جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

التكنولوجيا في خدمة القنافذ

استمع إلى المقالة

«القنفود» بالدال وليس بالذال، هو الاسم الذي يطلقه الليبيون في لهجتهم المحكية على «القنفذ». وخلال عقود مضت، تحوّل هذا الكائن الصغير إلى مادة للتهكم السياسي، حين أطلق الناس اسمه على شاشة التلفزيون الرسمي لأنَّ رمزها (الشمس المشرقة) كان يبدو شبيهاً بالقنفذ. تذكرتُ هذه التسمية المحلية الطريفة وأنا أتابع مؤخراً أخباراً منشورة في صحف بريطانية تضع هذا الكائن في صدارة الاهتمام. فما السرّ؟

القنفذ، بطبيعته، حيوان أليف ومسالم لا يثير الخوف حتى بين الأطفال، بل يستدعي التعاطف؛ لصغر حجمه أولاً، وثانياً لعلمنا أن ما يعلو ظهره من شوك مدبب لا يعدو أن يكون درعاً مخصصة للدفاع عن النفس لا خشية منها. لذلك، فإن ظهوره المفاجئ في الإعلام البريطاني مؤخراً، والتمكن من إيجاد مساحة صغيرة له وسط كل هذا الضجيج الدولي حول التوتر العسكري في مضيق هرمز وانعكاساته على مختلف الصعد، يبدو، منذ الوهلة الأولى، مثيراً للانتباه.

ما كانت القنافذ وأحوالها في هذا الوقت لتخطر على بال امرئٍ (مثلي) جاوز العقد السابع من العمر، أو حتى آخر أصغر سنّاً، لولا أن علماء وباحثي جامعة كمبردج أتاحوا الفرصة لهذه الكائنات الصغيرة للظهور والإعلان عن وجودها، كي تلفت انتباهنا إليها، وتتحوّل إلى مادة إعلامية دسمة تستقطب الاهتمام في زمن يتشظّى فيه الاهتمام متوزعاً بين قضايا حياتية عدّة، ومخاوف من حروب مشتعلة في أماكن مختلفة.

التقارير المنشورة في الصحف البريطانية مؤخراً ذكرت أن الباحثين في «معهد أبحاث الحفاظ على البيئة» بجامعة كمبردج بدأوا في استخدام بيانات وصور الأقمار الاصطناعية وتقنيات الذكاء الاصطناعي لإبطاء التدهور المتسارع في أعداد القنافذ في بريطانيا. ما نعرفه هو أن التدهور في بريطانيا هذه السنوات لا يقتصر على انخفاض أعداد القنافذ، بل يطول مناحي حياتية عدة لا تتسع لها هذه الأسطر. فلماذا من دونها جميعاً ظفرت القنافذ بالذكر إعلامياً وحظيت بخدمات التكنولوجيا؟

الخوف من انقراض القنافذ في بريطانيا دفع العلماء والباحثين في الجامعة المذكورة إلى الاستعانة بالتكنولوجيا الحديثة على أمل تدارك الأمر. التقارير ذكرت أنهم لجأوا إلى الاستعانة بالأقمار الاصطناعية والذكاء الاصطناعي في رصد وتتبع القنافذ في مناطق عيشها، بهدف توفير الحماية لها، ومساعدتها على التكاثر. وهو بلا شك هدف بيئي نبيل يستحق الإعجاب والتشجيع. هذا الاهتمام العلمي الأكاديمي وصل متأخراً، وجاء تعويضاً عن التجاهل الذي كان سائداً في عقود مضت، مما أدى إلى تدهور في أعداد تلك الكائنات الحيوانية، ويهدد بانقراضها.

ربما يرى البعض في هذا التناول الإعلامي للانزعاج من تناقص أعداد القنافذ في بريطانيا مجرد «فقاعة عابرة» لجذب الاهتمام سرعان ما تتلاشى في الهواء، ولكن حتى إن كان الأمر كذلك، فما الضرر؟ إذ من الأفضل لوسائل الإعلام أن تمنح مساحة للحياة الفطرية والتنوع الحيوي، لتذكِّر البشر بالمصير الذي ينتظر الكوكب جراء ما يُلحقونه بالبيئة من خراب.

ومع ذلك، فإن هذا الاهتمام الأكاديمي والإعلامي مؤخراً ينطوي على مفارقة صارخة لا يمكنها أن تفوت من دون أن تثير كثيراً من الشجن والتعجب. فتحرك مراكز الأبحاث العلمية البيئية وتسخيرها الأقمار الاصطناعية والتقنيات الذكية بأنواعها لرسم خرائط آمنة تضمن الحفاظ على بقاء القنافذ وتكاثرها، يقابله في الوجه الآخر من العُملة ما نرصده ونتابعه في وسائل الإعلام على اختلافها من لجوء السلطات الأمنية في مختلف دول العالم إلى الاستعانة بنفس الأجهزة التكنولوجية في مطاردة البشر الهاربين بحيواتهم من الفقر والمجاعات والحروب. الأقمار الاصطناعية استُخدمت في تتبع أولئك المكلومين الهاربين بهدف اعتقالهم وحبسهم، والحؤول بينهم وبين حق العيش الكريم، في مأمن من الموت جوعاً أو السقوط ضحايا في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

هدف العلماء والباحثين في الجامعة المذكورة لا يطوله شكٌّ في نُبل مقصده، وندعو لهم بالتوفيق والنجاح في مهمتهم، لكن عملهم، في نفس الوقت، يُذكِّرنا بمرآة عاكسة لعالمٍ مقلوب، يزعم ويتظاهر بالاهتمام بحيواناته وبيئته، أكثر بكثير مما يهتم بالحفاظ على إنسانيته وقيمها الأخلاقية المهددة هي الأخرى بالانقراض.