من الأرض إلى السماء... ملحمة إنسانية سعودية لرعاية صحة الحجيج

شريان حياة بين الحشود ومظلة أمان طائرة معززة بأحدث الأجهزة الطبية

تجسد مروحيات الإسعاف الجوي السعودي شرايين حياة معلقة في السماء لخدمة الحجاج (تصوير: بشير صالح)
تجسد مروحيات الإسعاف الجوي السعودي شرايين حياة معلقة في السماء لخدمة الحجاج (تصوير: بشير صالح)
TT

من الأرض إلى السماء... ملحمة إنسانية سعودية لرعاية صحة الحجيج

تجسد مروحيات الإسعاف الجوي السعودي شرايين حياة معلقة في السماء لخدمة الحجاج (تصوير: بشير صالح)
تجسد مروحيات الإسعاف الجوي السعودي شرايين حياة معلقة في السماء لخدمة الحجاج (تصوير: بشير صالح)

تتجلى أسمى قيم الإنسانية والرعاية في المشاعر المقدسة من خلال منظومة صحية سعودية فريدة ترافق ضيوف الرحمن خطوة بخطوة، محيطة إياهم برعاية طبية شاملة، ومجانية بالكامل، ولا تفرق بين جنسية أو أخرى، وتضع كرامة الإنسان وصحته فوق كل اعتبار، وذلك ضمن منظومة من الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن لأداء النسك وسط أجواء إيمانية وروحانية مفعمة بالأمن، والطمأنينة.

وأكد عبد العزيز عبد الباقي، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة السعودية، أن المنظومة الصحية تواصل خلال موسم هذا العام تنفيذ خططها التشغيلية والوقائية بأعلى درجات الجاهزية.

وطمأن عبد الباقي، في مؤتمر صحافي الثلاثاء، بأن «الحالة الصحية العامة للحجاج مستقرة وآمنة، ولم تُسجَّل أي حالات تفشٍ أو أوبئة مؤثرة، بفضل الله ثم بفضل الجهود الوقائية والاستباقية».

مرافقة اللحظة الأولى

أما المرافقة الإنسانية، فتبدأ من اللحظة الأولى لوصول الحاج إلى الأراضي السعودية، مروراً بحضوره في المشاعر المقدسة لأداء نسك الحج حيث تنتشر الفرق الإسعافية الراجلة، والمتطوعون في كل طرق المشاة، وبين الخيام، يحملون حقائبهم الطبية، ويجوبون الميدان سيراً على الأقدام، أو باستخدام الدراجات النارية الإسعافية، لتقديم العون الفوري، وضمان عدم ترك أي حاج وحيداً في مواجهة المرض، أو الإجهاد البدني الناتج عن الإعياء، أو حرارة الشمس.

سيارات الهلال الأحمر حضرت برفقة الحجاج خلال التصعيد إلى منى لقضاء يوم التروية (تصوير: بشير صالح)

وتجسد مروحيات الإسعاف الجوي التابع لـ«هيئة الهلال الأحمر السعودي» شرايين حياة معلقة في السماء، إذ تمثل الحل الاستراتيجي الأسرع، والأكثر كفاءة لكسر عامل الوقت، وتجاوز عقبة الحشود المليونية التي تملأ المشاعر المقدسة.

ويتجلى الدور الإنساني والعمل لهذا الأسطول في قدرته الفائقة على الاستجابة للبلاغات الطارئة في غضون دقائق معدودة، متخطياً الكثافات البشرية، والاختناقات المرورية على الأرض، لينقل الحالات الحرجة، والإصابات الشديدة من قلب الحدث مباشرة إلى مهابط المستشفيات المتخصصة في مكة المكرمة، والمشاعر المقدسة.

ولا يقتصر دور الإسعاف الجوي على النقل السريع فحسب، كما يقول المسعف الجوي الدكتور محمد العنزي في حديث خاص بـ«الشرق الأوسط»، بل يبرز كـ«غرفة عناية مركزة طائرة» مجهزة بأحدث التقنيات الطبية العالمية التي تتيح للأطباء والمسعفين الجويين البدء في إنعاش المريض، وتثبيت حالته الصحية، ومراقبة مؤشراته الحيوية أثناء التحليق.

سيارات الهلال الأحمر حضرت برفقة الحجاج خلال التصعيد إلى منى لقضاء يوم التروية (تصوير: بشير صالح)

ويوضح العنزي، الذي يحمل مؤهل أخصائي طبيب طوارئ، أن أبرز التجهيزات المتوفرة في «غرفة العناية الطائرة» تتمثل في جهاز الضغطات الصدرية الآلي، الذي تم اعتماده هذا الموسم لدعم الفرق الطبية في التعامل مع حالات توقف القلب، والتنفس، بما يضمن سرعة ودقة التدخل الإسعافي، وأجهزة التنفس الصناعي للأطفال، والخدج، والكبار، إلى جانب أجهزة العلامات الحيوية الحديثة التي تنقل المؤشرات الحيوية مباشرة وبشكل لحظي إلى غرفة العمليات، ما يتيح متابعة دقيقة وفورية للحالات أثناء النقل الجوي.

وأوضح أن الطائرة الإسعافية تضم كذلك حقيبة عناية مركزة متكاملة، فيما جُهزت بعض الطائرات كوحدات عناية مركزة طائرة قادرة على نقل حالتين من مرضى العناية المركزة في الوقت ذاته بين المنشآت الصحية، مع توفير جميع الأجهزة الطبية اللازمة داخل الطائرة.

زمن الاستجابة

وفي جانب الاستجابة للحالات الطائرة، أكد العنزي حرصهم على تحقيق زمن استجابة قياسي بحيث لا تتجاوز مدة تجهيز وإقلاع الطائرة 7 دقائق، وبلوغ موقع البلاغ خلال أقل من 10 دقائق، بما في ذلك مواقع ذات كثافة عالية، مثل منشأة الجمرات، ونقل الحالة إلى أقرب منشأة صحية في نحو 10 دقائق.

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل في حديث مع المسعف الجوي محمد العنزي خلال زيارته لمهبط الطائرات المروحية (تصوير: بشير صالح)

من جهته، قال شايع مقبول، كابتن طيار رئيس عمليات التشغيل في «شركة الطائرات المروحية» لـ«الشرق الأوسط»، إن الطائرة الطبية هي الأفضل على مستوى العالم من حيث التجهيزات الإسعافية والإمكانات، مشيراً إلى أنها تضم أحدث التقنيات الطبية المصنعة عالمياً، في خطوة تعكس مستوى التطور والتحديث المستمر الذي تشهده الخدمات الصحية المقدمة لضيوف الرحمن خلال موسم الحج.

قدرات ملاحية

وأوضح أن الطائرة تتمتع بقدرات ملاحية متقدمة تتيح لها الهبوط في الأماكن الضيقة، وكذلك في المواقع غير المهيأة، أو غير المعبدة، بما يعزز سرعة الوصول إلى الحالات في مختلف المواقع داخل المشاعر المقدسة.

مشيراً إلى أن الطائرة الإسعافية تضم غرفة عمليات متكاملة، ووحدة متقدمة للإنعاش القلبي، بما يتيح تقديم الرعاية الطبية العاجلة للمريض أثناء عملية النقل، ويضمن استقرار حالته حتى وصوله إلى أقرب منشأة صحية.

وأشار إلى أن التجهيزات التي تمتلكها الطائرة تستهدف نقل المريض بأسرع وقت ممكن من نقطة الالتقاء أو موقع الحدث إلى المستشفى المناسب، مع سرعة استجابة لا تتجاوز 7 دقائق، بما يعزز كفاءة التدخل الطبي العاجل خلال موسم الحج.

حشود الإسعاف

وحشدت هيئة الهلال الأحمر السعودي 2771 من الكوادر الإسعافية، والمتطوعين الصحيين، إلى جانب 100 متطوع صحي مؤهل، ووفرت 70 نقطة إسعافية في نطاق العاصمة المقدسة، و75 نقطة في نطاق الحرم المكي، و178 نقطة في مشعر منى، إضافة إلى 203 نقاط إسعافية في عرفات، ومزدلفة. ويضم أسطول الهيئة أكثر من 900 آلية إسعافية متنوعة، تشمل 305 سيارات إسعاف، و20 مركبة تدخل سريع (عبية) لدعم الوصول المبكر، وبدء الإجراءات العلاجية، و119 عربة قولف، و23 دراجة نارية للوصول السريع عبر المواقع المزدحمة، و155 سكوتراً، و200 كرسي إسعافي كهربائي (رفيدة)، إضافة إلى 80 دراجة هوائية، و7 طائرات إسعافية.

ولا تقف الرعاية عند حدود الإنقاذ الميداني، بل تمتد لتشمل تسخير وزارة الصحة السعودية التقنيات الذكية، مثل «مستشفى الصحة الافتراضي»، والتطبيقات الرقمية التي تتيح للحاج طلب الاستغاثة الطبية بضغطة زر، وتحديد موقعه بدقة دون الحاجة للتحدث باللغة العربية.

تدخل دقيق في الوقت الحرج لإنقاذ بصر حاج مصري وحاجة مغربية من فقدان دائم وتمكّنهما من استكمال الحج (مدينة الملك عبد الله الطبية)

وفي داخل المستشفيات، تُفتح أبواب غرف العمليات المعقدة لإنقاذ الأرواح عبر جراحات القلب المفتوح، والقسطرة التخصصية، وجلسات غسيل الكلى، وتقدم جميعها كخدمة إنسانية مجانية مدفوعة بالواجب الديني والوطني، لتظل الرعاية الطبية السعودية دائماً بمثابة الصديق الوفي، والمرافق الحاني الذي يحيط بالحاج حتى يعود إلى أهله سالماً معافى.

مراعاة ظروف الحاج

وتراعي السعودية الظروف الصحية للحجاج الذين داهمهم المرض الشديد قبل أداء المناسك وأُدخلوا المستشفيات، حيث تطلق وزارة الصحة سنوياً مبادرة «قافلة الحج الطبية»؛ وهي منظومة إسعافية متكاملة تتحرك كجسد واحد لتنقل هؤلاء المرضى وهم على أسرتهم البيضاء، تملؤهم دموع الفرح، ليقفوا في مشعر عرفات، ويستكملوا ركن حجهم الأكبر برفقة أطباء وممرضين يلازمونهم ثانية بثانية.


مقالات ذات صلة

«الداخلية» السعودية: اكتمال وصول الحجاج إلى مِنى بانسيابية مرورية عالية

الخليج جانب من الإيجاز الصحافي الثاني الخاص لموسم حج هذا العام (الشرق الأوسط)

«الداخلية» السعودية: اكتمال وصول الحجاج إلى مِنى بانسيابية مرورية عالية

أعلنت وزارة الداخلية السعودية اكتمال وصول الحجاج إلى مشعر منى بانسيابية مرورية عالية، لقضاء يوم التروية والمبيت فيه، تمهيداً لتصعيدهم إلى «عرفات» صباح الثلاثاء.

إبراهيم القرشي (المشاعر المقدسة)
الخليج عناية ورعاية رافقتا حجاج بيت الله الحرام خلال وجودهم في المشاعر المقدسة (تصوير: بشير صالح)

الحجاج يبيتون في مِنى عشية الركن الأعظم

يبدأ حجاج بيت الله الحرام عند ساعات الصباح الأولى، الثلاثاء (التاسع من ذي الحجة)، التوافد إلى مشعر عرفات؛ لأداء ركن الحج الأعظم، بعد قضائهم يوم التروية في منى.

إبراهيم القرشي (المشاعر المقدسة) عمر البدوي (المشاعر المقدسة)
عالم الاعمال «روبلوكس»: الشباب السعودي يشارك في صناعة المستقبل عبر «اقتصاد المبدعين» والذكاء الاصطناعي

«روبلوكس»: الشباب السعودي يشارك في صناعة المستقبل عبر «اقتصاد المبدعين» والذكاء الاصطناعي

كشفت مسابقة «التعلّم عبر اللعب» عن جيل جديد من الطلاب السعوديين الذين لا يكتفون باستهلاك التقنية، بل يسعون إلى صناعة محتواها وتطوير أدواتها التعليمية بأنفسهم...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج تدفُّق الحجاج إلى مشعر منى سار بكل يسر وسهولة مدعوماً بالخدمات كافة (تصوير: علي خمج)

«الحج والعمرة»: خطط تفويج دقيقة لضبط أوقات النفرة ورقابة مكثفة لملاحقة الحملات الوهمية

أكد مساعد وزير الحج والعمرة في السعودية الدكتور الحسن المناخرة، أن الوزارة  تعمل على مكافحة الحملات الوهمية من خلال منظومة رقابية بالتنسيق مع الجهات كافة.

سعيد الأبيض (جدة)
الخليج قطع الحاج الجزائري آلاف الأميال عابراً البحر والبر ليلبّي النداء الذي انتظره طوال حياته (تصوير: بشير صالح)

صعيد منى... يقرّب المسافات ويحتضن الدعوات

لم تكن المسافة الفاصلة بين مخيمات الحجاج في منى سوى خطوات معدودة لكنها اختزلت آلاف الأميال التي قطعها حاجان أحدهما من أقصى مشرق العالم العربي والآخر من مغربه.

عمر البدوي (منى)

«الداخلية» السعودية: اكتمال وصول الحجاج إلى مِنى بانسيابية مرورية عالية

جانب من الإيجاز الصحافي الثاني الخاص لموسم حج هذا العام (الشرق الأوسط)
جانب من الإيجاز الصحافي الثاني الخاص لموسم حج هذا العام (الشرق الأوسط)
TT

«الداخلية» السعودية: اكتمال وصول الحجاج إلى مِنى بانسيابية مرورية عالية

جانب من الإيجاز الصحافي الثاني الخاص لموسم حج هذا العام (الشرق الأوسط)
جانب من الإيجاز الصحافي الثاني الخاص لموسم حج هذا العام (الشرق الأوسط)

أعلنت وزارة الداخلية السعودية، الاثنين، اكتمال وصول الحجاج إلى مشعر منى بانسيابية مرورية عالية، لقضاء يوم التروية والمبيت فيه، تمهيداً لتصعيدهم إلى «عرفات» صباح الثلاثاء التاسع من ذي الحجة.

وقال العميد طلال الشلهوب، المتحدث الأمني باسم وزارة الداخلية، خلال الإيجاز الصحافي الثاني الخاص بموسم الحج، إن الجهات الأمنية تواصل مهامها لاستكمال رحلة المشاعر المقدسة فجر الثلاثاء، عبر تصعيد الحجاج للوقوف بعرفات، ثم النفرة منها إلى مزدلفة، وعودتهم لأداء طواف الإفاضة ورمي جمرة العقبة.

وأكد الشلهوب انخفاض أعداد المخالفين لأنظمة وتعليمات الحج هذا العام، وفق مؤشرات الأداء الأمني الميداني، مشيدًا بدور المواطنين والمقيمين والزوار في التجاوب مع حملة «لا حج بلا تصريح» والالتزام بها.

وشدّد المتحدث الأمني على استمرار قوات الأمن في أداء مهامها لتنفيذ تعليمات الحج عند المداخل والممرات المؤدية إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة كافة، مضيفًا في رسالة إلى ضيوف الرحمن: «أنتم في وطن يتشرف بخدمتكم وأمنكم، وسلامتكم من أولوياته».

من جانبه، ذكر عبد العزيز عبد الباقي، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة السعودية، أن المنظومة الصحية تواصل خلال موسم الحج هذا العام تنفيذ خططها التشغيلية والوقائية بأعلى درجات الجاهزية، مطمئنًا الجميع بأن الحالة الصحية العامة للحجاج مستقرة وآمنة، ولم تُسجّل أي حالات تفشٍ أو أوبئة مؤثرة، بفضل الله ثم بفضل الجهود الوقائية والاستباقية.


الحجاج يبيتون في مِنى عشية الركن الأعظم

عناية ورعاية رافقتا حجاج بيت الله الحرام خلال وجودهم في المشاعر المقدسة (تصوير: بشير صالح)
عناية ورعاية رافقتا حجاج بيت الله الحرام خلال وجودهم في المشاعر المقدسة (تصوير: بشير صالح)
TT

الحجاج يبيتون في مِنى عشية الركن الأعظم

عناية ورعاية رافقتا حجاج بيت الله الحرام خلال وجودهم في المشاعر المقدسة (تصوير: بشير صالح)
عناية ورعاية رافقتا حجاج بيت الله الحرام خلال وجودهم في المشاعر المقدسة (تصوير: بشير صالح)

تبدأ قوافل حجاج بيت الله الحرام عند ساعات الصباح الأولى، الثلاثاء (التاسع من ذي الحجة)، التوافد إلى مشعر عرفات؛ لأداء ركن الحج الأعظم، مفعمين بأجواء إيمانية يغمرها الخشوع والسكينة، وتحفّهم العناية الإلهية، ملبين ومتضرعين وداعين الله أن يمنّ عليهم بالعفو والمغفرة والرحمة والعتق من النار.

واتسمت حركة الحجيج بين المشاعر المقدسة بالانسيابية والمرونة، بمتابعة آلاف من رجال الأمن بمختلف القطاعات، وسط رعاية شاملة وفّرتها أجهزة الدولة ذات العلاقة، حيث جنّدت كل طاقاتها البشرية والمادية، مسخّرة جميع إمكاناتها لتقديم أرقى الخدمات إلى ضيوف الرحمن، وتحقيق كل ما يمكنهم من أداء مناسكهم بيسر وسهولة.

وقضى حجاج بيت الله الحرام، الاثنين، يوم التروية، بمشعر منى، اقتداءً بالسنة النبوية، مفعمين بأجواء روحانية سادها الأمن والأمان والراحة، قبل تصعيدهم إلى مشعر عرفات حيث يشهدون الوقفة الكبرى.

وتتحول المشاعر المقدسة في مكة المكرمة خلال الحج إلى أكبر مدينة موسمية ذكية في العالم، حيث تُدير عبر الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء حشود الملايين بدقة عالية.

عناية ورعاية رافقتا حجاج بيت الله الحرام خلال وجودهم في المشاعر المقدسة (تصوير: بشير صالح)

الركن الأعظم في الحج

ويقف الحجاج على صعيد عرفات الطاهر، في هذا اليوم المبارك، أفضل يوم طلعت عليه الشمس، في مشهد مهيب، راجين رحمة ربهم وابتغاء مرضاته.

ويؤدي ضيوف الرحمن صلاتَي الظهر والعصر جمعاً وقصراً بأذان واحد وإقامتين في مسجد نمرة اقتداءً بسنة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، بعد أن يستمعوا إلى خطبة يوم عرفة، التي سيلقيها هذا العام الشيخ الدكتور علي الحذيفي، إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف.

ومع غروب شمس الثلاثاء، تبدأ جموع الحجيج نفرتها إلى مزدلفة، حيث يصلون فيها المغرب والعشاء، ويبيتون بها حتى فجر الأربعاء العاشر من شهر ذي الحجة، قبل أن يعودوا إلى مشعر مِنى لتكملة مناسك الحج.

قضى حجاج بيت الله الحرام الاثنين يوم التروية بمشعر منى اقتداءً بالسنة النبوية (تصوير: بشير صالح)

وتبلغ مساحة مشعر عرفات قرابة 33 كيلومتراً مربعاً، يتجمع فيه أكثر من مليونَي حاج، وفرت لهم الحكومة السعودية جميع وسائل الراحة والأمن، وقدّمت إليهم خدمات بأعلى معايير الجودة، لتمكينهم من أداء مناسكهم بيسر وطمأنينة.

الدليل الإرشادي

ودعت وزارة الصحة حجاج بيت الله الحرام إلى الاطلاع على الدليل الإرشادي حول الاستخدام الأمثل للمظلة الشمسية، مؤكدةً أهمية الالتزام بالسلوكيات الوقائية للحد من المخاطر الصحية المرتبطة بالتعرض المباشر لأشعة الشمس، خصوصاً في أثناء التنقل بين المشاعر المقدسة.

وأوضح الدليل أن استخدام المظلة يُعد من الوسائل الوقائية الفعالة التي تُسهم في تقليل احتمالية الإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس والجفاف، إلى جانب دورها في الحماية من الأشعة فوق البنفسجية، بما يعزّز سلامة الحجاج ويساعدهم على أداء المناسك بشكل صحي وآمن، وتُسهم المظلة في خفض درجة الحرارة المحيطة بالحاج بنحو 10 درجات مئوية.

سجّلت الهيئة العامة للطرق عبور أكثر من 77 ألف مركبة عبر الطرق المؤدية إلى مكة المكرمة خلال يوم 6 ذي الحجة، ضمن الجهود التشغيلية والتنظيمية الهادفة إلى تسهيل حركة ضيوف الرحمن خلال موسم حج 1447هـ، ورفع كفاءة التنقل على شبكة الطرق في مختلف الاتجاهات المؤدية إلى العاصمة المقدسة.

وأوضحت الهيئة أن طريق الأمير محمد بن سلمان تصدّر الطرق من حيث عدد المركبات العابرة بأكثر من 23 ألف مركبة، يليه طريق الليث وطريق الطائف-مكة المكرمة عبر السبيل الكبير بأكثر من 13 ألف مركبة.

مبردات مياه منتشرة على خطوط المشاة بالمشاعر المقدسة (تصوير: بشير صالح)

وتتصف أرض عرفات باستوائها، وتحيط بها سلسلة جبال، يوجد في شمالها جبل الرحمة الذي يتكون من أكمة صغيرة مستوية السطح وواسعة المساحة، مشكّلة من حجارة صلدة ذات لون أسود كبيرة الحجم، ويقع إلى الناحية الشرقية من جبل عرفات بطول يبلغ 300 متر، ومحيطه 640 متراً، وترتفع قاعدته عن الأرض المحيطة به بمقدار 65 متراً، ويوجد على قمته شاخصٌ يبلغ ارتفاعه 7 أمتار.

ويتطلّع الحجاج إلى الوقوف على «جبل الرحمة» بعرفات خلال أدائهم مناسك الحج تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وقف عليه وألقى منه خطبة الوداع، ويحرصون على الدعاء والتضرع لله؛ طمعاً في الرحمة والمغفرة.

قضى حجاج بيت الله الحرام الاثنين يوم التروية بمشعر منى اقتداءً بالسنة النبوية (تصوير: بشير صالح)

ويعدّ «نمرة» ثاني أكبر مسجد مساحةً بمنطقة مكة المكرمة بعد الحرم المكي، وبُني في الموضع الذي خطب فيه الرسول عليه الصلاة والسلام خلال حجة الوداع، وشهد في عهد الدولة السعودية أضخم توسعاته، بطول بلغ 340 متراً، وعرض يُقدر بـ240 متراً، بمساحة تجاوزت 110 آلاف متر مربع، مع ساحة مظللة خلفه تقدَّر بـ8000 متر مربع، ليستوعب نحو 400 ألف مصلّ.

يُعرف مسجد نمرة بعدة أسماء أخرى في الكتب التاريخية، ومنها «مسجد إبراهيم الخليل، ومسجد عرفة، ومسجد عُرَنة»، ويضم 6 مآذن بارتفاع 60 متراً، وله 3 قباب، و10 مداخل رئيسية تحتوي على 64 باباً، ويضم غرفة للإذاعة الخارجية مجهزة لنقل الخطبة والصلاتين في يوم عرفة مباشرة بواسطة الأقمار الاصطناعية.


سماء مكة تشهد التعامد الأول للشمس على الكعبة المشرفة لعام 2026

التعامد الأول من اثنين تشهدهما العاصمة المقدسة سنوياً (واس)
التعامد الأول من اثنين تشهدهما العاصمة المقدسة سنوياً (واس)
TT

سماء مكة تشهد التعامد الأول للشمس على الكعبة المشرفة لعام 2026

التعامد الأول من اثنين تشهدهما العاصمة المقدسة سنوياً (واس)
التعامد الأول من اثنين تشهدهما العاصمة المقدسة سنوياً (واس)

تشهد سماء مكة المكرمة، يوم الخميس (28 مايو «أيار» 2026)، ظاهرة فلكية بارزة تتمثل في تعامد الشمس تماماً فوق الكعبة المشرفة، بالتزامن مع أذان الظهر بالمسجد الحرام عند الساعة 12:18 ظهراً بالتوقيت المحلي، وهو التعامد الأول من اثنين تشهدهما العاصمة المقدسة سنوياً.

وأوضح المهندس ماجد أبو زاهرة، رئيس الجمعية الفلكية بجدة، أن ظاهرة التعامد تُعد من التطبيقات الفلكية الدقيقة التي تحظى باهتمام واسع؛ لكونها تتيح للمهتمين تحديد اتجاه القبلة بدقة متناهية وبطرق بدائية بسيطة دون الحاجة إلى أدوات معقدة، وذلك عندما تختفي ظلال الكعبة والأجسام العمودية في محيط الحرم تماماً.

لماذا تحدث الظاهرة؟

تحدث ظاهرة التعامد عندما يساوي ميل الشمس خط عرض مكة المكرمة (نحو 21.4° شمالاً)؛ إذ إن الحركة الظاهرية للشمس بين مداري السرطان والجدي تجعلها تمر فوق مكة مرتين سنوياً، الأولى عند انتقالها شمالاً خلال أواخر مايو، والثانية عند عودتها جنوباً خلال يوليو (تموز).

وتُشير الحسابات الفلكية إلى أن ارتفاع الشمس يوم الأربعاء 27 مايو سيبلغ 89.89° بفارق 0.11° عن التعامد الكامل فوق الكعبة المشرفة، أي ما يعادل 6.6 دقيقة قوسية عن زاوية 90°، مفيداً بأن ارتفاعها يصل يوم الخميس 28 مايو إلى 89.94° بفارق يقارب 0.06° فقط عن التعامد الكامل أي ما يعادل 3.6 دقيقة قوسية؛ مما يجعله اليوم الأقرب إلى التعامد الكامل للشمس فوق الكعبة المشرفة.

وعند لحظة التعامد تختفي الظلال الناتجة عن الأجسام العمودية في محيط مكة بشكل شبه كامل، إذ تسقط أشعة الشمس عمودياً تقريباً على سطح الأرض، وهي اللحظة التي تُعد العلامة الأبرز للظاهرة، وتكتسب أهمية عملية كبيرة؛ إذ يمكن خلالها للملايين في المناطق التي ترى الشمس تحديد اتجاه القبلة بدقة عالية عبر الاستدلال بموقع الشمس في السماء ومتابعة اتجاه الظل الناتج عن الأجسام العمودية، إذ يكون خط الرؤية نحو موقع الشمس مواجهاً تقريباً لاتجاه مكة المكرمة في تلك اللحظة.

وتتكرر هذه الظاهرة مرتين سنوياً؛ لأن الشمس تتحرك ظاهرياً بين مداري السرطان والجدي نتيجة ميل محور الأرض بنحو 23.44 درجة، مما يسمح بمرور الشمس فوق خط عرض مكة مرتين خلال العام، مرة في اتجاه الشمال والأخرى في اتجاه الجنوب، فيما تتجلى الأهمية العلمية لهذه الظاهرة كونها أداة طبيعية للتحقق من دقة النماذج الفلكية المستخدمة في تتبع حركة الشمس، كما تُستخدم في التعليم الفلكي لتوضيح مفاهيم مثل الإحداثيات السماوية وحركة الأرض حول الشمس، إضافة إلى كونها وسيلة تاريخية استخدمت في تصحيح اتجاهات بعض المساجد بدقة عالية.

وتكتسب هذه الطريقة أهمية خاصة في دول الخليج العربي ومختلف الدول العربية والمناطق القريبة والمتوسطة البعيدة عن مكة؛ حيث تكون الشمس عادة مرتفعة في السماء وقت التعامد، مما يسهل رصد الظل بدقة أكبر، ويجعلها من أبسط وأدق الطرق الطبيعية لتحديد القبلة دون الحاجة إلى أدوات فلكية أو إلكترونية.