد حسن جوني أنه من المبالغ فيه الحديث عن انهيار أو تهاوي القرى سريعاً، لافتاً إلى أنه «لا شك في أن هناك إنجازاً تكتيكياً إسرائيلياً تحقق في منطقة قلعة شقيف ونطاقها في محيط قرى زوطر الشرقية وصولاً إلى القلعة، وما تمثله من رمز معنوي في الدرجة الأولى وهدف استراتيجي نظراً لأهميتها وموقعها، ولكن الجيش الإسرائيلي كان يحضر لهذه العملية منذ أكثر من شهرين، من خلال محاولاته المتكررة على محور دير سريان، ومن خلال الضربات النارية المكثفة في هذه المنطقة».

عناصر من القوة الإسبانية في «اليونيفيل» ينفِّذون دورية راجلة في بلدة دبين بجنوب لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منها (أ.ب)

ويوضح جوني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الجيش الإسرائيلي «اتبع استراتيجية تقدُّم بطيئة تقوم على استدراج عناصر (حزب الله) لتنفيذ رمايات على آلياته، وفور رصدهم يتم استهدافهم»؛ مشيراً إلى أنه «عمل على هذا النمط وقتاً طويلاً، ما أدى إلى إنهاك منظومة (حزب الله) الدفاعية في هذه المنطقة». وأضاف: «كما أن الحزب لا يملك القدرة على تعزيز مراكزه التي تضعُف؛ لأنه مقيد الحركة في المناورات الأرضية، ومكبَّل نتيجة المراقبة الجوية الدائمة».

ويلفت جوني إلى أنه «عندما رفع الإسرائيليون عَلَمهم على قلعة شقيف، شعر الحزب وبيئته بحالة ضعف وشيء من الانكسار، ما أدى بالمقابل لشعور الإسرائيلي بزخم لمواصلة عملياته البرية في محيط وادي الحجير للسيطرة عليه».

ما أسباب ما يحصل؟

بدوره، يعتبر العميد المتقاعد جورج نادر أن نمط العمليات العسكرية يُظهر أن «إسرائيل تتعلم من الدروس المستقاة من (حرب تموز 2006) حين كانت تقوم بالتوغل والاحتلال السريع، ما يؤدي لاستهداف أسهل لقواتها، فأصبحت اليوم تتقدم ببطء وبحذر وثبات، للاحتلال والاحتفاظ بالنقاط المحتلة»، مذكراً بأنه «خلال 3 أشهر وصل الإسرائيليون إلى قلعة شقيف، أما في عام 1982 فقد وصلوا إلى بيروت».

وأضاف نادر لـ«الشرق الأوسط»: «التفوق الجوي الإسرائيلي الكاسح يشكل أمراً حاسماً في هذه المعركة، إضافة إلى أن المقاتلين والقياديين المحترفين في الحزب معظمهم قُتلوا أو أُصيبوا، سواء بتفجيرات (البيجر) أو في المعارك وعمليات الاغتيال، وبالتالي معظم العناصر الذين يقاتلون اليوم لا يمتلكون الخبرة الكافية، حتى ولو كانوا مندفعين ويقاتلون وفق آيديولوجيا دينية».

ويختم نادر قائلاً: «(حزب الله) وإسرائيل يخوض كل منهما حرباً وجودية، لذلك سيذهبان إلى الحد الأقصى في هذه المعركة».


مقالات ذات صلة

تنديد لبناني بردّ عراقجي على عون... ودعم لمسار المفاوضات

المشرق العربي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ب)

تنديد لبناني بردّ عراقجي على عون... ودعم لمسار المفاوضات

ندّد سياسيون لبنانيون بردّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي دعا، السبت، الرئيس اللبناني إلى «إنقاذ» لبنان من «عدوه الحقيقي» إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي النيران تشتعل في سيارة عسكرية لبنانية تعرضت لاستهداف إسرائيلي في بلدة كفرتبنيت بجنوب لبنان (الجيش اللبناني)

إسرائيل تدرج الجيش اللبناني ضمن أهدافها في الجنوب… وتحقق بالاستهداف

شكّل استهداف إسرائيل للجيش اللبناني مجدداً منعطفاً خطيراً في مسار التصعيد المتواصل في جنوب لبنان

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام يلقي كلمة في حفل إطلاق أعمال تأهيل مطار رينيه معوض في الشمال (الشرق الأوسط)

لبنان يفتتح مطاراً دولياً ثانياً بعد عقود من التأجيل

أطلق لبنان السبت أعمال تأهيل مطار دوليّ ثانٍ يقع في أقصى الشمال قرب الحدود مع سوريا، تمهيداً لتشغيله خلال أشهر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي نواف سلام في الطائرة التي تقله إلى مطار الرئيس رينيه معوّض - القليعات (مجلس رئاسة الوزراء على «إكس»)

خطوة تاريخية للشمال... لبنان يُطلق مسار تأهيل مطار القليعات

في لحظة وصفت بأنها تاريخية لمنطقة الشمال وعكار في لبنان، هبطت طائرة تقل رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلّام في مطار الرئيس رينيه معوّض - القليعات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الخليج دخان يتصاعد جراء سقوط مسيّرة في موقع قوات حفظ السلام المؤقتة جنوب لبنان (اليونيفيل)

السعودية تدين استهداف موقع «اليونيفيل» جنوب لبنان

أعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها بأشد العبارات استهداف موقع لقوات حفظ السلام المؤقتة «اليونيفيل» جنوب لبنان؛ ما أدى إلى وفاة جندي وإصابة آخرين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

تنديد لبناني بردّ عراقجي على عون... ودعم لمسار المفاوضات

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ب)
TT

تنديد لبناني بردّ عراقجي على عون... ودعم لمسار المفاوضات

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ب)

ندد سياسيون لبنانيون بردّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي دعا، السبت، الرئيس اللبناني إلى «إنقاذ» لبنان من «عدوه الحقيقي» إسرائيل، ونفى تدخل بلاده في شؤون لبنان، في مقابل دعم سياسي للمسار الدبلوماسي الذي يتبعه لبنان، لإنهاء الحرب عبر مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

وكان الرئيس عون قد دعا إيران في مقابلة عرضتها شبكة «سي إن إن» الأميركية، الجمعة، إلى الكف عن «التدخل» في الشؤون اللبنانية، عقب فشل هدنة جديدة أعلنتها واشنطن بين إسرائيل و«حزب الله»، المدعوم من طهران. وقال عون: «هذا ليس بلدكم، إنه بلدنا وواجبنا، وعملكم ليس التدخل في بلدنا»، مضيفاً: «شعبنا هو الذي يُقتل، وبيوتنا هي التي تُدمّر».

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

ولم تمضِ ساعات حتى ردّ عراقجي على عون، وكتب عبر منصة «إكس»: «بناءً على تصريحات السيد عون، قد يظن المرء أن إيران احتلت خُمس لبنان، وشرّدت ربع سكانه، وتقصف البلاد يومياً. لو كان لبنان ورقة مساومة لإيران، لكنا توصلنا إلى اتفاق منذ زمن. أنقذ لبنان من عدوك الحقيقي يا سيادة الرئيس».

وواجه الرئيس اللبناني معارضة من «حزب الله» منذ بدء المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وهي الأولى من نوعها منذ عقود بين البلدين اللذين لا تربط بينهما أي علاقات دبلوماسية. كما حثّ رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام من جانبه إيران على الكف عن استخدام بلاده «ورقة لتحسين» شروطها في المفاوضات مع الولايات المتحدة. وتُطالب طهران بأن يتضمن أي اتفاق مع واشنطن لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) بحملة قصف إسرائيلية أميركية، وقفاً لإطلاق النار على الجبهة اللبنانية مع انسحاب القوات الإسرائيلية.

دعم جعجع

ويحظى عون بدعم سياسي لبناني. وقال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع في بيان، إن المواقف التي أطلقها عون، والتي شدّد فيها على رفض استمرار إيران في استخدام لبنان ورقةً في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، ما يبقيه ساحة حرب مفتوحة، وعلى ضرورة تسليم «حزب الله» سلاحه، «تؤكد وجود إرادة رئاسية واضحة لإنهاء الواقع الشاذ الذي يرزح تحته لبنان منذ عقود».

ورأى أن ما أكده عون «يعكس إرادة لبنانية واضحة بقيام دولة فعلية وقادرة، وهو موقف موجّه بصورة أساسية إلى الطرفين اللذين ما زالا يتعاملان مع لبنان باعتباره ساحة لمشاريعهما الخاصة، خلافاً لإرادة اللبنانيين: إيران و(حزب الله)».

وقال جعجع: «لم تكن هناك يوماً مشكلة بين الشعبين اللبناني والإيراني، إلا أن النظام الإيراني، ومنذ قيام الثورة الإيرانية، عمد إلى استخدام لبنان ورقةً في مشروعه الإقليمي، وقام بتسليح وتنظيم وكيل عسكري له على الأراضي اللبنانية خارج إطار الدستور والقانون والإرادة الوطنية، ما ألحق أضراراً جسيمة بلبنان وشعبه واقتصاده واستقراره، وأبقى البلاد ساحةً مفتوحة للصراعات والحروب».

أما فيما يتعلق بـ«حزب الله»، فرأى جعجع «أن كلام عون يؤكد مرة جديدة أن وجود سلاح خارج إطار الدولة يُشكل مخالفة صريحة للدستور والقانون»، مشيراً إلى أن «موقفه الأخير جاء حاسماً بأن لبنان لم يعد يتحمّل المراوحة القاتلة القائمة».

وقال: «انطلاقاً من ذلك، فإن المطلوب أولاً من إيران الكفّ نهائياً عن التدخل في الشؤون اللبنانية واحترام سيادة الدولة اللبنانية واستقلال قرارها. والمطلوب ثانياً من (حزب الله) التجاوب فوراً مع إرادة الدولة اللبنانية، وتسليم سلاحه، وإنهاء مشروعه المسلح، وحلّ تنظيمه العسكري والأمني».

وأضاف: «في حال أصرّت إيران على السياسة نفسها، فإن الحكومة مطالبةٌ بوضع قراراتها موضع التنفيذ الفعلي، بدءاً من إخراج السفير الإيراني المطرود من الأراضي اللبنانية، وصولاً إلى تطبيق قراراتها بشأن احتكار السلاح وبسط سلطة الدولة».

الجميل

من جهته، قال النائب سامي الجميّل عبر حسابه على منصة «إكس»: «إلى المسؤولين الإيرانيين: فكّوا عن سما لبنان! لبنان ليس محافظة إيرانية، ورئيس جمهوريتنا لا يستأذن أحداً للدفاع عن سيادتنا. زمن الوصاية انتهى، وقرارنا يُصنع في بيروت لا في طهران. لبنان أولاً وأخيراً».

«حزب الله»

في المقابل، يُهاجم «حزب لله» المسار التفاوضي الذي تتبعه الدولة اللبنانية. ورأى عضو كتلة «حزب الله» البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب إبراهيم الموسوي، أن «الاتفاق الذي أبرمته السلطة في لبنان مع العدو الإسرائيلي قبل أيام، هو بمثابة عار وخزي واستسلام، علماً بأن هؤلاء أنفسهم أقسموا على سلامة البلد والحفاظ عليه، ولكنهم بسلوكهم هذا المسار فهم حتماً لا يحافظون على البلد، بل يفرطون في سيادته».


إسرائيل تدرج الجيش اللبناني ضمن أهدافها في الجنوب… وتحقق بالاستهداف

النيران تشتعل في سيارة عسكرية لبنانية تعرضت لاستهداف إسرائيلي في بلدة كفرتبنيت بجنوب لبنان (الجيش اللبناني)
النيران تشتعل في سيارة عسكرية لبنانية تعرضت لاستهداف إسرائيلي في بلدة كفرتبنيت بجنوب لبنان (الجيش اللبناني)
TT

إسرائيل تدرج الجيش اللبناني ضمن أهدافها في الجنوب… وتحقق بالاستهداف

النيران تشتعل في سيارة عسكرية لبنانية تعرضت لاستهداف إسرائيلي في بلدة كفرتبنيت بجنوب لبنان (الجيش اللبناني)
النيران تشتعل في سيارة عسكرية لبنانية تعرضت لاستهداف إسرائيلي في بلدة كفرتبنيت بجنوب لبنان (الجيش اللبناني)

شكّل استهداف إسرائيل للجيش اللبناني مجدداً منعطفاً خطيراً في مسار التصعيد المتواصل في جنوب لبنان، بعدما أدت غارة إسرائيلية إلى مقتل ضابطين وجندي داخل آلية عسكرية في منطقة النبطية. ويأتي هذا الاعتداء في توقيت حساس للغاية، وغداة الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي الذي رعته الولايات المتحدة في واشنطن، وتحدث عن انسحاب تدريجي من المناطق التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني فيها ليضطلع بدور أساسي في حفظ الأمن، وتنفيذ ترتيبات الانتشار في المناطق الحدودية.

وقال الجيش الإسرائيلي ​إنه استهدف السيارة بعد رصد ما وصفه بتهديد لقواته، مشيراً إلى أنه تلقى معلومات تفيد بأن «حزب الله» يستعد لإطلاق النار على القوات الإسرائيلية من المنطقة. وأضاف أن التحقيق الأولي أظهر وجود ضابطين وجندي من الجيش اللبناني داخل السيارة وقت استهدافها.

ضابطان وعسكري

ونعت قيادة الجيش اللبناني العميد وسام صبرا، والنقيب إيلي الخوري، والجندي حسين عبد العلي غزال «الذين قضوا جراء استهدافهم بغارة إسرائيلية على طريق الخردلي-كفرتبنيت في قضاء النبطية».

وقالت قيادة الجيش في بيان إن «غارة عدوانية همجية إسرائيلية استهدفت آلية عسكرية على طريق كفرتبنيت-الخردلي (النبطية)، ما أدى إلى استشهاد ضابطين برتبتي عميد ونقيب، وجندي». وأكدت أن «استمرار العدوان الإسرائيلي الوحشي المتعمد والمتكرر على لبنان وشعبه وعلى الجيش، يزيدنا صلابة وإيماناً وعزماً على التصدي لهذه المحاولات العدوانية الهادفة إلى إفشال جميع المساعي الرامية إلى التوصل لحل يتيح إعادة الاستقرار، ووقف إطلاق النار الشامل، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة».

تنديد وغضب

وأثار هذا الحادث حالة غضب في لبنان، لا سيما أنه مؤشّر على أن إسرائيل وضعت الجيش اللبناني ضمن «بنك الأهداف»، ورأى فيه مصدر عسكري لبناني محاولة إسرائيلية لعرقلة مهمّة انتشار الجيش في المناطق المفترض أن تنسحب منها إسرائيل بموجب الاتفاق.

عناصر من الدفاع المدني تحاول إخماد نيران اندلعت جراء غارة إسرائيلية استهدفت بلدة السكسكية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

وأدان رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون بأشد العبارات الاعتداء الإسرائيلي الذي استهدف دورية للجيش اللبناني، معتبراً أن الضابطين والعسكري الشهداء «انضموا إلى قافلة من سبقهم من الشهداء العسكريين والمدنيين والأطفال والنساء ورجال الإسعاف والإنقاذ والإعلاميين، ليرووا بدمائهم الزكية أرض الجنوب الغالي».

ورأى عون أن الاعتداء «يشكل انتهاكاً صارخاً للسيادة اللبنانية، وللقوانين والأعراف الدولية»، ويأتي في إطار «التصعيد المستمر الذي يهدد الاستقرار والأمن في الجنوب، على الرغم من الجهود التي يبذلها لبنان في مفاوضات واشنطن لوضع حد للاعتداءات الإسرائيلية المستمرة من دون رادع». كما تقدم رئيس الجمهورية لقيادة الجيش وعائلات الشهداء بأحر التعازي، منوهاً بتضحيات العسكريين الذين «يدفعون دماءهم ثمناً للدفاع عن الوطن وسيادته»، ومؤكداً أن لبنان «لن يتهاون في حماية أرضه وشعبه، وأن هذه الاعتداءات لن تثنيه عن التمسك بحقوقه الوطنية الكاملة». ودعا عون المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته، ووضع حد للاعتداءات المتكررة، وضمان احترام القرارات الدولية بما يحفظ أمن لبنان واستقراره.

من جهته، أكد رئيس البرلمان نبيه بري أن «جريمة اليوم أًبداً ليست خطأ، أو شبهة، كما تحاول إسرائيل تبرير جريمتها».

بدوره، أكد رئيس الحكومة نوّاف سلام أن «استهدافهم من قبل إسرائيل هو جريمة موصوفة، واستهداف للبنان، وكل اللبنانيين».

عنصر من الدفاع المدني إلى جانب ركام ناتج عن غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في السكسكية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

استهداف مباشر للجيش اللبناني

وفي قراءة لأبعاد هذه الغارة وأهدافها، اعتبر مصدر عسكري لبناني أن اغتيال ضابطين وجندي «يشكّل استهدافاً مباشراً للجيش اللبناني»، مشيراً إلى أن إسرائيل «تواصل تنفيذ اعتداءات تطول المؤسسة العسكرية اللبنانية بشكل متعمد ومباشر، إلى جانب استهداف قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في الجنوب». وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الاعتداءات «تمثل دليلاً واضحاً على أن وجود الجيش اللبناني والقوات الدولية لا ينسجم مع الأهداف الإسرائيلية التي لا تريد للجيش اللبناني أن يكون مؤهلاً لتسلّم المواقع التي تحتلها بعد انسحابها المحتمل من الجنوب، كما لا ترغب في وجود أي طرف قادر على توثيق الانتهاكات والجرائم التي ترتكبها في لبنان».

وأضاف المصدر العسكري أن «ما تتعرض له المؤسسات الرسمية، سواء الجيش أو الأجهزة الأمنية، لا يختلف عما يواجهه أبناء الجنوب من استهدافات وجرائم متكررة»، معتبراً أن «هذه الجريمة تعدّ رداً على نجاح الجيش في الانتشار السريع في بلدة دبّين إثر خروج القوات الإسرائيلية منها».

غارات إنذارات إخلاء

ميدانياً، استمرّ التصعيد الإسرائيلي على مختلف مناطق الجنوب، حيث شن الطيران الحربي ثلاث غارات على بلدة أنصارية، طالت إحداها فرق الإسعاف العاملة في المنطقة، كما استهدفت الغارات بلدات صديقين، كفرحونة، سجد وعرمتا، في إطار موجة قصف واسعة طالت عدداً كبيراً من القرى والبلدات الجنوبية. وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام (الرسمية) بسقوط عدد من الضحايا جراء غارات استهدفت قرى في قضاء النبطية، فيما وسّع الطيران الإسرائيلي دائرة استهدافاته لتشمل بلدات ياطر، عين إبل، مشغرة، الشهابية، وضواحي مدينة صور.

الدخان يتصاعد جراء غارة استهدفت بلدة ميفدون بمحيط مدينة النبطية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي بلدة السكسكية، أسفرت غارة إسرائيلية عن مقتل ستة أشخاص، وإصابة أربعة آخرين، فيما استهدفت غارة أخرى منطقة تقع على أوتوستراد أبو الأسود باتجاه بلدة عدلون. كما قُتل شخص إثر استهداف سيارة في بلدة دير الزهراني.

وبالتوازي مع التصعيد العسكري، وجّه الجيش الإسرائيلي إنذاراً إلى سكان بلدة أنصارية في قضاء الزهراني، طالبهم فيه بإخلاء البلدة، والتوجه إلى شمال نهر الزهراني، الأمر الذي أثار موجة نزوح جديدة من المنطقة وسط مخاوف متزايدة من اتساع نطاق العمليات العسكرية، ودخول الجنوب مرحلة أكثر خطورة في الأيام المقبلة.


فصيل عراقي يُحذّر من تصفية «الحشد الشعبي»

أفراد من «سرايا السلام» خلال مراسم تسليم أسلحتهم إلى قوات الدولة العراقية في سامراء شمال بغداد يوم 4 يونيو 2026 (أ.ب)
أفراد من «سرايا السلام» خلال مراسم تسليم أسلحتهم إلى قوات الدولة العراقية في سامراء شمال بغداد يوم 4 يونيو 2026 (أ.ب)
TT

فصيل عراقي يُحذّر من تصفية «الحشد الشعبي»

أفراد من «سرايا السلام» خلال مراسم تسليم أسلحتهم إلى قوات الدولة العراقية في سامراء شمال بغداد يوم 4 يونيو 2026 (أ.ب)
أفراد من «سرايا السلام» خلال مراسم تسليم أسلحتهم إلى قوات الدولة العراقية في سامراء شمال بغداد يوم 4 يونيو 2026 (أ.ب)

جددت الحكومة العراقية تأكيدها المُضي في تنفيذ برنامجها الرامي إلى حصر السلاح بيد الدولة، في وقت أظهرت فيه مبادرات من بعض الفصائل المسلحة استعداداً للتعاون مع السلطات، في حين رفضت فصائل أخرى هذه التوجهات وعدّتها استهدافاً لما تصفه بـ«سلاح المقاومة».

وقال الناطق باسم الحكومة حيدر العبودي في تصريحات متلفزة إن «سيادة العراق وأمنه وحصر السلاح بيد الدولة أولويات في منهج حكومة علي الزيدي»، مؤكداً أن أهمية حصر السلاح تكمن في «ألا يكون التحكم به بإيعاز سياسي».

وتعكس تصريحات العبودي لهجة أكثر وضوحاً في التعامل مع ملف السلاح خارج إطار الدولة، إذ شدد على أن «العراق بلد كامل السيادة، وسلطته العليا لا تخضع لإرادات خارجية وإملاءات داخلية»، في إشارة إلى الجدل القائم بشأن العلاقة بين بعض الفصائل المسلحة وهيئة «الحشد الشعبي»، التي تقول السلطات في العراق إنها مؤسسة رسمية، وبين تشكيلات مسلحة تعمل تحت مسمى «المقاومة».

وكان رئيس هيئة «الحشد الشعبي»، فالح الفياض، قد أكد أن «قانون (الحشد الشعبي) يفصل بين الهيئة والفصائل المسلحة»، في موقف يُنظر إليه على أنه تأكيد للفصل القانوني بين المؤسسة الرسمية والفصائل غير المنضوية ضمن أجهزة الدولة.

وجاءت هذه التصريحات بالتزامن مع إعلان رئيس خلية الإعلام الأمني الفريق سعد معن، الخميس الماضي، عن انطلاق الخطوات العملية الأولى لدمج الفصائل المسلحة ضمن المنظومة الأمنية الرسمية، من خلال تسليم مقار وأسلحة «سرايا السلام» في مدينة سامراء، استجابة لمبادرة أطلقها زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر.

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال لقائه القائم بأعمال السفارة الأميركية جوشوا هاريس (إعلام حكومي)

إشادة بالفصائل

وفي تطور داعم لجهود الحكومة، أشاد رئيس الجمهورية نزار آميدي، السبت، بمبادرة بعض الفصائل العراقية لتسليم أسلحتها إلى الدولة والتعاون مع السلطات المختصة لحصر هذا الملف بيد المؤسسات الرسمية.

وقال آميدي خلال كلمة ألقاها في منتدى «دلفي» الاقتصادي بمدينة السليمانية بإقليم كردستان (شمال) إن الجهود مستمرة للتوصل إلى تفاهمات بشأن نزع السلاح، بما يُعزز الأمن والاستقرار، ويُسهم في البناء والإعمار، مؤكداً أن الاستقرار لم يعد هدفاً محلياً فحسب، بل بات شرطاً أساسياً للتنمية المحلية والإقليمية والعالمية.

وأضاف أن الحوارات العملية والمنتجة تُمثل ضرورة لمعالجة التحديات والحد من المخاطر المتفاقمة، مشيراً إلى أن العراق يجب ألا يسمح للتحديات الراهنة بأن تُعطل تطلعاته نحو تنمية رفاهية المواطنين وتعزيز فرص الازدهار.

وأوضح الرئيس العراقي أن من أبرز التحديات التي تواجه البلاد تنمية مصادر الدخل وتنويعها، وإنهاء النظام الريعي، وتحفيز الاستثمار، وترسيخ بيئة آمنة جاذبة للمستثمرين، مؤكداً أن مكافحة الفساد واجتثاث بؤره «بشجاعة ودون تردد» تُمثل أولوية أساسية في مسار الإصلاح والتنمية.

عناصر من حركة «النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

«تصفية المقاومة»

لكن هذه التوجهات تواجه اعتراضات من بعض الفصائل المسلحة. فقد عدّت حركة «النجباء»، وهي إحدى الفصائل العراقية المسلحة الرافضة لمبدأ حصر السلاح، أن الإجراءات الجارية تستهدف «سلاح المقاومة و(الحشد الشعبي)».

وقال رئيس المجلس التنفيذي للحركة، ناظم السعيدي، خلال حفل أقيم في محافظة النجف، إن عبارة «حصر السلاح بيد الدولة يُراد منها عملياً استهداف سلاح المقاومة و(الحشد الشعبي)»، مضيفاً أن أي نقاش جاد بشأن السلاح في العراق «يجب أن يكون شاملاً، ويخضع لمعيار واحد يُطبق على جميع الجهات دون استثناء».

وحذّر السعيدي من أن المطالبات الحالية قد تمتد مستقبلاً إلى تقييد قدرات المؤسسات الأمنية والعسكرية العراقية، معرباً عن مخاوفه من «تسييس (الحشد الشعبي) أو إدخاله في منظومة المحاصصة السياسية»، معتبراً أن ذلك قد يؤثر على دوره ومكانته.

وكان زعيم حركة «النجباء»، أكرم الكعبي، قد قال في تدوينة على «إكس» الأربعاء الماضي، إن الحديث عن حصر السلاح يجري «بدفع وتحريض إسرائيلي مباشر» للقائم بالأعمال في السفارة الأميركية ببغداد، معرباً عن أسفه، لأن «البعض القليل» من العراقيين أصبح، حسب وصفه، «بوقاً لهؤلاء».

من جهتها، أكدت «كتائب حزب الله» أن «فصائل المقاومة الخمسة لا تعتزم تسليم سلاحها في الوقت الراهن»، مشددة على أن تنظيم ملف السلاح سيكون بعد تحقيق أهدافها.

وقال المسؤول الأمني في «الكتائب»، أبو مجاهد العساف، إن قرارات تسليم السلاح أو إعادة هيكلة بعض التشكيلات المسلحة تمثل شأناً خاصاً بالجهات المعنية بها، محذّراً مما وصفه بمحاولات «إثارة الفتنة بين أبناء البلد». وأضاف أن أي إجراءات بهذا الشأن يجب أن تكون نهائية وواضحة، مشيراً إلى وجود تفسيرات ودوافع متعددة للخطوات الجارية.

ارتياح سُني

في المقابل، لقيت الإجراءات الحكومية ترحيباً من قوى سياسية ومكونات اجتماعية عراقية أخرى، ولا سيما في المناطق الغربية من البلاد.

وأعلن رجال دين سنة، من بينهم خطباء مسجدي الإمامين أبي حنيفة النعمان، وعبد القادر الكيلاني، تأييدهم للخطوات الحكومية الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة.

وقال عبد الوهاب السامرائي، إمام وخطيب صلاة الجمعة في جامع أبي حنيفة النعمان ببغداد، إن الحكومة «بادرت مشكورة على هذه الخطوة المهمة التي نأمل أن تحقق استقراراً وأمناً وسلاماً وتعايشاً مشتركاً»، مضيفاً أنه «لا أمان ما دامت ثمة جهات عديدة تحمل السلاح، في حين يبقى آخرون عُزَّلاً».

وشدد السامرائي على أن ملف السلاح يُعد من القضايا السيادية التي ينبغي أن تبقى حصراً بيد الدولة، في موقف يعكس تنامياً للدعم السياسي والمجتمعي لجهود الحكومة في إعادة تنظيم المشهد الأمني، وحصر استخدام القوة المسلحة بالمؤسسات الرسمية.