ملف «الأموال المنهوبة» يتصدر جهود الانفراجة بين الجزائر وفرنسا

باريس أكدت أنها ستعالج بأولوية أكثر من 130 طلباً مع تعزيز التنسيق القضائي

رجال أعمال في السجن بتهم فساد (الشرق الأوسط)
رجال أعمال في السجن بتهم فساد (الشرق الأوسط)
TT

ملف «الأموال المنهوبة» يتصدر جهود الانفراجة بين الجزائر وفرنسا

رجال أعمال في السجن بتهم فساد (الشرق الأوسط)
رجال أعمال في السجن بتهم فساد (الشرق الأوسط)

في وقت تسعى فيه الدبلوماسية إلى تجاوز الخلافات بين الجزائر وباريس، يفرض ملف «الأموال والممتلكات المنهوبة» نفسه بصفته بنداً محورياً في المحادثات بين البلدين، ذلك أن القضاء الجزائري يلاحق منذ سنوات مسؤولين سابقين ورجال أعمال أدينوا بتحويل أموال عمومية طائلة نحو فرنسا، جرى تدوير جزء منها في استثمارات وعقارات فاخرة، وهي الأصول التي تطالب الجزائر باريس اليوم بمصادرتها وتسليمها لخزينتها.

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير العدل الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)

يشير الخطاب الفرنسي الرسمي، عقب زيارة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى الجزائر يومي الأحد والاثنين الماضيين، إلى تحوّل ملحوظ في طريقة تعاطي باريس مع العلاقات بين البلدين. فقد اتسمت تصريحات المسؤولين الفرنسيين، وعلى رأسهم دارمانان ووزير الداخلية لوران نونييز، بنبرة إيجابية تعكس رغبة واضحة في إعادة بعث التعاون بين البلدين، بعد فترة من التوتر والجمود.

تنسيق هادئ

خلال ظهوره على قناة «سي نيوز»، الثلاثاء، أكد جيرالد دارمانان أن استئناف التعاون القضائي مع الجزائر أصبح قراراً رسمياً، موضحاً أن زيارته للجزائر سمحت بإعادة تفعيل آليات «المساعدة القضائية المتبادلة»، التي ظلت معلّقة طوال فترة الأزمة السياسية بين البلدين.

وزير الصناعة سابقاً عبد السلام بوشوارب (الشرق الأوسط)

كما حملت تصريحاته مؤشرات مهمة بشأن ملف «الأموال والممتلكات المنهوبة»، إذ تعهد بالتعامل بجدية مع الطلبات الجزائرية المرتبطة بهذا الملف، مشيراً إلى أن أكثر من 130 طلباً ستُعالج بأولوية من قبل النيابة الوطنية المالية الفرنسية، مع تعزيز التنسيق القضائي، واستقبال قضاة جزائريين في فرنسا ضمن إطار التعاون المشترك.

وفي دلالة سياسية لافتة، أقر الوزير الفرنسي بحق الجزائر في طرح مطالبها على باريس، في اعتراف ضمني بأن التعاون بين الدولتين ينبغي أن يقوم على احترام متبادل بين دولتين لديهما سيادة.

كما عكست تصريحات دارمانان ابتعاداً نسبياً عن سياسة التصعيد والضغط، التي ارتبطت بخطاب وزير الداخلية السابق برونو ريتايو، مقابل تبني مقاربة أكثر هدوءاً وبراغماتية، تركز على النتائج العملية والتنسيق التقني، بعيداً عن الضجيج الإعلامي والمواجهة العلنية.

فندق في إسبانيا استعادته الجزائر بعدما كان مملوكاً لرجل أعمال أدانه القضاء بتهمة الفساد (صحف جزائرية)

من جهته، أكد نونييز، خلال ظهوره على قناة «بي إف إم تي في»، أن العلاقات بين الجزائر وفرنسا خرجت من حالة «الانسداد الكامل»، مشيراً إلى إعادة تفعيل قنوات التواصل المؤسساتي والتعاون الأمني والإداري بين البلدين، إضافة إلى استئناف تبادل المعلومات بين الأجهزة المختصة بوتيرة أكثر فاعلية. كما تم التفاهم على أهم الملفات خلال زيارته للجزائر في فبراير (شباط) الماضي.

الوجوه والأصول المستهدفة

رغم أن الهويات الدقيقة للأشخاص المستهدفين بالطلبات الخاصة بمصادرة الأموال ذات عائدات فساد، تُحاط بتكتم شديد من الناحيتين القانونية والدبلوماسية، فإن التقاطعات القضائية والإجراءات الجارية، زيادة على مستندات بهذا الخصوص بحوزة محامين جزائريين، تتيح تحديد ملامح وفئات الشخصيات المستهدفة بوضوح؛ وفي مقدمتهم كبار المسؤولين السابقين في عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019)، ما يُعرف في السردية الرسمية بـ«العصابة».

رئيس الحكومة سابقاً أحمد أويحيى (الشرق الأوسط)

وتتمحور الطلبات الجزائرية بشكل أساسي حول تفكيك العقارات والأصول المالية، التي راكمتها في باريس وجنوب فرنسا شخصيات مفتاحية من النظام السابق، ممن صدرت بحقهم أحكام قضائية في الجزائر بتهم الفساد، وتحويل الأموال بطرق غير مشروعة، وغسل الأموال.

وتضم هذه المجموعات رؤساء حكومات ووزراء سابقين من الشخصيات البارزة في تلك الحقبة، الذين يقضي بعضهم حالياً عقوبات سالبة للحرية في الجزائر، مثل الشبكات والأصول المرتبطة برئيسي الحكومة السابقين أحمد أويحيى وعبد المالك سلال، بالإضافة إلى وزراء سابقين تولوا قطاعات استراتيجية حساسة مثل الطاقة، والأشغال العمومية، والصناعة. ويبرز ضمن هذه المجموعة، الوزير السابق عبد السلام بوشوارب الذي تطالب الجزائر بترحيله من فرنسا وبالتحفظ على أملاكه. وكان القضاء السويسري قد جمد العام الماضي وديعة له، بقيمة 1.5 مليون يورو على أن يتم تسليمها للجزائر.

الجنرال غالي بلقصير قائد جهاز الدرك سابقاً محل أمر دولي بالاعتقال (الشرق الأوسط)

وتضم القائمة كبار رجال الأعمال وملاك مجمعات اقتصادية كبرى؛ وتستند الجزائر في مسعاها إلى تجارب نجاح سابقة، أبرزها استرجاع أصول الفندق الفخم الذي اشتراه رجل الأعمال الموقوف، علي حداد، في إسبانيا.

كما تتضمن الطلبات رجال أعمال وسياسيين، استثمروا بكثافة في العقارات الفاخرة بباريس وعبر شركات وهمية، يبرز من بينهم عمار سعداني، أمين عام «جبهة التحرير الوطني»، حزب السلطة سابقاً. إلى جانب مسؤولين عسكريين وأمنيين سابقين من جنرالات وقادة سابقين في الأجهزة الأمنية لتلك الفترة، وصدرت بحق بعضهم مذكرات توقيف دولية جرى تسليمها للسلطات الفرنسية، من بينهم قائد سلاح الدرك السابق الجنرال غالي بلقصير.

وتستهدف الطلبات الرسمية التي صاغتها وزارة العدل الجزائرية أصولاً عينية ومالية محددة بدقة على التراب الفرنسي، تتمثل في محلات وشقق تقع تحديداً في الدوائر الثامنة، والسادسة عشرة، والسابعة عشرة في باريس، بالإضافة إلى فيلات في منطقة «كوت دازور» بالجنوب الفرنسي.

عقبات قانونية

فيما يتعلق بمسألة تسليم المتهمين بالفساد، يطرح المحامي الجزائري والخبير في القانون الدولي، سفيان شويطر، المقيم في كندا تساؤلات حول طبيعة الإجراءات القضائية المتخذة. وتبقى العملية، حسبه، مرهونة، بالاجتهاد القضائي الفرنسي لا الجزائري، وبمدى قدرة الطرف الجزائري على تقديم أدلة دامغة، تثبت أن الأصول المراد حجزها ناتجة عن اختلاس المال العام، أو مرتبطة بعمليات فساد مالي يعاقب عليها القانون الفرنسي.

ويشير شويطر إلى أنه إذا توفرت هذه الآليات فإن الأمر سيتحول، حسبه، إلى معركة قضائية معقدة وشاقة، مؤكداً أن قانون الإجراءات الجزائية الجزائري، لا سيما تعديلاته الجديدة، قد يشكّل في حد ذاته عقبة قانونية، قد تدفع بعض المحاكم الأوروبية إلى رفض طلبات التسليم.

رئيس الحكومة سابقاً عبد المالك سلال (الشرق الأوسط)

ويستند هذا التوجه، وفق المحامي، إلى الاجتهاد القضائي للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، الذي يرفض طلبات التسليم أو الطرد، عندما تتوافر أسباب جدية تدعو إلى الاعتقاد بوجود «إنكار صارخ للعدالة»، خصوصاً إذا تمكن الشخص المطلوب، حسب شويطر، من الاستفادة من وسائل دفاع قانونية فعّالة، قادرة على استغلال هذه الثغرات.


مقالات ذات صلة

قائد الأركان الجزائري: التفوق العسكري لا يقاس بنوعية السلاح بل بالقدرة على الصمود

شمال افريقيا الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)

قائد الأركان الجزائري: التفوق العسكري لا يقاس بنوعية السلاح بل بالقدرة على الصمود

أكد الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الجزائري، أن التفوُّق العسكري الحقيقي لا يُقاس بنوعية السلاح فقط.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

باريس «مطمئنة» لطريقة تعامل الجزائر مع صحافي فرنسي مسجون لديها

قال وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، اليوم الثلاثاء، إنه «مطمئن جداً» إلى الطريقة التي يُعامل بها الصحافي كريستوف غليز في الجزائر حيث يُحتجز.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا رئيس هيئة الانتخابات يتابع إيداع قوائم الترشيحات (إعلام الهيئة)

«غربال النزاهة» يلاحق الأحزاب الجزائرية مع إغلاق قوائم الترشح للبرلمان

أغلقت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» في الجزائر، أمس الاثنين، عند الساعة صفر، باب إيداع ملفات الترشح للانتخابات التشريعية، المقررة يوم 2 يوليو المقبل

شمال افريقيا الوفدان الوزاريان بمقر وزارة العدل الجزائرية (الوزارة الجزائرية)

وزير العدل الفرنسي في الجزائر لإنهاء الجمود وترميم الثقة... وملفات ثقيلة على الطاولة

باريس : زيارة دارمانان «مهمة للغاية، سنحاول من خلالها تجديد أواصر الثقة مع الجزائر، فأمن فرنسا يمر عبر الجزائر والعكس صحيح».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

قطار التطبيع يتسارع بين باريس والجزائر بملفات الأمن والقضاء

«أولئك الذين لا يسعون إلا لاستفزاز الجزائر لا يفكرون في مصالح فرنسا، بل في مصالحهم الانتخابية».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

ليبيا تراهن على تعافي السياحة رغم الانقسام وإهمال الآثار

موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)
موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)
TT

ليبيا تراهن على تعافي السياحة رغم الانقسام وإهمال الآثار

موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)
موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)

تراهن السلطات في غرب ليبيا على تعافي القطاع السياحي، مستندة إلى ما تصفه بتحسن تدريجي في الأوضاع الأمنية وتطور في البنية التحتية، غير أن هذا الرهان لا يزال يصطدم بانقسام سياسي ومؤسسي، إلى جانب شكاوى كثيرة بشأن هشاشة أوضاع المواقع الأثرية والمتاحف التاريخية.

ويبدي نصر الدين الفزاني، وزير السياحة في حكومة «الوحدة» المؤقتة، تفاؤلاً بانتعاشة سياحية في البلاد، متحدثاً عن تحسن أمني منذ عام 2021، وتطوير الطرق والجسور والتوسع في المطارات، إلى جانب نمو الفنادق والمنتجعات والمرافق الترفيهية في عدد من المدن الليبية، بما أسهم في تنشيط الحركة السياحية، وفق تصريحات محلية أدلى بها مؤخراً.

الدبيبة خلال افتتاح المتحف الوطني في طرابلس ديسمبر الماضي (حكومة الوحدة)

لكن هذا التفاؤل يواجه، حسب متابعين للشأن الليبي، تحديات متراكمة، أبرزها الانقسام المؤسسي بين حكومتين ووزارتين للسياحة، إحداهما في غرب البلاد برئاسة الفزاني، والأخرى في شرقها برئاسة علي قلمة.

* غياب استراتيجية حكومية موحدة

ترى عضوة المؤتمر الوطني السابق نادية الراشد أن الحديث عن انتعاش القطاع السياحي في ليبيا لا يزال يقتصر على «مؤشرات تعافٍ جزئي ومحلي، وليس الازدهار السياحي المستقر والشامل على مستوى البلاد»، عادّةً أن أي تحسن يظل هشاً في ظل الأوضاع الراهنة.

وقالت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «غياب استراتيجية حكومية موحدة ومتكاملة في دولة تعاني الانقسام السياسي والمؤسسي، يجعل من الصعب تحقيق نهضة سياحية حقيقية ومستدامة»، مشيرة إلى أن «تعدد السلطات يعرقل التخطيط طويل المدى، ويضعف ثقة المستثمرين والسياح، فضلاً عن تأثيره السلبي على حماية المواقع الأثرية، وتطوير الخدمات والبنية السياحية».

واستقبلت ليبيا خلال الربع الأول من العام الحالي سياحاً من أكثر من 52 جنسية، حسب الوزير الليبي، الذي قال إن معدلات نمو الفنادق والمطاعم والمنتجعات تراوحت بين 50 و52 في المائة مقارنة بالعام الماضي. وأكد أن ليبيا تمتلك مقومات متنوعة تشمل السياحة الشاطئية والثقافية والصحراوية، فضلاً عن شريط ساحلي يمتد لأكثر من 1900 كيلومتر على البحر المتوسط.

تماثيل وتحف أثرية بمتحف شحات (وكالة الأنباء الليبية)

غير أن الأرقام الحكومية تشير أيضاً إلى أن عدد السياح الوافدين إلى ليبيا من مختلف دول العالم بلغ 1257 سائحاً، بارتفاع نسبته 60 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024، وفق «مركز التوثيق والمعلومات السياحي» (حكومي).

* ضعف الحماية ونقص التجهيزات

يتقاطع الطموح الليبي بإنعاش القطاع السياحي مع شكاوى كثيرة بشأن أوضاع مواقع أثرية في شرق البلاد وغربها، تتعلق بضعف الحماية ونقص التجهيزات، رغم ما تمثله من قيمة تاريخية عالمية، علماً بأن حكومة «الوحدة» افتتحت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي متحفاً وطنياً جديداً في العاصمة طرابلس.

ويبرز مثال مدينتي شحات وغدامس بوصفهما من أبرز المدن الأثرية في ليبيا والعالم العربي، لما تضمانه من إرث حضاري يمتد لآلاف السنين. فمدينة شحات، المعروفة تاريخياً باسم «قورينا»، كانت إحدى أهم مدن الحضارة الإغريقية والرومانية في شمال أفريقيا، وتضم معابد ومسارح ومواقع أثرية مدرجة على قائمة التراث العالمي، التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة.

واجهة معبد زيوس قرب مدينة شحات (أ.ف.ب)

غير أن المطالب لا تنقطع منذ عقود بإقامة متحف يليق بآلاف القطع الأثرية النادرة في شحات، التي تعود إلى عصور تاريخية مختلفة، والمحفوظة داخل مبنى ومخازن بدائية، تعود إلى الحقبة الإيطالية، وتفتقر إلى أبسط معايير الحماية، وفق ما قال عادل بوفجرة، مراقب آثار شحات.

وقال بوفجرة لـ«الشرق الأوسط»: «تفتقر صالة العرض والمخازن التي تضم تلك الآثار إلى أنظمة لمواجهة الحرائق أو الفيضانات، ما يجعل القطع الأثرية عُرضة للتآكل بفعل الرطوبة والحشرات والتقلبات الجوية». مشيراً إلى «أهمية توفير بوابات إلكترونية وأنظمة مراقبة حديثة لحماية هذه الآثار، خصوصاً في ظل القيمة التاريخية الكبيرة للمقتنيات الموجودة بالموقع».

قطعة أثرية من الموزاييك في الموقع الأثري سيرين قرب شحات (أ.ف.ب)

وذهب بوفجرة إلى أن إنشاء متحف أثري حديث لم يعد مطلباً ثقافياً فحسب، بل «ضرورة وجودية» لحماية إرث تاريخي، يمكن أن يسهم في دعم التنمية المستدامة، وتنشيط السياحة الثقافية بالمنطقة، داعياً الدولة إلى تحمل مسؤولياتها الكاملة تجاه آثار شحات وصونها للأجيال المقبلة.

أما غدامس، الملقبة بـ«لؤلؤة الصحراء»، التي تشتهر بعمارتها الصحراوية التقليدية وواحاتها التاريخية، فما تزال تحاول التعافي من خروجها من قائمة التراث العالمي المعرض للخطر العام الماضي، وذلك بعد ستة أعوام من إدراجها، فيما تستمر الشكاوى من نقص البنية الأساسية، مقابل وعود حكومية بالتطوير.

* تحديات بالجملة

ينقل رئيس «جهاز تطوير غدامس»، عبد السلام هيبة، لـ«الشرق الأوسط» جانباً من هذه التحديات، قائلاً إن «متحف غدامس الأثري، المقام داخل قلعة قديمة، يحتاج إلى إعادة تأهيل وتطوير للحفاظ على مقتنياته التاريخية». موضحاً أن مشروع تطوير المتحف أُدرج ضمن خطط الجهاز لعام 2026، في حال توفر التمويل اللازم، ومشيراً إلى أن «البدء في هذا المشروع أصبح ضرورة ملحة تخدم أيضاً أهداف التنمية المستدامة في البلاد».

يُشار إلى أن جذور المتحف تعود إلى عام 1928 إبان الوجود الإيطالي، بينما يرجع مبناه الحالي إلى العهد العثماني قبل إعادة تصميمه لاحقاً على هيئة قلعة، ويضم نحو 365 قطعة أثرية، بينها أدوات من العصر الحجري ومخطوطات نادرة ومحنطات لحيوانات وطيور.

وفي بنغازي كذلك، تقول مراقبة الآثار إن المدينة تفتقر إلى متحف وطني حديث، يحتضن موروثها التاريخي، عادّةً أن إنشاء صرح ثقافي متخصص أصبح «ضرورة ملحة» لحفظ القطع الأثرية وإتاحتها للباحثين والزوار.

في المقابل، أقرّ وزير السياحة بحكومة «الوحدة» بوجود تراجع في مستوى التنسيق مع مصلحة الآثار، منذ فصلها عن الوزارة عام 2013 وإلحاقها بمجلس الوزراء، موضحاً أن وزارته لم تعد تملك صلاحيات مباشرة داخل المدن الأثرية، ما أدى إلى تعطّل بعض ملفات تطوير المواقع التاريخية، في حين تقتصر مهامها على الترويج السياحي، بينما تتولى مصلحة الآثار أعمال الترميم والصيانة.

أعمدة أثرية بضواحي مدينة سوسة (أ.ف.ب)

غير أن نادية الراشد لا ترى حلاً شاملاً سوى «توحيد البلاد تحت حكومة واحدة ومؤسسات موحدة، وإطلاق إصلاح إداري شامل، بوصف ذلك شرطاً أساسياً لوضع استراتيجية تنمية مستدامة حقيقية»، عادّةً أن الوضع القائم «يعرقل التخطيط طويل المدى، ويضعف فاعلية السياسات العامة».

وانتهت إلى التأكيد على أن «توحيد القرار السيادي والمؤسساتي هو المدخل الضروري لإنقاذ القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها السياحة والآثار، وتحويلها إلى رافعة اقتصادية وتنموية مستدامة».


المعارضة الصومالية تُصعد احتجاجاتها ضد الرئيس والحكومة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

المعارضة الصومالية تُصعد احتجاجاتها ضد الرئيس والحكومة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

توترات سياسية تتصاعد في الصومال، مع إعلان المعارضة اعتزامها الاحتجاج أسبوعياً بعد انتهاء عيد الأضحى، وسط مطالبات أممية وأوروبية بالتوصل لحل سياسي عبر الحوار.

اللجوء للاحتجاجات بعد نحو أسبوع من تعثر جولة الحوار بين الحكومة والمعارضة، يراه خبراء في الشؤون الأفريقية والصومالية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، توسيعاً للضغوط من المعارضة قد تصاحبه تدخلات دولية، متوقعين 3 سيناريوهات بينها التسوية أو الصدام.

وأعلن «مجلس الإنقاذ المعارض» في الصومال بدء احتجاجات أسبوعية في مقديشو اعتباراً من 4 يونيو (حزيران) المقبل، تُعقد كل خميس حتى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن انتخابات البلاد، التي تجري عبر التصويت المباشر لأول مرة منذ عقود، وهو المسار الذي تتحفظ عليه المعارضة.

جاء هذا الإعلان عقب مؤتمر صحافي عقده قادة المعارضة في مقديشو، من بينهم الرئيس الصومالي السابق شريف شيخ أحمد، والنائب عبد الرحمن عبد الشكور، ورئيس الوزراء السابق حسن علي خيري، وعدد من أعضاء المعارضة، بحسب ما نقله إعلام صومالي، الأربعاء.

وقال شريف شيخ أحمد، إن ولاية الرئيس حسن شيخ محمود والحكومة والبرلمان قد انتهت، مؤكداً أن «أي انتخابات تُجرى دون اتفاق لا يمكن أن تكون شرعية بالكامل»، لافتاً إلى أن «الجهود بُذلت الأسبوع الماضي للتوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الانتخابات، لكنها لم تُكلل بالنجاح، فلا يمكن إدارة الانتخابات من قِبل حزب واحد، بل يجب الاتفاق على اللجان والإجراءات والتوقيت».

وبحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الصومالية»، السبت الماضي، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي، وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً، وذلك بعد أيام من انتقاده دعوة المعارضة لاحتجاجات «يوم انتخابات في ولاية جنوب غربي الصومال»، ودعاها وقتها إلى «طرح رؤية سياسية بدلاً من التحريض على الفوضى».

وقال «مجلس مستقبل الصومال» في بيان، إن المحادثات التي جرت بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة في مقديشو في الفترة من 13 إلى 15 من الشهر الجاري، «انتهت دون نتيجة حاسمة، بعد فشل التوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الانتخابات، والدستور، وعملية الانتقال السياسي».

ووفق البيان الصادر عن المجلس، فإن شيخ محمود يُعد «رئيساً سابقاً»، وعلى قوات الأمن الاضطلاع بواجباتها الدستورية، وعدم تلقي «أوامر تنفيذية» منه.

ولم تذهب الحكومة للإقرار بفشل جولة مقديشو، لكنها أكدت التزامها بتنفيذ انتخابات مباشرة وفق نظام «صوت واحد لكل شخص»، فضلاً عن «استمرار انفتاحها على الحوار، والتشاور مع مختلف الأطراف الوطنية بشأن القضايا المرتبطة بالعملية الديمقراطية في البلاد».

الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، الدكتور عبد الله أحمد إبراهيم، يرى أن هذه هي المظاهرة الرابعة التي أعلنت عنها المعارضة، حيث فشلت المظاهرات الثلاث السابقة بسبب نقص الاستعداد من جانبها، وهناك نقص في التمويل، بالإضافة إلى استعداد الحكومة لمنعها من التحرك، متوقعاً في سيناريو أول، أن «تفشل هذه المظاهرات مجدداً».

ويوضح، أن الاحتجاجات التي تخطط لها المعارضة الشهر المقبل ستختلف عن الاحتجاجات السابقة، ما لم يتم التوصل لتفاهمات مع الحكومة، متوقعاً حدوث صدامات وتوقيفات.

بينما قال المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، إن إعلان «مجلس الإنقاذ» تنظيم احتجاجات أسبوعية، يعني أن الأزمة السياسية انتقلت من مرحلة الخلاف السياسي المغلق إلى مرحلة الضغط الشعبي والميداني، وهذا يفتح عدة سيناريوهات محتملة، أولها التسوية السياسية، وهي الأقل تكلفة والأكثر حاجة للبلاد، لافتاً إلى أنه قد تنجح الضغوط الداخلية والدولية في دفع الحكومة والمعارضة إلى الاتفاق على إطار انتخابي مؤقت، وتشكيل لجنة توافقية لإدارة الانتخابات، أو إعادة صياغة الجدول الانتخابي.

يضاف لذلك بحسب بري، سيناريو التصعيد السياسي والأمني، إذا خرجت الاحتجاجات عن السيطرة أو تم التعامل معها أمنياً بعنف، مع احتمال دخول البلاد مرحلة أكثر خطورة، تشمل انقساماً سياسياً أوسع وتوتراً أمنياً في العاصمة، واستغلال الجماعات المسلحة لحالة الانقسام.

ويبقى سيناريو إدارة الأزمة دون حل جذري، هو السيناريو الأكثر تكراراً في السياسة الصومالية منذ 2000، حيث تستمر الاجتماعات والحوارات وتؤجل القرارات الحاسمة مع الوصول إلى تفاهمات مؤقتة، وبقاء جذور الأزمة دون معالجة.

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» (وكالة الأنباء الصومالية)

وعبَّرت بعثة الأمم المتحدة في الصومال، الأسبوع الجاري، عن أسفها لانتهاء المحادثات السياسية بين الأطراف الصومالية دون نتيجة، ودعت إلى تجنب أي إجراءات قد تزيد من حدة الانقسامات، مؤكدة، استعدادها لمواصلة دعم الجهود الرامية إلى حل الخلافات بين القادة السياسيين.

وناقشت سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى الصومال، فرانشيسكو دي ماورو، مع الرئيس حسن شيخ محمود في مقديشو «الوضع السياسي في الصومال، واتفقا على أهمية الحوار وبناء التوافق لتعزيز الحكم ودعم الاستقرار طويل الأمد»، بحسب بيان أوروبي، الثلاثاء.

بالتزامن أفاد بيان صادر عن الأمم المتحدة، بأن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، يتابع عن كثب الوضع في الصومال، وحث الجانبين على الانخراط في مناقشات لتحقيق نتائج إيجابية.

ويرى إبراهيم، أن «المجتمع الدولي لم يستسلم بعد، لكن النجاح أو الفشل يرتبط بإرادة الطرفين، ولا توجد أي إشارات إيجابية منهما، وبالتالي سننتظر نتائج الاحتجاجات إن لم يتنازل أحد الطرفين للآخر قبلها».

ويعتقد بري، أن المجتمع الدولي ما زال يملك أدوات ضغط مهمة على الأطراف الصومالية، لكن نجاحه هذه المرة ليس مضموناً لعدة أسباب، أبرزها تراجع فعالية الوساطة التقليدية مع فشل جولة 13 مايو (أيار) الجاري التي شارك فيها مسؤولون أميركيون وبريطانيون. ويرى أن الحل الحقيقي يحتاج إلى تنازلات متبادلة، واتفاق على قواعد اللعبة السياسية وإدارة مسؤولة للمرحلة الانتقالية.


قوات من شرق وغرب ليبيا تشارك في مناورات عسكرية في تركيا

سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس 2026» في غرب تركيا التي تشارك فيها قوات ليبية (وزارة الدفاع التركية - إكس)
سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس 2026» في غرب تركيا التي تشارك فيها قوات ليبية (وزارة الدفاع التركية - إكس)
TT

قوات من شرق وغرب ليبيا تشارك في مناورات عسكرية في تركيا

سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس 2026» في غرب تركيا التي تشارك فيها قوات ليبية (وزارة الدفاع التركية - إكس)
سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس 2026» في غرب تركيا التي تشارك فيها قوات ليبية (وزارة الدفاع التركية - إكس)

أكدت تركيا أنها ستواصل نهجها في تقديم الدعم لليبيا في إطار مبدأ «جيش واحد، ليبيا واحدة» ودعم تحقيق وحدة وتضامن وسلام واستقرار البلاد، غرباً وشرقاً، استناداً إلى الحوار والتوافق.

وأعلنت وزارة الدفاع التركية عن مشاركة 502 من عناصر القوات الليبية؛ 331 من شرق البلاد (الجيش الوطني الليبي)، و171 من غربها (قوات حكومة الوحدة الوطنية) في مناورات «أفس-2026» الجارية في إزمير (غرب تركيا)، التي تأتي في أعقاب تمرين «فلينتلوك-2026» للقوات الخاصة متعددة الجنسيات، التي أجريت في ليبيا وكوت ديفوار الشهر الماضي، وشاركت فيه قوات ليبية بدعم تركي.

وقال المتحدث الإعلامي باسم الوزارة، زكي أكتورك، في إفادة صحافية، الأربعاء، إن هذه هي المشاركة الخارجية الأولى للجيش الليبي، وقد جاءت من خلال مناورات «أفس-2026».

أحد تدريبات إطلاق الصواريخ في إطار مناورات «أفس 2026» في تركيا (وزارة الدفاع التركية - إكس)

وأضاف المتحدث، موضحاً أن الجنود الليبيين، الذين يشاركون تحت علم ليبيا الموحدة، يتلقون تدريبات في مجالات القوارب والزوارق والألغام والعبوات الناسفة، والتحصينات وعمليات القوات الخاصة ووحدات الدعم الجوي والبري، والإسعافات الأولية والعلاج الطبي والعمليات البرمائية، وأنظمة الاتصالات والإلكترونيات العسكرية والبحث والإنقاذ في حطام المعارك.

وتابع أكتورك مبرزاً أن القوات المسلحة التركية تتخذ خطوات ملموسة في ليبيا نحو تحقيق هدف «ليبيا واحدة، جيش واحد»، من خلال دعم الأنشطة الجارية، وتساهم هذه الجهود التي تُنفذ بمساهمات تركية، بشكل كبير، في تطوير التنسيق والتناغم العملياتي بين الأطراف.

وجمع تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي سبق مناورات «أفس 2026» عناصر من قوات العمليات الخاصة من دول صديقة وحليفة، ما يُظهر دعماً قوياً لسيادة ليبيا واستقلالها.

وقال أكتورك، في وقت سابق، إن التمرين ساهم في تطوير القدرات العملياتية المشتركة، لافتاً إلى مشاركة تركيا الفعّالة في التدريبات، التي أُجريت في ليبيا وكوت ديفوار، وأن نائب رئيس الأركان العامة للجيش التركي حضر افتتاحه الذي أُقيم في ليبيا كضيف شرف، وكجزء من التدريب، أقلعت طائرة مسيرة من طراز «أكسونغور» وأخرى من طراز «أكينجي» من دالامان في تركيا، ونُقلتا إلى ليبيا عبر رحلة جوية عابرة للقارات.

وقالت وزارة الدفاع التركية إن التمرين، الذي جمع عناصر من القوات الخاصة للدول الصديقة والحليفة (30 دولة)، واصل الإسهام في تطوير القدرات العملياتية المشتركة، إلى جانب تقديم دعم قوي لسيادة ليبيا واستقلالها.

وأضافت: «في المرحلة البحرية من التمرين، نُفذت في 18 أبريل (نيسان) تدريبات الإنزال بالحبال من المروحية في ميدان التدريب البحري بمدينة سرت، بمشاركة مروحية (إس إتش-70)، المتمركزة على متن الفرقاطة التركية (تي جي جي غاليبولو)، وفريق (سات) العامل على متنها». وأشارت إلى إجراء تدريبات «ضبط السفن والسيطرة عليها» في 19 أبريل بمشاركة فريق «سات» وعناصر ليبية.

عملية إنزال جنود في إطار تمرين فلينتوك للقوات الخاصة متعددة الجنسيات الذي شاركت فيه قوات ليبية بدعم تركي (وزارة الدفاع التركية - إكس)

و«فلينتلوك» هو تمرين عسكري سنوي تقوده القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» منذ عام 2005، ويهدف إلى تعزيز قدرات القوات المسلحة للدول المشاركة في مكافحة الإرهاب وحماية الحدود، وهو أكبر تمرين للقوات الخاصة يُجرى في القارة، ويركز على بناء الشراكات بين القوات الأفريقية والولايات المتحدة والشركاء الدوليين الآخرين.

وإجمالاً، قال أكتورك إنه تم، حتى الآن، تدريب أكثر من 23 ألف عسكري ليبي (وبخاصة من قوات حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا) في مراكز تدريب في كل من تركيا وليبيا، وبالإضافة إلى ذلك، تستمر أنشطة الدعم بحزم في مجالات متعددة، مثل إزالة الألغام والعبوات الناسفة والذخائر غير المنفجرة، فضلاً عن مكافحة التهريب والهجرة غير الشرعية والإرهاب.