استقرار الدولار وسط ترقب الحرب الإيرانية وتحركات البنوك المركزية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

استقرار الدولار وسط ترقب الحرب الإيرانية وتحركات البنوك المركزية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

استقر الدولار الأميركي، يوم الاثنين، بعد تسجيله تراجعاً أسبوعياً، في وقتٍ تترقب فيه الأسواق تطورات محادثات السلام في الشرق الأوسط وتُقيّم احتمالات تحركات البنوك المركزية الكبرى خلال الفترة المقبلة.

وكان مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من ست عملات رئيسية، قد انخفض بشكل طفيف، الأسبوع الماضي، مع تنامي الآمال بالتوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يضمن إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة شحن النفط. إلا أن أسعار النفط ارتفعت في التعاملات المبكرة، بعد أن أمرت إسرائيل قواتها بالتوغل بشكل أعمق داخل لبنان، في حين أعلن كل من الولايات المتحدة وإيران تنفيذ هجمات جديدة ضد أهداف تابعة للطرف الآخر، وفق «رويترز».

وتتجه أنظار المستثمرين، هذا الأسبوع، نحو بيانات الوظائف الأميركية، التي يُنظَر إليها على أنها عامل رئيسي في تحديد مسار السياسة النقدية الأميركية. وكان عدد من مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد أشاروا إلى أن البنك المركزي قد يضطر لرفع أسعار الفائدة إذا أدت الحرب إلى زيادة الضغوط التضخمية المرتفعة أصلاً.

وقال جوزيف كابورسو، رئيس استراتيجية العملات الأجنبية في «بنك الكومنولث الأسترالي»، إن الدولار الأميركي سيتأثر، بصورة كبيرة، بكل من تطورات الصراع الأميركي الإيراني وبيانات الوظائف غير الزراعية الأميركية لشهر مايو (أيار) الماضي.

وأضاف، في مذكرة بحثية: «في حال إعادة فتح مضيق ملقا أمام حركة التجارة، من المرجح أن تتراجع أسعار النفط تدريجياً، لتعود فروق أسعار الفائدة إلى لعب الدور الأكبر في توجيه حركة الدولار الأميركي».

وارتفع مؤشر الدولار بنسبة 0.04 في المائة إلى 99.05 نقطة، بعد أن فقَدَ نحو 0.4 في المائة من قيمته، خلال الأسبوع الماضي. وفي المقابل، تراجع اليورو بنسبة 0.13 في المائة إلى 1.1644 دولار، بينما انخفض الين الياباني بنسبة 0.13 في المائة إلى 159.48 ين للدولار الواحد.

كما تراجع الجنيه الإسترليني بنسبة 0.07 في المائة إلى 1.3449 دولار.

وعلى صعيد التطورات الجيوسياسية، أعلنت الولايات المتحدة أنها نفّذت «ضربات دفاعية» استهدفت مواقع للرادارات وأنظمة التحكم بالطائرات المُسيّرة الإيرانية، خلال عطلة نهاية الأسبوع. من جهتها، أكدت إيران أن قواتها الجوية استهدفت قاعدة جوية استُخدمت في الهجوم الأميركي.

وجاءت هذه التطورات بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الجمعة، بأنه سيصدر قريباً قراراً بشأن اتفاق مقترح لتمديد وقف إطلاق النار مع إيران.

وقال مسؤول أميركي، يوم الأحد، إن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أجرى اتصالات مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ لمناقشة خطة تهدف إلى «خفض التصعيد تدريجياً».

وفي الأسواق المالية، تحولت توقعات المستثمرين، بصورة ملحوظة، منذ اندلاع الحرب مع إيران، إذ باتت الأسواق ترجّح أن تكون الخطوة المقبلة لـ«الاحتياطي الفيدرالي» رفع أسعار الفائدة، بعدما كانت تتوقع سابقاً خفضها.

وفي خطابٍ ألقاه يوم الأحد، حذّر جيروم باول، الرئيس المنتهية ولايته لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، من مخاطر تسييس السياسة النقدية. ومن المنتظر أن يلقي عدد من مسؤولي البنك المركزي، من بينهم بيث هاماك ولوري لوغان وماري دالي، كلمات، خلال الأيام المقبلة، ما قد يوفر مزيداً من الإشارات بشأن توجهات السياسة النقدية.

وقال كريس ويستون، رئيس الأبحاث بشركة «بيبرستون»: «من المتوقع أن تؤكد تصريحات مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، هذا الأسبوع، نهجاً متوازناً في السياسة النقدية، مع إبقاء جميع الخيارات مفتوحة، سواء رفع أسعار الفائدة أم خفضها، تبعاً للبيانات الاقتصادية المقبلة».

ووفقاً لاستطلاع أجرته «رويترز»، يُتوقع أن تُظهر بيانات الوظائف غير الزراعية الأميركية، المقرر صدورها في 5 يونيو (حزيران) الحالي، استقرار معدل البطالة عند 4.3 في المائة، مع إضافة نحو 85 ألف وظيفة جديدة خلال مايو.

كما ينتظر المستثمرون صدور مؤشر مديري المشتريات الصناعي، الصادر عن معهد إدارة التوريد الأميركي (ISM)، وسط توقعاتٍ بارتفاعه إلى 53 نقطة في مايو، مقارنة مع 52.7 نقطة في الشهر السابق.

وفي أوروبا، حذّرت إيزابيل شنابل، عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، خلال خطاب ألقته في كوريا الجنوبية، من أن التوسع المتزايد في استخدام العملات المستقرة المرتبطة بالدولار الأميركي قد يُضعف مكانة اليورو ويحدّ من قدرة بعض الدول على تنفيذ سياسات نقدية فعّالة.

وكانت شنابل قد صرحت، الأسبوع الماضي، بأن البنك المركزي الأوروبي قد يكون بحاجة إلى رفع أسعار الفائدة، خلال الشهر الحالي، حتى في حال التوصل لاتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران.

وفي آسيا، يترقب المستثمرون كلمة محافظ بنك اليابان كازو أويدا، يوم الأربعاء المقبل؛ بحثاً عن مؤشرات بشأن ما إذا كان البنك المركزي سيقْدم على رفع أسعار الفائدة، خلال اجتماعه المرتقب الأسبوع المقبل.

ورغم عدم وجود توافق كامل داخل بنك اليابان بشأن القرار، أفادت مصادر مطّلعة بأن خيار تعليق وتيرة تقليص مشتريات السندات الحكومية بات يحظى بدعم متزايد داخل البنك.

أما في أسواق العملات السلعية، فقد استقر الدولار الأسترالي عند 0.7182 دولار أميركي، في حين تراجع الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.33 في المائة إلى 0.5968 دولار أميركي.


مقالات ذات صلة

الين يعود لـ«منطقة الخطر» وسط توقعات بـ«حرب أعصاب» طويلة

الاقتصاد مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

الين يعود لـ«منطقة الخطر» وسط توقعات بـ«حرب أعصاب» طويلة

مع عودة الين الياباني إلى المستويات التي دفعت السلطات للتدخل قبل شهر، تُقيّم الأسواق ما تبقى لدى طوكيو من قوة مالية وإرادة سياسية للدفاع عن عملتها المتعثرة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يتجه لخسارة أسبوعية مع تنامي آمال التهدئة بين واشنطن وطهران

استقر الدولار مقابل العملات الرئيسية، الجمعة، لكنه يتجه نحو تسجيل خسارة أسبوعية، في ظل أنباء عن توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق لتمديد وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
شمال افريقيا مقر وزارة الداخلية في مصر  (صفحة الوزارة على فيسبوك)

ملاحقة تجار العملة في مصر... مساعٍ مستمرة لاستقرار سوق الصرف

أعلنت وزارة الداخلية، الخميس، ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 26 مليون جنيه خلال 24 ساعة.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض في العاصمة واشنطن - 27 مايو 2026 ( رويترز)

إدارة ترمب تسعى لإصدار ورقة 250 دولاراً تحمل صورته

تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى طباعة ورقة نقدية من فئة 250 دولاراً تحمل صورته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شخص يعدّ الروبلات الروسية في قاعدة سياحية خارج مدينة كراسنويارسك السيبيرية - روسيا (رويترز)

صعود الروبل لأعلى مستوى في 3 سنوات يضغط على الاقتصاد الروسي

قفز الروبل الروسي لأقوى مستوياته في أكثر من 3 سنوات، مدفوعاً باتساع الفجوة في الميزان التجاري ومعدلات الفائدة المرتفعة، مما فرض ضغوطاً إضافية على الموازنة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

المصنّعون البريطانيون يرفعون الأسعار بأسرع وتيرة منذ 2022 مع تصاعد تكاليف الحرب

يعمل أحد الموظفين على خط الإنتاج بمصنع «جاكوار لاند روفر» في سوليهال (رويترز)
يعمل أحد الموظفين على خط الإنتاج بمصنع «جاكوار لاند روفر» في سوليهال (رويترز)
TT

المصنّعون البريطانيون يرفعون الأسعار بأسرع وتيرة منذ 2022 مع تصاعد تكاليف الحرب

يعمل أحد الموظفين على خط الإنتاج بمصنع «جاكوار لاند روفر» في سوليهال (رويترز)
يعمل أحد الموظفين على خط الإنتاج بمصنع «جاكوار لاند روفر» في سوليهال (رويترز)

رفع المصنّعون البريطانيون أسعارهم بأسرع وتيرة منذ يونيو (حزيران) 2022 الشهر الماضي، في استجابة مباشرة لارتفاع حاد في التكاليف الناتجة عن تداعيات الحرب الإيرانية على سلاسل التوريد، وفقاً لمسح من المرجح أن يثير قلق بنك إنجلترا.

وأفادت مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال» بأن ميزان الإنتاج في مؤشر مديري المشتريات التصنيعي لبريطانيا ارتفع في مايو (أيار) إلى أعلى مستوى له منذ بدء النزاع في نهاية فبراير (شباط)، إلا أن هذا التحسن يبدو أنه يعكس قيام الشركات بتقديم طلبات مسبقة تحسباً لمزيد من ارتفاع الأسعار واضطرابات إضافية في سلاسل التوريد.

وقال روب دوبسون، مدير قسم معلومات السوق في «ستاندرد آند بورز غلوبال»: «سيتلاشى هذا الارتفاع بمجرد أن يُكوّن العملاء مخزونات أمان كافية».

وارتفع مؤشر مديري المشتريات التصنيعي الرئيسي -الذي قد يتأثر بتقلبات سلاسل التوريد - إلى أعلى مستوى له منذ مايو 2022، مسجلاً 53.9 نقطة، بعد تعديله بالرفع من قراءة أولية بلغت 53.7 نقطة.

ويراقب بنك إنجلترا من كثب مدى انتقال ارتفاع أسعار الطاقة، الناجم عن إغلاق مضيق هرمز، إلى مختلف قطاعات الاقتصاد، في وقت أبقى فيه أسعار الفائدة دون تغيير حالياً. وقال المحافظ أندرو بيلي يوم الجمعة إنه إذا امتد ارتفاع الأسعار من قطاع الطاقة إلى السلع والخدمات الأوسع، فإن ذلك سيزيد من احتمالية قيام البنك برفع أسعار الفائدة.

وأظهر مؤشر مديري المشتريات التصنيعي أن تكاليف مدخلات الشركات ارتفعت الشهر الماضي بأسرع وتيرة منذ يونيو 2022، مدفوعة بارتفاع أسعار المواد الكيميائية والإلكترونيات والطاقة والمواد الغذائية والوقود والبلاستيك والمعادن والتغليف والورق والأخشاب.

وأشارت «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى أن «الحرب في الشرق الأوسط، وتقلبات أسواق السلع، والتوترات الجيوسياسية، واضطرابات سلاسل التوريد، ونقص المواد، والتعريفات الجمركية، وارتفاع تكاليف العمالة، وزيادة الضرائب، جميعها عوامل أشار إليها أعضاء اللجنة».

وبينما يأمل بنك إنجلترا أن تتحمل الشركات التكاليف المزدادة، يُظهر مسح مؤشر مديري المشتريات أن المصنّعين يواصلون تمرير هذه التكاليف إلى المستهلكين بوتيرة تُعد من بين الأسرع في تاريخ المسح.

ولم يرتفع مؤشر أسعار الإنتاج بشكل متواصل إلا بين مايو 2021 ويونيو 2022، حين أسهمت اضطرابات ما بعد جائحة «كوفيد - 19» والغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في دفع معدل تضخم أسعار المستهلكين في بريطانيا إلى ما يزيد على 11 في المائة.


هل يواجه نظام الـ1.8 تريليون دولار «شتاء الائتمان الخاص»؟

لافتة «وول ستريت» أمام العلم الأميركي (رويترز)
لافتة «وول ستريت» أمام العلم الأميركي (رويترز)
TT

هل يواجه نظام الـ1.8 تريليون دولار «شتاء الائتمان الخاص»؟

لافتة «وول ستريت» أمام العلم الأميركي (رويترز)
لافتة «وول ستريت» أمام العلم الأميركي (رويترز)

هل يمكن أن يكون الائتمان الخاص هو أزمة الرهن العقاري العالمية المقبلة؟ هذا السؤال المحوري بات يتردد بجرأة في أروقة صناعة القرار المالي بعد توسع سريع للإقراض خارج النظام المصرفي التقليدي على مدى السنوات الماضية، مما خلق سوقاً هائلة تجاوزت قيمتها حاجز الـ1.8 تريليون دولار بعيداً عن الرقابة اللصيقة.

هذا القلق تبلور بوضوح في تحذيرات أطلقها مؤخراً الرئيس التنفيذي لمصرف «جي بي مورغان»، جيمي ديمون، من أن خسائر القطاع ستتجاوز على الأرجح التوقعات عند تحول دورة الائتمان بفعل ضعف المعايير وارتفاع المديونية.

الرئيس التنفيذي لـ«جي بي مورغان تشيس» جيمي ديمون يتحدث إلى النادي الاقتصادي بنيويورك في مانهاتن (أرشيفية - رويترز)

وفي منعطف تنظيمي حاسم، دخل مجلس الاستقرار المالي العالمي - الذي يضم محافظي البنوك المركزية ووزراء مالية مجموعة العشرين - على خط الأزمة عبر مطالبته المنظمين الوطنيين بتشديد الرقابة فوراً، بالتزامن مع وضع البنك المركزي الأوروبي للائتمان الخاص كأحد المصادر الرئيسية المهددة للاستقرار المالي إلى جانب التقييمات المرتفعة للأسواق.

ولم يتأخر هذا التصنيف التنظيمي حتى تبلور رسمياً في تقرير الاستقرار المالي الصادر عن البنك المركزي الأوروبي نهاية مايو (أيار) 2026، والذي كشف عن جانبين شديدي الخطورة في بنية هذا القطاع؛ الأول هو ما وصفه بـ«تأثير كرة الثلج»، حيث بدأت الصناديق تواجه صعوبات حقيقية في تسييل بعض أصولها تزامناً مع تصاعد طلبات الاسترداد من المستثمرين، مما يهدد بالاضطرار لعمليات بيع بأسعار بخسة. أما الجانب الآخر، فهو تنامي ظاهرة «الرافعة المالية المزدوجة»، إذ كشف التقرير عن توسع الصناديق في الاقتراض من البنوك التقليدية لتمويل قروضها الخاصة، مما يعني تشابكاً خطيراً يضع النظام المصرفي تحت تهديد مزدوج في حال تخلف المقترضين النهائيين عن السداد.

توسع غير مسبوق في الائتمان الخاص

هذا التشابك الخطير والتحذيرات الدولية المتلاحقة، يأتيان كناتج طبيعي لتحول هيكلي عميق يشهده النظام المالي العالمي تقوده صناديق الائتمان الخاصة، والتي خرجت من كونها أدوات بديلة محدودة لتصبح ما يشبه «نظاماً مصرفياً موازياً» تتجاوز قيمته حاجز الـ 1.8 تريليون دولار.

وفي هذا السياق، يوضح الرئيس الأول لإدارة الأصول في «أرباح كابيتال»، محمد الفراج، أن هذا التوسع لم يأتِ بشكل طبيعي بالكامل، بل ارتبط بشكل مباشر بانسحاب البنوك من تمويل الشركات المتوسطة والصغيرة بعد أزمة 2008 وما تبعها من تشديدات تنظيمية صارمة.

ويضيف أن تطبيق معايير «بازل 3» ورفع متطلبات رأس المال، دفع البنوك إلى تقليص الإقراض عالي المخاطر، مما أدى إلى نشوء فجوة تمويلية واسعة، وهنا دخلت صناديق الائتمان الخاص لتملأ هذا الفراغ مستفيدة من مرونتها وقدرتها على التحرك بسرعة أكبر خارج القيود المصرفية التقليدية.

متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)

طبيعة الائتمان الخاص والفرق عن البنوك

يوضح الفراج أن جوهر الائتمان الخاص يقوم على الإقراض المباشر للشركات عبر مؤسسات مالية غير مصرفية، دون وساطة البنوك أو المرور بأسواق السندات العامة. ويكمن الفارق الأساسي بينه وبين التمويل المصرفي في هيكل الأموال نفسه؛ فالبنوك تعتمد على ودائع قصيرة الأجل قابلة للسحب، مما يفرض عليها قيود سيولة صارمة ويجعل قراراتها أكثر تحفظاً.

أما صناديق الائتمان الخاص، فهي تعتمد على رؤوس أموال طويلة الأجل تُعرف برأس المال الحبيس، يتم ضخها من مستثمرين مؤسسيين لديهم أفق استثماري ممتد، ما يمنح هذه الصناديق مرونة أكبر وقدرة أعلى على اتخاذ قرارات تمويلية سريعة ومباشرة.

أدوات التمويل داخل القطاع

ويشير الفراج إلى أن هذا القطاع لا يقتصر على نمط واحد من الإقراض، بل يشمل مجموعة واسعة من الأدوات التي تغطي احتياجات الشركات في مختلف مراحلها، ومن أبرزها:

* الإقراض المباشر: تمويل الشركات المتوسطة للتوسع التشغيلي.

* التمويل «الميزانين» (Mezzanine Financing): يمثل «طابقاً وسطاً» في هيكل رأسمال الشركة، حيث يقع بين الديون التقليدية الممتازة وبين الملكية (الأسهم).

* الديون المتعثرة: شراء ديون متعثرة وإعادة هيكلتها.

* تمويل الشركات الناشئة: دعم الشركات عالية النمو.

* التمويل المدعوم بالأصول: تمويل مقابل أصول مثل العقارات والمعدات وحقوق الملكية الفكرية.

جذور الأزمة ما بعد 2008

ويعود الفراج في تحليله إلى ما بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، حين اضطرت البنوك العالمية إلى تقليص نشاطها الائتماني بشكل حاد نتيجة الخسائر الكبيرة وتشديدات «بازل 3» ومتطلبات السيولة. هذا الانسحاب خلق فجوة تمويلية في السوق، خاصة للشركات المتوسطة والصغيرة.

وفي الوقت ذاته، كانت صناديق التقاعد وشركات التأمين والصناديق السيادية تبحث عن عوائد أعلى في بيئة أسعار فائدة منخفضة أو شبه صفرية، مما جعل الائتمان الخاص يبدو كحل مثالي يجمع بين العائد المرتفع والاستقرار النسبي مقارنة بالأصول التقليدية.

ومع التحول الأخير إلى بيئة أسعار فائدة مرتفعة، ازدادت جاذبية هذا القطاع بشكل أكبر، خصوصاً أن معظم قروضه مرتبطة بأسعار فائدة متغيرة، مما يعني أن العوائد ترتفع تلقائياً مع رفع الفائدة من قبل البنوك المركزية، وهو ما وفَّر حماية طبيعية ضد التضخم.

الفرص والمخاطر في بيئة الفائدة المرتفعة

يرى الفراج أن البيئة الحالية تحمل تناقضاً واضحاً؛ فمن ناحية، تمنح الفائدة المرتفعة صناديق الائتمان الخاص فرصة لتحقيق عوائد استثنائية قد تتراوح بين 10 و15 في المائة سنوياً، وهو مستوى يفوق بكثير أدوات الدخل الثابت التقليدية.

لكن في المقابل، تشكل هذه البيئة ضغطاً متزايداً على الشركات المقترضة التي تواجه ارتفاعاً مستمراً في تكلفة خدمة الدين، مما قد يؤدي إلى تآكل الأرباح التشغيلية ورفع احتمالات التعثر، خاصة لدى الشركات ذات الهياكل المالية الهشة أو المعتمدة بشكل كبير على الاقتراض.

ويحذر الفراج من أن استمرار هذه المستويات المرتفعة من الفائدة لفترة طويلة قد يدفع معدلات التعثر للارتفاع فوق مستوياتها التاريخية المستقرة، مما قد يضع المحافظ الائتمانية أمام اختبار حقيقي لم تواجهه منذ سنوات.

أزمة التقييم والشفافية

من أبرز التحديات التي يسلط عليها الفراج الضوء، مسألة تقييم الأصول داخل صناديق الائتمان الخاص، إذ لا يتم تسعير هذه القروض يومياً في الأسواق، بل تعتمد على نماذج تقييم داخلية تُراجع بشكل دوري، ما يخلق فجوة في الشفافية مقارنة بالأسواق العامة. هذا النموذج قد يؤدِّي إلى تأخير الاعتراف بالخسائر الحقيقية، أو إعطاء انطباع أكثر استقراراً من الواقع الفعلي للأصول.

كما أن استخدام الرافعة المالية في بعض الصناديق يزيد من حدة المخاطر، حيث تضاعف الأرباح في أوقات النمو، لكنها تضاعف الخسائر عند أي تراجع في جودة القروض.

إشارة الإنذار من «بلاك روك»

وتجسدت هذه المخاوف بشكل واضح مطلع 2026، حين أعلن أحد صناديق الائتمان الخاص التابعة لـ«بلاك روك» عن خفض صافي قيمة أصوله بنسبة تقارب 19 في المائة، نتيجة تدهور جودة بعض القروض المرتبطة بقطاعات التكنولوجيا.

هذه الخطوة أثارت موجة قلق واسعة في الأسواق، ودفعَت الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة إلى فتح مراجعات حول آليات التقييم، دون توجيه أي اتهامات رسمية حتى الآن. ومع ذلك، انعكس الحدث سريعاً على ثقة المستثمرين، وأدَّى إلى ضغوط سحب وتقييمات أكثر تحفظاً داخل القطاع.

شعار شركة «بلاك روك» ومعلومات التداول الخاصة بها معروضة على شاشة في بورصة نيويورك (رويترز)

هل هو خطر نظامي شبيه بأزمة 2008؟

رغم تصاعد المخاوف، يرى الفراج أن الائتمان الخاص لا يمكن مقارنته بشكل مباشر بأزمة الرهن العقاري في 2008، لأن الخسائر في هذا القطاع تقع على مستثمرين مؤسسيين محترفين لديهم قدرة على تحمل المخاطر، وليس على المودعين أو النظام المصرفي التقليدي الذي يتطلب تدخلات حكومية لإنقاذه.

لكن في المقابل، لا يستبعد وجود «مخاطر نظامية مخفية» ناتجة عن الترابط بين البنوك وصناديق الائتمان عبر خطوط ائتمان وتمويل غير مباشر، ما قد ينقل الصدمات بشكل غير مباشر إلى النظام المالي الأوسع.

ويتوقع الفراج أن يواصل الائتمان الخاص نموه خلال السنوات المقبلة ليصل إلى مستويات قد تتجاوز 3 تريليونات دولار، مدفوعاً بزيادة الطلب المؤسسي ودخول الذكاء الاصطناعي في عمليات تحليل الجدارة الائتمانية.

كما يشير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد موجة دمج واستحواذ بين مديري الأصول، بهدف تكوين كيانات أكبر قادرة على تمويل صفقات بمليارات الدولارات، إلى جانب توسُّع استخدام البيانات البديلة في تقييم المخاطر بشكل أكثر دقة وسرعة.

ويخلص الفراج إلى أن الائتمان الخاص لم يعد مجرد أداة استثمارية بديلة، بل أصبح جزءاً بنيوياً من النظام المالي العالمي، لكنه في الوقت ذاته يحمل معادلة دقيقة بين عوائد مرتفعة ومخاطر معقدة تتعلق بالشفافية والتقييم والسيولة.


«غولدمان ساكس»: ضعف الطلب تهديد كبير لتوقعات أسعار النفط

ناقلات تحمل نفطاً في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات تحمل نفطاً في مضيق هرمز (رويترز)
TT

«غولدمان ساكس»: ضعف الطلب تهديد كبير لتوقعات أسعار النفط

ناقلات تحمل نفطاً في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات تحمل نفطاً في مضيق هرمز (رويترز)

قال بنك غولدمان ساكس إن ضعف الطلب على النفط في الصين وأوروبا يشكل تهديداً كبيراً لتوقعاته لسعر خام برنت، للربع الأخير، عند 90 دولاراً للبرميل، وسعر خام غرب تكساس الوسيط عند 83 دولاراً، رغم أن اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط ربما تظل تدفع الأسعار إلى الارتفاع.

وتشير بيانات مبيعات التجزئة لشهر أبريل (نيسان) الماضي من الصين وأوروبا الغربية إلى وجود تقديرات هبوطية بنحو مليونيْ برميل يومياً على توقعات «غولدمان ساكس» المتحفظة، بالفعل، للطلب على النفط في أبريل، مما يمكن أن يعني خفض توقعاته لسعر خام برنت بنحو عشرة دولارات للبرميل.

وأوضح البنك أن ضعف الطلب على المواد الأولية للبتروكيماويات في أنحاء آسيا ينعكس على انخفاض معدلات الاستخدام في مصانع الإيثيلين، وتراجع الإنتاج الصناعي بقطاع الكيماويات في الصين واليابان.

وأشار إلى نزول قدرُه 150 ألف برميل يومياً في الطلب الهندي على النافتا وغاز البترول المُسال خلال شهر أبريل على أساس سنوي.

وأضاف أن مؤشرات استهلاك وقود المركبات لا تزال ضعيفة في الصين وعدة دول أوروبية، على الرغم من أن الطلب يبدو متيناً في الولايات المتحدة والهند.

وأصبحت السوق أكثر تفاؤلاً بشأن احتمالات التوصل إلى وقف طويل الأمد لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، مما أدى إلى تقليص المستثمرين مراكزهم ومواصلة تراجع المخزونات المادية قبل إعادة الفتح المتوقعة لمضيق هرمز.

وارتفعت أسعار ‌النفط بأكثر من 3 في المائة، خلال تعاملات اليوم الاثنين، بعد قصف متبادل بين إيران والولايات المتحدة، وبعد أن أمرت إسرائيل قواتها بالتوغل أكثر داخل لبنان في معركتها مع جماعة «حزب الله» المدعومة من طهران.

وزادت ​العقود الآجلة للخام الأميركي 2.88 دولار أو 3.3 في المائة إلى 90.24 دولار للبرميل، بحلول الساعة 07:01 بتوقيت غرينتش. وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 2.78 دولار أو 3.05 في المائة لتصل إلى 93.9 دولار للبرميل.

وأدى تصاعد القتال، الذي جاء بعد استضافة واشنطن محادثات إسرائيلية لبنانية، يوم الجمعة، إلى تراجع التوقعات بأن تعلن الولايات المتحدة وإيران قريباً تمديد اتفاق وقف إطلاق النار بينهما.