«بيع اليابان»... لحظة تخشاها الأسواق وتقلق واشنطن

طوكيو عالقة بين الدفاع عن الين والسندات وحماية سوق الدين الأميركي

سائح يمر أمام لوحة دعائية لجبل فوجي في مطار العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
سائح يمر أمام لوحة دعائية لجبل فوجي في مطار العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

«بيع اليابان»... لحظة تخشاها الأسواق وتقلق واشنطن

سائح يمر أمام لوحة دعائية لجبل فوجي في مطار العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
سائح يمر أمام لوحة دعائية لجبل فوجي في مطار العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

تواجه اليابان واحدة من أكثر اللحظات الاقتصادية والمالية حساسية منذ عقود، مع تحول أزمة الين الضعيف إلى معضلة عالمية تمس أسواق السندات الأميركية واستقرار النظام المالي الدولي، في وقت تتزايد فيه رهانات المستثمرين على ما باتت الأسواق تسميه «بيع اليابان» أو Japan Sell، أي اهتزاز الثقة المتزامن في العملة والسندات والسياسة النقدية اليابانية، ما قد يسفر عن موجة حادة من التخلص من الأصول اليابانية، والتي سيتبعها حتماً اندفاع ياباني لبيع السندات الأميركية من أجل محاولة إنقاذ اقتصادها، وهو ما سيسفر عن اضطراب اقتصادي عالمي.

وخلال اجتماعات مجموعة السبع الأخيرة، حاولت طوكيو إرسال رسائل طمأنة للأسواق، بعدما أكدت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما أن السلطات «مستعدة للتحرك في أي وقت» لمواجهة التقلبات المفرطة في سوق العملات، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة تنفيذ أي تدخل بطريقة لا تؤدي إلى اضطراب سوق سندات الخزانة الأميركية.

ويعكس هذا التصريح حجم التعقيد الذي يواجه ثالث أكبر اقتصاد في العالم. فاليابان لم تعد تحاول فقط إنقاذ الين، بل أصبحت مضطرة أيضاً إلى حماية علاقتها المالية الحساسة مع الولايات المتحدة، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار سوق السندات الأميركية وسط تصاعد العجز المالي وارتفاع تكاليف الاقتراض.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت الضغوط على الين بصورة حادة، بعدما اقترب مجدداً من مستوى 160 يناً للدولار، وهو المستوى الذي تعتبره السلطات اليابانية «خطاً أحمر» نفسياً وسياسياً. ودفعت هذه التطورات طوكيو إلى تنفيذ تدخلات واسعة في سوق الصرف عبر شراء الين وبيع الدولار، في أول تحرك مباشر بهذا الحجم منذ نحو عامين.

سيدة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسواق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

وتشير تقديرات الأسواق حالياً إلى أن إجمالي التدخلات اليابانية منذ نهاية أبريل (نيسان) ربما تجاوز 12 تريليون ين، أي ما يعادل نحو 75 إلى 82 مليار دولار، بعدما شهدت الأسواق عدة موجات صعود مفاجئة للين خلال جلسات التداول الآسيوية الضعيفة.

ورغم نجاح هذه التدخلات مؤقتاً في دفع العملة اليابانية من حدود 160 إلى قرب 155 يناً للدولار، عاد الين لاحقاً إلى التراجع مع استمرار قوة الدولار وارتفاع العوائد الأميركية، ما عزز شكوك المستثمرين في قدرة طوكيو على تغيير الاتجاه العام للسوق.

• معضلة أكبر من العملة

ويرى محللون أن أزمة الين تجاوزت منذ فترة كونها مجرد قضية نقدية أو مالية، لتتحول إلى أزمة معيشية وسياسية داخل اليابان نفسها، مع ارتفاع تكاليف الواردات والطاقة والغذاء، وتآكل القوة الشرائية للأسر اليابانية بصورة غير مسبوقة منذ سنوات طويلة.

لكن المعضلة الأكبر بالنسبة لطوكيو لا تتعلق فقط بسوق العملات، بل بكيفية تمويل التدخلات دون التسبب في صدمة داخل سوق الدين الأميركي. فاليابان تمتلك نحو 1.4 تريليون دولار من احتياطيات النقد الأجنبي، معظمها مستثمر في سندات الخزانة الأميركية، ما يجعلها أحد أكبر الدائنين للولايات المتحدة. وللحصول على الدولارات اللازمة لدعم الين، قد تضطر السلطات اليابانية نظرياً إلى بيع جزء من هذه السندات، وهنا تكمن الحساسية الكبرى. فأي عمليات بيع واسعة لسندات الخزانة الأميركية قد تؤدي إلى ارتفاع إضافي في العوائد الأميركية، وهو ما يعزز قوة الدولار أكثر ويقوض فعالية التدخل الياباني نفسه. ولهذا، أصبح هناك تنسيق شبه يومي بين وزارة المالية اليابانية ووزارة الخزانة الأميركية بشأن إدارة التدخلات المحتملة وتفادي أي اضطرابات غير مرغوبة في سوق الدين الأميركي.

رجل يمر أمام مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)

• موقف معقد في واشنطن

وتدرك واشنطن أن اليابان تمثل عاملاً حاسماً في استقرار سوق السندات الأميركية، خصوصاً في وقت ترتفع فيه العوائد بالفعل بسبب التضخم والحرب الإيرانية وتزايد الإنفاق الحكومي الأميركي.

ومن هنا، تبدو الولايات المتحدة في موقف معقد: فهي تدعم استقرار الين وتفهم مخاوف طوكيو، لكنها لا تريد في الوقت نفسه تدخلاً يابانياً واسعاً يؤدي إلى اضطراب أكبر سوق سندات في العالم.

وفي الخلفية، بدأ المستثمرون العالميون يتحدثون بشكل متزايد عن سيناريو «بيع اليابان»، وهو مفهوم يشير إلى تزامن الضغوط على الين والسندات اليابانية والأسهم والأصول المحلية، بما يعكس اهتزاز الثقة في قدرة بنك اليابان على إدارة الخروج من عصر السياسة النقدية فائقة التيسير.

وهذه النقطة تحديداً أصبحت مصدر قلق كبير للأسواق العالمية، لأن اليابان ليست اقتصاداً عادياً، بل إحدى الركائز الأساسية للنظام المالي الدولي، سواء من خلال الين كعملة تمويل عالمية، أو عبر حجم سوق السندات اليابانية، أو من خلال التدفقات الاستثمارية اليابانية الضخمة حول العالم.

وفي الداخل، يواجه بنك اليابان بقيادة المحافظ كازو أويدا معضلة معقدة تتعلق بمستقبل السياسة النقدية وبرنامج «التشديد الكمي» الذي بدأه تدريجياً منذ عام 2024.

فبعد عقود من أسعار الفائدة شبه الصفرية وبرامج شراء السندات الضخمة، يحاول البنك المركزي تقليص حيازاته الهائلة من السندات الحكومية، التي لا تزال تبلغ نحو 500 تريليون ين، أي ما يعادل أكثر من 3 تريليونات دولار... لكن ارتفاع العوائد وتقلبات السوق أجبرا البنك على إعادة تقييم سرعة التخارج من سياساته القديمة.

وبحسب مصادر مطلعة نقلت عنها «رويترز»، فإن بنك اليابان لا يستبعد الآن إبطاء أو حتى تعليق خطط تقليص مشتريات السندات إذا استمرت اضطرابات السوق الحالية. وفي الوقت نفسه، تتزايد التوقعات بأن يرفع البنك المركزي أسعار الفائدة خلال اجتماعه في يونيو (حزيران) أو يوليو (تموز)، لكن بوتيرة رمزية وحذرة للغاية.

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في إحدى جلسات البرلمان السابقة بالعاصمة طوكيو (أ.ف.ب)

• حساسية استثنائية

وتكمن المشكلة في أن أي رفع سريع للفائدة قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في عوائد السندات اليابانية، وهو ما قد يرفع تكلفة خدمة الدين العام الياباني، الذي يُعد الأكبر في العالم مقارنة بحجم الاقتصاد.

وتحمل هذه النقطة حساسية استثنائية لأن بنك اليابان يمتلك حالياً نحو 49 في المائة من إجمالي السندات الحكومية اليابانية المتداولة، ما يجعل أي تغيير في سياسته النقدية مؤثراً مباشرة على استقرار السوق وتكلفة تمويل الدولة.

كما بدأت صناديق التحوط العالمية تراهن بصورة متزايدة ليس فقط ضد الين، بل أيضاً ضد السندات اليابانية طويلة الأجل، في اختبار واضح لقدرة بنك اليابان على السيطرة على منحنى العائد ومنع انفلات العوائد.

وحذر عضو مجلس إدارة بنك اليابان هاجيمي تاكاتا أخيراً من أن تقليص مشتريات السندات بسرعة كبيرة قد يؤدي إلى «تقلبات مفرطة» أو حتى تدهور أداء السوق إذا لم تتم إدارة العملية بحذر شديد.

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك المركزي في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

• سيناريوهات الأزمة

وفي هذا السياق، يناقش بنك اليابان حالياً ثلاثة سيناريوهات رئيسية خلال اجتماعه المقبل، الأول يتمثل في وقف تقليص مشتريات السندات مؤقتاً والإبقاء على وتيرة الشراء الحالية البالغة نحو تريليوني ين شهرياً. أما الثاني فهو الاستمرار في تقليص المشتريات بالمعدل الحالي البالغ 200 مليار ين كل ثلاثة أشهر. بينما يقضي السيناريو الثالث، الذي يراه كثير من المحللين الأكثر ترجيحاً، بإبطاء التخفيض إلى 100 مليار ين فقط كل ثلاثة أشهر لتخفيف الضغوط على الأسواق.

لكن مهما كان القرار النهائي، فإن الأسواق تدرك أن اليابان باتت تواجه اختباراً بالغ الحساسية: فهل يستطيع بنك اليابان إنهاء عصر الأموال الرخيصة دون التسبب في أزمة ديون أو انهيار في سوق السندات؟

ولا تقتصر تداعيات هذا السؤال على اليابان وحدها، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. فأي اضطراب حاد في الين أو السندات اليابانية أو سوق الدين الأميركي قد ينعكس سريعاً على أسعار الفائدة والعملات والأسهم عالمياً. كما أن استمرار ضعف الين يزيد الضغوط التنافسية على الاقتصادات الآسيوية الأخرى، ويدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم رهاناتهم على مسار أسعار الفائدة العالمية.

وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الطاقة، واستمرار الضغوط على الاقتصاد الصيني، تبدو اليابان اليوم أمام اختبار لا يتعلق فقط بمستقبل عملتها، بل بمستقبل واحدة من أهم ركائز النظام المالي العالمي، فالمعضلة اليابانية لم تعد مجرد أزمة ين أو سندات، بل تحولت إلى اختبار عالمي لقدرة البنوك المركزية على إنهاء عصر السيولة الرخيصة دون زعزعة استقرار أسواق الدين الدولية.


مقالات ذات صلة

متنفس جديد لاقتصاد الأرجنتين بمليار دولار من صندوق النقد

الاقتصاد سيدة تتسوَّق في متجر بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ف.ب)

متنفس جديد لاقتصاد الأرجنتين بمليار دولار من صندوق النقد

حصلت الأرجنتين على دفعة جديدة بقيمة مليار دولار من صندوق النقد الدولي، في خطوة تمنح حكومة الرئيس خافيير ميلي متنفساً اقتصادياً جديداً.

«الشرق الأوسط» (بوينس آيرس)
الاقتصاد صاحب متجر يرتب الزيتون داخل سوق شعبية في الدار البيضاء (رويترز)

تضخم المغرب يقفز إلى 1.7 % في أبريل بفعل زيادة أسعار النقل والطاقة

ارتفع معدل التضخم السنوي في المغرب إلى 1.7 في المائة خلال أبريل (نيسان)، مقارنة بـ0.9 في المائة في الشهر السابق، وفق ما أعلنته الهيئة العامة للإحصاء يوم الجمعة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

الأسهم الصينية تتراجع للأسبوع الثاني بدفع جني الأرباح

انتعشت الأسهم الصينية، الجمعة، لكنها سجلت انخفاضاً للأسبوع الثاني على التوالي، حيث تواجه أسهم شركات التكنولوجيا ضغوطاً متزايدة لجني الأرباح

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد أشخاص يسيرون تحت أضواء عيد الميلاد بشارع التسوق «فريدريش شتراسه» خلال موسم الأعياد في برلين (رويترز)

الاقتصاد الألماني يسجل نمواً 0.3 % في الربع الأول... مؤكداً التقديرات الأولية

أعلن مكتب الإحصاء الألماني يوم الجمعة أن الاقتصاد نما بنسبة 0.3 في المائة في الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالربع السابق، مؤكداً بذلك قراءته الأولية.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد مزارع يحصد ثمار نخيل الزيت في قرية هانجاليبان (رويترز)

وسط توقعات بتداعيات عالمية… إندونيسيا تعيد رسم خريطة تجارة السلع الأساسية

تعمل إندونيسيا على إعادة هيكلة سياساتها التجارية الخاصة بالسلع الأساسية في خطوة مفاجئة شبّهها بعض الخبراء بعملية استحواذ عدائية على صناعات رئيسية في هذه الدولة.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)

متنفس جديد لاقتصاد الأرجنتين بمليار دولار من صندوق النقد

سيدة تتسوَّق في متجر بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ف.ب)
سيدة تتسوَّق في متجر بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ف.ب)
TT

متنفس جديد لاقتصاد الأرجنتين بمليار دولار من صندوق النقد

سيدة تتسوَّق في متجر بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ف.ب)
سيدة تتسوَّق في متجر بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ف.ب)

حصلت الأرجنتين على دفعة جديدة بقيمة مليار دولار من صندوق النقد الدولي، في خطوة تمنح حكومة الرئيس خافيير ميلي متنفساً اقتصادياً جديداً، لكنها تعكس في الوقت نفسه استمرار اعتماد البلاد المزمن على المؤسسة المالية الدولية بعد عقود من الأزمات والتعثرات.

وأعلن صندوق النقد الدولي في وقت متأخر من مساء الخميس، موافقته على صرف المبلغ بعد استكمال المراجعة الثانية لبرنامج الإنقاذ البالغ 20 مليار دولار، مشيراً إلى أنَّ الحكومة الأرجنتينية حقَّقت «تقدماً قوياً» في الإصلاحات المالية والتجارية والعمالية، رغم استمرار التحديات المرتبطة بالاحتياطات الأجنبية والتضخم.

وبحسب «رويترز»، فإنَّ الاتفاق الحالي الممتد لـ4 سنوات هو البرنامج الـ23 بين الأرجنتين وصندوق النقد الدولي منذ خمسينات القرن الماضي، ما يعكس العلاقة المعقدة والطويلة بين الجانبين.

تاريخ طويل من الأزمات

وتُعدُّ الأرجنتين واحدة من أكثر دول العالم ارتباطاً ببرامج صندوق النقد، بعدما شهد اقتصادها سلسلةً من الانهيارات المالية والتضخم المفرط والتخلف عن سداد الديون. وكانت الأزمة الأكبر في عام 2001 عندما أعلنت البلاد أكبر تعثر سيادي في العالم آنذاك، بعد انهيار العملة والنظام المصرفي، واندلاع احتجاجات واسعة أطاحت بالحكومة.

وفي عام 2018، حصلت بوينس آيرس على قرض ضخم بقيمة 44 مليار دولار خلال حكم الرئيس المحافظ ماوريسيو ماكري، في أكبر برنامج بتاريخ صندوق النقد، لكنه فشل في استعادة الاستقرار الاقتصادي، لتعود البلاد لاحقاً إلى إعادة التفاوض مع الصندوق مجدداً.

ويهدف البرنامج الحالي إلى إعادة تمويل ذلك القرض المتعثر، مع منح حكومة ميلي مساحة لرفع القيود على رؤوس الأموال، واستعادة الوصول إلى الأسواق الدولية.

ميلي... وسياسة «الصدمة»

ومنذ وصوله إلى السلطة، تبنى الرئيس الليبرالي خافيير ميلي سياسة اقتصادية شديدة التقشف تقوم على خفض الإنفاق الحكومي وتقليص الدعم وتحرير الأسواق. ونجحت الحكومة بالفعل في تحقيق أول فائض مالي أولي منذ سنوات، كما تراجع معدل التضخم مقارنة بالمستويات القياسية التي تجاوزت 200 في المائة سنوياً في فترات سابقة.

لكن صندوق النقد أشار إلى أنَّ أداء الاقتصاد ظل «متبايناً» حتى نهاية 2025، خصوصاً بسبب بطء إعادة بناء احتياطات النقد الأجنبي، التي تُعدُّ أحد أهم شروط البرنامج. كما حذر الصندوق من أن الاقتصاد الأرجنتيني لا يزال يواجه «مواطن ضعف» تتطلب مواصلة خفض التضخم، وتحسين القدرة على الوصول إلى أسواق التمويل الدولية.

أزمة الاحتياطات

وتبقى الاحتياطات الأجنبية العقدة الأكثر حساسية في الاقتصاد الأرجنتيني، إذ تعاني البلاد من نقص مزمن في الدولار؛ نتيجة ضعف الصادرات، وارتفاع الديون، وهروب رؤوس الأموال. وخلال المراجعة الأولى للبرنامج في يوليو (تموز) الماضي، اضطر صندوق النقد إلى خفض أهداف تراكم الاحتياطات حتى عام 2026 بعد فشل الحكومة في تحقيق الأهداف الأصلية.

ورغم تحسُّن ثقة الأسواق نسبياً بعد الإصلاحات الأخيرة، فإنَّ المستثمرين لا يزالون يراقبون قدرة الحكومة على تعزيز الاحتياطات واستقرار سعر صرف البيزو. ويخشى اقتصاديون من أن يؤدي أي تراجع في الثقة أو تباطؤ سياسي إلى عودة الضغوط على العملة وارتفاع معدلات التضخم مجدداً.

انتخابات... وضغوط اجتماعية

كما تواجه حكومة ميلي ضغوطاً سياسية متزايدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، في وقت تثير فيه سياسات التقشف غضب قطاعات واسعة من المجتمع؛ بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

ورغم نجاح الحكومة في تقليص العجز المالي، فإنَّ نسب الفقر لا تزال مرتفعةً، بينما تعاني الطبقة الوسطى من آثار خفض الدعم وارتفاع الأسعار. ويرى مراقبون أنَّ ميلي يسعى لاستخدام دعم صندوق النقد ورقةً لتعزيز الثقة الدولية ببرنامجه الاقتصادي، خصوصاً مع محاولته جذب الاستثمارات الأجنبية وإعادة الأرجنتين إلى أسواق الدين العالمية.

هل تنجح التجربة الحالية؟

ورغم التفاؤل الحذر الذي أبداه صندوق النقد، فإنَّ الشكوك تبقى قائمةً بشأن قدرة الأرجنتين على الخروج من الحلقة التاريخية المتمثلة في الاقتراض والأزمات وإعادة الهيكلة. فخلال العقود الماضية، تعثرت غالبية البرامج السابقة؛ بسبب ضعف النمو أو الأزمات السياسية أو انهيار العملة، ما جعل الأرجنتين مثالاً عالمياً على الأزمات المالية المتكرِّرة.

لكن حكومة ميلي تراهن على أنَّ الإصلاحات الجذرية الحالية قد تمنح البلاد فرصةً مختلفةً هذه المرة، ولو بتكلفة اجتماعية وسياسية مرتفعة... وفي المقابل، يعتقد منتقدو الحكومة أنَّ الاعتماد المستمر على قروض صندوق النقد يبقي الاقتصاد الأرجنتيني رهينةً للديون والتقشف، دون معالجة عميقة لاختلالاته البنيوية المزمنة.


تضخم المغرب يقفز إلى 1.7 % في أبريل بفعل زيادة أسعار النقل والطاقة

صاحب متجر يرتب الزيتون داخل سوق شعبية في الدار البيضاء (رويترز)
صاحب متجر يرتب الزيتون داخل سوق شعبية في الدار البيضاء (رويترز)
TT

تضخم المغرب يقفز إلى 1.7 % في أبريل بفعل زيادة أسعار النقل والطاقة

صاحب متجر يرتب الزيتون داخل سوق شعبية في الدار البيضاء (رويترز)
صاحب متجر يرتب الزيتون داخل سوق شعبية في الدار البيضاء (رويترز)

ارتفع معدل التضخم السنوي في المغرب إلى 1.7 في المائة خلال أبريل (نيسان)، مقارنة بـ0.9 في المائة في الشهر السابق، وفق ما أعلنته الهيئة العامة للإحصاء يوم الجمعة.

وقالت الهيئة في بيان إن أسعار المواد الغذائية، التي تُعد المحرك الرئيسي للتضخم في البلاد، ارتفعت بنسبة 0.6 في المائة على أساس سنوي، بينما زادت أسعار السلع غير الغذائية بنسبة 2.5 في المائة، وفق «رويترز».

وسجلت أسعار النقل ارتفاعاً حاداً بنسبة 8.4 في المائة، متأثرة بزيادة أسعار الوقود نتيجة التوترات والصراع في الشرق الأوسط.

وفي المقابل، تراجع التضخم الأساسي، الذي يستثني السلع الأكثر تقلباً والأسعار الخاضعة لرقابة الحكومة، بنسبة 0.3 في المائة على أساس سنوي، بينما ارتفع بنسبة 0.1 في المائة على أساس شهري.

وفي محاولة للحد من تأثير التوترات الجيوسياسية على السوق المحلية، تعتزم الحكومة المغربية إضافة 20 مليار درهم (2.17 مليار دولار) إلى موازنة عام 2026، بما يشمل زيادة الدعم للحفاظ على استقرار أسعار النقل العام وغاز الطهي والكهرباء.


الأسهم الصينية تتراجع للأسبوع الثاني بدفع جني الأرباح

شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
TT

الأسهم الصينية تتراجع للأسبوع الثاني بدفع جني الأرباح

شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

انتعشت الأسهم الصينية، الجمعة، لكنها سجلت انخفاضاً للأسبوع الثاني على التوالي، حيث تواجه أسهم شركات التكنولوجيا ضغوطاً متزايدة لجني الأرباح. بينما ارتفعت سوق هونغ كونغ مدفوعة بنتائج مجموعة «لينوفو» التي فاقت التوقعات؛ ما عزز المعنويات. وأنهى مؤشر «سي إس آي 300» الصيني للأسهم القيادية الجلسة مرتفعاً بنسبة 1.3 في المائة، لكنه انخفض بنسبة 0.3 في المائة خلال الأسبوع. كما انتعش مؤشر شنغهاي المركب، الذي سجل الخميس أكبر انخفاض له منذ مارس (آذار)، بنسبة 0.9 في المائة. وفي هونغ كونغ، ارتفع مؤشر «هانغ سينغ القياسي» بنسبة تقارب 1 في المائة، مدفوعاً بأسهم شركات التكنولوجيا، حيث قفز سهم «لينوفو» بنسبة 20 في المائة إلى أعلى مستوى له في 26 عاماً. وتشهد الأسهم الصينية ارتفاعاً هذا العام، حيث يساعد التفاؤل الناتج من الذكاء الاصطناعي في التغلب على مخاوف المستثمرين بشأن الاقتصاد بشكل عام. وأشار بنك «بي إن بي باريبا» إلى وجود تحسن ملحوظ في توقعات الأرباح في الصين وبعض الاقتصادات الآسيوية الأخرى، لكنه أضاف: «مع ذلك، لا يُعدّ هذا تحسناً شاملاً، بل هو مدفوع بشكل شبه كامل بالدورة التكنولوجية المتسارعة». وحذّر البنك من أن «أي انعكاس للدورة (التكنولوجية) سيُشكّل عائقاً كبيراً أمام أسواق الأسهم الإقليمية»، لكنه «يبقى العامل الوحيد المؤثر على المدى القريب».

كما رسم بنك «غولدمان ساكس» صورةً لاقتصاد صيني منقسم، حيث يتناقض قطاع التكنولوجيا المزدهر مع قطاعات «الاقتصاد التقليدي» المتعثرة. وأوضح البنك في مذكرة له أن «الصراع المستمر في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة أثّرا سلباً على الاقتصاد الصيني... ومع ذلك، أظهر الاقتصاد الصيني حتى الآن مرونةً أكبر من المتوقع في التكيف مع ارتفاع أسعار النفط».

ونصح البنك المستثمرين بمراقبة الصادرات الصينية من كثب، والتي تُعدّ محركاً رئيسياً للنمو. وأضافت أن «هناك بعض المؤشرات المشجعة من سوق العقارات في المدن الكبرى».

وانتعشت أسهم شركات التكنولوجيا بشكل حاد بعد انخفاضها الخميس، حيث ارتفع مؤشر «تشاينكست» للشركات الناشئة في شنتشن ومؤشر «سي إس آي للإلكترونيات». وفي هونغ كونغ، صعد مؤشر «هانغ سينغ للتكنولوجيا»، في حين قفز مؤشر شركات تصنيع الرقائق.

• اليوان يتراجع

من جانبه، تراجع اليوان الصيني بشكل طفيف مقابل الدولار، الجمعة، حيث يتابع المتداولون من كثب المحادثات الأميركية - الإيرانية ومخاوف التضخم الناجمة عن الحرب والتي دفعت عوائد السندات الأميركية إلى الارتفاع.

وعلى المدى القريب، يتوقع المحللون أن يتذبذب اليوان مقابل الدولار، الذي تضاءلت جاذبيته مع انحسار التوترات في الشرق الأوسط، ولكنه يحظى بدعم من «الاحتياطي الفيدرالي» (البنك المركزي الأميركي) الذي يتبنى سياسة نقدية متشددة بشكل متزايد.

وأشارت شركة «نان هوا» للعقود الآجلة في مذكرة لها إلى أن «المضاربين على ارتفاع وانخفاض الدولار يحتدمون»، متوقعةً أن يتذبذب اليوان حول 6.8 يوان للدولار نتيجةً لذلك.

ويوم الجمعة، تم تداول اليوان في السوق المحلية عند 6.7998 يوان للدولار في تمام الساعة 03:35 بتوقيت غرينيتش، مسجلاً انخفاضاً طفيفاً عن إغلاق يوم الخميس. وقبل افتتاح السوق، حدد البنك المركزي الصيني سعر الصرف التوجيهي عند 6.8373 يوان للدولار، وهو أقل بقليل من مستوى الجلسة السابقة.

وكانت المحادثات الأميركية - الإيرانية محط الأنظار. فقد تمسكت واشنطن وطهران بمواقفهما المتعارضة، الخميس، بشأن مخزون طهران من اليورانيوم والسيطرة على مضيق هرمز، على الرغم من تصريح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بوجود «بعض المؤشرات الإيجابية» في المحادثات.

وأعلن بنك «تشاينا ميرشانتس» أن الدولار سيتلقى دعماً من استمرار الجمود في المفاوضات مع إيران؛ ما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط.

وقد دفعت تقارير التضخم الأميركية لشهر أبريل (نيسان)، التي فاقت التوقعات، عوائد السندات الأميركية إلى الارتفاع؛ إذ يتوقع المستثمرون أن يرفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة هذا العام بدلاً من خفضها.

لكن أسعار الفائدة الصينية لا تزال منخفضة. ويحوم فارق العائد على السندات الأميركية لأجل 10 سنوات مقابل السندات الصينية فوق أعلى مستوى له في 15 شهراً؛ ما يضغط على اليوان.

وقالت شركة «نان هوا فيوتشرز»: «أشار البنك المركزي الصيني إلى رغبته في الحفاظ على استقرار اليوان. ونتوقع أن يتحرك اليوان ضمن نطاق ضيق على المدى القريب».