يرشُّ ملايين الأشخاص أجسادهم بطارد الحشرات كلّ صيف لإبعاد البعوض، ولكن بحوثاً جديدة تشير إلى أنّ هذه الحشرات الماصَّة للدماء يمكن أن تتعلَّم ربط رائحة الطارد بالغذاء.
ويُستخدم مركب «ديت» المعروف كيميائياً باسم «إن إن ديثيل ميتا تولاميد» على نطاق واسع في طاردات الحشرات، كما توصي به وكالة الأمن الصحي البريطانية.
وتتسبب الأمراض التي ينقلها البعوض في وفاة نحو 700 ألف شخص سنوياً، وفق منظمة الصحّة العالمية، مما يجعل استخدام الطاردات أمراً حيوياً في البلدان التي يمكن أن تنقل فيها لدغات البعوض أمراضاً مثل: الملاريا، وفيروس «زيكا»، و«حمى الضنك»، والتهاب الدماغ الياباني.
مع ذلك، تشير دراسة جديدة إلى أنّ الحشرات تبدأ مع الوقت في ربط رائحة الطارد بمكافأة، وفي بعض الحالات تصبح منجذبة إليه.
ووفق الأستاذ المُشارك في جامعة فرجينيا للتكنولوجيا، كليمنت فينوغير: «إذا استخدم شخص ما مادة (ديت) وتراجع تركيزها تدريجياً مع الوقت، ولكن البعوضة تمكنت رغم ذلك من التغذِّي، فقد تبدأ الحشرة في ربط تلك الرائحة بمكافأة. وهذا احتمال ينبغي أن نأخذه على محمل الجدّ عندما نفكر في كيفية استخدام الطاردات في الحياة الواقعية».
وفي الدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن مجلة «جورنال أوف إكسبريمنتال بيولوجي»، ركّز الباحثون على بعوضة الحمى الصفراء، المعروفة باسم «إيديس إيجيبتي» (الزاعجة المصرية)، وهي فصيلة تتسبب في انتشار «حمى الضنك»، و«زيكا»، والحمى الصفراء، ومرض «الشيكونغونيا»، التي تُصيب عشرات الملايين من الأشخاص سنوياً.
وعمل الباحثون على تدريب البعوض باستخدام نوع من «الاشتراط البافلوفي» (الإشراط الكلاسيكي)، وهو مبدأ التعلُّم نفسه الذي استندت إليه تجارب العالم إيفان بافلوف الشهيرة، والتي تعلَّمت فيها الكلاب ربط صوت الجرس بالطعام.
وجرى تثبيت البعوض خلف شبكة من القماش، مع وضع كيس من الدم الدافئ خارج نطاق الوصول المباشر. وبعد أن بدأت البعوضات في التغذي على الدم، أدخل الباحثون رائحة مادة «ديت».
وبعد تكرار التجربة 4 مرات، حاول أكثر من 60 في المائة من الحشرات التغذي بمجرَّد شمّ رائحة «ديت».
وفي المرحلة التالية، مُنحت البعوضات خياراً بين يدين بشريتين، إحداهما غير معالَجة والأخرى مغطّاة بمادة «ديت» بتركيزات عادية. وتجنَّبت البعوضات غير المدرَّبة اليد المعالجة بـ«ديت»، بينما انجذبت إليها البعوضات المدرَّبة.
وقال فينوغير: «كان الافتراض السائد دائماً أنّ الطاردات تعمل بسبب خصائصها الكيميائية، أي إنّ رائحة (ديت) -ببساطة- كريهة بالنسبة إلى البعوض فيهرب منها، أو أن تركيبها الكيميائي يمنعه من شمّ رائحتنا».
وأضاف: «لكن ما نوضحه هنا هو أنّ دماغ البعوضة يمكن أن يُعيد تشكيل تلك الاستجابة استناداً إلى الخبرة. فما تتعلَّمه الحشرة لا يقلّ أهمية عما تفعله المادة الكيميائية نفسها. وأعتقد أنّ هذا يمثّل تحولاً جذرياً في طريقة التفكير».
وأوضح فينوغير أنّ النتائج لا تعني ضرورة التوقُّف عن استخدام «ديت»؛ إذ لا يزال أحد أكثر الطاردات المُتاحة فاعلية.
وقال: «إذا كنتَ في مناطق استوائية؛ حيث يكون خطر الأمراض حقيقياً، فعليك استخدامه».
مع ذلك، تُشير الدراسة إلى أنّ توقيت الاستخدام والتركيز قد يكونان أكثر أهمية مما كان يُعتقد سابقاً.
وختم فينوغير: «بدلاً من وضع كمية كبيرة دفعة واحدة، قد يكون من الأفضل إعادة استخدام الطارد بانتظام حتى يظلّ فعالاً ويوفّر حماية مستمرّة».






